الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/11/22

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:الدوران بين التخصيص والنسخ/ قاعدة تدريجية البيان/ فلسفة تدريجية البيان وإبطال قاعدة ‘لو كان لبان

 

كان الكلام على الإحالة اللازمة في صور الدوران بين التخصيص والنسخ، وقد انتهينا من الصورة السابقة التي كانت تدور حول ظاهرة مهمة، وهي أنَّ المخصصات لعمومات الكتاب والسنة النبوية كثيراً ما تصدر عن الأئمة عليهم السلام بفاصل زمني طويل قد يبلغ قرناً أو قرنين أو أكثر. وهذه المخصصات كظاهرة لا يحملها علماء الإمامية على النسخ، مع كونها واردة بعد حلول وقت العمل بالعام.

ويحملها علماء الإمامية على التخصيص لا النسخ.

الإشكال: أنه كيف تُحمل هذه المخصصات على التخصيص وقد جاء وقت العمل بالعام؟ ويُعترض بأنَّ هذا من تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو قبيح.

إشكالية تأخير البيان عن وقت الحاجة

فإنَّه يُشكل على مسلك علماء الإمامية في حملهم جل أو كل المخصصات المتأخرة عن وقت العمل بالعام على التخصيص. والحال أنَّ علماء الإمامية قد اتفقوا على أنَّ المخصصات الكثيرة في الأبواب الفقهية كلها متأخرة عن وقت العمل بالعام عقوداً من السنين أو قروناً، فلا يظن ظانٌّ أنَّ كل المخصصات قد بُيِّنت في عهد الإمام الباقر أو الإمام الصادق عليهما السلام.

نعم، إنَّ تدريج البيان في نفسه صحيح، لكنَّ الإشكال في تأخيره عن وقت الحاجة، وهو وقت العمل بالعام. ومن ثمَّ فإنَّ قاعدة «لو كان لبان» التي يعتمد عليها بعض الأعلام كالسيد الخوئي[1] في مواضع أخرى، قد رفع اليد عنها هنا؛ لأنَّ لازمها هو القول بقبح تأخير المخصص عن وقت العمل بالعام، مع أنَّ أكثر الأبواب الفقهية مبنية على هذا التأخير.

فالحاصل إذن أنَّ كل علماء الإمامية، إلا من شذَّ وندر، متفقون على أنَّ البيانات التي هي بمنزلة مخصص أو مقيد لم تصدر كلها عن النبي (صلى الله عليه وآله) أو الأئمة المتقدمين، بل ربما صدرت عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بفاصل ثلاثة قرون أو أكثر، وربما صدرت في التوقيعات على يد النواب الأربعة[2] ، ومع ذلك يحملونها على التخصيص لا على النسخ.

هدم قاعدة «لو كان لبان» بسيرة الأئمة

وعليه، فإنَّ قاعدة «لو كان لبان» لا أساس لها في مدرسة أهل البيت عليهم السلام. فلو لاحظنا الروايات الصادرة عن أهل البيت عليهم السلام في كتاب وسائل الشيعة[3] ، لوجدنا أنَّ أغلبها صادر عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) فمن بعده من الأئمة. ويحتوي هذا الكتاب على ما يناهز ستة وثلاثين ألف حديث بالمتون الأصلية، أما مع الطرق المكررة فيتجاوز العدد ذلك بكثير، وقد يصل إلى سبعين أو مئة ألف طريق.

وعليه، فإنَّ سيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام، بل وسيرة النبي (صلى الله عليه وآله)، قد جرت على تأخير بيان كثير من المخصصات لقرنين أو ثلاثة أو أربعة. وذلك أنَّ الغيبة الصغرى امتدت إلى القرن الرابع الهجري، حيث استمر الاتصال بالمعصوم وصدور المخصصات والمقيدات إلى بدايات ذلك القرن، وهي فترة تقارب السبعين سنة. وبالفعل، صدرت أحكام تتعلق ببعض موانع الصلاة والطواف والسعي وغيرها من الأبواب عن الناحية المقدسة أو عن الإمامين العسكريين أو الجوادين عليهم السلام. وهذا يهدم قضية «لو كان لبان» من أساسها.

ومع التسليم بهذه الحقيقة، نقف عند بحث أهم من المسألة التي نحن فيها.

والعجيب أنَّ كثيراً من الأعلام يستدلون بقاعدة «لو كان لبان» لنفي حكم معين، أو لحمل رواية متأخرة على الاستحباب، مع أنهم أنفسهم يتفقون في مسألة دوران الأمر بين النسخ والتخصيص على خلاف ذلك.

فالصورة التي نحن فيها هي ورود عامٍّ في الكتاب أو السنة النبوية، ثم يأتي مخصصه بعد زمن طويل. فمثلاً، نجد أنَّ كتب الحلبيين[4] ، وهم من كبار رواة زمن الباقر والصادق عليهما السلام، تخلو من بعض المقيدات التي ظهرت لاحقاً. وكذلك كتاب حريز بن عبد الله السجستاني[5] العظيم في الصلاة، لم يقف فيه هو أو زرارة على كل القيود، مع أنَّ كتب زرارة وصلت للشيخ الطوسي وهي تخلو من تلك المقيدات.

والشاهد على ذلك ما ورد في رواية صحيحة السند عن زرارة، قال: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): جُعِلْتُ فِدَاكَ أَسْأَلُكَ فِي الْحَجِّ مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَاماً فَتُفْتِينِي، فَقَالَ: يَا زُرَارَةُ بَيْتٌ يُحَجُّ إِلَيْهِ قَبْلَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ تُرِيدُ أَنْ تَفْنَى مَسَائِلُهُ فِي أَرْبَعِينَ عَاماً؟»[6] .

فإذن، هذا يدلل على ضخامة التراث وأنَّ كثيراً من الأحكام لم تكن معلومة حتى لكبار الرواة. فلو جمعنا الروايات الصادرة عن الإمام الكاظم ومن بعده من الأئمة إلى الناحية المقدسة، لوجدناها مليئة بالمخصصات والمقيدات التي لم تكن متداولة من قبل. فأين يقع الاستدلال بقاعدة «لو كان لبان» أمام حقيقة أنَّ البناء في الشريعة قائم على التدريج في البيان؟

ومثال ذلك ما ذكره أحد الأعلام، وهو الشيخ جعفر كاشف الغطاء[7] (رحمه الله)، وهو نحرير وفحل في كل الميادين، لكن قد تحصل غفلات من الكبار، حيث قال ما مضمونه: “لو كانت الشهادة الثالثة جائزة لبيَّنها النبي (صلى الله عليه وآله) في الأذان ولتناقلتها الأمة”.

والجواب: أنَّ هذه غفلة؛ فإنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يتقي في أصل تبليغ الشهادة الثالثة كأصل من أصول الدين، فكيف لا يتقي في بيانها في الأذان وهو فرع من الفروع؟

والدليل على ذلك نص القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 67]. فإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) يتقي في تبليغ أصل عقائدي مرتبط بأمينه وأهل بيته، وهو أصل الدين الواقعي والإيمان الحقيقي، فكيف يُستبعد أن يتقي في بيان جزء مستحب في الأذان؟

فصريح القرآن يدل على أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يعيش حالة من التقية في تبليغ أصل الولاية، فكيف يصح بعد ذلك الاستدلال بقاعدة «لو كان لبان» في الفروع؟ إنَّ معنى التدريجية في البيان هو أنَّ كبار تلاميذ الأئمة كزرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وغيرهم من أصحاب الإجماع لم يكونوا يعلمون بكل شيء، بل وما كانوا يعلمون أنهم لا يعلمون، إلى أن يأتي زمان أصحاب الأئمة المتأخرين كالإمام العسكري (عليه السلام)، أو أصحاب صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه في الغيبة الصغرى فيبينون ما خفي.

وهذا هو مقتضى اتفاقكم أيها الأعلام في مسألة دوران الأمر بين النسخ والتخصيص، من أنَّ الروايات المخصصة الصادرة عن الأئمة المتأخرين تحمل على التخصيص، مما يعني أنَّ التدريجية في البيان ضرورة من ضروريات مذهب أهل البيت عليهم السلام. فلا معنى للاستغراب والقول: «هل هذا معقول؟» أو التمسك بقاعدة «لو كان لبان».

واللطيف أنَّ الأعلام أنفسهم، ومنهم السيد الخوئي، يقرون بذلك.

وما يعرفون حقيقة الإمام، وذلك بحث آخر. أمّا في علم البيان، فانظر كيف ترسم العقيدةُ بنيان علم الكلام، وكيف يرسم علم الكلام بنية الأصول، وكيف يرسم علم الأصول بنية علم الفقه. إنَّ قاعدة “لو كان لبان” لا معنى لها في هذا السياق.

فإن قيل: أيعقل أن يأتي الأئمة، كالإمام الصادق (عليه السلام)، ولا يشرح الشهادة الثالثة لزرارة؟ قلنا: نعم، إنَّ ذلك ليس معقولاً فحسب، بل هو في غاية المعقولية؛ فالشهادة الثالثة قُتِل فيها أناس وقُتِّلوا.

والشاهد على ذلك: ما نُقل في شأن الصحابي كُدَير الضبّي، [8] الذي كان يأتي بالشهادة الثالثة بإحدى صياغاتها في تشهّد الصلاة، فقاطعوه ونبذوه. وهو مذكور في مصادرهم التراجمية وإن لم تفرد له مصادرنا ترجمة خاصة، والحمد لله أنَّ ترجمته محفوظة عندهم. وقد قيل فيه إنَّه من أواخر من بقي من الصحابة، إذ امتد به العمر إلى أواخر القرن الأول. وقد تحاملوا عليه أشد التحامل، لأنه كان يأتي بها.

وقد يقول قائل: أين هذه المصادر التاريخية؟ إنَّ هذه الكتب موجودة ومتاحة، فكتب التراجم للصحابة، كثير منها، ترجمت لكُدَير الضبّي من صحابة النبي (صلى الله عليه وآله) وصحابة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وذكرت أنَّه كان يأتي بالشهادة الثالثة في تشهّد الصلاة، فقاطعوه ونبذوه وحاربوه على هذا. وهذا يوافق ما ورد عن الإمام الهادي (عليه السلام) في زيارة يوم الغدير، من أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يمارس التقية في أصل هذه العقيدة، [9] إذ ما كانوا ليتحملوا هذا، فيكفرون ويرتدون، فكان يدرّجهم في البيان.

ومن هنا أشار السيد عبد الرزاق المقرّم (رحمه الله) إلى هذا المعنى.[10] وإنما أذكر هذا المطلب لأبيّن أنَّه في مسألة الدوران بين التخصيص والنسخ، تسالم علماء الإمامية، من أولهم إلى آخرهم، على أنَّ طابع الشريعة هو التدريج في البيان. فكثير من الأمور لم يكن زرارة يدري بها، وهو من هو في علوّ قدره، وكذلك محمد بن مسلم وأبو بصير. أفليس أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قد علموا بها؟ وما سبب هذا الإخفاء؟ إنَّ الأسباب قد شُرحت في أبواب الفقه المختلفة، في الصلاة والحج والطواف والأذان والوضوء والغسل وغيرها.

تدريجية البيان كدليل على ضرورة الإمامة

وليس ذلك بالأمر الممتنع، ونحن نريد أن نتعامل تعاملاً عملياً مع الاستنباط في الأبواب الفقهية. فإذا أتينا إلى مقام الاستنباط، فما معنى التمسك بقاعدة “لو كان لبان”؟ إنَّ الأدلة نفسها التي تدل على ضرورة الحاجة إلى إمامة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) هي دليلنا هنا. فما هي أدلة الحاجة إليه؟ هي أنَّ أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) لم يمتلكوا قدرة الاستيعاب الكاملة بسبب الظروف أو لأسباب أخرى. وكذلك أصحاب الإمام الكاظم، وأصحاب الإمام الرضا، وأصحاب الإمام السجاد، وأصحاب أمير المؤمنين عليهم السلام.

فسلمان (رضوان الله عليه) على جلالة قدره، كان الظرف المحيط به شيئاً آخر، فلم يكن بوسعه أن يغني عن بقية الأئمة. لماذا؟ لأنَّه لم يكن ممكناً لسلمان أن يستوعب كل ما عند النبي (صلى الله عليه وآله). الذي استوعب كل ما عند النبي (صلى الله عليه وآله) هم: علي وفاطمة والحسنان وزين العابدين عليهم السلام. أمّا البقية، فقد امتنع عليهم استيعاب كل شيء، إمّا لسبب ذاتي أو لسبب ظرفي، أو لكليهما.

وعلى هذا، فلماذا نستغني عن الإمام الثاني عشر عجّل الله فرجه؟ ومن الذي يستغني؟ لقد أجمع علماء الإمامية على عدم الاستغناء عنه، لأنَّه ليس بقدرة علماء الطائفة، كالمفيد والطوسي والمرتضى وابن البراج والصدوق، أن يستوعبوا جميع الأحكام ودين أهل البيت عليهم السلام بأكمله، حتى بما وصلهم من الروايات. لذلك نحن نحتاج إلى صاحب العصر والزمان عجّل الله فرجه. ونحتاج في عصر الظهور إلى الإمام الثاني عشر، لأنَّ طبيعة الدين مترامية الأطراف، لا يستطيع استيعابها كل علماء الإمامية مهما بلغ عددهم.

إنَّ الأحكام الشرعية في عقيدة الإمامية هي أحكام تدريجية البيان إلى يوم يُنفخ في الصور، فلا نستغني عن المعصوم، وكل جهود العلماء والرواة ما هي إلا قطرة في بحر. وإلا فقاعدة “لو كان لبان” لا معنى لها. إنَّ تدريجية البيان هي عينها مساوية لضرورة الحاجة إلى المعصوم.

والحاصل: أنَّ نفس دليل ضرورة الحاجة إلى المعصوم هو دليل على بطلان التمسك بقاعدة “لو كان لبان”. وهنا يُنقل عن صاحب الجواهر قدس سره[11] أنَّه في حالة نزعه، سُمع نداء يقول: “هذا علم صاحب الجواهر قطرة في بحر جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)”. ولذلك، فإنَّ من أتى بعده، كصاحب “منهاج الصالحين” على سبيل المثال، لو قارنت كتابه بالجواهر لوجدت فيه أبواباً وقواعد بحثية كثيرة ليست موجودة في الجواهر أصلاً.

إذاً، فهذه نكتة مهمة جداً تفيدنا في ممارستنا اليومية للاستنباط الفقهي، وهي ألا نتمسك بقاعدة “لو كان لبان”. فلو جاءتني رواية عن النائب الرابع، أخصّص بها العام ولا أحملها على الاستحباب. وإن قيل: أيعقل أنَّ كل هذه الأجيال من أصحاب الأئمة لم تعرف هذا الحكم؟ فالجواب: نعم، هو أمر معقول جداً. وأي ضير في ذلك؟ فهذا هو معنى تدريجية البيان. فلا تستدل بقاعدة “لو كان لبان”، فلو صحّت هذه القاعدة لاستغنينا عن بعض المعصومين ببعض، وهذا ما لا نقول به. وهذه نكتة مهمة جداً يعترف بها علماء الإمامية.

والسؤال الآن: ما فلسفة تدريجية البيان؟ ولماذا لا يكون تأخير البيان عن وقت الحاجة قبيحاً؟ إنَّ تدريجية البيان هي نهج سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) نفسه في مدة رسالته البالغة ثلاثاً وعشرين سنة. ولهذا التأخير أسباب عديدة خاض فيها العلماء. والمهم أنَّهم اتفقوا على هذا المبحث، وهو أنَّ بيان الأحكام الشرعية في دين الإمامية هو بيان تدريجي وليس دفعياً، لا في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا في زمن الإمام الباقر (عليه السلام)، ولا من قبله ولا من بعده من الأئمة، وهلم جراً. وقد أراد صاحب الكفاية والشيخ الأنصاري أن يؤصّلا لذلك تأصيلاً إثباتياً أصولياً، لبيان أنَّ منهج تدريجية البيان قد امتد لقرون متطاولة.[12] وهذا الوجه يرتضيه الكثيرون، وإن كان السيد الخوئي قدس سره لا يرتضيه، وله وجه آخر سنتعرض له. وهي على كل حال وجوه متعددة متينة وتامة، وكلها تصب في أنَّ البيان للأحكام الشرعية هو بيان تدريجي وليس دفعياً.

وهذا يعني أنَّ البشر في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يستوعبوا كل ما عنده، وما كانوا ليستوعبوه. وهذا من ضرورات الإمامة والوصاية، وهو أنَّ الوحي الموجود عند النبي (صلى الله عليه وآله) هو وحي غير قادر البشر على استيعابه كاملاً، وإنما استوعبه من اصطفاهم الله لذلك كفاطمة والحسنين عليهم السلام. ومع أنَّ حمزة بن عبد المطلب وجعفر الطيار لهما مقام اصطفاء بأدلة قطعية، إلا أنَّ اصطفاءهما يأتي بعد أصحاب الكساء والأئمة عليهم السلام. فإذا كان هؤلاء لا يستطيعون الاستيعاب الكامل، فكيف بمن دونهم؟ إذاً، فهنا قاعدة أصولية فقهية كلامية دينية، وهي أنَّ البيان تدريجي بالضرورة.

فإذا جئت لتستدل، فلا تستغرب من وجود روايات ظاهرها التقية أو التأخير في البيان. فروايات الشهادة الثالثة التي يُستدل بها على إجزاء الشهادتين، [13] هي محمولة على التقية أو غيرها من أسباب تأخير البيان. والدليل على ذلك أنَّ أصل الشهادة الثالثة كعقيدة، كان النبي (صلى الله عليه وآله) يتقي في تبليغها، فكيف بجعلها جزءاً أدائياً في فرع من الفروع؟ لقد خشي النبي (صلى الله عليه وآله) أن يرتد القوم، وأن ترجع الأمة القهقرى لو بلغهم الأمر دفعة واحدة، إلى أن أتى الأمر الإلهي الحاسم: ﴿…يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ…﴾ [المائدة: 67]. حين ذلك قام النبي (صلى الله عليه وآله) بتبليغ أصل الولاية. فهل يُستنكر بعد ذلك أن تكون التقية موجودة في فروع كالأذان؟ إنَّ هذا الاعتراف بلسان الروايات التي تذكر إجزاء الشهادتين، مع وجود جزء واجب آخر وهو الصلاة على النبي وآله غير مذكور فيها، هو خير دليل على وجود مخصصات وأسباب أخرى كالتقية.

فممَّ تستغرب؟ وهل يعقل أن هذه الأجيال لم تدرك؟ نعم، هو أمر معقول جداً. ولذلك نحن نحتاج إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، لأنَّ كل من أتى من فقهاء تلاميذ الأئمة لم يدروا بكل شيء، وما كانوا يدرون أنَّهم لا يدرون، وهذا هو الجهل المركب.[14] وهذه نكتة عملية ابتلائية مهمة جداً في أبواب الفقه والعلوم الدينية، وهي أنَّ البيان تدريجي، فلا يصح التمسك بقاعدة “لو كان لبان”، حتى في الأمور الابتلائية كالعقائد، فكيف بما دونها؟ ومن يستغرب من ذلك فكأنما يكتفي برسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو أمر لا يمكن، ليس لقصور في النبي حاشاه، بل لقصور فينا نحن عن الاستيعاب.


 


[1] هو السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت 1413هـ)، من كبار مراجع الشيعة في القرن الرابع عشر الهجري، وصاحب موسوعة معجم رجال الحديث وكتاب مصباح الأصول.
[2] هم السفراء الأربعة للإمام الثاني عشر (عج) في فترة الغيبة الصغرى (260-329هـ): عثمان بن سعيد العمري، وابنه محمد بن عثمان، والحسين بن روح النوبختي، وعلي بن محمد السمري.
[3] الحر العاملي، محمد بن الحسن. تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة.. تحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ط2، مؤسسة آل البيت، 1414 هـ
[4] الحلبيون هم أسرة علمية كوفية اشتهرت بالتجارة مع حلب، ومن أبرزهم عبيد الله بن علي الحلبي ومحمد بن علي الحلبي، وهم من كبار رواة أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).
[5] حريز بن عبد الله السجستاني، من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) الثقات، وكان كوفي الأصل وله تجارة دهن في سجستان فنسب إليها.
[6] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج4، ص226، باب “فضل الحج والعمرة وثوابهما”، ح1
[7] هو الشيخ جعفر بن خضر الجناجي النجفي (ت 1228هـ)، المعروف بكاشف الغطاء، من كبار فقهاء الشيعة ومؤلف كتاب كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء.
[8] كُدَير بن عمرو الضبّي، عُدّ من الصحابة ومن أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام). تُشير بعض المصادر إلى أنَّه كان يجهر بالشهادة الثالثة في الصلاة، ممّا عرّضه للنّبذ والمقاطعة. يُراجع: ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، ط1، دار الكتب العلمية، 1415هـ، ج5، ص473؛ والجعفري، محمد رضا. الصلاة الكاملة.، ط1، دليل ما، 1429هـ، ص245
[9] ورد في الزيارة المروية عن الإمام علي الهادي (عليه السلام) في يوم الغدير: “…فَلَمَّا أَشْفَقْتَ مِنْ غَوْغاءِ الْأَعْرابِ وَأَهْلِ النِّفاقِ فِي دِينِكَ، أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿…وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ…﴾ فَأَظْهَرْتَ أَمْرَهُ”. ابن طاووس، علي بن موسى. إقبال الأعمال.. تحقيق جواد القيومي الأصفهاني، ط1، مكتب الإعلام الإسلامي، 1414هـ، ج1، ص465
[10] هو السيد عبد الرزاق بن محمد المقرّم (ت 1391هـ)، عالم ومؤرخ شيعي عراقي، له مؤلفات عديدة في السيرة والتاريخ، من أشهرها كتاب “مقتل الحسين”.
[11] هو الشيخ محمد حسن بن باقر النجفي (ت 1266هـ)، المعروف بصاحب الجواهر نسبة إلى كتابه الضخم “جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام”، وهو من أعظم موسوعات الفقه الشيعي.
[12] يُراجع تفصيل هذا المبحث في مباحث العام والخاص من كتب أصول الفقه، لا سيما مسألة جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى وقت الخطاب.
[13] يُراجع ما ورد في هذا الشأن، كقوله: “والتشهد الواجب الذي من تركه أعاد الصلاة، الشهادتان”. (منسوب للإمام الرضا عليه السلام). الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام).. تحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ط1، مؤسسة آل البيت، 1406هـ، ص106
[14] إشارة إلى مراتب الجهل، ومنها الجهل المركب، وهو أن يجهل الإنسان شيئاً ويجهل أنه جاهل به.