48/05/02
موضوع: التفسير/المعاد /حجية التواتر الغيبي وإثبات الإمامة الكبرى للأربعة عشر معصوماً
برهان الرجعة وتجربة الموت وحجية التواتر في الغيبيات
قد مرَّ بنا أنَّ سورة البقرة تستعرض الرجعة في الأمم السابقة بوصفها واقعةً تاريخيَّةً تحقَّقت مسبقاً، وتستدلُّ بوقوعها على إمكان المعاد الجسمانيِّ في القيامة الكبرى؛ كما أنَّ ثمَّة سوراً أخرى، كسورة الكهف، تستدلُّ بواقعةٍ متواترةٍ عند البشر، وهي قضيَّة أصحاب الكهف الذين لم يكونوا أمواتاً بالموت الاصطلاحيِّ، بل كانوا رقوداً، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾[1] . غير أنَّ هذا الرقود ليس نوماً طبيعيّاً معتاداً ولا هو موتٌ حقيقيّ، بل حالةٌ تكوينيَّةٌ من نمطٍ آخر؛ إذ يصفهم القرآن الكريم بقوله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ ، فرائيهم يظنُّهم أيقاظاً، في حين أنَّهم في واقع الأمر رقود، ولم يعبّر عنهم القرآن الكريم بأنَّهم موتى بالمعنى المصطلح للموت.
وحيث إنَّ القرآن الكريم يستدلُّ بحصول الرجعة أو ما يماثلها، فإنَّه يمكن الاستشهاد في هذا المضمار بـ«تجربة الموت» المتكرِّرة لدى ملايين البشر؛ إذ يقضي الأطبَّاء بموت إنسانٍ ما، فيُودَع في ثلاجة الموتى، ثمَّ بعد الشروع في إجراءات دفنه تعود الحياة إليه بغتةً بعدما عاين عوالم غيبيَّةً أخرى. وتلك الحالات ليست ضرباً من المبالغة أو الادِّعاء، بل غدت موضوع بحثٍ أكاديميٍّ رصينٍ في علوم النفس والأنثروبولوجيا والروح في كبرى جامعات الشرق والغرب، وقد أُطلق عليها اصطلاحاً «تجربة الموت»؛ نظراً إلى أنَّ صاحبها لا يستقرُّ في عداد الموتى، بل يؤوب إلى الحياة الدنيويَّة بعد خوض تلك النشأة.
والشاهد فيه: أنَّ حالات تجربة الموت تتنوَّع إلى أنماطٍ كثيرةٍ لا تقع تحت حصر، وقد أُلِّفت في شتَّى البلدان موسوعاتٌ توثِّق إفادات أولئك الأشخاص؛ وجُلُّهم من عامَّة الناس الذين لم يسبق لهم السماع بمثل هذه التجربة ولا بمضامين المشاهدات البرزخيَّة، فغدت شهاداتهم تلك بمنزلة الحجَّة الإلهيَّة القاطعة على وجود عوالم وراء هذه المادَّة؛ ومردُّ ذلك إلى أنَّ التواتر في الإخبارات الغيبيَّة ينهض برهاناً عقليّاً صادقاً، كما قرَّره العلَّامة المجلسيِّ[2] .
ويتفرَّع على ذلك: أنَّ مفهوم التواتر في الغيبيَّات يتجلَّى بأجلى صوره في إخبارات الأنبياء (عليهم السلام)؛ فبمعزلٍ عن براهينهم العقليَّة ومعاجزهم الإلهيَّة، نجد أنَّ انتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها عبر حقبٍ زمنيَّةٍ متطاولة يمنع عقلاً وعادةً تواطؤهم على أمرٍ واحدٍ من نسج الخيال.
ومثال ذلك: أنَّ النبيَّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) لم تكن بينه وبين أسلافه من الأنبياء رابطةٌ حسيَّة ولا صلة، وإن ادَّعى متكلِّفٌ اطلاعه على معارف أهل الكتاب إبَّان سفرته إلى الشام، فإنَّ ما نزل عليه في القرآن الكريم جاء مصحِّحاً ومخطِّئاً لما في التوراة والإنجيل المحرَّفين، وكاشفاً لما كان يكتمه الأحبار والرهبان، كمسألة التثليث، فبطل بذلك احتمال الاقتباس منهم جملةً وتفصيلاً.
والنتيجة: أنَّ التوافق الحاصل بين إخبارات الأنبياء يمتنع أن يكون وليد الصدفة والاتِّفاق، كما يستحيل أن يكون ناشئاً عن التواطؤ، الأمر الذي يثبت أنَّ التواتر في المكاشفات النبويَّة برهانٌ غيبيٌّ تامُّ الحجيَّة.
والحاصل: أنَّ حجيَّة التواتر لا تنحصر في نطاق الإدراك الحسيِّ ومشاهداته، بل تمتدُّ لتشمل الإخبار عن المشاهدات الوجدانيَّة والغيبيَّة أيضاً.
نكتة: إنَّ في التواتر لطيفةً دقيقة، وهي أنَّه لا ينحصر في نطاق الإدراك الحسّيّ، بل يتعدّاه ليشمل الإدراك الوجدانيّ والغيبيّ والملكوتيّ؛ وقبل أن يُقرّر ذلك العلّامة المجلسيّ نجد مَن سبقه من الأعلام قد نبّه عليه، بل قبل هؤلاء جميعاً صدع به القرآن الكريم في تأكيده على برهان التواتر: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾[3] . والعلّة الملحوظة في قوله سبحانه: ﴿تَتْرَىٰ﴾[4] هي أنَّ هذا التواتر يمتنع فيه التواطؤ على الكذب عقلاً، كما تمتنع فيه الصدفة والخطأ والاشتباه، ويسدّ منافذ الاحتمالات المعارِضة كافّة، فلا يبقى بعد ذلك إلا أن يكون برهاناً صادقاً كاشفاً عن الغيب.
والحاصل: أنَّ التواتر في المكاشفات حجّةٌ تامّةٌ متى ما استجمعت شرائط التواتر؛ وهي امتناع التواطؤ على الكذب، وامتناع الاشتباه، وامتناع الاتفاق والصدفة. وإذا تقرّر ذلك، فإنَّ تواتر شهادات وإخبارات مَن خاضوا «تجربة الموت» يُعدّ برهاناً عقليّاً فطريّاً على ثبوت العوالم الغيبيّة، وعلى أنَّ الإنسان حين تفارقه الحياة لا تتبدّد روحه ولا تفنى، بل يُبعث كينونةً في جسمٍ برزخيّ.
ويتفرّع على ذلك: أنَّ الموت في حقيقته نوعٌ من أنواع الرجعة، سواءٌ استغرق ذلك الموتُ أياماً أو أسابيع أو امتدّ لحظاتٍ يسيرة، فالمآل المنطقيّ يقتضي كونه ضرباً من ضروب الرجعة، ممّا يبرهن على أنَّ الرجعة ليست انقطاعاً تامّاً للروح عن التعلّق بالبدن، كما أنَّ مقتضى بيان الوحي صريحٌ في أنَّ الموت ليس انقطاعاً واضمحلالاً؛ ومن ثَمَّ فإنَّ إحدى حُزَم البراهين الوثيقة التي يُقيمها القرآن الكريم على المعاد الجسمانيّ هي واقعة الرجعة، إلى جانب طائفةٍ من البراهين القرآنية الأخرى القائمة على إثبات المعاد الأكبر.
قراءة العوالم السابقة ومسألة تجرد الروح والجسم اللطيف
تنبيه: قد مرّ بنا أنَّ ثمّة تبايناً بين الشيخ الصدوق والحرّ العامليّ وجماعةٍ من الأعلام في كيفيّة القراءة العقليّة للعوالم الخمسة؛ إذ ذهب الشيخ المفيد والسيّد المرتضى والشيخ الطوسيّ وجمعٌ من متكلّمي الإمامية إلى تأويل الأدلّة المتضافرة الواردة في «عالم الذرّ» من الآيات والروايات، وأوّلوا نصوص عوالم الميثاق والطينة والأشباح والأظلّة بحملها على غير ظاهرها، على الرغم من أنَّ ظاهرها يقتضي كون الإنسان كائناً متحقّقاً له نشآتٌ متقدّمة، وأنَّ ثمّة كثرةً روحيّةً للإنسان في تلك العوالم.
وسبب التأويل عندهم: ابتناء موقفهم على قاعدةٍ فلسفيّةٍ تقتضي بأنَّ «المجرّد لا يمكن أن يتكثّر عَرْضاً»[5] [6] ، وتكثّر الإنسان يُعدّ كثرةً عَرْضيّةً ترجع في مآلها إلى كثرةٍ طوليّة.
مناقشة الدليل: إنَّ أصل مدّعاهم الكلّيّ الكبرويّ تامٌّ وصحيح؛ إذ إنَّ المجرّد التامّ عن المادّة والجسم يستحيل أن يتكثّر عَرْضاً، وإنّما يصحّ تكثّره طُولاً بغير جسم، فالكثرة العَرْضيّة ممتنعةٌ من دون مادّةٍ جسمانيّة، وهذا البيان متينٌ عقليّاً وكبرويّاً.
والإشكال فيه: يكمن في تطبيقهم لهذه الكبريات العقليّة على حقيقة الأرواح؛ فإنَّ هذا الإنزال والتطبيق ليس في محلّه، نظراً إلى أنَّ الروح — كما فصّلتها بيانات الوحي — جسمٌ لطيف، وليست جوهراً مجرّداً تجرّداً تامّاً عن مطلق الأجسام، ومن هنا تسلّل الاشتباه؛ فالروح مجرّدةٌ عن كثافة الجسم الغليظ فحسب، وهذا مسلَّم، وربّما تكون «الروح الأمريّة» ألطف رتبةً وأعظم تجرّداً حتى عن سائر الأجسام اللطيفة، غير أنَّ الجسم النوريّ متحقّقٌ وله أبعاده الوجوديّة.
والشاهد عليه: أنَّ سيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) شهد وعاين في المعراج الهياكل الجسمانيّة النوريّة لأهل البيت حتى نفسه الشريفة (صلّى الله عليه وآله)، فرأى أربعة عشر نوراً، لا اثني عشر ولا ثلاثة عشر، وتلك هي الدائرة الاصطفائيّة الأولى. وهذه الروايات المتضافرة في شهود النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لهياكل النور — ومنها قوله (عليه السلام): «خَلَقَكُمُ اللهُ أَنْوَاراً فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ»[7] [8] — نصوصٌ مستفيضةٌ تقرب من التواتر بين الفريقين، وليست حكراً على طرقنا الخاصّة، بل تشتمل متونها على توصيف الأربعة عشر جميعاً بمقام الإمامة، وفيهم الصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فيكون هذا دليلاً متواتراً صريحاً في إثبات إمامة فاطمة (عليها السلام).
والقاعدة هنا: مطابقةٌ لما تمثّل به القائل: «فَقُلْ لِمَنْ يَدَّعِي فِي العِلْمِ فَلْسَفَةً حَفِظْتَ شَيْئاً وَغَابَتْ عَنْكَ أَشْيَاءُ»[9]
والنتيجة: أنَّ المسلك المعتمد عند الشيخ المفيد وسائر المحقّقين لا يقتصر على التمسّك بتواترٍ واحدٍ مفرد، بل يجمع أطراف التواترات كلّها؛ فإذا كان محطّ البحث ناظراً إلى الأئمّة الذكور بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فالحصر ينعقد في اثني عشر إماماً، بيد أنَّ الإحصاء التامّ يتجلّى حين يُلحظ المجموع الكلّيّ لأهل البيت (عليهم السلام) جميعاً.
حصر الأئمة الاثني عشر واستيعاب الأربعة عشر معصوماً
إنَّ عنوان “الفرقة الاثني عشريّة” مقيَّدٌ بذكر الأئمّة الهداة بعد النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فمع إدخال النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) تختصُّ الدائرةُ باثني عشر إماماً بعده، فهل يسوغ إغفالُ هذا القيد والاقتصارُ على الحصر في الذكور حصراً، أم إنَّ المطلوب استيعابُ مجموع أهل البيت (عليهم السلام)؟ ومجموعُ أهل البيت يبلغ أربعة عشر معصوماً، ولا ريب في بطلان حصر أهل البيت في اثني عشر وإخراج سيّدهم وسيّدة النساء منهم؛ فالحاصل أنَّ عدَّتهم أربعة عشر، ومن حصرهم في الاثني عشر فقد حفظ شيئاً وغابت عنه تواترات.
وقد استفاضت الروايات الشريفة بل تواترت عند الفريقين في المعراج؛ ففي الحديث القدسيّ: «يَا مُحَمَّدُ، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهُمْ؟»[10] [11] ، وفيه أيضاً الإشارة إلى الأئمّة، وأنَّ: «المَهْدِيَّ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نُورٍ… كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ»[12] ، وهي نصوصٌ متواترةٌ متطابقة بين طُرُق الفريقين، تشتمل على وصف الأربعة عشر جميعاً بالإمامة والحجيّة، بما يتناول الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام).
فإن قيل: أين هذه النصوص الدالّة على إمامتها؟
قلنا: إنَّها مبثوثةٌ في جوامع الفريقين، غير أنَّ المتأخّرين حَفِظوا جانباً وغَفَلوا عن جوانب أُخَر؛ فلا منافاة بين التواتر الدالّ على الأئمّة الاثني عشر بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين التواتر الدالّ على إمامة الأربعة عشر بأسرهم.
والقاعدة هنا: أنَّ منهج الشيخ المفيد والشيخ الطوسي (رحمهما الله) وأعلام الإماميّة لا يقتصر في التأسيس العقديّ على تواترٍ واحدٍ مجتزأ، بل يبتني على ضمّ التواترات وتأليفها؛ إذ لا يستقيم التديّن بأحد التواترين مع إغفال التواتر الآخر المقابل له[13] .
المقامات القرآنية وإثبات إمامة فاطمة الزهراء (عليها السلام)
ومقتضى ذلك أنَّ كلَّ نصٍّ قرآنيٍّ تضمّن الدلالة على إمامة أهل البيت ومراتبهم العُليا بغير مادّة الإمامة صراحةً، فإنَّ فاطمة (عليها السلام) داخلةٌ فيه بضرورة جميع المسلمين، وتكون بموجب ذلك ثالث المعصومين رتبةً بعد النبيِّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فكيف يصحُّ الغفولُ عن هذه الحقيقة القرآنيّة الدامغة؟!
ومثال ذلك:
• آية التطهير: وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[14] ؛ حيث جاءت الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) ثالثاً بعد النبيِّ والوصيِّ، ويليهما السبطان الحسن والحسين (عليهما السلام) ثمَّ التسعة من ذرّيّة الحسين.
• آية الفيء: في قوله سبحانه: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ…﴾[15] ؛ فإنَّ فاطمة (عليها السلام) ثالثة القوم بعد الرسول المصطفى والوصيّ المرتضى (عليهما السلام).
• أحاديث سيادة أهل الجنة: فإنَّ فاطمة (عليها السلام) هي ثالث السادات بعد رسول الله وسيّد الأوصياء.
وقد يعتريه التعجّب فيتساءل: ما المعنى المحصَّل من كونها (عليها السلام) “سيّدة النساء”؟
والجواب: أنَّ السيادة هاهنا تعني إمامة النساء؛ فكما تتقرّر إمامة الرجال في الخصوصيّات الرجاليّة، تلزم إمامة النساء في الخصوصيّات النسائيّة، فإمامتها (عليها السلام) إمامةٌ شاملة للنساء، بل هي إمامةٌ للرجال أيضاً في البُعد الإنسانيّ المشترك بين الجنسين، فتكون إماماً للرجال والنساء معاً؛
والشاهد فيه: ما خاطبها به أبو بكر مقرّاً ومحتجّاً بما سمعه: «وَأَنْتِ سَيِّدَةُ أُمَّةِ أَبِيكِ»[16] ، وهو اعترافٌ صريحٌ باستيعاب سيادتها لعموم الأمّة رجالاً ونساءً.
وكذلك بيّن القرآن الكريم هذا المعنى في شأن آسية بنت مزاحم ومريم العذراء (عليهما السلام)؛ في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ… * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ…﴾[17] ، فقد جعلهما الله قدوةً ومَثَلاً لعموم المؤمنين -بما فيهم الرجال- في البُعد الإنسانيّ المشترك.
وأمّا في البُعد النسويّ المختصّ، فهذا هو المعنى الدقيق لإمامة فاطمة (عليها السلام)؛ إذ كيف يُتصوَّر جعلُ أمير المؤمنين (عليه السلام) أُسوةً مباشرة في الجانب النسويّ الصرف؟ وهل يُعقل نصبُ رجلٍ ليكون حجّةً عينيّة ومثالاً في الخصوصيّات النسويّة المحضة؟! فالإمام عليٌّ (عليه السلام) حجّةٌ في المشترك الإنسانيّ، أمّا في الوظائف والأحوال النسويّة المختصّة كالعفّة، والطهور، والحجاب، والتوازن الدقيق بين مقتضيات العاطفة والتربية ومسالك العلم، فيتعيّن تكويناً وتشريعاً وجودُ امرأةٍ معصومةٍ تكون هي السيّدة والإمام المقتدى بها؛ فمعنى “سيّد الرسل” إمام الرسل، ومعنى “سيّد الأوصياء” إمام الأوصياء، ومعنى “سيّدا شباب أهل الجنّة” إمامان، ومآل “سيّدة النساء” إمام النساء؛ فإنَّ السؤدد ضربٌ من الإمامة، ومدلوله الحقيقيّ هو الريادة والقيادة والاتّباع، والسيّد هو الإمام المفترضُ طاعتُه والاقتداء به.
والإشكال في هذا الباب: ناشئٌ من تضييق دائرة الفهم وحبس النظر في الألفاظ المجردة، في حين أنَّ القرآن الكريم استعمل في بيان إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ومقاماتهم ما يقرب من خمسين إلى مئة لفظٍ ومرادفٍ يُعطي مؤدّى الإمامة وحقيقتها؛ فلا مساغ إذن للتعجّب من إمامة الصدّيقة الطاهرة (عليها السلام)، إذ قد نُصَّ عليها بلسان السيادة العظمى، وبدلالة آية التطهير، وآية الفيء، حتى إنَّ الأئمّة الأحد عشر من وُلدها إنّما يرثون الولاية والخصائص النبويّة منها، وتثبت لها الهيمنةُ الروحيّة والاصطفائيّة عليهم.
والحاصل: أنَّ مدارك إمامة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من القطعيّات التي لا تُحصى كثرةً، والبحثُ العقديّ لا يُبنى على الظنيّات، بل مدار العقائد على اليقين والقطع حصراً؛ وإن رِيمَ الجمودُ الحرفيّ على الألفاظ والنصوص فإنَّ الحرفيّة النصيّة نفسَها تقودُ إلى هذه النتيجة القطعيّة ولا تدفعها.
والشاهدُ على ذلك: أنَّ هذا المعنى مبثوثٌ وموجودٌ في روايات المعراج الواردةِ من طُرُق الفريقين[18] [19] [20] ؛ حين أَرى اللَّهُ تعالى نبيَّه أنوارَ أهل البيت (عليهم السلام) بحياةٍ جسمانيّةٍ نوريّةٍ عرشيّة، حيث وُصِفَ هؤلاء الطاهرون في لسان الحديث القدسيّ بأنّهم أئمّةٌ وأمراءُ وخلفاء، جميعُهم بلا استثناء بما فيهم فاطمة (عليها السلام)، بل ذُكِرَتْ فاطمةُ بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) وبعد سيّد الأوصياء أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد عُبِّرَ في سائر هذه الأحاديث بلفظ «الإمامة» صراحةً. وهذا الحديثُ متواترٌ ومستفيضٌ استفاضةً قطعيّة، وقد جمعتُ هذه الروايات في ملفٍّ خاصٍّ لم يُنشَرْ بعدُ، وعِلمُنا محيطٌ بوجود مصادرَ جمّةٍ تدلّل على تواتر حديث المعراج وتصريحه بإمامة فاطمة (عليها السلام).
فضلاً عن ذلك كلِّه، فإنَّ الوجهَ العامَّ القرآنيَّ القطعيَّ المثبِتَ لإمامة أهل البيت (عليهم السلام)، والذي استدلَّ به أئمّةُ الهدى أنفسُهم على إمامتهم، لا ينحصر في لفظةِ «الإمامة» المجرَّدة؛ بل ينبسط ليشملَ كافّة مرادفاتها وملازماتها القرآنيّة، كالمُلك العظيم في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾[21] ، وولاية الفيء في قوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ﴾[22] ، وآية التطهير في قوله جلَّ وعلا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[23] ، وآية المودّة في قوله سبحانه: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾[24] .
وهذه المقاماتُ كلُّها ثابتةٌ بضرورة المسلمين كافّة، وليست ممّا تختصُّ به ضرورةُ الإماميّة فحسب، والصدّيقةُ فاطمةُ (عليها السلام) داخلةٌ في هذه العناوين القرآنيّة القطعيّة بالضرورة والوجدان؛ فسواءٌ أكانت آيةُ المودّة برهاناً ساطعاً على الإمامة أم كان البرهانُ غيرَها من الآيات، فهناك عشراتٌ بل مئاتٌ من الآيات الدالّة على إمامة العترة الطاهرة التي تمسَّكَ بها واحتجَّ بها الأئمّةُ الهداة؛ كالإمام الرضا، والإمام الصادق، والإمام الكاظم، والإمام السجاد (عليهم السلام) [25] ، وجميعُها استدلّوا بها على ثبوت الإمامة ولم تقترن بلفظ «الإمامة» الحرفيّ الصريح؛ فهل يجرؤ أحدٌ على عدِّ صنيعهم هذا خطأً، أو اشتباهاً، أو التباساً في الفهم حاشاهم من ذلك؟! بل لقد استدلَّ رسولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) نفسُه بها على الإمامة، في حين يحاول بعضُ القاصرين تقزيمَ البحث العقديّ وحبسَه في قفصِ اللفظ الجافّ بطلب كلمة «إمام»، غافلين عن أنَّ حقيقة الإمامة تعود إلى معنى الاقتداء والائتمام والولاية الكبرى، وتلك معانٍ حفلت بها نصوصُ القرآن بأساليبَ ومرادفاتٍ شتّى.
تنبيهٌ وتحريرٌ للمراد:
• إنْ أردتَ حصرَ الأئمّة المنصوصين بعد رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) في خصوص الذكور، فهم اثنا عشر إماماً، ونحنُ الإماميّة إنّما سُمّينا بالفرقة «الاثني عشريّة» بهذا اللحاظ والاعتبار؛ أي بالنظر إلى عدد الأئمّة الذكور بعد النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله).
• أمّا إذا نظرتَ إلى منظومة أهل البيت النبويّ في أصل الاصطفاء والحجيّة والولاية الإلهيّة ككلّ، فهم أربعة عشر إماماً وأربعة عشر حجّةً على الخلق، وإمامُ هؤلاء الأئمّة الاثني عشر وسيّدهم إنّما هو سيّدُ الرسل محمّدٌ (صلى الله عليه وآله)، كما أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) إمامٌ بالضرورة القطعيّة؛ بضرورة المسلمين، وبضرورة القرآن، وبضرورة الإماميّة. ومَنْ شاء الوقوفَ على ذلك، فليتدبّر في تلك الوجوه القطعيّة المتعدّدة التي لا تتطلّب عناءً كبيراً، وإنّما تفتقر إلى تدبّرٍ واعٍ وتأنٍّ مستبصر.
والنتيجةُ الحاصلة: أنّه حتّى لو تنزّلنا وتماشينا مع المنهج الحرفيّ الجموديّ على ظاهر الألفاظ، فإنَّ حديث المعراج المتواتر ينهض برهاناً قاطعاً على ثبوت إمامة فاطمة (عليها السلام) بلفظها الصريح؛ إذ أُطلِقَتْ عليها فيه صفةُ الإمامة نصّاً، وهو من الأحاديث المتواترة التي جاوزت حدَّ أخبار الآحاد والاستفاضة، وتظافرت على نقله مصادرُ الفريقين من الخاصّة والعامّة. ولئن اقتصرت بعضُ طُرُق الحديث على ذكر الخمسة أصحاب الكساء (عليهم السلام) وأغفلت ذكر التسعة، فإنَّ أكثرَ الطُرُق والروايات قد استوعبت ذكرَ المعصومين الأربعة عشر بأعيانهم، والعدد أربعة عشر حقيقةٌ لا سبيل للتنكّر لها في موازين القرآن والسنّة.
دلالة آية النور وسؤدد الزهراء على سائر الحجج
والشاهدُ البيانيّ: ما جاء في بيانات أهل البيت (عليهم السلام) التفسيريّة لسورة النور عند قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[26] ؛ إذ جرى التركيزُ فيها على الخمسة أصحاب الكساء (عليهم السلام) في المرتبة الأولى، ثمَّ عُطِفَ بذكر التسعة المعصومين من ذرّيّة الحسين (عليه السلام) بالتبع في متن الآية ذاتها؛ فالخمسةُ أُصولٌ متقدّمون، وفاطمةُ (عليها السلام) مقدَّمةٌ على التسعة بل هي مقدَّمةٌ على أولي العزم من الرسل، ثمَّ تكتنف التسعةُ أنوارَ الخمسة في بيانٍ نبويٍّ بديعٍ لآية النور يُجلي أنَّ الأنوارَ الإلهيّة التي فطرها اللَّهُ تعالى أربعةَ عشرَ نوراً[27] .
ومعَ أنَّ التمثيلَ المركزيَّ المصدَّرَ به صدرُ آية النور ناظرٌ إلى خمسةِ أنوار — ولذا أطبقَ عليه المفسّرون من العامّة والخاصّة عند التعرّض لمناقب العترة، إذ جُعلت فاطمةُ (عليها السلام) نوراً إلهيّاً وهو عينُ براهين الإمامة — فإنّه ينضافُ إليهم التسعةُ الهداة ليتمَّ عقدُ الأربعة عشر كاملاً. وقد فصّلنا هذا البيانَ انطلاقاً من نصوص الروايات وبنية الظهور اللفظيّ القرآنيّ لا بمحض التأويل الباطنيّ؛ فإنّ في الآية الكريمة خمسةَ تشبيهاتٍ مركزيّةٍ جليّة (المشكاة، والمصباح، والزجاجة، وغيرها)، وتتفرّع عنها تسعةُ تشبيهاتٍ ومقاماتٍ أُخرى واقعةٌ فوق الخمسة، وهي أدقُّ مسلكاً وأخفى مأخذاً من التشبيهات الخمسة الأولى؛ فالخمسةُ جليّةٌ واضحة، بينما التشبيهاتُ التسعةُ الأُخرى مستبطَنةٌ في النظم التعبيريّ، غيرَ أنّها متأصّلةٌ في صلب الظهور الدلاليّ لآية النور المشتملة على مكنون الأسرار ولطائف المعارف التوحيديّة.
يقول الميرزا هاشم الآملي (رحمه الله) [28] : إنَّ في ملازمة الأذكار اليومية بأعداد مخصوصة بعد صلاة الصبح لآية النور فتوحاتٍ علمية؛ في ثلاث آيات هي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾[29] .
والمقصود هنا: الالتفاتُ إلى أنَّ البيان الوحياني في آية النور ركّز في البدء على خمسة؛ فهل يسوغ لأحدٍ أن يدّعي أننا أصحاب مذهب «خمسي»؟ كلا، ولكن وقع التركيز أولاً على خمسة، وثبت عندنا أربعة عشر، وثبتت تسعة، فالمتحصَّل النهائي هو الأربعة عشر.
وشاهد ذلك: أنَّ الروايات المتواترة بين الفريقين في أحاديث سادات الجنة قدّمت ذكر فاطمة (عليها السلام) ثالثةً قبل ذكر السبطين الحسنين (عليهما السلام) [30] .
والسؤدد في اللغة: هو القيادة والإمامة، فالسيد هو المطاع؛ وهذا برهانٌ عقلي ينبهنا الوحي إليه. فلو تساءلنا: هل إمامة الأئمة للجانب النسوي قاصرةٌ على الجانب المشترك أم تمتد إلى خصوصياتهن النسوية؟
والجواب: أنَّ الأئمة (عليهم السلام) أئمةٌ بلا ريب للرجال والنساء جميعاً في الجانب المشترك، ولكن من الإمام في الخصوصيات التكوينية والتشريعية النسوية؟ إنَّ القرآن الكريم يقرر لمريم (عليها السلام) هيمنةً وحجية؛ ففي سورة التحريم جعلها قدوةً ومثلاً حتى للرجال في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [31] ؛ حيث سيق المثل ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بلفظ الشمول والاستغراق للمؤمنين كافة. وكذلك في سورتي آل عمران ومريم، نجد القرآن لم ينص على أنَّ زكريا حجةٌ على النساء، ولا أنَّ موسى حجةٌ على النساء، بل خصّص مريم بذلك.
والنتيجة: ثبوت إمامة فاطمة (عليها السلام) في الخصوصيات النسوية؛ بيد أنها لا تنحصر في الدائرة النسوية فحسب، بل هي إمامٌ وحجةٌ في الجانب المشترك أيضاً حتى على الأئمة الأحد عشر (عليهم السلام).
فإن قيل: كيف تجتمع حجيتها مع إمامتهم؟
قلنا: إذا أقررتم بأنَّ فاطمة حجةٌ على الأئمة الأحد عشر، فكيف لا تكون إماماً لهم؟! وكيف تصير حجةً عليهم ولا تكون قدوةً لهم؟! وما حقيقة الإمامة وجوهرها إلا الأمر والنهي ولزوم الطاعة؟ وعليه، فإنَّ التفرقة بين كَوْنها حجة وبين كَوْنها إماماً تفرقةٌ غير صحيحة ولا سديدة صناعةً.
والحاصل: أننا أقمنا البرهان العقلي المستفاد من دلالات الآيات القرآنية، وعضدناه بالروايات المتواترة حرفياً؛ حتى بالمسلك الجمودي الذي يُعبَّر عنه بالاصطلاح الحوزوي النجفي بـ«المُلّا نقطي»[32] ، حيث صُرّح بلفظة «الإمامة» في روايات المعراج المتواترة حين عاين سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) هياكل الأنوار الأربعة عشر، فوُصفوا فيها صراحةً بالإمامة، والإمرة، والخلافة، والوصاية، وبأنهم حجج الله[33] [34] . فأي دليلٍ أظهر من هذا؟ ولا سيما أنها وردت متواترة بأبعاد جليلة وتعددٍ في ألفاظ الحديث وطرق نقله بين الفريقين، وثبت فيها نعت فاطمة (عليها السلام) بالإمامة.
منهجية الجمع بين المتواترات وتأصيل المعرفة العقدية
تنبيهٌ منهجي: إنما أوردنا هذا البيان تعريجاً على ما قررناه آنفاً من أنَّ التواتر الفردي بمجرده لا يُكتفى به في بناء المعرفة العقدية؛ فلا ينبغي أن يُتلقى الدين من تواتر واحد، ولا اثنين، ولا ثلاثة، ولا عشرة، وإنما يُؤخذ المعتقد من مجموع التواترات وضميمة المحكمات، بحيث يحصل التأليف والتوفيق بينها. وهذا بعينه هو المسلك الذي اعتمده الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي (قدّس الله أسرارهم)؛ إذ جمعوا بين نصوص المتواترات، وقاموا بتأويل طائفةٍ من الروايات والظواهر القرآنية المتكاثرة الواردة في شأن العوالم السابقة (كعوالم الطينة والذر والأرواح) رعايةً لقواعد عقلية تبنّوها[35] . وتلك هي المنهجية الرصينة في الجمع بين المتواترات والبرهنة على إمامة فاطمة الزهراء (عليها السلام).