الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث التفسیر

48/05/01

بسم الله الرحمن الرحيم

 

موضوع: التفسير/المعاد /المنهج العقلي الوحياني في العقائد ومسألة تجرد الأرواح

 

المنهج العقلي الوحياني في العقائد ومسألة تجرد الأرواح

كنّا في هاتين الآيتين: [259][1] و260 من سورة البقرة، ومَرَّ أنّ هاتين الآيتين مسوقتان لإقامة البرهان على المعاد الجسماني.

وهنا لفتةٌ صناعيّةٌ لطيفة: وهي أنّ الرجعة عقيدةٌ من ضروريات المذهب والقرآن، وهذه العقيدة والضرورة المذهبية يستدلّ بها القرآن الكريم على عقيدةٍ أكبر منها. ومقتضى لطائف المناهج واللسان القرآني أنّ الرجعة عقيدةٌ وجوبُ الاعتقاد بها نفسيٌّ ذاتي، على ما صرّحت به طائفةٌ من العلماء، جمعنا كلماتهم في المجلدات: الأول، والثاني، والثالث من كتاب «الرجعة» ذي الأجزاء الخمسة؛ حيث نقلنا فيه كلمات الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، والشيخ الصدوق، وثقة الإسلام الكليني، وصولاً إلى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء وبقية الأعلام.

ففي حين أنّها ضرورةٌ مذهبيةٌ وواجبة الاعتقاد في نفسها وذاتها، فإنّها في الوقت عينه برهانٌ لما هو أعظم منها، وهو المعاد الأكبر والقيامة الكبرى.

فلاحظ هذا الوجه من الروائع العلمية المنهجية في الصناعة العقائدية؛ إذ يبرهن القرآن المجيد على حقيقةٍ ويجعلها في آنٍ واحد برهاناً لما هو أعظم منها، وذلك واقعٌ في ستين موضعاً من الذكر الحكيم. وإن كانت براهين المعاد الجسماني في القرآن تتكئ في إحدى قوائمها على الرجعة، فإنّ للقرآن الكريم قوائم وبراهين أخرى متضافرة غير الرجعة في إثبات المعاد الجسماني والقيامة الكبرى؛ وهذه نكتةٌ صناعيةٌ مهمّةٌ ينبغي الالتفات إليها وتدبّرها.

وهناك نكتةٌ منهجيّةٌ أخرى قبل مواصلة الحديث في الفرق بين المنهج العقلي عند الشيخ الصدوق والمحدّث الحرّ العاملي ومَن يحذو حذوهما، وبين المنهج العقلي عند الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وسائر المتكلمين وفلاسفة الإمامية وعرفائها؛ وهي نكتةٌ لطيفةٌ متصلةٌ بالمنهج العقلي الوحياني لدى الشيخ المفيد والسيد المرتضى. فإنّنا وإن كنّا في هذا المقام نسدّد ونصحّح مسلك الشيخ الصدوق في مبحث الرجعة والعوالم الخمسة السابقة — وهي: الذرّ، والميثاق، والأظلّة، والأشباح، والطينة[2] — إلا أنّ هناك منهجيةً عقليةً وحيانيةً سديدةً وفائقة الأهمية عند الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وصدر المتألهين، وفلاسفة الشيعة، والعلامة الطباطبائي، والمحقق الكُمباني[3] .

وتتجلى هذه المنهجية: في أنّ هؤلاء الأعلام قد أقرّوا بأنّ عوالم الذرّ، والميثاق، والطينة، والأظلّة، والأشباح — وهي العوالم الخمسة التي ينطوي كلُّ قسمٍ منها على عوالم متعددة وليس مجرد عالم ذرّ مفرد — رواياتُها متواترةٌ ويقينيةٌ وضرورية؛ فلم يُنكروا تواترها، ولا يقينيتها، ولا ضرورتها البتة. غير أنّه لما استقرّ في ذهنهم الشريف وجودُ تنافٍ وتعارضٍ بين مدلولها وبين قاعدةٍ برهانيةٍ أخرى تقضي بأنّ الأرواح مجرّدةٌ لا تتكثّر بغير الأجسام والمواد[4] ، لم يحملهم ذلك التنافي على ردّ تواتر الروايات ولا على إسقاطها والتخلي عنها؛ فكونُ هذه الأخبار متواترةً لم يحجب أبصارهم عن التمسك بالقاعدة الأخرى التي قامت عندهم على مقدماتٍ يقينية.

ومع أنّ هذه القاعدة الفلسفية ليست تامّةً ولا مسلّمةً عند الشيخ الصدوق والحر العاملي وكثيرٍ من المحدّثين، إلا أنّها عند أولئك الأعلام صحيحةٌ ويقينيةٌ لا غبار عليها.

والحاصل: أنّ ثمّة قواعد يقينية في مدارك الأدلة العقائدية يقع التكليف في التوليف والتوفيق والملاءمة بينها؛ وهو ما يرشدنا بالدلالة الواضحة إلى أنّ الأدلة اليقينية نفسها قد يعرض بينها تنافٍ ظاهريٌّ بدويّ.

ومن ثَمَّ، فلا ينبغي للباحث أن يحفظ شيئاً وتغيب عنه أشياء[5] ، بل عليه أن يرتقي بالأدلة إلى مرتبة المنظومة المتكاملة؛ فإذا ظفر المتتبّع بتواترٍ أذعن له وسلّم بمضمونه من غير إنكار، بيد أنّ الواجب الصناعي يقضي بالتأليف والملاءمة بين مجموع التواترات وسائر اليقينيات؛ إذ لا ينبغي أن يغرّ الباحثَ يقينٌ مفرد، لكون التمسك بالدليل المنفرد قاصراً عن إعطاء الرؤية التامة، بل اللازم المتعيَّن هو تشكيل «منظومة اليقين».

وهذه صناعة علمية جليلة: لا تنحصر دائرتها في المباحث العقائدية فحسب، بل تسري في أبواب الفقه، وحقائق علم الأخلاق، وفقه القلوب، وموازين علم الرجال، وسائر المعارف الدينية؛ فلا يصحّ الركون إلى تواترٍ واحد حتى يُضمّ برويّة وتأمّل إلى بقية الأدلة المحفوفة به.

وهذا هو المنهج القويم: الذي اعتمده الشيخ المفيد والسيّد المرتضى[6] ؛ فسواءٌ وافقناهما في تطبيق القاعدة أم خالفناهما، يظلّ أصل المسلك متينًا ودقيقًا من حيث المنهج؛ إذ وجّها تلك الروايات المتكاثرة بحملها على وجود المقتضيات في عللها لا على تكثّر المعلول المخلوق في الخارج — وتفصيل ذلك موكولٌ إلى موضعه —، غير أنّ جوهر المسلك يتّسم بالدقة والصناعة؛ إذ الضابط ألا يقف المحقّق عند تواترٍ واحد أو يقينٍ منعزل، بل الواجب ملاحظة سائر التواترات ومجمل اليقينيات، والتأليف بينها توصّلاً إلى نسقٍ معرفيٍّ متّسق؛ حذراً من الوقوع في محذور التجزئة الذي أنكره القرآن الكريم على من سلكه بقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾[7] ؛ فإنّ انتهاج المنظومة العلمية المنضبطة أمرٌ لا مناص منه في قبال التشتت والعشوائية.

ميزان المحكم والمتشابه وقيمومة القطعيات على الظنيات

ولاحظ أنّ في القرآن الكريم بياناً أعظم من ذلك: حيث قرّر سبحانه وتعالى في محكم تنزيله من سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[8] ، فعَبَّر بـ«آياتٍ محكمات» بصيغة الجمع، ولم يُفردها بـ«آيةٍ محكمة»؛ وفي هذا التعبير تنبيهٌ صناعيٌّ للناظر بأنّه لا يسوغ الاكتفاء بآيةٍ محكمةٍ واحدة، بل الواجب استقراء منظومة المحكمات برُمّتها؛ مباينةً للمنهج الانتقائي الذي يتشبث بآيةٍ منفصلة ويُغفل ما عداها، كمن يتشبث بظاهر آيةٍ في نفي الوسائط وينسى قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾[9] ؛ أفَيُفيض الله تعالى الحياةَ على ميتٍ بمسّ بضعةٍ من بقرةٍ مذبوحة، ثمّ تُستكثر الكرامة وتُستبعد البركة التكوينية والفيض الإلهي الجاري على يد سيّد الأنبياء وأهل بيته (عليهم السلام) الذين نطق القرآن الكريم بطهارتهم وفضلهم على العالمين؟! فهذا شأن من يقف عند حدٍّ ضيّق فيحفظ شيئاً وتغيب عنه أشياء.

تنبيه: لم يقصر الذكر الحكيم بيانه على إثبات المحكمات، بل أردف ذلك بقوله جلّ وعلا: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [10] ؛ فهل يُسوَّغ إنكار المتشابهات لمجرّد كونها في مرتبةٍ دون المحكمات؟ وهل تُطرح الأدلة الظنية المعتبرة في الشريعة وتُنبذ بالكلية؟

والجواب: كلا، إذ لا يحلّ التسرع بإسقاطها وإنكارها؛ وإنّما يكمن مأتى الخلل والانحراف في محاولة إقامة الاستدلال والاحتجاج المستقل بالمتشابهات بمعزلٍ عن الأصول المحكمة، فهناك ينشأ الزيغ وتزلّ الأقدام؛ وأمّا إذا أُرجعت المتشابهات والمضامين الظنية والروايات التراثية إلى الأصول المحكمة واليقينيات القطعية، وجُعلت خاضعةً لإشرافها وهيمنتها، فإنّها حينئذٍ تثبت ولا تُطرح، ولا يُتوجّه إليها بالإنكار؛ فلا وجه للطعن في قيمة التراث الروائي والظني والاستخفاف بحجيته، بل الواجب رده إلى محكمات الكتاب والسنّة القطعية وفق ميزانٍ علميٍّ رصين.

إنّ إرجاع التراث الظني إلى المحكمات والقطعيات يؤسّس لمنهج منطقي وحياني رصين، وهو مسلك علمي بديع؛ إذ لا مساغ للكفر بالأدلة الظنية وطرحها بإطلاق. والشاهد القرآني: ما يرسمه التنزيل العزيز من تصوير معرفي في غاية الإحكام والبيان، حيث يقول عزّ وجلّ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [11] . وبيان ذلك: كيف يسوغ لهم القول بأنّ المتشابهات من عند ربّنا؟ والجواب: أنّها بلا ريب من عند ربّنا ووحي لا يجوز الكفر به، غير أنّ شرط التعاطي معها أن تُجعل الظنون تحت هيمنة المحكمات ووصايتها وقيمومتها، وتلك هي المنظومة المنطقية العظيمة التي يرسمها القرآن الكريم.

والتساؤل الإنكاري هنا: كيف يصحّ الكفر بالظنون وتراث الحديث النبوي الشريف؟ إذ مؤدّى ذلك أن يكفر الإنسان بنفسه وآخرته ويقود نفسه إلى الزندقة؛ فأين المذهب عن هذا الرشاد؟ ولِمَ يُكفر بالظنون أصلاً؟ ولأجل ذلك تجد في كلمات جمع من المفسرين والأعلام أنّ حقيقة رسوخ الراسخين في العلم تتجلّى في كونهم لا يذرون المتشابهات ولا يجحدون بها؛ فهل يسوغ للإنسان إذا قصر فهمه عن إدراك حقيقة المتشابه وحصلت عنده حيرة وتردّد أن يسارع إلى جحود الأدلة؟ كلا، وإنّما رويداً رويداً ينجلي إبهام المتشابه بنور المحكم، فلا مناص من الاعتناء بالمتشابهات والظنيات والتحرّز عن التفريط فيها، فالراسخون في العلم يقولون: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. وإن كانت المعارف ذات مراتب وطبقات، على نحو قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾[12] ، مع قوله سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾[13] ؛ فهل يُسوّغ ثبوت التفاضل بين الأنبياء الكفرَ بالمفضول منهم؟ كلا وألف كلا.

والنتيجة: أنّ هذا نظام منطقي فذّ في نظرية المعرفة الإلهية، أسّسه القرآن الكريم وفصّلته بيانات أهل البيت (عليهم السلام).

فائدة: إنّ استمداد العون في هذا النظام المعرفي إنّما يكون من المعلّم الإلهي، والمتمثّل في معية الثقلين؛ وتلك الآية الكريمة نفسها تُعدّ من آيات معية الثقلين. وتأسيساً على ذلك، فإنّ أصل حديث الثقلين أصلٌ قرآني قبل أن يكون نبوياً؛ إذ إنّ سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، كما هو متّبع لأمر الله تعالى في تشريعات فقه الفروع، كذلك هو متّبع للقرآن ولله تعالى في معارف أصول العقائد، فكلّ ما تواتر في السنّة النبوية الشريفة فله جذر قرآني وتأصيل قطعي في كتاب الله.

والشاهد على هذه القاعدة: ما نبّه عليه أئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ فإنّ قوله (صلى الله عليه وآله): «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»[14] لا بدّ وأن يكون له أصل متجذّر في القرآن المجيد. وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله) يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»[15] له أصل راسخ في كتاب الله، عَلِمَهُ مَن علمه وجَهِلَهُ مَن جهله.

والنكتة الدقيقة هنا: تكمن في ضرورة تأصيل الحديث النبوي بالقرآن الكريم، وتأصيل أحاديث الأئمة (عليهم السلام) وفق وصيتهم الصريحة؛ كما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَاسْأَلُونِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ»[16] ، وكما أرشد زرارة في كيفية التعرّف على مآخذ الأحكام من كتاب الله[17] .

والحاصل: أنّ المحكمات تمثّل منظومة القطعيات واليقينيات، فلا وجه للاستهانة بالظنيات، بل تُجعل الأدلة الظنية خاضعة لهيمنة القطعيات؛ وتلك هي هندسة الدين القائمة على الجمع بين القطعيات والظنيات، بحيث تكون الظنيات تابعة للقطعيات ومحكومة بها لا قسيمة لها في عرضها. وهذا منهج صناعي رصين سلكه أعلام الطائفة؛ كالشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي (رضوان الله عليهم)، وإن كنّا نخالفهم صغروياً في بعض التطبيقات، بيد أنّ كبرى المنهج تامّة وقويمة عندهم؛ ولذا فإنّ تواتر الروايات والآيات الواردة في العوالم الخمسة السابقة لم ينكروه ولم يسقطوه رأساً.

تنبيه: إنّ قاعدة «الجمع مهما أمكن أولى من الطرح»[18] لا يُراد بالأولوية فيها مجرّد الاستحباب والرجحان العرفي، بل المراد بها اللزوم والوجوب؛ نظير قوله عزّ شأنه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾[19] ، فهل الأولوية هنا تفيد مجرّد الرجحان؟ حاشا وكلا.

والنتيجة: أنّ محطّ النظر هنا هو تحصيل منظومة العقائد من بين سائر العلوم الدينية؛ إذ يتناول هذا المنهج ضبط الاستدلال العقدي. وعليه، فإنّ التساؤل المنهجي ينصبّ على ما ينبغي تحصيله لإثبات العقائد، ولا ريب في وجوب الجمع والتأليف بين مجموع الأدلة، وردّ الظني منها إلى القطعي، فكيف يُصار إلى نبذ الأدلة الظنية وهجرها بلا تدبّر؟

إنَّ هذا المنهج يمثّل درساً علمياً صناعياً في العقائد وفي سائر علوم الدين، سار عليه الشيخ المفيد (رحمة الله عليه)، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وصولاً إلى فلاسفة الإمامية؛ إذ بنوا على هذه المنهجية وإن كنّا نختلف معهم صغروياً في بعض التطبيقات. ومقتضى ذلك أنَّ أصول الفقه موضوعةٌ لفهم الدين برمّته، إذ الفقه بمعناه اللغوي هو الفهم المطلق، فالمتعيَّن هو الإحاطة بجميع المعارف الدينية؛ لكونها ضروريةً ولازمة، فلا وجه لقصر النظر على الفروع العملية وحدها، إذ لا يستقيم تضييع الأصول مع حفظ الفروع، فرعاية الأولويات أمرٌ لا محيص عنه.

والأصل في المسألة: هو البحث فيما دعا متكلمي الإمامية وفلاسفتهم — فضلاً عن غيرهم من المتكلمين، وإن ندر الفلاسفة في سائر المذاهب لغلبة الاشتغال الفلسفي عند الإمامية لقوة الجانب العقلي في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) — إلى تأويل تلك الروايات المتواترة؛ حيث استندوا إلى قاعدة عقلية مقررة عندهم مفادها: امتناع تصوّر الكثرة في الأرواح بمعزلٍ عن الأجسام.

والتحقيق في هذه القاعدة:

    • من جهة الكبرى: أنَّ أصل الكبرى مسلَّمٌ؛ فالوجود المجرّد من غير تعلّقٍ بمادةٍ جسمانية يمتنع تعدّده، غير أنَّ هذا الامتناع مختصٌّ بالكثرة العرضية — وهي تعدّد أفراد النوع الواحد في مرتبةٍ واحدة — فإنَّها لا تُعقل في المجرّدات التامة من غير مادةٍ تقبل الاستعدادات والتشخّصات[20] . وأمّا الكثرة الطولية — القائمة على التشكيك والتفاوت الرتبي أو الماهوي — فلا يحكم العقل باستحالتها البتة، لا في الفلسفة ولا في الكلام ولا في العرفان، فتعدّد المجرّدات غير الجسمانية في السلسلة الطولية أمرٌ بمكانٍ من الإمكان.

    • من جهة الصغرى والتطبيق: أنَّ تنزيل هذه الكبرى على حقيقة الأرواح وقع في غير موقعه؛ لما دلَّت عليه بيانات الوحي الشريفة من أنَّ الروح جسمٌ لطيف وصورةٌ جسمانية مجرّدة عن المادة الغليظة الكثيفة، لا أنّها تجرّدٌ تامٌّ محض.

والشاهد على ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف الأرواح: «أَمَا إِنِّي كَأَنِّي بِهِمْ حَلَقٌ حَلَقٌ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ»[21] ، وفي مأثور كلامه (عليه السلام) أنّها صُوَرٌ بلا موادّ، والمراد به: انتفاء الموادّ الأرضية الغليظة عنها، لا انتفاء المادة اللطيفة والصورة الجسمانية بالكلية؛ إذ الصورة هاهنا جسمانية مقدّرة، والتنزيه المطلق عن الصورة إنّما هو لله سبحانه. فاستقرّ الأمر على صحة الكبرى العقلية بنفي الكثرة العرضية عن المجرّد المحض بلا مادة، مع فساد تطبيقها على الأرواح؛ لكون الروح جسماً لطيفاً متفاوتاً في طبقاته بحسب تفاوت مراتب اللطافة في الجسمية.

وهذا المعنى يوافق ما يقرّه علماء الفيزياء المعاصرة، وإن لم يكن مطروحاً بهذه التفاصيل في زمن العلامة الطباطبائي (قدس سره) [22] ؛ فإطلاق اللطيف لا ينفي الجسمية، والشاهد فيه أنّ الإلكترون — مثلاً — طاقةٌ ومجالٌ كهرومغناطيسي، والمجال ذو امتداد في الطول والعرض والعمق وله حظٌّ من المادية، وكذا الحال في البروتون والنيوترون، فكلّ ما كان له أبعادٌ مقدارية اندرج في حدّ الجسم.

ومثال ذلك أيضاً: التقسيمات المقررة للزمان من السنة والشهر واليوم والساعة والدقيقة والثانية؛ حيث قُسِّمت الثانية إلى ستين قسماً فسمّيت بالثالثة، وبتقسيم الثالثة تنتج الرابعة ثم الخامسة وهلمّ جرّاً، ومحالٌ في حكم العقل أن ينتهي هذا الانقسام إلى نقطة الصفر والعدم، وإن قصر الحسّ البشري المجرّد عن إدراكه لافتقاره إلى الأدوات المسلَّحة، بيد أنَّ العقل في ذاته حسٌّ مسلَّح، فالعين العقلية والسمع والشمّ العقليان قوىً مدركة لما تعجز عنه الحواسّ الظاهرة في هذا البدن الكثيف.

والحاصل: أنَّ البدن البرزخي للإنسان جسمٌ دنيوي لطيف، شأنه في ذلك كجسم الجنّ الذي هو في حقيقته طاقةٌ كهرومغناطيسية، وما يعتري المصروع من الاضطراب والرجفة إنّما هو بفعل تلكم الشحنات الكهربائية والمغناطيسية، وبها أيضاً يمكن توجيه علاجه، والجنّ طبقاتٌ متفاوتة بتفاوت شدّة الطاقة الكهرومغناطيسية الكامنة فيهم. وكذلك مادة أجسام الملائكة طاقةٌ علوية سماوية لا أرضية، وهي تفوق في قوتها طاقة الجنّ وسائر العوالم الشيطانية بمراحل.

فنحن نُسمّيها «نوراً»، ولَفْظُ النورِ وإنْ كانَ اصطلاحاً وحيانياً، إلّا أنّ المرادَ به جسمٌ هوَ مِن ألطفِ مَراتبِ الطاقة؛ فجسمُ أهلِ السماءِ الأولى جسمٌ، وأهلِ السماءِ الثانيةِ جسمٌ، والثالثةِ جسمٌ، لكنّه يتلطّفُ صُعوداً؛ فهو جسمٌ لطيفٌ، ومِن فرْطِ لطافتِهِ قياساً إلى كثافتِنا وغِلَظِنا يُقالُ عنه إنّه مجرّدٌ، وليسَ بمجرّدٍ حقيقيّ، بل هوَ مجرّدٌ عن المادّةِ الغليظةِ لا أنّه مجرّدٌ عن المادّةِ والمِقدار، وهذا هو الاشتباهُ الذي وقعَ فيه المتكلّمونَ والفلاسفةُ والعرفاء، لكنْ فَطِنَ له الشيخ الصدوق (رحمه الله) [23] .

والسؤال المطروح هنا: أيهما أشدُّ عقلانيةً في هذا المبحث؟

والجواب: لا ريبَ أنّه مَنْطِقُ الشيخِ الصدوقِ (رحمه الله)؛ لكونِهِ قد تنبّهَ وتفطّنَ للبياناتِ الوحيانيةِ العقلية؛ فالنورُ طاقةٌ غيرُ مرئيةٍ لكنّها قُدرةٌ وواقعٌ، وهو طاقةٌ ذاتُ مادّةٍ مغايرة، وطاقاتُ الأرضِ لم يكتشفها الفيزيائيون بأسرِها إلى يومنا هذا؛ فإلى الآن لم يُكتشف شيءٌ مِن فيزياءِ الجنّ، ولم تُحط أبحاثُهُم بفيزياءِ الملائكة، وعوالمُ السماواتِ لم يُحيطوا بها ولم يكتشفوها بعد.

تنبيهٌ منهجيّ: إنّك قبلَ أنْ ترميَ الرواةَ بدعوى الغلوّ في الأئمة (عليهم السلام)، فإنّكَ أنتَ الذي غلوتَ في نفسِكَ وفي عقلِكَ، وجعلتَ مِن نفسِكَ المُهيمِنَ الجبّارَ في موازينِ العلمِ؛ إذ تظنُّ أنّ الرواةَ قد غَلَوا، بينما أنتَ الذي غلوتَ في نفسِكَ حينَ جعلتها محيطةً بكلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، وهذا لَعَمْري هو عينُ التجاوزِ والاعتساف! فكيفَ تدّعي أنّك تُحيطُ بكلِّ شيء، في حين أنّ علماءَ الفيزياءِ في كلِّ يومٍ يكتشفون جديداً؟! وكيفَ تزعمُ أنّك أدركتَ كلَّ شيء، وأنّه ما مِن غائبةٍ في السماءِ ولا في الأرضِ إلّا أحاطَ بها عقلُك، مُتجاهلاً دلالةَ قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾[24] ؟! إنّ هذا لَعَمْري ادعاءٌ لمقامِ الألوهيةِ؛ إذ ترمي الرواةَ والرواياتِ الشريفةَ بالغلوّ، في حين أنّ رميَكَ هذا هو أكبرُ غلوٍّ ارتكبتَهُ؛ حيثُ ادّعيتَ الإحاطةَ بعلومِ الفيزياءِ والكيمياءِ والأحياءِ وسائرِ العلوم، ثمّ تجترئُ فتحكمُ على الرواياتِ بالوضع! وإنّ مقتضى الإنصافِ العلميّ أنْ يتوقفَ الباحثُ عندَ عدمِ إدراكِهِ لا أنْ يُسارِعَ إلى رَميِ المأثورِ بالوضع؛ فعقلُكَ ومنهجُكَ هو الذي دخلَهُ الزيفُ والقُصور، ومصداقُ ذلك وشاهدُهُ من التنزيلِ قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾[25] .

والشاهدُ على ذلك: ما جرى في مناظرةِ الإمام الصادق (عليه السلام) مع ذلك الملحدِ السائل؛ إذ قال له الإمام: «أَفَصَعَدْتَ السَّمَاءَ؟» قال: لا، قال: «فَتَدْرِي مَا فِيهَا؟» قال: لا، فقال له (عليه السلام): «عَجَباً لَكَ!… لَمْ تَنْزِلِ الْأَرْضَ، وَلَمْ تَصْعَدِ السَّمَاءَ… وَأَنْتَ جَاحِدٌ بِمَا فِيهِنَّ! وَهَلْ يَجْحَدُ الْعَاقِلُ مَا لَا يَعْرِفُ؟!»[26] ، فما كانَ من ذلك الملحدِ بعدَ ذلك الاحتجاجِ إلّا أنْ أذعنَ وآمن.

والحاصل: أنّ المرءَ إذا كانَ لا يدري ما في السماء، ولا يُحيطُ علماً بأطرافِ الأرضِ شرقاً وغرباً، فكيفَ يستجيزُ لنفسِهِ الكفرَ والتكذيبَ بما وراءَ ذلك؟! ولأجلِ هذا المعنى رُويَ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «مَنْ بَلَغَهُ عَنِّي حَدِيثٌ فَكَذَّبَ بِهِ فَقَدْ كَذَّبَ ثَلَاثَةً: اللهَ، وَرَسُولَهُ، وَالَّذِي حَدَّثَ بِهِ»[27] ؛ فكيفَ يسوغُ للإنسانِ أنْ يُكذِّبَ بغيرِ علمٍ استناداً إلى عقلِهِ المحدود، في الوقتِ الذي يُقرُّ فيه أهلُ العلمِ التجريبيّ بأنّهم ما زالوا في أولِ الطريق؟!

 


[1] سوره البقرة، آيه 259-260.
[2] يُراد بهذه العوالم النَّشآت التكوينية السابقة على النشأة الدنيوية كما نطقت بها الروايات المستفيضة؛ فالأشباح والأظلّة موطن خلقة الأرواح النورانية قبل تعلّقها بالأبدان الكثيفة، وعالم الذرّ والميثاق موطن الإشهاد وأخذ العهد بالربوبية والنبوة والولاية، وعالم الطينة موطن تمايز طينات الخلق واستعداداتهم القابلية. — المحقق.
[3] هو الشيخ محمد حسين بن محمد حسن الغروي الأصفهاني، الشهير بـ«الكُمباني» (1296 - 1361هـ)، من أعاظم فقهاء الإمامية وأصولييهم وفلاسفتهم المتأخرين، وصاحب «نهاية الدراية في شرح الكفاية» و«تُحفة الحكيم». — المحقق.
[4] تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد، ج1، ص81.
[5] تضمينٌ لعجز بيت الشاعر أبي نواس: «فَقُلْ لِمَنْ يَدَّعِي فِي العِلْمِ فَلْسَفَةً      حَفِظْتَ شَيْئاً وَغَابَتْ عَنْكَ أَشْيَاءُ». يُنظر: ابن نباتة المصري. سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون.. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ص320. — المحقق
[6] المسائل السروية، الشيخ المفيد، ج1، ص52.
[7] سوره البقرة، آيه 85.
[8] سوره آل عمران، آيه 7.
[9] سوره البقرة، آيه 73.
[10] سوره آل عمران، آيه 7.
[11] سوره آل عمران، آيه 7.
[12] سوره البقرة، آيه 285.
[13] سوره البقرة، آيه 253.
[14] الأمالي، الشيخ الصدوق، ج1، ص238.
[15] الأمالي، الشيخ الصدوق، ج1، ص604.
[16] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج1، ص60.
[17] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج3، ص30.
[18] يُراجع تفصيل البحث في قاعدة «الجمع أولى من الطرح» وحدود الإمكان والأولوية فيها في مظانّه من كتب أصول الفقه، مباحث التعادل والترجيح. — المحقق.
[19] سوره الاحزاب، آيه 6.
[20] نهاية الحكمة - ط النشر الإسلامي، العلامة الطباطبائي، ج1، ص380.
[21] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج3، ص243.
[22] السيد محمد حسين الطباطبائي (1321 - 1402 هـ / 1904 - 1981 م)، مفسّر وفيلسوف وحكيم إمامي معاصر، من أشهر مصنّفاته: «الميزان في تفسير القرآن»، و«بداية الحكمة»، و«نهاية الحكمة». — المحقق.
[23] الإعتقادات، الشيخ الصدوق، ج1، ص47. «يُنظر في تفصيل مسألة لطافة الأرواح وماديتها ومباينتها للتجرد الفلسفي».
[24] سوره النمل، آيه 75.
[25] سوره یونس، آيه 39.
[26] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج1، ص73.
[27] بحار الأنوار - ط مؤسسةالوفاء، العلامة المجلسي، ج2، ص212.