47/11/24
الموضوع : أنواع البيان /أنواع النسخ والتدريج/
طبقات الولاية التشريعية وأثرها في فهم النسخ والتخصيص
كان الكلام في صور الدوران بين النسخ والتخصيص، وهي تصب في قاعدة كلامية لدى مذهب أهل البيت عليهم السلام. ومفاد هذه القاعدة أنَّ بيانات أهل البيت عليهم السلام وكلامهم قد ورد عنهم بمنزلة كلام متكلم واحد، حتى إنَّه ورد أنَّ ما يصدر من أحد المعصومين عليهم السلام يصح نسبته إلى المعصوم الآخر؛ لا بمعنى الإخبار عن زمانه، بل بمعنى وحدة المضمون. فمقولات من قبيل: “كلام أولنا كلام آخرنا” و”كلنا نور واحد” هي من البيانات العديدة الواردة عنهم عليهم السلام.
وعليه، فإذا كان الأمر كذلك، فإنَّ بياناتهم صلوات الله عليهم -وإن تفاوتت زمناً وتفاوتت بحسب الحضور وقت العمل- هي في الحقيقة بمنزلة الصادرة في زمان واحد، أو هي بيان لمنظومة تشريع واحدة. وعلى هذا الأساس، فإنَّ كل صور الدوران بين النسخ والتخصيص التي مرت بنا تصب في هذا المصب، وهو أنَّ التدريج الحاصل هو تدريج في البيان -كما مر بنا- وليس تدريجاً في التشريع. وهذا يغاير باب التدريج في التدبير، فتكون عندنا ثلاثة أبواب متمايزة.
طبقات صلاحيات التشريع في القانون الوضعي
وقد ذكرنا فيما سبق جهة معينة أو قاعدة في علم القانون ولغة القانون وأصول القانون، ومجملها أنَّه في علم القانون تكون صلاحيات التشريع طبقات؛ فهناك طبقة عليا، وطبقات وسطى، وطبقات دنيا. وقد مر بنا أنَّ كل طبقة تالية نزولاً ليست في صلاحية التشريع في عرض الطبقة التي فوقها، كما هو الحال في القوانين الدستورية، والقوانين البرلمانية، والقوانين الوزارية، والقوانين البلدية، وما دونها من قوانين النواحي وغيرها، فتكون عندنا طبقات أربع أو أكثر.
فالتشريع النازل هو تشريع، ولكنه يبقى في حقيقته تبياناً لما فوقه من تشريعات. وهذه نكتة لطيفة، فالتشريع هو بيان وتفسير. وعليه، يكون التشريع النازل تصريحاً بأنه مبين، كما في قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. فبيان القرآن من وظائف النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم وأوصيائه، حيث خاطبه الله تعالى بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾. وهذا البيان والتبيان يصدق عليه أنَّه تشريع، فخاصية التشريعات هكذا، هي ترجمان تشريعي. وهذه حقيقة لم يُلتفت إليها كثيراً في علم الأصول أو علم الكلام، ويجب أن نركز عليها، فإنَّ هناك أبواباً كثيرة جديدة يجب أن تدون وتكتب. وهذا البحث أساسي جداً، وهو أنَّ ولاية التشريع طبقات، وهي في حين كونها طبقات تشريع، هي بيان وترجمان.
الطبيعة الطبقية للوحي والتشريع
وطبيعة الوحي نفسه قائمة على الطبقات، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]. فالإحكام يشير إلى الوجود الجمعي المدمج في أم الكتاب، والتفصيل هو التبيان لذلك الوجود الإجمالي. فطبيعة الوحي هكذا، طبقات، والتشريع بالتالي يكون كذلك.
فإذا كانت الصلاحية التشريعية للبرلمان كسلطة تشريعية، فهي في حين كونها سلطة تشريعية، تكون تبياناً للدستور. والقوانين الدستورية بالدقة هي تشريع وتقنين دستوري، ولكن كما يقول علماء القانون الدستوري، هي تفسير وتفصيل لديباجة الدستور التي تحتوي على أهدافه، بما يشبه فقه المقاصد. هذه حقيقة تكوينية اعتبارية موجودة راسخة في منظومة القانون والتقنين.
فالتشريع النازل هو حقيقة تشريع، وهو في ذاته بيان وتبيان وتفصيل. فما دامت القوانين الدستورية قوانين كلية مدمجة، فهي تحتاج إلى تفصيل، والتفصيل هو تبيين. وحقيقة القرآن كذلك، فهو تفصيل للآيات بالقياس إلى أم الكتاب الذي هو وجود جمعي إجمالي للقرآن فوقه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]. إذاً، طبيعة القانون شئنا أم أبينا، بل وحتى العلوم الأخرى، تكون طبقات القواعد العلمية فيها على هذا النحو: كلما تصعد تزداد اندماجاً وكلية، وكلما تنزل تتفصل القواعد إلى قواعد أخرى، وهذه القواعد النازلة تكون تفسيراً لما فوقها.
وهذه جهة من الجهات المتعددة في ولاية التشريع عند النبي (صلى الله عليه وآله). حتى القوانين الدستورية قالوا إنَّ أبوابها ليست طبقة واحدة، فالباب الأول والثاني والثالث في الدستور مثلاً مهيمن على الأبواب المتوسطة أو الأخيرة فيه. وهناك علم تخصصي في القانون الدستوري، علمه من علمه وجهله من جهله. فحتى القوانين الدستورية إذاً هي طبقات، ويعني ذلك أنَّ تقنين الباب الخامس أو العاشر هو بالدقة تقنين، وهو في نفس الوقت تفسير وتفصيل للأبواب الأولى؛ لأنَّها ليست عرضية، بل هي بالدقة طولية. والقول بعرضية القوانين الدستورية هو مسامحة، ولكنها بالدقة طولية، وديباجة الدستور هي منطلق طولي لها. فهذه القوانين الدستورية والقوانين البرلمانية ليست في عرض واحد، بل هي بالدقة طبقات. فالطبقات المتوسطة هي مبينة وهي تقنين في آن واحد. وهذا التقسيم الرباعي هو تقسيم إجمالي، وإلا فبالدقة كل قسم يحتوي على طبقات.
وهذه نكتة أخرى: يجب أن تُعزل هذه البحوث في أصول القانون على حدة وتدون، فأين أصحاب الهمم لهذا البحث الذي له فروع جداً مهمة.
صلاحيات النسخ بين الطبقات التشريعية
ظاهرة أخرى: نجدها عقلائياً وعقلياً أيضاً، ويجب أن ندقق فيها ونضبطها جيداً، وهي أنَّ ذا صلاحية التشريع النازل لا ينسخ قوانين ذي صلاحية التشريع الصاعد، فليس لديه صلاحية النسخ، بل صلاحيته مقتصرة على البيان، لكن لديه صلاحية أن ينسخ ما هو في طبقته. فالناسخ من القوانين الوزارية والمنسوخ منها كلاهما مبين لما فوقهما من القوانين البرلمانية. أو قل أيضاً: القانون البرلماني الناسخ والقانون البرلماني المنسوخ، كلاهما مبين لما فوقهما من القوانين الدستورية.
وهذا إنما يصح إذا لاحظنا القوانين البرلمانية كأنها في عرض واحد، أما إذا لاحظناها هي الأخرى طبقات، فالأمر يختلف. فطبيعة القوانين هكذا: ما كان في طبقة واحدة يمكن أن ينسخ بعضه بعضاً، أما ما هو دونه فلا ينسخه، بل يكون دوره تبيينياً فقط. القوانين الوزارية تنسخ بعضها البعض، ولكنها لا تنسخ ما فوقها، فليس من صلاحيتها نسخ ما هو أعلى منها.
والنتيجة: أنَّ النسخ درجات؛ لأنَّ النسخ نوع من الصلاحية التشريعية، وما دامت الولايات التشريعية والصلاحيات التشريعية طبقات، فإذاً النسخ طبقات. وهذه نكتة جداً مهمة.
وقد ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام نسخ بعض الأئمة لأحكام بعض الأئمة، لكنه من قبيل نسخ المستحب إلى مستحب آكد، أو نسخ الواجب إلى واجب آخر. فمثلاً، حكم من الأحكام حكم به أحد الأئمة، فنسخه حكم الإمام اللاحق، وقد استُعملت كلمة “نسخ”. والأعلام، بناءً على القاعدة التي بدأنا بها الحديث من أنَّ كل بيان للأئمة هو بمنزلة كلام واحد ونور واحد، يحملون كل ذلك على التخصيص لا النسخ. ولكن يمكن تصور النسخ بهذا البيان الذي مر بنا، وهو أمر قابل للتصوير وإن كانوا نوراً واحداً سلام الله عليهم.
تطبيق نظرية الطبقات على تشريعات الأئمة
وعليه، ففي قضية تشريعات أئمة أهل البيت عليهم السلام، وإن كانوا نوراً واحداً ودولة إلهية ملكوتية واحدة، إلا أنَّهم بالتالي طبقات. لذلك ورد في صلاحيات بعض الأئمة خصوصيات لم ترد في غيرهم، كما في زيارة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): «…الَّذِي خَتَمْتَ بِهِ الشَّرَائِعَ، وَفَتَحْتَ بِهِ التَّأْوِيلَ وَالطَّلَائِعَ».[1] فقوله: “ختمت به الشرائع، وفتحت به التأويل والطلائع” هو بحث تشريعي وتكويني، ولا ينافي الولاية التشريعية أو التكوينية.
والحاصل: أنَّه يجب أن نلتفت إلى أنَّه وإن ذكر الأعلام هذه القاعدة وبنوا عليها وأصروا عليها -وهي صحيحة- من أنَّ كل بيانات الأئمة بمنزلة بيان صادر في زمان واحد، لكن بلحاظ أنَّ الأئمة سلام الله عليهم طبقات في صلاحية التشريع أو ولاية التشريع، لا يمتنع أن يقال بالنسخ بين طبقة وطبقة. فلا يمتنع أن ينسخ إمام حكماً، ولا يبعد أن يجري في ذلك مضمون قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106]. وهذا لا يعني أنَّ الإمام اللاحق أفضل من السابق، بل يمكن تفسيره بأنَّ ما ينزله الله على الإمام اللاحق هو أفضل، ولكنه يمر بالإمام السابق. وقد ورد هذا المضمون في باب من كتاب الكافي وفي بصائر الدرجات، وهو أنَّه لا ينزل على الإمام اللاحق شيء إلا ويسبقه نزولاً على النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم سائر الأئمة بحسب ترتيبهم، إلى أن يصل إليه؛ وذلك لكي لا يُفضَّل اللاحق على السابق.[2] فقوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يمكن حمله على هذا المعنى.
على أي تقدير، فإنَّ هذا التصوير ممكن، كما أنَّ سورة التوحيد مثلاً تذهب بكل فضائل وخصائص السور التي نُدب إليها في الفرائض في أوقات مخصوصة، كساعة من يوم الجمعة. على أي حال، يمكن تصوير عملية النسخ بين الأئمة عليهم السلام، وهذا ليس نسخاً لفرائض الله، ولا فسخاً لسنن النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم.
إذن، يجب أن ننتبه إلى طبقات ولاية التشريع في المعصومين الأربعة عشر، وطبقات البيان، وطبقات النسخ، وتبعاً لطبقات التشريع لا محالة سوف تكون هناك طبقات وأنواع في النسخ. فالنسخ ليس على وتيرة واحدة كما صوره علماء الكلام والفقه والأصول والتفسير، فبحسب بيانات أهل البيت عليهم السلام نجد الأمر أوسع مما قالوا. والنسخ يختلف، كما هو موجود الآن في القانون الوضعي، حيث تأتي حكومة وتنسخ القوانين الوزارية وتجعل لها أمداً. ولم يتطرق بحث التدبير إلى هذه الطبقات، ولكن هذه أمور يجب أن يُعنى بها الإنسان، وهذا المقدار من الأمور الجديدة ضروري، بل من الضروري تدوينها على حدة.
نأتي إلى كلام صاحب الكفاية[3] ، وقبله الشيخ الأنصاري[4] ، فقد أرادا ومن قبلهما أن يفسروا تدريجية البيان. عندنا تدريجية البيان، وعندنا تدريجية التشريع. وحسب البلورة الأخيرة، فإنَّ تدريجية البيان لا تنافي تدريجية التشريع الطبقي. نعم، في طبقة واحدة لا يجتمع تدريج البيان مع تدريج التشريع. وهذه نكتة مهمة لطيفة يجب الالتفات لها.
وإلا فالبرلمان لديه تدريج في التشريع، وينسخ بعضه بعضاً، أو يخصص بعضه بعضاً، وكذا الحال في الوزارات. ويقال له: ألغِ، فما الذي أُلغي؟
فإنَّ ما أُلغي في الوزارة هو قانون وزاري، وليس قانوناً دستورياً. وما ألغاه البرلمان هو قانون برلماني، وليس قانوناً دستورياً. وإذا أُلغي قانون بلدي في دورة جديدة للبلديات، فإنما تُلغى به قوانين البلديات السابقة، فيكون نسخاً في طبقة نازلة، لا نسخاً لطبقة صاعدة.
إذن: فتدريجية البيان وتدريجية التشريع يجب أن نلاحظ فيهما جانباً طبقياً طولياً أو جانباً عرضياً. وهذه بحوث لم يثرها الأعلام، ولكنها ضرورية تمليها علينا طبيعة البحث في علم أصول القانون، وهو علم دقيق في أصول الفقه وفي العلوم الأخرى، ويشبه في أهميته فقه المقاصد، بل هو أكثر عمقاً من مدرسة فقه المقاصد. ولنخض الآن في كلمات الأعلام وتشريح ما قالوه في هذا الباب.
نقد قاعدة “لو كان لبان” في ظل تدريجية البيان
لقد مرّ بنا أمس أنَّ التزامهم بتدريجية البيان يضحى داحضاً أو مُعدِماً لقاعدة “لو كان لبان”[5] . وقد يعترف السيد الخوئي[6] بأنَّ الحكم الابتلائي قد يؤجَّل بيانه لمصلحة. وسيأتي مبنى السيد الخوئي في تدريجية البيان، وهذا المبنى هو الجواب عينه عن قاعدة “لو كان لبان”. وقد اعتمد عليها السيد الخوئي في تقريره بأنَّ قاعدة “لو كان لبان” تحمله على حمل المخصصات الأخرى على الندب، لا على الإلزام؛ فالمخصص الندبي لا يخصص العموم الإلزامي تخصيصاً إلزامياً، وإنما يخصصه ندباً.
وفي جملة من الموارد: التزم السيد الخوئي (رحمه الله) بأنَّ هذا المخصص المتأخر، لكي لا يتنافى مع قاعدة “لو كان لبان” وكون الحكم ابتلائياً، يُحمل على الندب. وهذا يكشف عن دوران الأمر بين التخصيص والنسخ أو الندب، مما يفتح باباً ثالثاً للبحث؛ إذ إنَّ علم الأصول إنما تُعرف مسائله وتتطور من خلال تتبع أبواب الفقه وجمع العناصر المشتركة، فتتكون من ذلك بحوث أصولية جديدة.
يضاف إلى ذلك: أنَّ بعض الأعلام التزم، استناداً إلى قاعدة “لو كان لبان”، بأنَّه لا يُعقل أن يكون شيء ابتلائياً، كقيد أو جزء واجب في الصلاة، ثم يخفى على فحول تلاميذ الأئمة كالإمام الباقر والصادق والسجاد (عليهم السلام). فيحملون ما صدر متأخراً عن المعصومين (عليهم السلام) على محامل أخرى.
ومثال ذلك: مسألة عرق الجنب من الحرام[7] ، حيث ذهب بعضهم إلى كراهته وليس نجاسته ومانعيته، استناداً إلى أنَّ الرواية الدالة على مانعيته قد صدرت عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، فيُشكل عليها بفاصلها الزمني عن عصر التشريع الأول وبقاعدة “لو كان لبان”. ولكن مع الالتزام بتدريجية البيان لمصالح، فإنَّ كل هذا الكلام من حمل المخصص المتأخر على الندب، أو على الحكم التكليفي دون الوضعي، أو ما شابه ذلك، لا يعود في محله.
فالسيد الخوئي (رحمه الله) نفسه يذكر هنا أنَّ البيان قد يؤخَّر لمصالح كثيرة، ولا يقبح حينئذٍ تأخير البيان لوقت الحاجة، بل قد يقبح العكس، وهو تعجيل البيان أو مزامنته قبل أوانه. وإذا كان الأمر كذلك، فإنَّ ما يمارسه جملة من الأعلام في الفقه من الدوران بين التخصيص والنسخ أو حمل المخصص على الندب فراراً من مخالفة قاعدة “لو كان لبان”، يصبح أمراً مشكلاً جداً؛ فإذا بنينا على أنَّ بيان الأئمة (عليهم السلام) هو تدريج في البيان وليس تدريجاً في التشريع، وأنهم بمنزلة متكلم واحد، فكيف يصح التمسك بقاعدة “لو كان لبان”؟ يجب الالتفات إلى هذا المطلب.
شواهد تاريخية على إشكالية قاعدة “لو كان لبان”
وها هنا شاهد: وهو أنَّ الشيخ جعفر كاشف الغطاء[8] (رحمه الله)، على عظيم مكانته الولائية، يجزم بعدم جزئية الشهادة الثالثة في الأذان، وعلل ذلك بأننا نقطع بأنها لم تكن في الأذان على زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ولكن يُنقض هذا الاستدلال بما ورد في الصحيحين عن أنس بن مالك أنه لما رأى أمير المؤمنين (عليه السلام) يصلي في خلافته بكى، ولما سُئل عن سبب بكائه قال: “مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كُنَّا عَلَيْهِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قِيلَ: الصَّلَاةُ، قَالَ: أَلَيْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيهَا”[9] . فإذا كانت الصلاة نفسها قد غُيّرت، فأي معنى للتمسك بقاعدة “لو كان لبان” وكأنَّ شيئاً لم يتغير؟ إنَّ هذه القاعدة مشكلة جداً، والتعويل عليها في مثل هذه المقامات محل نظر.
والشاهد الآخر: هو ما ذكره الشيخ الصدوق[10] (رضوان الله عليه) في كتابه من لا يحضره الفقيه، حيث روى أنَّ اسم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يكرر في الأذان ثم حُذف[11] . فإذا كان “أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ” موجوداً الآن، فأي تكرار هو الذي حُذف؟ كما ورد في روايات أخرى في علل الشرائع لعلي بن إبراهيم أنَّ آخر الأذان كان يختم بـ “محمد رسول الله”[12] . فكيف يُتمسك بقاعدة “لو كان لبان” في أمر يتكرر يومياً خمس مرات على مرأى ومسمع من الناس؟
ومثال ذلك أيضاً: بحث الشهادة الثالثة، فلو قيل بعدم معقوليتها لعدم ورودها في القرون الأولى، فالجواب أنَّ السيرة عليها موجودة في مصادر الفريقين منذ قرون متقدمة، ولكن غفل عنها من غفل. وعلى فرض عدم وجود هذا البحث الصغروي، نأتي إلى نكتة مهمة.
تنبيه: يذكر بعضهم أنَّ الكبار قد يقررون قاعدة في علم الأصول، لكنهم يتناسونها في كثير من الموارد عند تطبيقها في الفقه، وليس علم الأصول ترفاً فكرياً، بل هو مجموعة ضوابط يجب أن تراعى في الاستنباطات الفقهية اليومية.
خاتمة: نحو تفسير كلامي لظاهرة تدريج البيان
ونختم بهذه الكلمة، وهي أنَّ صاحب الكفاية[13] وقبله أستاذه الشيخ الأنصاري[14] حاولا أن يفسرا تدريجية البيان بلغة صناعية أصولية محضة، وهذا التفسير لا يفي بحق المطلب، وقد تبعهما على ذلك الميرزا النائيني. والصحيح أنَّ تفسير هذه الظاهرة لا يكون إلا بلغة مستمدة من علم الكلام، وهو ما سنواصل البحث فيه إن شاء الله.