47/11/12
الموضوع: قائمة المسائل الكلامية في علم الأصول والفقه/ التناسب بين الدليل والمدلول في مراتب التشريع الإسلامي/
كان الكلام في أنَّه لو جاز تخصيص العام بالكتاب لجاز النسخ به، وذلك باعتبار قيام السيرة بين الفريقين على أنَّه لا يُنسخ حكم الكتاب بالخبر الظني، وإلا فمن جهة الإمكان الثبوتي لا فرق بين تخصيص الأفراد وتخصيص الأزمان، فكلاهما تخصيص.
فلا بد من قيام دليل على هذه التفرقة ليُقيَّد به إطلاق حجية الخبر الظني، وإلا فلا مانع ثبوتاً من ذلك. إلا أنَّ هذا البيان الذي ذكره السيد الخوئي[1] فيه تأمل؛ والسبب في ذلك أنَّ النسخ عند القدماء يختلف عن التخصيص، بل إنَّ حقيقة النسخ عند القدماء تختلف عنها عند المتأخرين، كما يختلف مفهومه بين الفريقين، بخلاف التخصيص الذي لا يختلف مفهومه بينهم، وقد مرّ بنا ذلك سابقاً.
الفرق بين النسخ والتخصيص عند القدماء والمتأخرين
فحقيقة النسخ عند القدماء تختلف عنها عند المتأخرين؛ إذ هو عند المتقدمين بمثابة تجميد للحكم المنسوخ، وأمَّا عند المتأخرين فهو محو له. فالنسخ عند متأخري الأعصار عبارة عن إلغاء الحكم كلياً. وصحيح أنَّه في عمود الزمان يُنظر إليه بوصفه تخصيصاً للأفراد الزمانية، لكنَّه في لوح التشريع أو تدوينه يُعدُّ إلغاءً للحكم وإزالةً ومحواً له. بينما في التخصيص، يكشف الخاص عن أنَّ العام لم يكن مراداً بعمومه منذ بدء التشريع.
فثمة فرق بين كون حكمٍ مُفعَّل ومُشرعَن يُزال من لوح التشريع، سيما إذا كان هذا الحكم مستنداً إلى صدور قطعي، فيُصبح من غير المقبول عقلاً أن يُرفع هذا القطعي بدليل ظني. فثبوتاً وعقلاً يوجد فرق، والوجه في ذلك أنَّ النسخ هو إلغاء ومحو عن لوح التشريع لما كان مُفعَّلاً ونشطاً.
قاعدة التناسب بين الثبوت والإثبات في مراتب الدين
وهنا نستحضر جملة ذكرناها مراراً عن المرحوم ضياء الدين العراقي[2] ، وهي فكرة مرتكزة عند الميرزا هاشم الآملي[3] ، ومفادها أنَّ كل شيء في الشريعة والدين له موقعية ثبوتية تتناسب مع موقعه الإثباتي.
وهذه قاعدة مهمة جداً: إنَّ التناسب بين الثبوت والإثبات يعني أنَّ موقعية الشيء في عالم الواقع تتطابق مع موقعه في عالم الإثبات والدلالة.
والسبب في هذا التطابق أنَّ التوحيد أصل الدين، ولكون التوحيد بهذه المنزلة في الدين، تصل النوبة في موقعيته إلى درجة يخاطب فيها الوحي وجدان الإنسان بقوله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (إبراهيم: 10). فإذا تأملنا وتدبرنا، نجد أنَّ حتى الشك، بل حتى إنكار وجود الله، هو في حقيقته إثبات له من حيث لا يشعر المنكر؛ فأي إنكار لله عز وجل هو برهان على وجوده، وهو ما بُيّن في محله مفصلاً.
وقد ذكرنا في سلسلة “ضرورة الدين وبواعث الإلحاد” أنَّ كل إشكالات الملحدين الجدد هي في حقيقتها أدلة جديدة وعظيمة وبرهان على التوحيد، وأنَّ إشكالاتهم على النبوة هي براهين جديدة عليها، وكذلك الحال في الإمامة والمعاد وهلم جراً. والجمال في خصوص التوحيد أنَّ طبيعته المعرفية وموقعيته في الدين والتكوين تقتضي ذلك؛ فما دام الله هو الأعظم، فلا يُعقل أن يكون لغيره من الظهور ما ليس له.
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: 53).
فالمقصود أنَّ هذا بحث عقلي ووجداني، وهو أنَّ موقعية كل شيء في الدين ثبوتاً لها نظيرها. فالمعاد مثلاً، وإن كان ظاهره قيامة وصراطاً وجنة وناراً، إلا أنَّ حقيقته هي لقاء الله ولقاء أعظم مخلوقاته: محمد وعلي (عليهما السلام). فلقاء الله ومحمد وعلي هو أهم شيء في المعاد، وهو أعظم تحفة في القبر والبرزخ وكل نشأة.
فالأصول الثلاثة: المبدأ، والواسطة بين المبدأ والمعاد، والمعاد، ترجع إلى الخالق وأعظم مخلوقاته، ثم لقاء الخالق وأعظم مخلوقاته. وهذا تناسب طردي، وللعلامة الأميني[4] عبارة مشهورة في هذا المعنى، إذ يقول: «لو حُرقت كتب الإسلام كلها وبقيت ورقة واحدة، لرأيت فيها: الله، محمد، علي». وهذا التعبير الذي ينقله عنه تلامذته صحيح، وهو شرح للقاعدة نفسها.
ومن هنا يُسجّل أستاذنا الميرزا هاشم الآملي (رحمه الله) مؤاخذة على السيد محسن الحكيم[5] والسيد الخوئي (قدس سرهما) لاعتمادهما في حجية البينة على موثقة واحدة. إذ كيف يمكن لأبواب عظيمة في الفقه كالقضاء، أو قواعد فقهية بهذا الأفق الواسع، أن تعتمد على خبر ظني؟ هذا غير معقول. فقاعدة بهذا الحجم لا بد أن يكون دليلها قطعياً. وهذه نكتة لطيفة جداً.
وعلى ضوء كلام الميرزا الآملي، تتأسس قاعدة مهمة في علم أصول القانون، وهي أنَّ أصول التشريع ذات طبقات: عليا ومتوسطة ودنيا، ولا بد أن يتناسب الدليل مع كل طبقة من هذه الطبقات في كل باب فقهي. فلا يمكن أن يكون الدليل ظنياً آحادياً لإثبات قاعدة في الطبقات العليا، هذا غير ممكن. وهذا ما لا نجده بوضوح في مدرسة السيد الخوئي (رحمه الله)، وإن كان موجوداً كمرتكز لديه، لكنَّه غير مُصرَّح به في كتاباته أو لدى تلامذته.
ومن ثم كان للقدماء الحق عندما قالوا إنَّه من البدعة في الدين أن تستند الطبقات التشريعية الفوقية والمتوسطة إلى الخبر الظني. فلا يصح أن يُثبت حكم في هذه الطبقة بخبر ظني. ولذلك نلاحظ أنَّ توثيق القانون حتى عند العقلاء يتبع هذا المنهج، وهذه نكتة مهمة في أصول القانون. إذن، فحجية خبر الواحد تقع في الطبقات التحتانية، في أرياف التشريع وتفاصيله، لا في مركزه وعاصمته، فهناك يُعتمد على الخبر الظني، لا بوصفه أصلاً، بل كمتكأ ومستند في الأمور الجزئية.
وهذه القاعدة بنفسها برهان على صواب كلام المتقدمين في حجية الخبر العلمي دون الخبر الظني. فإنَّ منظومة الحجج في فقه الفروع وعلم الكلام تقتضي ذلك. فهل يُعقل أن تستند عظمة الإمامة التي هي أعظم من الصلاة إلى طائفة واحدة من الروايات أوردها الحر العاملي[6] في الجزء الأول من كتابه الوسائل؟ وكيف يستدل بها كثير من العلماء كالسيد الخوئي والمحقق الكمباني[7] ؟
والجواب: أنَّها ليست طائفة واحدة، بل هي طوائف متواترة من الآيات والروايات دالة على أعظمية الولاية. ولو كانت طائفة واحدة لما قبلها حتى أولياء الله. فكلام الأعلام كالحر العاملي والسيد الخوئي صحيح، ولكن لا ينبغي حصر الدليل في هذه الطائفة، بل منظومة الدين كلها تدل على أنَّ الولاية هي الركن الأعظم. وأمَّا الصلاة، فأداؤها من الفروع، ولكن وجوبها من أصول الدين. فأي شيء نقيس بأي شيء؟
إنَّ هذه البحوث هي في طبيعتها فقهية، ولكنها ذات أبعاد كلامية عميقة، وقد خاض فيها المشهور، إلا أنَّه في العصور المتأخرة حصل عزوف عن قائمة البحوث الكلامية في الفقه، مما سبب غفلات كثيرة.
فالبحوث الكلامية في الفقه، فضلاً عن البحوث الكلامية في علم الكلام، ضرورية جداً. وستأتينا أبحاث هي في حقيقتها كلامية محضة، أثارها علماء الأصول الأوائل، فلماذا أُهملت؟ وهذه تصلح أن تكون أطروحات متميزة، كجمع “قائمة بالبحوث الكلامية في علم الأصول”، فهو بحث ممتاز جداً؛ لأنَّ الأصوليين قد بحثوا هذه المسائل الكلامية بعمق وغور لم يبلغه حتى علماء الكلام أنفسهم.
وللسيد محمد باقر الصدر[8] تعبير في هذا السياق، إذ يرى أنَّ في بحوث التوحيد التي خاضها الأصوليون، كبحث المعنى الحرفي، عمقاً لم يبلغه حتى الفلاسفة. وهذا ليس تبجحاً لعلم الأصول، بل هي حقيقة. فبحث المعنى الحرفي هو في جوهره بحث في أسرار التوحيد، لم يبحثه بهذا البعد لا العرفاء ولا الفلاسفة، بل تفرد به علماء الأصول. وهكذا حال علم الأصول مع بقية العلوم، فقد يغوص في مسألة من علم آخر بالحجم الذي لم يفعله أهل ذلك العلم أنفسهم، وهذا من تخادم العلوم.
إذن، لدينا في علم الأصول قائمة من المسائل الكلامية. وهذه منظومة الحجج التي ذكرناها هي رسمها وبيانها، فليس كل ما عند الأصوليين مُبلوراً ومُصرَّحاً به، بل كثير من القضايا تبقى في خفايا وكواليس مرتكزاتهم. وستأتينا بحوث شرسة جداً لم يغص فيها علماء الكلام بالمقدار الذي خاض فيه علماء الأصول.
وقد يُسأل: لماذا خاض الأصوليون فيها؟ والجواب: أنَّهم كانوا مضطرين لذلك؛ لأنَّ منظومة التشريع لا تقوم بغير أساس، وعلم الكلام هو بمثابة الأساس لعلوم الفروع. وإذا لم يكن الأساس متيناً، فلا يمكن تشييد صرح الشريعة الخالدة. فلا بد من بيان فلسفة الشريعة وخلودها وفقه مقاصدها.
وقد مرّ بنا أنَّ فقه المقاصد ليس مخصوصاً بفقه الفروع، بل هناك فقه مقاصد في علم التفسير، وفي سيرة أهل البيت، وفي كتب المقاتل، ففي كل علم ديني توجد طبقة بنيوية عظيمة تغطي التفاصيل بنحو الإجمال.
إذن، نلاحظ أنَّ في علم الأصول قائمة بالمسائل الكلامية لم ينقحها علماء الكلام بالدقة المطلوبة، ولم يكتفِ الأصوليون بما نقحه علماء الكلام. أمَّا السؤال عن سبب ذلك، فهو بحث آخر.
وللعلامة الطباطبائي[9] صاحب الميزان سبع رسائل مهمة وقوية ودقيقة، إحداها بعنوان “الاعتباريات”، وهي خلاصة لمباني النائيني والكمباني وضياء الدين العراقي، لكنَّه لم يذكر أسماءهم. ولعل ذلك لحساسية كانت قائمة بين ذوق الفلسفة وذوق الأصول.
المهم، في هذه الرسالة يعترف العلامة الطباطبائي…
تخادم العلوم: الأصول والفلسفة والكلام
في رسالة الاعتباريات، يعترف العلامة الطباطبائي[10] نفسه بأن هذا المبحث في أصله فلسفيّ، لكن الفلاسفة لم يخوضوا فيه، وإنما الذي قام به هم علماء الأصول، ويعترف بأن هذا المبحث ليس من صميم علم الأصول في أساسه. فقد حضر دورتين أصوليتين كاملتين عند الميرزا النائيني[11] ، ودورتين كاملتين عند المحقق الكمباني[12] ، ودورة كاملة عند السيد أبي الحسن الأصفهاني[13] ، وذلك في علم الأصول، فضلاً عن دورات الفقه التي حضرها عندهم.
ويُنقل عن السيد الخوئي[14] على لسان السيد تقي القمي[15] أن السيد الطباطبائي لو تصدى للمرجعية في الفقه لما كان أقل شأناً من غيره، لأنه حضر نفس الدروس التي حضرناها، فضلاً عن نبوغه.
والشاهد: أن العلامة الطباطبائي مع هذه المكانة العلمية، وقد تتلمذ وترعرع في النجف الأشرف، يعترف بأن هذا المبحث عقلي فلسفي كان من المفترض أن يخوض فيه الفلاسفة، لكنهم لم يفعلوا، وإنما الذي خاض فيه ونقحه بجزالة هم علماء الأصول.
ولم يقتصر العلامة على ذكر ذلك في رسالة الاعتباريات من ضمن رسائله السبع، بل ذكره أيضاً في كتابه “أصول الفلسفة والمذهب الواقعي”[16] ، حيث اعتبره بحثاً خارجاً عن نطاق الفلسفة التقليدية. وقد قرّر هذا البحث وعلّق عليه الشيخ مرتضى المطهري[17] ، كما قرّره الشيخ جعفر السبحاني، وعدة من تلاميذه، وكان من أهداف طرحه الرد على الملاحدة والعلمانيين.
وقد استعان في ذلك بمباحث الاعتباريات من أولها إلى آخرها لبيان الصلة بين الشريعة والتقنين والدين والواقعية والعقيدة. فهذا مبحث جحفلي لم ينجزه الفلاسفة ولا المتكلمون -مع أنهم أولى بالخوض فيه- وإنما خاض فيه الأصوليون بكل سعة وعمق.
فائدة: هذا ليس تبجحاً لعلم الأصول، بل هو بيان لطبيعة العلوم وتخادمها. فكما أن في الفقه قائمة بالمسائل الكلامية لم ينقحها علماء الكلام على الوجه الأتم، وإنما نقحها الفقهاء، كذلك الحال في علم الأصول. فربما نجد مبحثاً فقهياً كتب فيه ابن سينا[18] رسالة لم يكتبها الفقهاء. وهذا التخادم بين العلوم، كما يعبر الشهيد المطهري، أمر موجود ومتحقق.
فابن سينا مثلاً، له في “إلهيات الشفاء”[19] ثلاث مقالات عظيمة في عظمة الدين والشريعة والتوسل والوسيلة وسمو علوم الأنبياء على علوم الفلاسفة. يذكر فيها بالبرهان أن من يستهزئ بالتوسل والتبرك ويعدّهما من الخرافات، فإنه ليس فيلسوفاً ولا متفلسفاً، بل هو الخرافي. ويُعد هذا البرهان السينوي من الردود اللطيفة على الوهابية، سواء وهابية السنة أم وهابية الشيعة، حيث يبرهن على عظمة التوسل والتبرك والشفاء والاستشفاء. وعندما يتحدث عن علم الأنبياء، وهو من أب إسماعيلي، يقيم البرهان العقلي على أن تراث الحديث أعظم من كتب الفلسفة والعرفان والكلام. فالمقصود أن فيه تخادماً بين العلوم، حيث يخدم علم ما علماً آخر.
إذن، يتضح أن لدينا في الفقه قائمة بالمسائل الكلامية، ولكن من المؤسف ملاحظة العزوف الحاصل في الأعصار المتأخرة عن تنقيح هذه المسائل الكلامية الموجودة في طيات الفقه، حيث يُعرض عنها إلى مسائل أخرى قد تكون مرتبطة بالأصول العملية ونحوها، مع ما لها من أهمية بالغة.
تنبيه: إنَّ هذه الفهرسة للمسائل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بصناعة العلم، وهي مهمة جداً ويجب الالتفات إليها. ونرجع الآن إلى صلب الكلام.
والحاصل: أن القاعدة التي ذكرها الميرزا هاشم الآملي[20] ، ومفادها أن أصول التشريع والقوانين في فقه الفروع ذات طبقات، وأن الطبقة العليا والمتوسطة منها لا تثبت بالخبر الظني، تقتضي أن تكون مساحة حجية الخبر الظني محصورة في الطبقات الدنيا من التشريع. وهذا المبنى يتوافق تقريباً مع مسلك القدماء الذين كانوا يرون أن إثبات الأحكام الشرعية -خصوصاً في الطبقات المتوسطة أو العليا- بخبر الظن يُعد بدعة في الدين، فلا بد أن يعتضد الخبر الظني بما يوجب العلم به.
فإن قيل: إنَّ الفقهاء قد اعتمدوا في إثبات قواعد فقهية مهمة على روايات مرسلة أو عامية. قلنا: إنَّ اعتمادهم لم يكن على الطريق السندي للخبر، وإلا فكيف يُعتمد على مرسل أو خبر عامي؟ بل كان اعتمادهم على المضمون المطابق لأصول تشريعية قطعية، كقاعدة “على اليد ما أخذت حتى تؤدي”، فالعبرة بالمضمون لا بالطريق. وهذا هو الاطمئنان بالمتن، لا الاطمئنان بالصدور، وقد أشار القرآن الكريم إلى تمحيص ما في الصدور لا مجرد ثبوتها، في قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: 154].
قاعدة: الوثوق بالمتن يغاير الوثوق بالصدور، وهناك فرق جوهري بينهما، خلافاً لما قد يُظن من أنهما شيء واحد، وسيأتي تفصيل ذلك. وهذا المنهج له أصل عقلائي أيضاً.
وعلى أي تقدير، فهذا منهج قائم بذاته. وبهذا يتم الكلام في مبحث تخصيص العام بالخبر الظني، وهو كما اتضح مبحث كلامي بامتياز.
فهرسة: ننتقل الآن إلى فهرسة المباحث اللاحقة، والتي نؤكد دوماً على أهميتها لكونها تمثل كبد الصناعة العلمية وهندستها. - المبحث الأول: دوران الأمر بين التخصيص والنسخ، وهو مبحث كلامي يبحث في صلاحيات التشريع وحقيقة النبوة والإمامة. - المبحث الثاني: حقيقة النسخ، وهو أيضاً كلامي بامتياز. - المبحث الثالث: البداء، وهو مبحث كلامي محض.
فهذه أربعة أبواب كبرى، وليست مجرد مسائل، هي في حقيقتها كلامية وليست أصولية محضة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا بحثها الأصوليون؟ والعجيب: أن الأصوليين حين بحثوها، نقحوها بتوسع من زوايا لم يتطرق إليها حتى علماء الكلام. فمثلاً، مبحث البداء وإن بحثه المتكلمون، لكن ليس من نفس الزوايا التي تعرض لها الأصوليون.
ويُذكر في هذا السياق تضلّع ثلة من الأصوليين في علم الكلام، منهم الميرزا القمي[21] صاحب القوانين. وكذلك أستاذ الكل الوحيد البهبهاني[22] ، فقد كان متضلعاً في علم الكلام، لا سيما ما يرتبط منه بالولاية والإمامة، حيث صاغ تلك المباحث بلغة أصولية وفقهية دقيقة. فعلم الكلام له لغات متعددة، منها اللغة العقلية، واللغة التفسيرية، ولغة علم الخلاف.
ومنهم أيضاً السيد بحر العلوم[23] الذي كان متضلعاً في علم الأديان، والشيخ جعفر كاشف الغطاء[24] الذي له تحقيقات كلامية بكر، كما في مقدمة كتابه “كشف الغطاء” وفي كتابه “منهج الرشاد لمن أراد السداد”. ففي “منهج الرشاد” تصدى الشيخ جعفر للإشكالات الوهابية، وهي إشكالات ذات أبعاد فلسفية وعقلية وكلامية، تورط في الجواب عنها حتى بعض العرفاء.
تنبيه: إنَّ هذه الشبهة الوهابية هي في أصلها شبهة إبليسية تورط بها إبليس نفسه، ثم سرت في بعض المسالك، فنجد ما يشبهها عند طوائف من الصوفية والعرفاء والفلاسفة والمتكلمين، فهي ليست خاصة بهم. وقد سدد الشيخ جعفر كاشف الغطاء الرمية في كتابه “منهج الرشاد لمن أراد السداد”، الذي يُعد أول كتاب أُلّف في الرد على الوهابية، ولم يأتِ من بعده بمثل قوته، لجمعه بين التضلع في الفقه والأصول والكلام والسيرة. فالشيخ جعفر في “منهج الرشاد” يرد على وهابية الصوفية، ووهابية الفلاسفة، ووهابية العرفاء، ووهابية السنة، بل وحتى ما تسرب من هذه الشبهة إلى الوسط الشيعي الداخلي، فيردها رداً علمياً رصيناً وقوياً جداً.
ومثال للمقارنة: نجد أن السيد محمد كاظم اليزدي[25] -على تبحره العظيم في الفقه والفلسفة والعرفان والأصول، وهو من هو في مكانته- قد تحفظ في كيفية معالجة بعض هذه الشبهات ذات الأصل الإبليسي في كتابه “العروة الوثقى”، وكذلك فعل جملة من محشي العروة، فلم تكن معالجتهم بنفس القوة. بينما نجد الشيخ جعفر كاشف الغطاء قد دفع هذه الشبهات بكل قوة وسلاسة. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.