48/04/30
موضوع: التفسير/المعاد /لبرهان على المعاد والرجعة ونقد مقالة تجرد الروح وعالم الأمر
دلالة آيات الرجعة على إمكان المعاد الجسماني ووقوعه
قد كُنّا في سياق بيان هاتين الآيتين الواردتين في الرجعة؛ الآية التاسعة والخمسين بعد المائتين من سورة البقرة في رجعة عُزير: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[1] ، والآية الستين بعد المائتين في رجعة الطيور التي ذبحها النبيّ إبراهيم (عليه السلام)؛ ليكشف له ملكوتيّاً كيف يُحيي الله الموتى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[2] . وقد مرّ بنا آنفاً أنَّ في القرآن الكريم والروايات طائفةً وافرةً من البراهين على المعاد الجسمانيّ لا تنحصر في وجهٍ واحد، ومن جملة المناهج التي استدلّ بها القرآن الكريم على إمكان المعاد الجسمانيّ ووقوعه: إثبات الرجعات الواقعة في الأمم السالفة، كأصحاب الكهف وسواهم.
وقد استقصى الحرّ العامليّ (رحمة الله عليه) في مصنَّفه الفذّ «الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة»[3] قائمةً بآيات هذا الباب، فجمع ما يُقارب اثنتين وستين آيةً (أو أربعاً وستين آية)، بعضُها ناظرٌ إلى الرجعات المستقبليّة، إلّا أنَّ جُلّها واردٌ في رجعات الأمم الغابرة. ويُعدّ هذا الكتاب من أنفس ما حرّره علماؤنا الأبرار في هذه المسألة؛ إذ هو جديرٌ بالمدارسة والبحث لاشتماله على تحرير مبحثي المعاد الجسمانيّ والرجعة معاً، بل هو في حقيقته دورةٌ عقائديّةٌ متكاملةٌ قائمةٌ على قراءةٍ برهانيّةٍ للأدلّة الوحيانيّة، لما ينطوي عليه من مادّةٍ معرفيّةٍ رصينة. وقد استوعب فيه صاحب الوسائل ما يربو على ستمائة روايةٍ في الرجعة، ونبّه في مقدّمته على أنّه لم يُثبت كلّ ما ظفر به من الروايات نظراً لقصور كثيرٍ من الأفهام عن احتمالها[4] [5] ؛ فالقصور ليس في حجّيّة الروايات وصدورها، وإنّما في ضيق وعاء القابل عن تعقّلها. والكتاب في غاية النّفاسة، وقد طُبع مراراً وتُرجِم إلى الفارسيّة وغيرها.
والحاصل: أنَّ براهين المعاد الجسمانيّ في القرآن الكريم تبتني في أحد مسالكها على براهين الرجعة في الأمم السابقة؛ وقد ذهل عن الالتفات إلى هذا الوجه ابن سينا، وصدر المتألّهين، والمحقّق الكُمبانيّ، والسيّد الطباطبائيّ، وسواهم من محقّقي الأعلام (رحمة الله عليهم)، بل وتابعهم على ذلك جملةٌ من المتكلّمين كالشيخ المفيد وغيره؛ في حين تنبّه له تحليليّاً الشيخ الصدوق (قدس سره) [6] ، مبيّناً أنَّ هذا المنهج القرآنيّ يدلّ على أنّ الموت ليس انقطاعاً كليّاً للروح عن الجسد، وهو الركيزة الأساس في إثبات المعاد عن طريق الرجعة؛ وتلك قراءةٌ عقليّةٌ متقنةٌ وظّفها الصدوق للربط بين الآيات والروايات، وللمقاربة بين المعاد الجسمانيّ وحقيقة النوم وظواهره التكوينيّة، وهو ما غاب عن أنظار طائفةٍ من الفلاسفة والمتكلّمين.
العوالم الخمسة السابقة وموقف الأعلام من تكثر الأرواح
وفي سياقٍ متصل، كان قد تقدّم في المجلس السابق التعرّض لمسألة العوالم الخمسة السابقة؛ ونعني بها: عوالم الذرّ، وعوالم الميثاق، وعوالم الطينة، وعوالم الأظلّة، وعوالم الأشباح[7] ، كما نطقت بها بيانات الوحي القطعيّة.
إنَّ عوالم الطينة، وعوالم الأظلّة، وعوالم الأشباح — التي أقرّ بها الشيخ المفيد، والسيّد المرتضى، والشيخ الطوسي (قدّس الله أسرارهم) — قد تواترت فيها الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام)؛ إذ التواتر حاصلٌ في مجموع العوالم الخمسة جميعها، لا في عالمٍ منها دون سواه.
بيد أنّ الشيخ المفيد والسيّد المرتضى والشيخ الطوسي، وتبعهم في ذلك فلاسفة الشيعة، أوّلوا نصوص هذه العوالم ولم يحملوها على ثبوت كثرةٍ إنسانيةٍ سابقةٍ على خلق الأجساد وتولّدها[8] [9] [10] ، بل وجّهوها بأنّ العلل والوسائط التي أوجدها الله تعالى لإفاضة الوجود على الإنسان تنطوي على مقتضياتٍ كماليةٍ وجودية بنحو الوجود الجمعيّ الواحد، وحينما تُنشئ تلك العلل والوسائط مجاري الفيض تنشأ الكثرة الإنسانية تفصيلاً، وإلّا فإنّ كثرة الآحاد لم تكن متحققةً قبل ذلك الحين.
والسبب عندهم في ذلك: أنّ الروح عندهم جوهرٌ مجرّد، فكيف يتصوّر تكثّرها وتعدّدها من غير استنادٍ إلى جسدٍ مادّي؟ وهذا هو الدليل المعتمد لدى جلّ متكلّمي الإمامية — بل كلّهم — ولدى جلّ فلاسفتهم، وكذا عند بعض أرباب العرفان.
في قبال ذلك، تمسّك الشيخ الصدوق (رضوان الله تعالى عليه) بقاعدةٍ معرفيةٍ أصلها صريح بيانات الوحي، مفادها «أنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الأَرْوَاحَ قَبْلَ الأَجْسَادِ»[11] [12] ؛ وهي قاعدةٌ مرويةٌ بطرق الفريقين مستفيضة، وليست ممّا تختصّ به طُرقنا فحسب، ولم يقف الأمر فيها على عموم الأرواح بل تعدّاه إلى أسبقية خلق أنوار النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأنوار الوصيّ (عليه السلام).
والمانع عند أولئك المتكلّمين والفلاسفة: هو توهّم استحالة تصوير الكثرة في غير الأجسام أو المواد؛ إذ عالم المجرّدات عن الجسمية لا تتصوّر فيه كثرةٌ عندهم إلّا بفرض التعلّق بالمادّة، وأمّا مع التجرّد التامّ فلا وجه للكثرة. نعم، يلتزمون بإمكان تصوير الكثرة الطولية في المجرّدات، كـ«العقول العشرة» ونحوها من الوسائط المفارقة[13] ، وأمّا الكثرة العرضية فممتنعة التصوّر عندهم في صقع المجرّدات بحسب مبانيهم.
وهنا تبرز عدّة غفلات: وقع فيها هؤلاء الأعلام من الفلاسفة والمتكلّمين والعرفاء، بينما سَلِم منها الشيخ الصدوق والحرّ العاملي (رحمهما الله):
• إحداها: حسبانهم أنّ الأرواح جواهر مجرّدة عن الأجسام تجرّداً مطلقاً.
والإيراد عليهم: أنّه لو كانت الأرواح مجرّدةً عن الأجسام بذاتها، فكيف تتكثّر إذن عند تولّد الأجساد؟ وبأيّ وجهٍ يقع ذلك التكثّر؟ أفيتبدّل الجوهر ذاته من الوحدة إلى الكثرة، أم يطرأ التكثّر بلحاظ التعلّق في مقام الفعل؟
والنقض العقلي المتوجّه إليهم: أنّه حتى لو تنزّلنا وفرضنا أنّ الروح في صميم ذاتها جوهرٌ مجرّدٌ عن الأبعاد الجسمانية، فما المانع عقلاً من أن يُفرض لها نوع تعلّقٍ بموادّ ولطائف سابقة ويكون تكثّرها في مقام الفعل؟ وكيف استجاز القوم تصوير هذا التعلّق المخصِّص في عالم الدنيا المادّي، وامتنعوا من تصويره في النشآت السابقة كعالم الذرّ وعالم الطينة وعوالم الأظلّة؟ فما الموجب لقصر تعلّق الروح المجرّدة بالمادّة على هذا البدن العنصري الدنيوي دون غيره؟
مناقشة تجرد الأرواح ومفهوم الجسم اللطيف في نصوص الوحي
ثمّ إنّ أصل المبنى محلّ منع: فمن أين ثبت أصلاً أنّ الأرواح مجرّدة عن الجسمية؟ فإنْ كان المراد هو التجرّد عن الجسم الكثيف الغليظ فهذا مسلّم، إلّا أنّ التجرّد في الاصطلاح العقلي — سواءٌ في حكمة الوحي أم في الاصطلاح البشري — مقولٌ بالتشكيك، ذو مراتب ودرجات متفاوتة وليس مرتبةً واحدة، وسيأتي بيانه جليّاً. فالأرواح — كما بيّن أمير المؤمنين والإمام الصادق (عليهما السلام) — ليست مجرّدةً عن الأبعاد الجسمانية إطلاقاً؛ إذ رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في جواب الزنديق: «وَالرُّوحُ جِسْمٌ رَقِيقٌ قَدْ أُلْبِسَ قَالَبًا كَثِيفًا»[14] ، بل إنّ المستفاد من اصطلاح الوحي — وحسبما فصّلناه في كتابنا في الرجعة[15] — أنّ الوحي متى ما أطلق لفظ «الروح» فإنّما يعبّر عن حقيقةٍ متعلّقةٍ بجسدٍ ما، ولو كان جسداً في غاية اللطافة والرّقّة؛ فالروح لا تنفكّ عن تعلّقها بجسد، وهي ذات جوهرٍ متجسّد.
ولكن عن أيّ جسدٍ يقع الحديث هاهنا؟ لقد تنبّه علماء الطبيعيات والفيزياء، وعلماء البيولوجيا والفسيولوجيا، والأنثروبولوجيا والجيولوجيا، إلى أنّ الأجسام تتفاوت في مراتب اللطافة وتتعدّد إلى درجاتٍ لا تقف عند حدّ؛ فليست المادّة محصورةً في هذا القالب الكثيف الغليظ فحسب، بل إنّ التباعد الشاسع في رتب اللطافة يحمل المدرِك المحجوب بالجسم الغليظ على أن يظنّ الجسد اللطيف مجرّداً محضاً، بينما واقعه وحقيقته أنّه ليس بمجرّد، وإنّما عجزت أدوات الحسّ الكثيف عن استيعاب الخصائص الجسمانية بالغة السرعة والشدّة الكامنة في ذلك الجسد اللطيف.
ويشهد لذلك ما وقع على الصعيد الفيزيائي؛ إذ ساد لدى علماء الطبيعة إلى عصر العلّامة الطباطبائي (رحمه الله) رأيٌ علمي محدّد في حقيقة الطاقة بنى عليه (قدّس سرّه)، ثمّ ما لبث أن تبدّل ذلك المنظور الفيزيائي من بعد وفاته.
بناءً على ذلك، وبعد وفاة العلّامة الطباطبائيّ (رحمه الله) صاحب «الميزان»، تبدّل رأي علماء الفيزياء؛ إذ كان المستقرّ في الأوساط العلميّة الفيزيائيّة على الصعيدين الدوليّ والبشريّ أنّ الطاقة لا تُمثّل جسماً، فكانوا يرون أنّ سائر أصناف الطاقات — كالطاقة الضوئيّة، والصوتيّة، والمغناطيسيّة، وما شاكلها من الجُسيمات كالفوتون والإلكترون والبروتون والنيوترون — ليست مادّةً وليست جسماً. وقد بنى العلّامة الطباطبائيّ على هذا المعطى الفيزيائيّ — لكون الفلسفة تعتمد على العلوم الطبيعيّة في جملةٍ من مقدّماتها، وإن كانت في مباحثها الكلّيّة لا تعتمد عليها، وهو ممّا يُعدّ من الغفلات البشريّة بخلاف ما لو اعتُمد على الوحي — فرتّب عليه أنّ الطاقة جوهرٌ آخر مباين، فليست هي صورةً جسمانيّةً ولا مادّةً جسمانيّة، بل هي جنسٌ مقسمٌ لهما، كما هو مصرّحٌ به في كتابه «نهاية الحكمة»[16] .
ثمّ إنّ الفيزيائيين أذعنوا بعد ذلك بأبعاد المجال المغناطيسيّ وماديّته، وهم أنفسهم يقرّون بأنّ ثَمّة طاقاتٍ مجهولةً في الأرض، فضلاً عن عوالم السماء، لم يبلغها كشف البشر إلى الآن؛ إذ ما لم يُكتشف من الطاقات غير متناهٍ، وما اكتُشف منها نزرٌ يسير. وإنّ السرعة الفائقة للضوء، وسرعة الصوت، والسرعة المهولة لبعض الطاقات، تجعل حسّ الإنسان يتوهّم أنّها ليست جسماً، بل يحسبها متحقّقةً على نحو الإيجاد الدفعيّ لقوله تعالى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾[17] .
حقيقة عالم الأمر والعرش والفرق بين التجرّد ولطافة النور
والاشتباه هنا: أنّ الفلاسفة والعرفاء والمتكلّمين بنوا على أنّ عالم الأمر مجرّدٌ عن الجسمانيّة تماماً، وهو اشتباهٌ بيّن؛ فإنّ عالم الأمر — وهو من جملة عوالم الأرواح — ليس مجرّداً عن الجسم بالقول المطلق، بل هو أيضاً عالمٌ جسمانيٌّ في غاية اللطافة، يتراءى للإنسان ولعالم الأرض والسماوات دفعةً واحدةً كأنّه مجرّد، ولكنّه في واقعه ليس بمجرّد.
وقد بنى الشيخ أحمد الأحسائيّ تأثّراً بالفلاسفة على أنّ عالم الأمر مجرّد، وهو خطأٌ واشتباهٌ وقع فيه وفي غيره من الباحثين[18] ؛ فعالم الأمر جسمانيّ، وهو روحٌ ألطف من جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وألطف من الكروبيين[19] والملائكة المقرّبين، وألطف من السماء السابعة ومن الجنّة الجسمانيّة. وكذلك العرش عند الفلاسفة والمتكلّمين؛ إذ يعدّونه عالماً مجرّداً، غير أنّه ليس بمجرّد، بل هو جسمٌ بلغ غاية اللطافة؛ وسواءٌ أكان العرش ألطف من عالم الأمر أم كان عالم الأمر ألطف منه، فذلك بحثٌ غامضٌ يستدعي خوضاً وتتبّعاً كثيراً.
وأمّا في بيانات الوحي: فالمتحصّل بحسب التتبّع أنّ عالم الأسماء هو المجرّد عن الجسمانيّة، والمقصود به «عالم الأسماء الأوّل»؛ إذ قد يُطلق عالم الأسماء على عوالم نازلةٍ كثيرة. وقد ورد النصّ عليه في «أصول الكافي» بأنّه مجرّدٌ عن الأبعاد والمقادير وسائر شؤون الجسم[20] ، ثمّ بدأ أوّل العوالم الجسمانيّة وهو المسمّى بـ«عالم النور».
تنبيه: إنّ «النور» اصطلاحٌ وحيانيٌّ يتطلّب تتبّعاً بقراءةٍ عقليّة، ولا يُدّعى في هذا الاستنتاج العصمة، بل يفتقر الأمر إلى مزيدٍ من التدبّر والتمعّن؛ فهذا الاصطلاح ليس وضعاً لغويّاً ولا عقليّاً بشريّاً، بل هو عقلٌ وحيانيٌّ ذو معيارٍ خاصّ؛ فالنور يُطلق في الوحي تارةً على الموجود المجرّد عن الجسم — وهذا هو الأساس في الاستعمال —، ويُطلق تارةً أخرى على الأرواح والأجسام البالغة الغاية في اللطافة، بحيث إنّ المسافة الشاسعة بينها وبين الأرواح والأجسام النازلة تجعل تلك المراتب النازلة تراها كالمجرّدات.
فإن تباعدت المسافة في اللطافة، عُدَّ ذلك في اصطلاح الوحي «نوراً» بالمعنى الأعم الشامل للأرواح البالغة الغاية في اللطافة.
ومثال ذلك: أن العقل عند الفلاسفة والمتكلمين — لا سيما المتأخرين منهم — موجودٌ مجردٌ عن الجسم، في حين أن مقتضى بيانات الروايات الشريفة أن العقل روحٌ وليس مجرداً عن المادة الجسمانية بالكلية. وحينئذٍ، متى خُلق العقل رتبةً؟ أهو مخلوقٌ قبل العرش أم بعد العرش؟ وقبل عالم الأمر أم بعد عالم الأمر؟ فهذه بحوثٌ غامضةٌ لم نقف فيها حتى الآن على وضوحٍ تام، وهي تفتقر إلى تتبعٍ عقليٍّ أوسع في نصوص الوحي، ومثل ذلك يجري في مرتبة المشيئة وسائر المراتب.
والحاصل: أن «النور» يقع على اصطلاحين على أقل تقدير، أحدهما إطلاقه على الموجود اللطيف وإن كان جسماً لطيفاً.
تنبيه: إن الفتح العلمي الذي انتهى إليه الفيزيائيون المعاصرون يصلح منبِّهاً عقلياً لقراءة نصوص الوحي؛ وحاصله أن الأجسام تتفاوت درجاتها في اللطافة تفاوتاً لا يُحد ولا يُحصى. وعليه، فإن الفلاسفة بمداركهم البشرية المحدودة توهموا أن العقل مجردٌ مطلقٌ عن شؤون الجسم، وأن عالم الأمر مجردٌ تجرداً مطلقاً، مع أن ما يشير إليه الوحي في قوله تعالى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ ليس تجرداً مطلقاً بل يتضمن نحواً من التدريج. وقد ورد نفي التجرد المطلق في روايات توحيد الصدوق وأصول الكافي وغيرهما، وتلك الكتب هي جبال المعرفة الحقيقية؛ إذ من أوصاف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في نهج البلاغة أنهم: «…وَكُهُوفُ كُتُبِهِ، وَجِبَالُ دِينِهِ»[21] . فهذه الجوامع الروائية التي قد يستهين بها بعضهم هي أطوادٌ شامخةٌ تشتمل على معارف تعلو على مدارك الفكر البشري، وتتجلى عظمتها لأرباب العقول، ككتاب بصائر الدرجات، ومختصر بصائر الدرجات، وعيون أخبار الرضا (عليه السلام)، واحتجاج الطبرسي؛ فإنها بحقٍّ تراثٌ معرفيٌّ زاخر.
نقد تحكيم المدارك الحسية والرجالية في رد الروايات المعرفية
فائدة: إن العلامة الطباطبائي (رحمه الله) — مع جلالة قدره وعلو كعبه — يبقى من آحاد البشر غير المعصومين. وإنما نورد ما وقع له من غفلةٍ لا من باب تتبع عثرات الأعلام؛ فنحن عيالٌ على بركات جهودهم ومستفيدون منها، بيد أن العلم لا محاباة فيه، والعصمة مقصورةٌ على أهل البيت (عليهم السلام) حصراً. وتلك الغفلة مسطورةٌ في كتابه نهاية الحكمة، وكذلك في حاشيته على بحار الأنوار في المجلد السابع[22] ؛ إذ علق على روايةٍ نبويةٍ مرويةٍ بطرق الفريقين بأنها من الموضوعات الإسرائيلية، وهي الرواية المتضمنة «أن الأرض على جبل قاف ولونه أخضر»[23] [24] ؛ وعلل حكمه بالوضع بأن الحس لا يشهد بوجود جبلٍ محيطٍ ولا لونٍ أخضر في الأرض. ومقتضى ذلك أنه اعتمد على الحس البشري الساذج وأغفل الحس المدعوم بالعلم وأجهزته.
والنتيجة: أن كثيراً مما جزم الشيخ النجاشي بوضعه إنما كان من قبيل الاجتهاد الخاطئ الصادر منه؛ نظراً لضيق الأفق المعرفي في ذلك العصر عن استيعاب تلك الحقائق. فالموازين التي بنى عليها أصحاب الجرح من الرجاليين أحكامهم إنما كانت تابعةً لما بلغته علومهم، فلا يسوغ التعويل المطلق على تضعيفاتهم كي لا نُحرم من نفائس تراث الوحي. وقد نص السيد بحر العلوم (رحمه الله) على أن كثيراً من المعارف التي استنكرتها الطبقات المتقدمة من الرواة ولم تطق حملها، قد غدت اليوم بفضل البراهين العقلية من ضروريات المذهب[25] ، ولم ينفرد السيد بحر العلوم بهذا التحقيق، بل صرح به أيضاً أستاذه المحقق الوحيد البهبهاني (رحمه الله) — وهو رئيس الأصوليين وعميدهم، وليس إخبارياً — في تعليقته الرجالية[26] .
والشاهد في المقام: أنه بعد ارتحال العلامة الطباطبائي (رحمه الله)، كشف العلم البشري عبر الأجهزة والتقنيات المعاصرة — التي لم تتيسر في عصره — أن المجال المغناطيسي المحيط بالكرة الأرضية يتخذ هيئة حرف القاف وله زرقةٌ مشوبةٌ بخضرة. فثبت أن للأنبياء والأئمة (عليهم السلام) بصائر ملكوتية وإدراكاً فائقاً متفوقاً، مع تفاوت الأنبياء في مراتب ذلك الإدراك المسلح، وإنه ليس فيهم من يداني خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله).
فلا يسوغ قياس التراث الوحياني النازل على نبي الله موسى (عليه السلام) بما نزل على سيد الأنبياء وخاتم الرسل (صلى الله عليه وآله)؛ إذ إنَّ تراث كليم الله (عليه السلام) جاء على قدر سعة مقامه، لا على وفق الفيض الإلهي المطلق، والمقصد من هذا كله بيان كيف بُني الحكم بنفي الروايات تارةً على مجرد الحس الرجالي المحدود.
ومثاله ما وقع في «دعاء السِّمات» [27] [28] ؛ حيث ذهب أحد كبار المفسرين ممن توفي إلى القول بوضعه وعدّه من جملة الإسرائيليات، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وكان مستند استبعاده اشتمال الدعاء على ذكر المقامات والمواطن التي ناجى فيها موسى (عليه السلام) ربه، كجبل فاران، وفوق غمائم النور، وفوق تابوت الشهادة، وقول الداعي: «وباسمك الذي كلمت به موسى»، إلى غير ذلك من الشؤون المرتبطة بنبي الله موسى (عليه السلام). ومآل هذا الصنيع أنه أراد بموازين رجال البشر وأفهامهم قاصرة المدى أن يزن هذا الجوهر المعرفي الثمين المتمثل في الفقرة الشريفة: «وَأَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ بِمَجْدِكَ الَّذِي كَلَّمْتَ بِهِ عَبْدَكَ وَرَسُولَكَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي الْمُقَدَّسِينَ، فَوْقَ إِحْسَاسِ الْكَرُوبِيِّينَ»[29] ، مع أن ملائكة السماء السابعة وأهل الملأ الأعلى لهم من لطافة الإدراك سَمْعاً وبَصَراً ما لا يفي به الوصف البشري، ومع ذلك فإنَّ ثَمَّ إدراكاً ملكوتياً أرقى وأعلى فوق إحساسهم. ومسألة تفاوت الإدراك بالشدّة والضعف في الحواس الخمس وغيرها، وما كان منها مجرداً أو مسلَّحاً بأدوات العلم، من الحقائق التي قصر عنها إدراك البشر سابقاً.
والإشكال المطروح: كيف يُحَكَّم عقل الإنسان القاصر على التراث الوحياني المتعالي، بحيث يُجعل ميزاناً حاسماً يُقبل بموجبه ما أدركه ويُرَد ما عجز عنه؟ وكيف يصح أن يُجعل قضاء أعلام الجرح والتعديل كالنجاشي، أو ابن الغضائري، أو الكشي[30] ، حاكماً مطلقاً في هذا الشأن فيُحرم الباحث من تراث المعصومين (عليهم السلام)؟ فإنَّ إدراك الإنسان مهما اتسع أمره يظل سجين حدوده، في حين أنَّ أفق الوحي الإلهي مفتوح لا يتناهى.
والحاصل: من هو الحري بأن يُوصف بصاحب المنهج العقلي الرصين؟ ومن هو الأسير المحبوس في سجن المحدودية البشرية؟ أيكون المحبوس مَنْ ينفتح على عوالم الوحي ويتسع إدراكه لآفاق الغيب، أم ذاك الذي حبس نفسه داخل الدوائر الضيقة للأفق البشري المحدود؟
لزوم الانفتاح الفلسفي والعقلي على معارف الوحي
ثم إنَّ الفلاسفة، على الرغم من دعواهم العريضة في تحرير التفكير وإطلاق عنان التعقل شرقاً وغرباً، ما بالهم يعرضون عن الانفتاح على معارف الوحي؟ فإنَّ مضامين الوحي الإلهي — على أقل التقادير — احتمالات راقية تُعرض على العقل، فلماذا لا يتسع لها أفق التأمل الفلسفي عقلياً؟ وما المانع من مدارسة نصوص الأنبياء وأوصيائهم (عليهم السلام) والانفتاح عليها بوصفها احتمالاً وإرشاداً معرفياً؟ فلو صرفنا النظر عن الإيمان التعبدي والتصديق الأولي، لِمَ لا يُتعامل معها كاحتمال وإرشاد وتنبيه؟ بيد أنَّ جوابهم يأتي بالإعراض والاستغناء عن كل منبه خارج إطار العقل البشري، فهل يمتّ هذا المنطق إلى حرية التعقل بصلة؟!
بل إنَّ الأعجب من ذلك، أنه حين تُعرض الرواية في هذه المعارف العالية، يُبادر أحدهم بالرد الفوري مستنكراً: «لا نريد الرواية الضعيفة!»، فيا لله ماذا دهاك؟ هلا أخذتم مضامين هذه الروايات في رتبة الاحتمال العقلي والتنبيه الفكري؟ إذ كيف يكون الاحتمال المجرد الصادر عن السُّدِّي[31] ، أو المنقول عن فيلسوف أو متكلم مقبولاً وجديراً بالبحث، بينما يغدو الاحتمال المستفاد من نصوص الروايات المأثورة ممتنعاً ومحجوراً عليه في موازين العقل؟! فما هذا المنطق المتعجرف في التعامل مع تراث النبوة، وفي أي ميزان علمي تنضبط هذه الأحكام؟!