الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/11/16

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الدوران بين التخصيص والنسخ /حقيقة الحكم/

 

الدوران بين التخصيص والنسخ وأثره في تحديد ماهية الحكم

الكلام في هذه المسألة، وهي أيضاً ذات بعد كلامي مما يتصل ببحث علم الكلام، وهو دوران الأمر بين التخصيص والنسخ؛ فهل الخاص -مثلاً- ناسخ؟ وفي بعض الصور قد يُحتمل أن يكون الخاص منسوخاً من دون أن يكون ناسخاً، أو هو مخصص؟ فيدور أمره بين النسخ والتخصيص. وقد ذكر الأعلام ههنا صوراً.

والجانب المشترك في هذه الصور الخمس هو أن الأعلام يتعاملون معها بِلِحاظٍ خاص، وإن كان ذلك يجري على وفق تنقيح أصولي من أدوات علم الأصول وآلياته، إلا أنه يغاير ما يتعاملون به مع الموالي في العرف. فهذه الصور الخمس نفسها لو عُرضت في سياق الموالي العرفية، لكان التعامل معها بنحو التخصيص أو النسخ أو ما جرى. ولكن لَمَّا كان المولى ههنا هو الشارع المقدس، ومولويته تختلف عن مولوية الموالي العرفية، فقد تعاملوا مع هذه الصور معاملة أخرى. إذن، ثمة عنصر يرتبط بعلم الكلام يغير مسار البحث في باب دلالة العام والخاص، فيحيله من نسخ إلى تخصيص مثلاً. فلاحظ كيف أن مقدمة من مقدمات علم الكلام تقلب وجه الدلالة في الأدلة الفقهية أو الأصولية، ولذلك كان هذا البحث وهذه النكتة وهذا المقام مهماً؛ إذ يتدخل فيه عنصر من علم الكلام، كما سنرى إن شاء الله.

فالعام المقترن معه القيد المخصص يختلف تعامل القدماء معه عن تعاملهم مع ما لو كان الدليل متمحضاً في العنوان الخاص، كما بيناه سابقاً. فالخاص بما هو خاص صحيح أنه يُقدَّم على العام، لكنه في مقام بيان ملاك الحكم وفلسفته ومناطاته، غالباً ما يكون الخاص مبهماً بالقياس إلى العام. وبالقياس إلى العام، يكون الخاص مبهماً، فأين يقع الدليل المبيِّن من الدليل المجمل؟ فمن هذه الجهة يُعد الدليل الخاص مجملاً، على عكس الدليل العام الذي هو مبيِّن، وهذه ميزة مهمة في الأدلة العامة، خلافاً لما قد يُتخيل، وخلافاً لمنهج بعض الرواة في الاستنباط، بل ومنهج الفقهاء.

الصورة الأولى: قد مرّ بيانها.

الصورة الثانية: هي أن يأتي الخاص بعد العام بفاصل زمني، ولكن قبل حلول وقت العمل بالعام أو الخاص.

فالإشكال: هل يُحتمل فيه النسخ، أم يتعين التخصيص؟ فمقتضى القاعدة تعيُّن التخصيص؛ لأن الخاص قد ورد قبل ظرف العمل.

ولكن الأعلام من باب الاحتمال العلمي لم يمنعوا من تصور النسخ في البين، كاحتمال علمي لا مانع منه. فلماذا يُطرح النسخ مع أن وقت العمل لم يأتِ بعد؟ مع أن الأكثر على أنه تخصيص، ولا يُحتمل فيه النسخ.

إلا أن الأعلام متفقون على أنه في هذه الصورة بالذات يمكن تصور النسخ في الأوامر الامتحانية، ولو لم يأتِ وقت العمل بعد. ذلك أن فلسفة الأمر الامتحاني لا تدور مدار العمل، بل هي الامتحان، ورؤية الشارع لموقف المكلف؛ فهو لا يريد منه العمل، بل يريد أن يرى موقفه وردة فعله. ففي الأوامر الامتحانية، حيث إن ملاكها وغايتها لا تدور مدار العمل. وحينما يرد الأمر، يكون المدار على تصديق الرؤيا، حيث جاء التعبير بـ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: 105]، ولم يأتِ بلفظ “امتثلت الرؤيا”، وفي ذلك حكمة بالغة. ففي الأوامر الامتحانية حيث إن الغرض ليس العمل بل الامتحان، يمكن تصور تمام الامتحان قبل وقت العمل، فيأتي الخاص وينسخ. وعليه، فقد اتفقوا على أن الناسخ يمكن أن ينسخ المنسوخ قبل حلول وقت العمل في خصوص الأوامر الامتحانية، وهذا أمر متصور.

فحقيقة النسخ يمكن تصورها في الأوامر الامتحانية بأن يأتي الناسخ قبل وقت العمل بالمنسوخ فينسخ المتقدم، وهذا المقدار قد قبلوه.

وموارد أخرى قبل الأعلام فيها النسخ قبل وقت العمل، مع أنهم لم يقبلوا تحققه في غيرها، وهي الموارد التي يكون الغرض من الحكم فيها ليس الامتثال وليس تحقق الموضوع. وتشترك هذه الموارد مع الأوامر الامتحانية في أن الغرض من الحكم فيها ليس الامتثال، بل هو شيء آخر قابل للتحقق قبل وقت العمل، ومن ثم يمكن أن يُنسخ ويُرفع.

والشاهد على ذلك ما يتشبث به الفقهاء دائماً من أن الأوامر والأحكام المشرَّعة في أبواب القصاص والحدود والديات ليس الغرض منها امتثالها. بل الغرض منها على العكس من ذلك تماماً، وهو أن لا يتحقق موضوعها أصلاً. فالدية -على سبيل المثال- بمقدارها المعتبر شرعاً، إنما شرعها الله تعالى بهذا المقدار ليردع عن تحقق موضوعها، وهو القتل، سواء كان قتلاً عمدياً أم شبه عمد أم خطأ. فالشارع يريد ألا يتحقق موضوع الدية. فالهدف من تشريع باب الديات أو القصاص، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126]، وقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33]، وقوله سبحانه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة: 45]، ليس هو تحقق القصاص في الخارج، بل هدفه أن لا يتحقق موضوع القصاص، ردعاً عن تحقق نفس موضوعه. فهل ترى حكماً يهدف إلى ممانعة تحقق موضوعه؟ إن الشارع لا يريد أن يتحقق موضوع القصاص، وللردع عن تحققه يشرِّع القصاص.

وكذلك الحال في باب الحدود، فمثلاً حينما يُقال: من فعل كذا وكذا يُرجم، فالشارع لا يريد أن يتحقق الرجم، بل يريد أن لا يتحقق موضوعه وهو الفجور أو المحاربة ونحو ذلك. فالشارع يريد أن يُعدِم موضوع الحدود.

والحاصل: أن الهدف من تشريعات الحدود والديات والقصاص هو العكس، فالغرض ليس العمل. ولَمَّا كان الغرض هو ردع النفوس، وهو أمر متحقق قبل وقت العمل، أمكن تصور التشريع والنسخ قبل حلول وقت العمل.

وعليه، فهذه الأبواب الأربعة: - باب الامتحانيات. - باب القصاص. - باب الحدود. - باب الديات.

الغرض فيها ليس هو العمل، بل ممانعة العمل والردع عنه. فلو صدر العام، ثم أتى الخاص ناسخاً له بعد فاصل زمني ولكن قبل حلول وقت العمل بالعام، لكان ذلك ممكناً؛ لأن الغرض ليس قائماً بالعمل والفعل المتعلق به الحكم. ففي هذه الأبواب الأربعة لا مانع من تصور واحتمال النسخ، فينسخ الخاص المتأخر زمناً عن العام قبل وقت العمل بالعام، فيدور الأمر بين كونه مخصصاً أو ناسخاً.

تنبيه: يُضاف إلى هذه الأبواب الأربعة باب خامس يُحتمل فيه النسخ أيضاً، وهو ما إذا كان تشريع الحكم الموجود في العام والخاص بنحو القضية الحقيقية الكلية، لا بنحو القضية الخارجية الجزئية التي يتعين فيها التخصيص، كما هو مشهور علماء الإمامية.[1]

أما إذا كان الحكم بنحو القضية الحقيقية الكلية، فحينئذٍ يمكن تصور النسخ. وهنا يفصِّل الميرزا النائيني[2] بين القضية الجزئية الخارجية والقضية الحقيقية الكلية، فيرى أنه لا يُتصور النسخ قبل وقت العمل إلا في الأبواب الأربعة المتقدمة.

ويستند الميرزا النائيني في تفصيله هذا إلى نكتة دقيقة، مفادها أن الأعلام قد خلطوا بين القضية الخارجية والقضية الحقيقية التشريعية. ففي القضية الحقيقية التشريعية، أعني المرحلة الإنشائية الثالثة التي مرت بنا، وهي مرحلة الفعلية المقدرة، ليس الهدف هو التحقق الخارجي، كما هو الحال في أبواب الحدود والديات والقصاص والامتحانيات. فالهدف ليس الوجود الخارجي، بل هو التشريع الكلي المقدر، وليس الوجود المحقق في الخارج. فالقضية الحقيقية هي قضية فعلية مقدرة، أي في مقابل أن تكون محققة عيناً في الخارج، وتمام الهدف في تشريعها هو أن تكون فعلية مقدرة.

ففي القضايا الحقيقية الفعلية المقدرة، يمكن أن يُدوَّن الحكم في الشريعة ثم يُنسخ قبل وقت العمل به خارجاً. فما المانع في ذلك؟ لأن هذه المرحلة من الحكم، وهي المرحلة الثالثة -فضلاً عن الثانية- التي مرّ بنا أن للحكم الإنشائي ثلاث مراحل، هي مرحلة الفعلية المقدرة. فالمرحلة الثالثة، التي هي حقيقة المرحلة الإنشائية، هي في الوقت نفسه مرحلة الفعلية المقدرة؛ لأنه يُلحظ فيها الحكم بشكل كلي، كمثال: «إذا زالت الشمس فصلِّ»؛ فهي قضية كلية. والهدف من هذه المرحلة من الإنشاء والتشريع، أي الفعلية المقدرة، ليس الفعلية المحققة عيناً خارجاً. وإنما إذا تحققت وقت العمل، فإن قوامها ليس بالفعل المحقق العيني الخارجي، بل قوامها بالفعل المقدر، وهذا الفعل المقدر متحقق حتى لو لم يأتِ وقت العمل به بعد.

فلو قال الشارع للمسلمين في أول النهار: «إذا زالت الشمس فصلوا صلاة الظهر بنحو معين»، ثم قبل أن تزول الشمس بساعة أتى الناسخ، فما المانع من تصور النسخ؟ فإذا قلنا إن القضية حقيقية كلية، فإن نسخها يكون قابلاً للتصور؛ لأن الهدف ليس العمل الخارجي، بل الحكم متقوم بالفعل المقدر، وهذا الفعل المقدر له نحو من الوجود يجعله قابلاً لأن يُقرّه الشارع ثم يمحوه ويرفعه وينسخه.

يُقرّه الشارع ثم يمحوه ويرفعه وينسخه. وعلى هذا الأساس، فإنَّ كلام الميرزا النائيني[3] يبدو متيناً، وسنبينه لاحقاً، وإنْ كان السيد الخوئي[4] يُشكل عليه، وسنبيّن إشكاله.

ومدار كلام الميرزا أنه يعتمد على أنَّ المرحلة الثالثة من الحكم الإنشائي، وهي مرحلة “الفعل المقدّر”، ليست خواصها كبقية المراحل؛ فلو كان إنشاء الحكم جزئياً، لكان متقوّماً بالمرحلة الرابعة، وحينئذٍ لا يُتصوّر نسخه قبل وقت العمل. ففي القضايا الخارجية الجزئية لا يُتصوّر النسخ قبل العمل؛ لأنَّ الهدف هو الحكم الجزئي، فإذا لم يأتِ وقته بعد، فأي شيءٍ يُرفع بالنسخ؟

أما إذا كان إنشاء الحكم بنحو القضية الكلية، لا الجزئية الخارجية، وكانت هذه الكلية قضية حقيقية فعلية مقدّرة، فيمكن حينئذٍ تصوّر النسخ؛ لأنه قبل وقت العمل وقبل التحقق الخارجي، يكون لهذا الحكم وجود في المرحلة الثالثة. وهذا الوجود ليس منوطاً بالوجود الخارجي، بل هو منوط بالمرحلة الثالثة نفسها، فيمكن أن يُقرّه الشارع فترةً ثم ينسخه ويرفعه قبل مجيء المرحلة الرابعة، فما المانع في ذلك؟ ولا يرتبط الأمر بكونه بياناً أو عدم بيان، بل إنَّ الشارع قد شرّع واقعاً قضيةً كليةً بنحو العموم.

فلو أتى الشارع بالخاص بعد شهر أو سنة، ولكن خلال هذه الفترة لم يتحقق أي فرد من أفراد موضوع ذلك العام، فإنَّ هذا الخاص يكون ناسخاً له، ولا مانع من ذلك.

فإن قيل: ما الحكمة من تشريع حكم ثم نسخه قبل العمل به، أليس في ذلك لغوية؟ قلنا: إنَّ غاية التشريع ليست دائماً التحقق الخارجي المباشر، بل إنَّ غاية التشريع في مثل هذه الموارد هي “القضية الحقيقية الكلية المقدّرة” في ذاتها. فليس من الضروري أن تكون الملاكات الواقعية متوقفة على التحقق الفعلي، فقد يشرّع الشارع حكماً كلياً وهو يعلم أنه لن يتحقق، لغاية الإخبار عن منظومة الأفعال وبيان كمال الشريعة وتكاملها في كل مرافق الحياة، ثم ينسخه لغاية أخرى.

والحاصل: أنَّ المطلب يرتبط بهذا الجانب، وهو أنَّ القضية الحقيقية التشريعية الكلية المقدّرة لا تتقوّم بالخارج العيني والعمل به، بل هي في نفسها ذات غاية، وفلسفة التشريع فيها موجودة. ومآل كلام الميرزا النائيني هو الالتزام بأنَّ النسخ متصوّر في القضايا الحقيقية الكلية التشريعية قبل وقت العمل.

الإشكال على الميرزا النائيني: إنَّ الإشكال الذي يُسجّل على الميرزا النائيني، والذي تبنّاه المحقق الأصفهاني[5] وأيّده السيد الخوئي، يقوم على أخذ تعريف للحكم متقوّم بمرحلة متأخرة عن مرحلة الإنشاء. وتوضيحه: أنَّ التعريف القديم عند الأصوليين من الفريقين هو أنَّ “الوجوب ما يكون باعثاً محرّكاً، والحرمة ما تكون زاجرة”. فإذا دقّقنا في هذا التعريف، فإنَّ باعثية الحكم وفاعليته ومحرّكيته وزاجريته ليست من خواص المرحلة الثالثة (الفعلية المقدّرة)، ولا الرابعة ولا الخامسة، بل هي من خواص المرحلة السادسة والسابعة التي تُسمّى بـ”الفاعلية”. فإذا عُرّف الحكم بهذا التعريف، أي بكونه باعثاً ومحرّكاً، فإنَّ هذه الخاصية لا تتحقق قبل وقت العمل، إذ لا تصل النوبة إلى مرحلة الفاعلية بعد. وعليه، إذا لم يكن الحكم قد بلغ مرحلة الفاعلية، فكيف يُتصوّر نسخه؟ وهذا هو جوهر إشكال المحقق الأصفهاني الذي أيّده السيد الخوئي على الميرزا النائيني.

ولكن يرد على هذا الإشكال نقضٌ، وهو أنَّ نفس المحقق الأصفهاني والسيد الخوئي يجوّزان تصوّر النسخ قبل وقت العمل في موارد الأوامر الامتحانية، مع أنَّ الباعثية والفاعلية لم تتحقق بعد. وكذلك في أبواب القصاص والديات والحدود، وهي الأبواب الأربعة التي قبلوا فيها تحقّق النسخ قبل بلوغ مرحلة الباعثية والزاجرية. والسؤال هو: إذا كان الحكم يُنسخ في تلك الأبواب قبل وقت العمل، فمن العجيب قبولهم بذلك هناك ورفضهم له هنا في عموم القضايا الحقيقية.

تنبيه: إنَّ الكلام الأهم فيما وراء هذا البحث، والذي يؤثر على قواعد فقهية عديدة، هو المبنى الذي يُبتنى عليه هذا النقاش، فهو أهم من مسألة الدوران بين النسخ والتخصيص نفسها. وهنا بيت القصيد، فإنَّ البحث الحسّاس الذي ينبني عليه الإشكال والنقض المتقدمان هو: ما هي حقيقة الحكم؟ هل تتقوّم حقيقته بالمرحلة السادسة والسابعة (الباعثية والفاعلية)؟ أم بالمرحلة الثالثة (الفعلية المقدّرة) في نفسها؟ أم بمجموع المراحل؟

إنَّ هذا البحث في حقيقة الحكم له آثار بالغة الأهمية في أبواب وقواعد فقهية أخرى، كقاعدة “لا ضرر”، وقاعدة “الرفع” المستفادة من حديث: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ أَشْيَاءَ…»[6] ومنها الاضطرار والنسيان، وكذلك قاعدة “الحرج”. وذلك لأنَّ هذه القواعد موضوعها “رفع الحكم”، فيتوقّف تطبيقها على تحديد ماهية الحكم المرفوع، وأي مرحلة من مراحله هي التي تُرفع.

ومن المفارقات أنَّ الميرزا النائيني نفسه، الذي يقرّر هنا إمكان النسخ بتقوّم الحكم بالمرحلة الثالثة، يذهب في موارد أخرى، كبحث “لا ضرر”، إلى موافقة المحقق الأصفهاني في أنَّ حقيقة الحكم تتقوّم بالباعثية والزاجرية (المرحلة السادسة والسابعة)، وأنه إذا انتفت هذه المراحل انتفى الحكم. وهذا خلاف ما يبني عليه كلامه في المقام.

فالبحث الحسّاس إذن يدور حول حقيقة الحكم، وهل يجب التعامل مع مراحله معاملة تفكيكية، بحيث يكون لكل مرحلة حكمها وآثارها، أم معاملة مجموعية؟ وهل تتقوّم حقيقة الحكم بالمرحلة السادسة والسابعة، أم بالخامسة والرابعة، أم بمجرد المرحلة الثالثة كما هو مقتضى مبنى الميرزا النائيني في هذا البحث، حيث التزم بأنَّ الحكم يكون موجوداً قبل وقت العمل ويمكن رفعه؟ وهذا ما سيأتي تفصيله.


 


[1] وهو المسلك المعروف في علم الأصول، حيث يُفرَّق بين النسخ والتخصيص بناءً على ورود الخاص قبل وقت العمل بالعام أو بعده.
[2] هو الميرزا محمد حسين الغروي النائيني (1277-1355هـ)، من أبرز فقهاء ومحققي علم الأصول في القرن الرابع عشر الهجري.
[3] هو الميرزا محمد حسين الغروي النائيني (1277-1355هـ)، من أبرز فقهاء ومراجع الشيعة في القرن الرابع عشر الهجري، وأحد أعمدة علم الأصول في المدرسة المتأخرة.
[4] هو السيد أبو القاسم بن علي أكبر الموسوي الخوئي (1317-1413هـ)، مرجع ديني شيعي، ومن أبرز علماء الفقه والأصول في العصر الحديث.
[5] هو الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني المعروف بـ(الكمباني) (1296-1361هـ)، فيلسوف وفقيه وأصولي كبير، ومن أبرز تلاميذ الآخوند الخراساني.
[6] الصدوق، محمد بن علي. الخصال.. تحقيق علي أكبر الغفاري، جماعة المدرسين، 1403 هـ، ص417، ح9