الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

48/04/14

بسم الله الرحمن الرحيم

 

موضوع: العام و الخاص/المطلق و المقيد- اعتبارات الماهية /موضوع له اسم الجنس و التحلیل التفصیلی لمراتب الدلالة

 

موضوع له اسم الجنس وأقسام الماهية

كان الكلام في بحث «المطلق والمقيّد»، في بيان أن أسماء الأجناس تكون في مقابل عَلَم الجنس؛ ومثال ذلك: لفظ (أسد) الذي هو من أسماء الأجناس، في مقابل (أسامة) الذي هو عَلَم جنس. وعلى أية حال، فالكلام واقعٌ في تحديد المعنى الذي وُضعت له أسماء الأجناس وألفاظها.

وقد بحث علماء البلاغة والمعاني في هذه المسألة؛ ووجه بحثهم: أن خصوصيات المعنى ذات تأثير مباشر في الدلالة والمدلول وبنية الظهور، ومقتضى ذلك التدقيق في الوضع اللغوي، والتدقيق في التركيب الناقص والتركيب التام، وكذا التدقيق في الأبعاد النحوية والصرفية والاشتقاقية، وسائر جهات علمي المعاني والبيان، إذ يؤدي هذا التحقيق إلى تفصيل أجزاء المعنى المركّب، فتكون النتيجة المستخلصة في مقام الاستظهار مستندةً إلى القواعد المقرّرة في علوم اللغة، وهو ما يُعبَّر عنه بـ«الاستظهار في التحليل التفصيلي».

وتأسيساً على ذلك، بحث الأصوليون أيضاً — وفاقاً للمناطقة وأهل المعاني — في أقسام لحاظ واعتبار ماهية الأجناس. وقد تقدّم أن المراد من الجنس هنا ليس خصوص الجنس المنطقي، بل مطلق الطبيعة؛ سواء أكانت طبيعةً نوعية، أم طبيعةً جنسية قريبة، أم جنسيةً بعيدة، أم طبيعةً عرضية صنفية؛ فالمقصود بالجنس اللغوي ما يعمّ مطلق الطبائع.

وأما مسألة الماهية اللا بشرط المقسمي واللا بشرط القسمي[1] : فقد ذهب أكثر الأصوليين إلى أن اسم الجنس اللغوي — وهو أعمّ من الجنس المنطقي — موضوعٌ للماهية المهملة. وفي مقابل ذلك:

    • ذهب بعضهم إلى أنه موضوعٌ للماهية اللا بشرط المقسمي، كما يُنسب ذلك إلى الحكيم الملا هادي السبزواري في حاشيته على شرح المنظومة[2] .

    • وذهب آخرون إلى أنه موضوعٌ للماهية اللا بشرط القسمي، كما يُنسب إلى المحقق النائيني[3] .

والبيان في أقسام الماهية: أن الماهية اللا بشرط القسمي يُعبَّر عنها بـ«الماهية المطلقة»، في حين يُعبَّر عن الماهية بشرط لا بـ«المجردة» وتكون ذهنية، ويُعبَّر عن الماهية بشرط شيء بـ«المخلوطة»، والشيء المأخوذ معها تارةً يكون ذهنياً وأخرى يكون خارجياً.

أما الماهية اللا بشرط المقسمي: فقد صوّرها القائلون بوضع اسم الجنس لها بأنها تُتصور في حدّ ذاتها ونفسها بقطع النظر عن أقسامها.

وقد أُورِد عليه: أن اللا بشرط المقسمي إذا فُسِّر باقتصار النظر على ذات الماهية وتجريدها عن الأقسام (المطلقة والمجردة والمخلوطة)، فإنها حينئذٍ تخرج عن كونها لا بشرط مقسمياً، وتعود عيناً للماهية المهملة؛ إذ الفرض والبرهان قاضيان بأن المقسم لا وجود له في الخارج إلا في ضمن أقسامه، وإلا بطلت مقسميته.

فإن قيل: إنه لا وجود لماهية لا بشرط مقسمي تُتصور مستقلةً بنفسها، بل لا مناص من تصورها متحققةً في أقسامها، ومقتضى ذلك امتناع وجودها المنفرد وامتناع وضع اللفظ بإزائها؛ فالجواب: أن استعمال الفلاسفة والمناطقة والمتكلمين والأصوليين للفظ «الاعتبار» ناظرٌ إلى مجرد اللحاظ في الذهن، بقطع النظر عن مسألة الاعتبار في مقابل التكوين؛ فسُمِّي اللحاظ اعتباراً لأن اعتبار الذهن هو عين إدراكه ولحاظه للمعنى. وهذا الوجه الاستدلالي الأخير لنفي وضع المطلق للماهية اللا بشرط المقسمي مبتنٍ على هذا الأصل.

إنّ قيل: إنَّ «اللا بشرط المقسمي»[4] لا يوجد بنفسه، بل دائماً في ضمن أقسامه.

فالجواب: فليكن في أقسامه؛ فإنَّ ذلك لا يساوق عدم إمكانية وضع اللفظ له كإمكانٍ عقليّ، فما المانع من ذلك؟ وستأتي شواهد أخرى على عدم وضع اسم الجنس له في موضعٍ آخر.

والمشهور بين الأصوليين: أو ذهب أكثرهم إلى أنّ أسماء الأجناس -أو لفظ الجنس اللغويّ لا الجنس المنطقيّ- موضوعةٌ للماهية المهملة، وهذا الوضع لا ينفي بحالٍ جواز استعمال اسم الجنس اللغويّ في الماهية المقسمية، والماهية المجردة، والماهية المطلقة، والماهية المخلوطة؛ إذ ليس مراد القائل بوضع أسماء الأجناس للماهية المهملة نفيَ استعمالها في سائر الماهيات؛ نظراً إلى أنّ الاستعمال شيءٌ والوضع شيءٌ آخر؛ فمقتضى مراد المشهور من وضع لفظ الجنس اللغويّ للماهية المهملة عدمُ الممانعة من استعمال لفظ الجنس في الماهية المطلقة (اللا بشرط القسمي)، أو الماهية المقسمية (اللا بشرط المقسمي)، أو الماهية المخلوطة (بشرط شيء)، أو الماهية المجردة (بشرط لا).

ومدار البحث: في تحليل بنية الظهور تحليلاً تفصيلياً لدى علماء البلاغة في علمي المعاني والبيان، ولدى علماء الأصول والمفسرين والمستنبطين في سائر العلوم الدينية؛ حيث تُدرس مراتب الدلالة خطوةً بخطوة لضبط بنية الدلالة والظهور، وحينئذٍ تتفرع فنون الاستظهار وقواعد الاستنباط؛ إذ يتسع في التحليل البنيويّ التفصيليّ للظهور أفقُ تدقيق الباحث في فنون الدلالة، بخلاف الاستظهار الإجماليّ الارتكازيّ الذي لا سعة فيه، بل يكتنفه إجمالٌ وإبهامٌ وقَدْرٌ مقتضب؛ وحيث إنّ لكلٍّ من الاستظهارين الإجماليّ والتفصيليّ إيجابياتٍ وسلبيات، فإنه بتعبير صاحب الفصول[5] يجب على الفقيه أو المجتهد أو المفسر أو المتكلم -أو أيِّ باحثٍ في العلوم الدينية- أن يجمع بين إيجابيات المسلكين.

والحاصل: أنّه في تفصيل مراتب الدلالة وتفاصيل عناصر كلِّ مرتبةٍ وأجزائها تبزغ فنون الدلالة، كما جاء في تعبير أهل البيت (عليهم السلام) المطابق لقوانين علوم اللغة: «إِنَّ الْكَلِمَةَ مِنْ كَلَامِنَا لَتَنْصَرِفُ عَلَى سَبْعِينَ وَجْهاً، لَنَا مِنْ جَمِيعِهَا الْمَخْرَجُ»[6] ، والتصرف مأخوذٌ من الصرف الذي هو التغيير؛ إذ سُمّي العلم الباحث في هيئة المفردة بعلم الصرف لاشتماله على تغيير بنية المادة وهندستها إلى فاعلٍ ومفعولٍ وفعّالٍ وهلمّ جرّاً، غير أنّ مرادهم (عليهم السلام) لا يقتصر على علم الصرف، بل يشمل علم المعاني وعلم النحو في التركيب، ومن ذلك وجوه إعراب الآية الواحدة التي صنّف فيها علماء اللغة والمفسرون مصنفاتٍ كثيرة لبحث المرتبة الأولى من الدلالة في الاستعمال والتفهيم وتعدّد وجوه الإعراب.

والنتيجة: أنّ هذا بابٌ واسعٌ وعظيمٌ في علم التفسير، وفقه الفروع، وعلم الكلام، وعلم الأخلاق، ومختلف العلوم الدينية، بل حتى في قراءة النصّ القانونيّ الوضعيّ؛ ومن ثَمَّ فإنَّ إحدى نقاط القوة في التحليل التفصيليّ فتحه سعةً لفنون الدلالة وتنوّعها، وتكون جميع هذه النتائج موزونةً وصحيحةً لا تلاعباً فيها؛ لأنّ قواعد علوم اللغة بمجموعها هي التي تقتضي صحّة هذه النتائج واستقامتها.

هذا بحثٌ سيأتي إنْ شاء الله تعالى، وهو في كيفيّة التئام حجيّة الظهور مع تعدّد الاستعمال، أو تعدّد المعاني التفهيميّة، أو تعدّد المعاني الجدّيّة؛ إذ لا مانع من ذلك، بل قد يترقّى الأمر إلى تعدّد المعاني الوضعيّة، بأن يُستعمل اللفظ الواحد لإفادة معانٍ متعدّدة، كنحو ما يُعرف بشعر الحسك[7] في قولهم: «الغائب ما يظهر علامة»، فإنّ عبارة (علامة) وإن كانت تمثّل صوتاً واحداً، إلّا أنّ الألفاظ متعدّدة؛ سواء أُريد بها الاستفهام بمعنى (على ماذا)، أم أُريد بها الدلالة والأمارة بمعنى (على ما) دلالة، حيث أدّاها المتكلّم بصوتٍ واحدٍ يتحمّل معاني عديدة، ونظير ذلك ما يجري في لغة التشفير والرموز والاستخبارات، ولغة السرّيّة والإشارة، حيث يُستعمل الصوت الواحد في قوالب لفظيّة متعدّدة لإفادة معانٍ مختلفة.

والنتيجة التي نخلص إليها — وهي أصلٌ أهمّ من المباحث التفصيليّة —: أنّ البحث التحليلي التفصيليّ بتوسّط علوم اللغة في مراتب الدلالة، وعناصر المرتبة الواحدة، وتركيب هذه العناصر والأجزاء، يفسح مجالاً واسعاً لتفنّن الدلالة وتعدّد المدلول وفق المقرّرات والقواعد اللغويّة، وليس ذلك من قبيل التلاعب بالألفاظ؛ فقد ذكر علماء النحو مثلاً للبسملة سبعين وجهاً من وجوه الإعراب[8] ، وجرى مثل ذلك في آياتٍ قرآنيّة عديدة عُبّر عنها بالأعاريب، وجميعها جارية على موازين علم النحو وقواعده ولا تخرج عنها، وتُعدّ صحيحةً ومرادة؛ لأنّ المتكلّم — وهو الله تبارك وتعالى — محيطٌ عليمٌ بهذه الوجوه والاعتبارات كلّها، وكذلك الشأن في الكلام الصادر عن خلفاء الوحي وخزنته (عليهم السلام). ومن ثَمّ فإنّ باب التحليل التفصيليّ يمنح الباحث بصيرةً بفنون الدلالة وسعة التعدّد والتنوّع، فتغدو تلكم النتائج المستنبطة كلّها موزونةً وصحيحةً ما دامت مبتنيةً على القواعد والأصول.

وقد بحث علماء المعاني في حقيقة لفظ الجنس واسم الجنس، وكان دأبهم توسيع دائرة البحث لتشمل سائر علوم اللغة؛ ذلك أنّ شأن علماء البلاغة والبيان والمعاني هو التدقيق المجهري في بنية المعنى، حتى يصحّ القول بأنّ علم البلاغة هو السيّد المهيمن على سائر علوم العربيّة.

وتأسيساً على ذلك: فإنّ ذهاب مشهور الأصوليين إلى أنّ اسم الجنس موضوعٌ للماهيّة المهملة[9] [10] ، لا يسلب إمكان استعماله في الماهيّة بالاعتبارات الأخرى، سواء أكانت الماهيّة اللا بشرط القسميّ، أم المقسميّ، أم الماهيّة المخلوطة بشرط شيء، أم المجرّدة بشرط لا[11] .

والقاعدة هنا: أنّه يتوجّب في مسار التحليل التفصيليّ تحديد عناصر كلّ مرتبةٍ من مراتب الدلالة؛ بدءاً من عناصر الدلالة التصوّريّة الوضعيّة، ثمّ الانتقال إلى الدلالة الاستعماليّة لبحث مفاد التركيب الناقص والتركيب التام والقرائن الحالية والمقالية المحتفة بالاستعمال، ثمّ الانتقال إلى الفحص عن عناصر الدلالة التفهيميّة والجدّيّة وقرائنها؛ إذ لا يتمرّس الفقهاء والمفسّرون في اقتناص فنون الدلالة إلا بسلوك هذا المسار التحليلي التفصيلي لمراتب الظهور.

ومن شواهد ذلك: الحكم الفقهي بأنّ من زنى بذات بعلٍ حرمت عليه مؤبداً[12] [13] ؛ حيث استكشف القدماء هذه الحرمة الأبديّة عبر التحليل التفصيليّ للدلالة بإعمال التدبّر في لفظ «النكاح»، إذ وجدوا أنّ المراد به في الاستعمال الشرعي واللغوي لا يقتصر على خصوص العقد اللفظي، بل يعمّ الوطء أيضاً؛ فوقفوا بتأمّلٍ في الخطوة الأولى من مسار الاستظهار، ولم يقصروا مورد الحكم على من عقد على ذات بعل، بل أجروا حكم الحرمة على الوطء الحرام؛ نظراً إلى أنّ لفظ النكاح الحرام يصدق على الوطء المحرّم. فبواسطة التدبّر في المدلول اللغوي والشرعي تتجلّى مهارة التصرّف في فهم الدلالة، في حين يتردّد على ألسنة بعض المعاصرين القول بأنه لا دليل ناهض على ثبوت الحرمة الأبديّة لمن زنى بذات بعل سوى دعوى الإجماع.

وهو بشيءٍ من التدبّر عند المتقدّمين إلى القرون السابع والثامن والتاسع، حيث نجد ثلاثة عشر من الأعلام بيّنوا الدليل بكلّ سهولةٍ وبساطةٍ على حرمة نكاح من زنى بذات بعل وبقاء الحرمة عليه مؤبّداً[14] .

وهو راوٍ مؤمنٌ أتى بشبهات الزنادقة فأجابه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو معروفٌ بحديث الزنديق، وهو حديثٌ عظيمٌ يقع في صفحاتٍ عديدة، ضمّن فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) قواعد علوم التفسير ومباحث عقديّة عظيمة جدّاً[15] .

ومن ضمن ما بيّنه أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا البحث: أنّ الله عزّ وجلّ بيّن أصلاً من أصول الدين — وهو الإمامة — بالرمز والإشارة في العهد المكّي، معلّلاً ذلك بأنّه لا يتدبّر في الدلالة إلا أولو الألباب؛ فمع عظم هذا الأصل وخطره بيّنه الله بالإشارة لحكمةٍ، إلى أن وصل الأمر إلى الإعلان الصريح في يوم الغدير.

والمقصود: أنّ فنون الدلالة أمرٌ بالغ الأهميّة، وقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ بيان القرآن وكلام النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) قائمٌ على التعريض ولا يقتصر على التصريح، وذلك لاختلاف العلم النبويّ المحمّدي (صلى الله عليه وآله) عن علم بقيّة الأنبياء؛ فعلم سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) لا تسعه الألفاظ إلا عبر التعريض، في حين أنّ علوم سائر الأنبياء محدودةٌ يستوعبها الكلام الصريح.

وهذه بحوثٌ أساسيّة في تحديد سعة دائرة حجّيّة الظهور، وهو أمرٌ مهمٌّ في فقه الفروع، والتفسير، وعلم الكلام، وسائر العلوم الدينيّة؛ لمعرفة بنية الظهور الحجّة، خلافاً لمن يسلك مسلكاً قشريّاً سطحيّاً فيبني على حصر الحجّيّة في التصريح وحده، ويعدّ كلّ تأويلٍ أو إشارةٍ تلاعباً ناتجاً عن قصر النظر، في حين أنّ علماء البلاغة أثبتوا أنّ باب الدلالة أوسع من ذلك بكثير.

وهذا التدرّج التحليليّ يوضح الآليّة المنهجيّة التي مارسها الأعلام، وهي نكاتٌ تمثّل أمّهات الاستنباط التي يُعمِل فيها الباحث قواعد علوم اللغة، وقواعد علم الأصول، والقرائن المستفادة من العلوم الدينيّة المسلّمة.

والنتيجة: أنّ مراد من ذهب إلى أنّ اسم الجنس موضوعٌ للماهية المهملة[16] لا ينفي إمكانيّة استعماله في الماهية المطلقة، أو المخلوطة، أو المجرّدة؛ لأنّ البحث ناظرٌ إلى مقام الوضع لا إلى مقام الاستعمال، فيلزم التمييز بين مرتبة الوضع، ومرتبة الاستعمال، ومرتبة التفهيم في الدلالة.

وكذلك الإشكال الموجّه إلى القول بوضع اسم الجنس للماهية اللابشرط المقسميّ[17] بدعوى أنّها لا توجد بنفسها؛ فإنّ عدم وجودها مستقلّةً لا يمنع عقلاً من وضع اللفظ لها، وغاية الأمر أنّ استعمالها يقع دائماً في ضمن أحد الأقسام.

ومثال ذلك: وضع لفظ الركوع لكونه جزءاً من الصلاة مع أنّه لا يؤتى به منفرداً، أو كالسعي بين الصفا والمروة الذي لم يفتِ أحدٌ من فقهاء الإماميّة باستحبابه مستقلاً عن النسك[18] .

ومثال ذلك: إنّ الطواف يُستحبّ مستقلاً عن العمرة وعن الحجّ وسائر النسك، بخلاف السعي بين الصفا والمروة أو رمي الجمرات؛ فإنّهما لا يُشرعان على نحو الاستقلال. فبعض أجزاء الحجّ مستحبّة في أنفسها، كالوقوف في عرفات للدعاء، حيث يُستحبّ لغير الحاجّ والمعتمر التواجد في أرض عرفة لنيل الرحمة، وكذا ذبح الهدي يوم العيد في منى أو مكّة فإنّه مستحبّ في ذاته ولو لغير الحاجّ، في حين أنّ بعض الأجزاء الأُخرى لا تُشرع مستقلّة بحال.

والشاهد منه: أنّ عدم مشروعية الجزء مستقلاً لا يمنع من وضع لفظٍ بإزائه، كوضع لفظ «السعي» لذلك العمل غير المستقلّ؛ فكذلك الحال في ألفاظ الأجناس وأسمائها، إذ لا مانع عقلاً من وضعها للماهية اللابشرط المقسميّ[19] وإن كانت لا تتواجد عيناً إلا في ضمن الأقسام، فلا ينهض هذا المحذور إشكالاً مانعاً من صحّة الوضع، وإن قامت أدلّة أُخرى تدلّ على وضع اسم الجنس للماهية المهملة، إلّا أنّ هذا المانع المدّعى غير تامّ بهذا التقريب.

الإشكال الثاني: ما أورده السيّد الخوئي (قدّس سرّه) ومَن تقدّمه[20] ، ومفاده: أنّ الماهية اللابشرط المقسمي، والماهية اللابشرط القسمي -أي الماهية المطلقة-، والماهية بشرط شيء[21] ، قد أُخذ اللحاظ في كلٍّ منها قيداً مع الماهية، ومتى كان اللحاظ مأخوذاً فيها كانت الماهية ذهنية؛ وحينئذٍ يمتنع وضع اسم الجنس للماهية الذهنية خاصّة، بل يلزم وضعه للأعمّ من الذهنية والخارجية. مع أنّ الماهية المهملة تُمثّل نحواً من اللحاظ أيضاً، غاية الأمر أنّه لم يُلحظ مع الماهية، فإن كان الأمر كذلك، فما الفارق الذي يوجب أخذ اللحاظ قيداً مع الماهية المطلقة أو المقسمية دون المهملة؟

والجواب: قد تصدّى السيّد الخوئي لدفع هذا الإيراد بوجوهٍ ثلاثة بيّن فيها توجيه المطلب، وتنسحب هذه الأجوبة حتّى على سائر الإشكالات الواردة على الأقوال الأُخرى في المقام[22] .

 


[1] الماهية «اللا بشرط المقسمي» هي الماهية الملحوظة بذاتها مقسماً مجرداً عن كل شرط حتى شرط الإطلاق؛ وأما «اللا بشرط القسمي» فهي الماهية المأخوذة بشرط الإطلاق والسريان وعدم الاقتران بقيد، فتكون قسماً في قبال الماهية بشرط شيء وبشرط لا. — المحقق.
[2] شرح المنظومة ت حسن زاده آملي، السبزواري، الملا هادي، ج2، ص344.
[3] فوائد الاُصول، الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين، ج2، ص569.
[4] الماهية اللا بشرط المقسميّ: هي الماهية الملحوظة بذاتها مع قطع النظر عن أيّ قيد أو اعتبار، بحيث تكون مَقْسماً للاعتبارات اللاحقة (بشرط شيء، وبشرط لا، ولا بشرط القسمي). — المحقق.
[5] يُنظر: الأصفهاني، محمد حسين. الفصول الغروية في الأصول الفقهية.. — المحقق
[6] معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، ج1، ص2.
[7] «شعر الحسك»: نمطٌ من الشعر الدارج الموروث، يقوم على الإلغاز والتورية واستعمال الجناس اللفظي، بحيث يؤدّى التركيب الصوتي الواحد بمعانٍ متعدّدة تحتملها العبارة بحسب تقدير مواضع الفصل والوصل. — المحقق.
[8] التبيان في اعراب القران، العكبري، أبو البقاء، ج1، ص8-12. يُنظر تفصيل هذه الوجوه وتخريجها في كتب إعراب القرآن ومعانيه،
[9] كفاية الأصول - ط آل البيت، الآخوند الخراساني، الشيخ محمد کاظم، ج1، ص244.
[10] أصول الفقه - ط جماعة المدرسين، المظفر، الشيخ محمد رضا، ج1، ص230-231.
[11] الماهيّة إذا لوحظت مع عوارضها فهي «بشرط شيء»، وإذا لوحظت مجرّدة عن كل عارض فهي «بشرط لا»، وإذا لوحظت مقيسةً للقسمين من غير اشتراط فهي «لا بشرط قسمي»، أما الماهية الجامعة لهذه الاعتبارات فهي «لا بشرط مقسمي». — المحقق.
[12] شرائع الإسلام في مسائل الحلال و الحرام -ط اسماعیلیان)، المحقق الحلي، ج2، ص236.
[13] قواعد الأحكام، العلامة الحلي، ج3، ص32.
[14] جواهر الكلام، النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن، ج29، ص446.
[15] الإحتجاج، الطبرسي، أبو منصور، ج1، ص358.. وما بعدها
[16] الماهية المهملة: هي الماهية الملحوظة بذاتها بما هي هي، مع قطع النظر عن جميع القيود والاعتبارات الوجوديّة والعدميّة، حتّى قيد الإطلاق. — المحقق.
[17] الماهية اللابشرط المقسمي: هي الماهية الملحوظة مقسماً للأقسام الثلاثة (بشرط شيء، وبشرط لا، ولابشرط قسمي)، وهي مجرّدةٌ في وعاء الذهن عن أيّ تعيّن خارجيّ إلا في ضمن أحد أقسامها. — المحقق.
[18] العروة الوثقى - جماعة المدرسین ط منشورات ميثم التمار، الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم، ج3، ص467.
[19] الماهية اللابشرط المقسمي: هي ذات الماهية الملحوظة مقسماً للأقسام الثلاثة (بشرط شيء، وبشرط لا، ولا بشرط القسمي)، من حيث عدم تقيّدها بأيٍّ منها، ولا تحقّق لها في الخارج إلا في ضمن أحدها. — المحقق.
[20] محاضرات في أصول الفقه، الفياض، الشيخ محمد إسحاق، ج4، ص516.
[21] الماهية بشرط شيء (المخلوطة): هي الماهية الملحوظة مقارِنةً لوصفٍ أو قيد وجودي. والماهية اللابشرط القسمي (المطلقة): هي الماهية الملحوظة ساريةً ومطلقة مع رفض جميع القيود. — المحقق.
[22] محاضرات في أصول الفقه، الفياض، الشيخ محمد إسحاق، ج4، ص517.