الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/11/18

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الدوران بين التخصيص والنسخ / تداعيات علم الكلام/ الولاية التشريعية للأئمة وأثرها في فهم النسخ والتخصيص

 

مقدمة: إشكالية النسخ والتخصيص

الكلام في دوران الأمر بين النسخ والتخصيص في هذه الصورة المبحوثة، [1] وهي الصورة التي يتقدّم فيها العام على الخاص بمدّة، ويأتي وقت العمل بالعام لمدّة قصُرت أو طالت، ثم يأتي الخاص بعد قرن أو قرنين أو عقد أو عقدين، وهلمّ جرّاً؛ سواء صدر الخاص من سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) أم صدر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

والملاحظ في المذهب الجعفري أنَّ هذه الظاهرة هي ظاهرة عقائدية في الفقه، فالفقه تتحدّد هويته بالمذهب العقائدي الذي يؤطّره، وهي نكتة بالغة الأهمية. فمعالم الفقه والفروع تتحدّد هويتها بالمذهب العقائدي. ولذلك ورد في كثير من كلمات الأعلام: “نحن الوحي عندنا ليس أمده ثلاثة وعشرين عاماً”. نعم، هذا بالنسبة لوحي النبوّة، وعلى تسامح في التعبير، فإنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يزال في البرزخ يتلقّى الوحي، وهناك تعابير تشير إلى ذلك، وإلّا فإنَّ سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلقّى الوحي الآن وهو في البرزخ.

لكن المقصود هو الوحي بالمعنى الأعم، وهذا أيضاً من نواميس أهل البيت (عليهم السلام)، وهو ناموس في القرآن الكريم، أنَّ الوحي لا يختصّ بوحي النبوّة. وعلى أيّ حال، فالمعروف عند الإمامية أنَّ الوحي عندنا يمتدّ لثلاثة قرون وربع تقريباً، بل هو يمتدّ بامتداد “أنَّ الأرض لا تخلو من حجّة”. نعم، ليس هناك تواصل رسمي مع السبب المتّصل بين الأرض والسماء، لكنّ التشرّفات موجودة. وكما يقول علماء الأصول من الإمامية، إنَّ التشرّفات ممكنة، بل واقعة، بل مستمرّة، وقد استدلّ بها المحقّقون. فالمحقّق الحلّي[2] يقول بتواتر التشرّفات، وذلك في رسالة له مطبوعة في العقائد، حيث أثبت إمكانها ووقوعها بل تواترها. لكنّ هذه التشرّفات لا تمثّل قناة رسمية، وإلّا فإنَّ الوحي بغير معنى النبوّة موجود ومستمرّ إلى ظهور صاحب العصر والزمان (عجّل الله فرجه).

إذن، فالتشريع –وهو تعبير كثير من علماء الإمامية– عند العامّة يمتدّ لثلاثة وعشرين عاماً، أمّا التشريع عند الإمامية فلا ينحصر في هذه المدّة لسعته. وإن كان أوصياء النبيّ (صلى الله عليه وآله) أوصياء وليسوا أنبياء، فإنَّ تشريعاتهم ليست في عرض تشريع الله ولا في عرض تشريع النبيّ. فالولاية التشريعية للأئمة هي امتداد وتطبيق، وهي في طول تنفيذ تشريعات الله وتشريعات النبيّ، أو ما شئت فعبّر. وهو شبيه بالتشريعات البرلمانية التي ليست في عرض تشريعات الدستور ولا ناسخة لها، وإنما هي على العكس، تمثّل تنفيذاً وتطبيقاً وتوكيداً لتشريعات الدستور.

وهذه نكتة غفل عنها حتى جماعة من العلماء، إذ يُخيّل عند القول بالولاية التشريعية للأئمة أنَّ لهم نبوّة أو أنَّ لهم حقّ النسخ في عرض ذلك، وليس المراد هذا المعنى. فتشريعات أهل البيت (عليهم السلام) هي، من باب المثال، كالتشريعات البرلمانية، وليست تطبيقاً حقيقياً لها، بل هي على العكس، ترجمة لتشريعات الله وتشريعات الرسول، وهي تشريعات تفعّل تشريعات الله وتؤكّد تشريعات الرسول.

ومثال ذلك فتاوى الفقهاء في عصرنا، ففي “منهاج الصالحين” مثلاً آلاف المسائل، وليست كلّها متون روايات، بل كثير منها مسائل مستنبطة. ويُقال إنَّ كتاب “شرائع الإسلام” فيه اثنا عشر ألف مسألة، وكتاب “جواهر الكلام” فيه اثنان وستون ألف مسألة. فما هي هذه المسائل؟ وكيف يسند الفقهاء هذه الأحكام إلى الله عزّ وجلّ؟ إنهم يسندونها باعتبارها تفعيلاً لتشريعات الله وتشريعات النبيّ وتشريعات الأئمة. ففتوى الفقيه نوع من التشريع، لكنه ليس تشريعاً صادرًا من معصوم، ولا من نبيّ، ولا من إله. فما هو إذن؟ إنما هو تشريع صادر من نائب ضامن لتفعيل تشريعات الله والرسول والأئمة في سائر بيئات الحياة المستجدّة.

والشاهد على ذلك في الأنظمة الوضعية، أنَّ التشريعات الدستورية تبقى حبراً على ورق لولا التشريعات البرلمانية، وهذه الأخيرة تبقى معطّلة لولا اللوائح التنفيذية الوزارية. فهذه الطوليّة في التشريعات هي للتفعيل والتوكيد وضمان الإجرائية. فوجود طبقات في صلاحيات التشريع ضمن المنظومة القانونية هو أمر عقلي عقلائي، وليس بالأمر الجديد.

كذلك تأتي تشريعات البلديات أو المحافظات كطبقة رابعة، وربما خامسة. ولماذا هذه الطبقات؟ لأنَّ الصلاحيات في التشريعات تختلف، فليس لتشريعات البلديات أن تعمل بمادة برلمانية، بل لا بدّ لها أن تعمل بمادة قانونية وزارية. أمّا الذي يعمل بالمواد القانونية البرلمانية فهم أصحاب التشريعات الوزارية حصراً. فنظم التقنين، كما هو واضح للجميع، هي في أصلها نظام عقلائي يمثّل لغة القانون.

لذلك لا بدّ لنا في العمل بالنبويّات والقرآنيّات من مراجعة الأئمة (عليهم السلام)، لأنَّ هذه هي منطقتهم، فهم تراجمة وحي الله وتراجمة قانونه. وبدون مراجعتهم، لا يسوغ لنا التمسك بتشريعات القرآن بمعزل عنهم، وهي نكتة دقيقة مستفادة من مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55].

فإذن، القول بالولاية التشريعية لأهل البيت (عليهم السلام) هو، على العكس، توكيد وضمانة وتشديد على تفعيل وإجراء تشريعات الله وتشريعات الرسول. كما أنَّ الأئمة (عليهم السلام) ليس لهم أن يأخذوا بتشريعات الله إلّا عبر منطقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وهكذا هو الأمر، كما يذكر ذلك الإمام الرضا (عليه السلام) في رواية يتعرّض لها علماء الأصول في باب التعارض: “وَنَحْنُ فِي كُلِّ ذَلِكَ طَائِعُونَ تَابِعُونَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ”.[3]

وعليه، فهذه نكتة يجب الالتفات إليها، وهي أنَّ القول بولاية التشريع لأئمة أهل البيت هو مزيد من الضمان والتوكيد والتوثيق والميثاق لتشريعات الله وتشريعات الرسول. كما أنَّ القول بتشريعات النبيّ هو من ضرورات الإسلام. حتى إنَّ بعض الخاصة –أي من بعض الأوساط الداخلية– قد لا يستوعب على حقيقته معنى تشريع النبيّ، وهو في غفلة تامّة. وإلّا فإنَّ المسلمين كلّهم أجمعوا على أنَّ الركعة الثالثة في الصلوات الفريضة ليست من فرائض الله مباشرةً، بل هي بتشريع من النبيّ (صلى الله عليه وآله). وكذلك الركعة الرابعة في الصلوات الرباعية، فلو عدّها أحد فريضة من الله لكان مبتدعاً في الدين، وهذا ما اتّفقت عليه كلمة المسلمين، حتى ما ورد في الصحاح الستة عند العامّة.

إنَّ تشريعات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرورة إسلامية لا مجال للكلام فيها عند كافّة المسلمين. فلو تلاحظ البخاري ومسلماً والترمذي والبيهقي والصنعاني، لوجدتهم كلّهم يقولون بهذا. فالركعة الثالثة في الصلوات الفريضة سنّة نبويّة، وليست فريضة إلهية، وإلّا عُدَّ القائل بذلك مبتدعاً. ولهذا نقول في نيّة الصلاة: “أصلّي صلاة الظهر طاعةً وانقياداً لأمر الله وأمر الرسول”. فعبادية هذه الصلاة تتحقّق بالانقياد لولاية الرسول بعد ولاية الله. وكلّ المسلمين على هذا الأمر، وهو أنَّ الصلاة فيها سنن وأوامر نبويّة، ينقاد المصلّي بها في صلاته ويتقرّب إلى الله بولاية النبيّ، فبالخضوع والانقياد لولايته يُفتح له باب التقرّب إلى الله.

وهذه ضرورة إسلامية عند كلّ المسلمين والمدارس الفقهية. ولذلك افترق حكم الشكّ في الركعتين الأوليين عن حكمه في الأخيرتين. فكون الصلاة مشتملة على سنّة نبويّة إلزامية هو من ضرورات الدين. وهكذا الحال في الصيام والحجّ. ومآل ذلك أنَّ “السنّة النبويّة” مصطلح يمثّل ضرورة عند المسلمين كافّة. فالسنّة النبويّة في التشريعات إلزامية وليست محلّ كلام، إلّا لمن هو على مقربة من الإسلام أو غافل عنه فيبحث بحثاً آخر. وصلاحية التشريع للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ثابتة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ…﴾، فهو وليّ في كلّ ما وسعته ولاية الله، بعد ولاية الله، وامتداداً لها، وخلافة عنها.

وهناك ما ليس بفريضة من الله ولا بسنّة نبويّة، بل هو السنّة المعصومة بالضرورة. ولهذا نقول: “أصلّي صلاة الظهر طاعةً وانقياداً لأمر الله وأمر الرسول وأمر الأئمة”. فأنا أخضع في هذه الصلاة وأنقاد لله، وأخضع فيها للرسول، لا بما هو واجب الوجود، بل بما هو رسول وباب إلى الله. فنفس نيّة الصلاة هي نيّة فيها تقرّب وخضوع لله، وتقرّب وخضوع للرسول، وتقرّب وخضوع للأئمة، من دون تأليه لهم. فأصل النيّة العبادية في الصلاة وعباديتها قائمة على ولاية الرسول وولاية الأئمة. فهل للصلاة مقام أو موقف تنسلخ فيه عن ولاية الرسول وولاية الأئمة؟ أبداً، فالصلاة كلّها ولاية؛ ولاية الله أولاً، ثم ولاية الرسول.

إنَّ الصلاة طاعة وخضوع، والسجود خضوع، والركوع والسجود والقيام امتثال وخضوع وانقياد. وهذا انقياد لله وللرسول. ففي صميم الصلاة انقياد للرسول، وفي كبد العبادة لله يكون الباب إلى عبادة الله هو الخضوع للرسول. علم بذلك من علم، وجهل به من جهل، وذلك بحث آخر.

وإلّا فإنكم تقرؤون في زيارة عاشوراء:[4] “يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ، وَإِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِلَى فَاطِمَةَ…”. ولماذا تُقحم فاطمة؟ طبعاً يجب أن تُقحم، وكيف لا تُقحم وهي في هذه المرتبة التي تلي مرتبة أمير المؤمنين مباشرةً وقبل الحسن والحسين؟ “أَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ…”. هذه الزيارة تدين بها أساطين المذهب كلّهم أجمعون —حاشاهم أن يقرؤوا ما لا يفهمون—. فمنظومة التقرّب العبادي هكذا هي: “يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ… بِمُوَالاتِكَ”. أي نتولّاك يا سيّد الشهداء لأجل أن نتقرّب أولاً إلى الله، ثم إلى الرسول، ثم إلى أمير المؤمنين، ثم إلى فاطمة، ثم إلى الحسن، ثم إلى الحسين. وهذا نصّ قرآني دلّت عليه آيتان وآيات كثيرة.

فباب التقرّب إلى الله ورسوله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن هو الحسين، وكلّهم أبواب يوصل بعضها إلى بعض. فالمقصود على أيّ حال، أنك تلاحظ في سورة التوبة قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: 99]. فالغاية في الصدقة العبادية هي تحصيل القربات عند الله وصلوات الرسول، فشفاعة الرسول غاية في العبادة.

قرباتٍ عند الله وصلوات الرسول، فجعلت شفاعة الرسول غايةً في العبادة، بمعنى أن صلاته هي التي تشفع لنا، وهو الذي يأخذ بأيدينا إلى الساحة الإلهية، وهذا معنى دقيق قد لا يُلتفت إليه. ويتجلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ۖ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 99].

ويتكرر هذا المطلب نفسه بعد آيات قليلة في قوله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103]، فإن غاية العبادة، وهي حصول السكينة والكمال، لا تتحقق لهم إلا بشفاعة الرسول (صلى الله عليه وآله). فلا يكفي مجرد إنفاق الصدقة، بل لا بد أن يصلي عليهم الرسول، وإلا لم تُقبل عبادتهم.

ومثال ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿…وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ…﴾ [النساء: 64]. والقاعدة هنا: أن التوبة أمر عباديٌّ بإجماع المسلمين، وهي تقتضي التوجه إلى الله تعالى، ولكن السؤال المحوري هو: كيف يتم هذا التوجه؟ إن هذه التوبة التي هي حق العبادة، لا بد من معرفة كيفية البدء فيها والتوجه من خلالها.

وتأسيساً على ذلك أفتى علماء الإمامية باستحباب دعاء التوجه في الصلاة، قبل التكبير أو بعده، ومن صيغه المأثورة: “اللهم إني في صلاتي وعبادتي أتوجه إليك بمحمد وآل محمد”.[5] فالفتوى متفق عليها في أصل التوجه، وهو ما ينسجم مع النص القرآني الكريم: ﴿…وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ…﴾، أي ليتوجهوا بك.

فبعد هذا التوجه بالنبي (صلى الله عليه وآله) ينفتح لهم باب العبادة لله. والآية شديدة الوضوح في هذا الشرط، إذ قالت: ﴿جَاءُوكَ﴾، ولم تقل: “جاءوني أنا الله”. وقد نقل الآلوسيُّ في تفسيره عن بعض المحققين فهماً عميقاً لهذه الآية، حيث ذهبوا إلى أن دلالتها لا تختص بباب التوبة من المعاصي، بل هي عامة لكل عبادة، لأن كل عبادة هي في حقيقتها أَوْبَة ورجوع إلى الله تعالى.[6]

فالتوجه بالنبي (صلى الله عليه وآله) هو نص هذه الآية، وهناك آيات عديدة تحمل المطلب نفسه. فإذا جاءوا النبي (صلى الله عليه وآله) ينفتح لهم باب العبادة لله.

فإن قيل: يكفي أن يتوسلوا ويستغفروا الله، كما في دعاء التوجه، وهو ما تشير إليه عبارة “من أراد الله بدأ بكم” التي أصلها في القرآن. قلنا: إن هذا لا يكفي، وهو ما تؤكده تتمة الآية نفسها، وقد قال أئمتنا عليهم السلام إن كل ما يعلِّموننا إياه له أصل في كتاب الله، كي يكون الإيمان راسخاً. فقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: “إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْ‌ءٍ فَاسْأَلُونِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ”.[7] فبالنظر إلى الآية نجد: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ…﴾، والاستغفار هنا عبادة محضة، ولكنها لا تكفي وحدها، ولا يقبلها الله ما لم يتحقق الشرط الثالث، وهو شفاعة الرسول (صلى الله عليه وآله).

فلا بد من إمضاء النبي (صلى الله عليه وآله) لهذه العبادة، وهذا الإمضاء هو بمثابة ختم تكويني لا ختم نقشي. إن فيض الله تعالى للعباد، حتى في العبادات التي هي أعظم سبل التكامل للمخلوقين، لا بد أن يمر عبر قناة رسول الله (صلى الله عليه وآله). وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿…وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]. فبتحقق هذه الشروط الثلاثة: المجيء، والاستغفار، وشفاعة الرسول، تتحقق النتيجة.

والسؤال: هل يكون هذا العمل الصادر عن الأئمة عليهم السلام مخصِّصاً لعمومات الكتاب والسنة، أم ناسخاً لها؟

والجواب: لقد ذهب محققون كالميرزا النائيني[8] والسيد الخوئي[9] والشيخ البلاغي[10] إلى أن النسخ ليس أمراً ممتنعاً أن يصدر بيانه على لسان الأئمة عليهم السلام، لا بمعنى أنهم ينسخون فرائض الله أو سنن النبي من عند أنفسهم، حاشا لله، وإنما بمعنى أن الله ورسوله يعهدان إليهم ببيان الناسخ. ولكن على الرغم من هذا الجواز العقلي، فإن المسلك العام لعلماء الإمامية هو حمل هذا المجموع الكبير من الروايات الواردة عنهم على التخصيص لا النسخ. والبحث في سبب هذا الاختيار يكشف عن ظاهرة عقائدية عميقة تترك أثرها على منظومتي الفقه والأصول، وإلا فلا تقوم قائمة لعلم الأصول ولا لعلم الفقه بدون علم الكلام.

والنتيجة: أن المذهب العقائدي هو الذي يحدد هوية المذهب الفقهي. وهذه نكتة مهمة، فأئمتك في العقيدة هم أئمتك في الفقه، وهذا هو ما يميز مدرسة أهل البيت عليهم السلام، بينما في المدارس الأخرى قد يكون الإمام في العقيدة شيئاً، والإمام في الفقه شخصاً آخر.


 


[1] وهي مسألة أصولية تبحث في كيفية التعامل مع دليل خاص يرد بعد فترة من العمل بدليل عام، وهل يُعتبر الخاص ناسخاً لحكم العام كلياً أم مخصّصاً له في بعض أفراده.
[2] هو الشيخ جعفر بن الحسن الهذلي (ت. 676 هـ)، من كبار فقهاء الإمامية، وصاحب كتاب “شرائع الإسلام”.
[3] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج2، ص257. نقلاً عن عيون أخبار الرضا.
[4] وهي من أشهر الزيارات المروية عن الإمام الباقر (عليه السلام) لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، ولها منزلة عظيمة عند الشيعة الإمامية.
[5] يراجع مبحث مستحبات تكبيرة الإحرام في كتب الفقه الاستدلالي، كالعروة الوثقى للسيد اليزدي.
[6] الآلوسي، شهاب الدين. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني.. دار الكتب العلمية، 1415 هـ، ج3، ص248
[7] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج1، ص60، باب “الرد إلى الكتاب والسنة”، ح4
[8] هو الميرزا محمد حسين الغروي النائيني (ت 1355هـ)، من أبرز علماء الأصول في القرن الرابع عشر الهجري.
[9] هو السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت 1413هـ)، مرجع ديني كبير وأحد أبرز فقهاء الشيعة في العصر الحديث.
[10] هو الشيخ محمد جواد البلاغي (ت 1352هـ)، عالم دين ومتكلم ومفسر كبير، اشتهر بمصنفاته في الدفاع عن التشيع والرد على الشبهات.