الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/11/10

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: تخصيص عموم الكتاب بالخبر وأمومة العلم والقطع الإجمالي

تخصيص الكتاب ونسخه بخبر الواحد: دور العلم الإجمالي

بقي هذا الاعتراض، وهو أنه لو جاز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، لجاز نسخ الكتاب به كذلك.

والجواب الذي يذكره السيد الخوئي[1] وجملة من الأعلام، أنه من جهة الإمكان والمعقولية لا وجه للالتزام بنسخ حكم الكتاب عقلاً بخبر الواحد الظني؛ إذ توجد أدلة قطعية تمنع من نسخ الكتاب بخبر الواحد.

تنبيه: إنَّ المراد بالنسخ عند إطلاقه هو نسخ الحكم، وأما نسخ التلاوة فيحتاج إلى قرينة خاصة تقيده.

هكذا أجاب، ولكن الظاهر أن هذه التسوية بين تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد ونسخه به هي تسوية صحيحة.

ثم إنَّ السيد الخوئي نفسه قد اعترف في أجوبة سابقة بأن الدليل الظني المعتبر يخصص عموم الكتاب، الذي وإن كان ظني الدلالة أحياناً، إلا أنه قطعي الصدور. وقد أقرَّ بأنه لا بد من غطاء اعتباري لخبر الواحد الظني، إذ إنَّ الظني بنفسه لا يمكن أن يقاوم القطعي.

فالسيد الخوئي قد تمسك كثيراً بالعلم الإجمالي وبالقطع، حتى في مقام التفرقة بين النسخ والتخصيص، مما يرجع الإشكال المتقدم ويؤكد صحة التسوية بين المقامين.

دور العلم الإجمالي في تخصيص الكتاب

نعم، إنَّ عمدة الجواب الذي مر سابقاً هو وجود علم إجمالي[2] قطعي لا ريب فيه بصدور مخصصات ومقيدات كثيرة صدوراً إجمالياً لا تفصيلياً عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام). وهذا العلم الإجمالي هو الذي يمهد الطريق للخبر الظني في تخصيص عموم الكتاب.

وإنَّ دليل اعتبار الخبر نفسه هو دليل قطعي، وهذا القطع شامل لموارد المخصصات. فمجموعة العلوم الإجمالية المتعددة، إذا ضُم بعضها إلى بعض، تصلح أن تكون مكافئة لقطعية صدور الكتاب. ولهذا يتوسل السيد الخوئي بالعلم الإجمالي والدليل القطعي لإثبات اعتبار خبر الواحد، إذ لا بد من المكافأة في الرتبة بين الحجج. وإلا فكيف يمكن للظن أن يقاوم القطع، كما نُقل عن الميرزا هاشم الآملي[3] ؟

إنَّ هذا الشمول الإجمالي الذي يوفره العلم الإجمالي يسند الظنون المعتبرة التفصيلية ويعطيها اعتباراً زائداً على أصل ظنيتها. وهذا مما ينبه على أصل الفكرة المنهجية عند الانسدادية، وهي أن الظن يكتسب اعتباراً من خلال العلم الإجمالي بوجود تكاليف لا سبيل للوصول إليها تفصيلاً. وهذا الاعتبار الإجمالي هو أكثر قوة من الظن التفصيلي نفسه. ولولا هذا لما كافأ خبر الواحد عموم الكتاب، فالعلم الإجمالي من سنخ القطع والعلم، بخلاف الظن التفصيلي الذي هو دونه رتبة.

ولذلك نجد أن السيد الخوئي نفسه يقبل بالمقدمات الأولى والثانية والثالثة من دليل الانسداد، شأنه في ذلك شأن سائر الأصوليين، وإنَّما الخلاف في المقدمات اللاحقة. فأصل دليل الانسداد قائم على العلوم الإجمالية والقطع الإجمالي.

والفرق بين الدليل الإجمالي والعموم يكمن في أن العموم يسري في أفراده على نحو تفصيلي من دون ترديد، وإن لم يدلل على خصوصيات كل فرد. وبذلك تتكون لدينا ثلاثة أنواع من الأدلة: - الدليل الخاص: يركز على خصوصية المورد. - الدليل العام: ينظر إلى الجهة المشتركة بنحوٍ سارٍ في كل فرد. - العلم الإجمالي: لا يتعرض لسريان العلم في الأطراف، ولكنه يمنحها اعتباراً إضافياً يفوق اعتبارها الذاتي، بل ويفوق اعتبار الدليل الخاص الظني أحياناً؛ لأن العلم لا يمكن أن يتخلف، بخلاف الظن.

فالعلم الإجمالي وإن كان قد يُلحَق ببحث الأصول العملية من جهة التردد في أطرافه، إلا أنه من جهة كونه “علماً” لا يمكن تخلفه، قد عده الشيخ الأنصاري[4] ومن حذا حذوه في مباحث القطع لا الظن. فله زاوية تفوق الظن، وإلا لما تعرض له الأصوليون، ومنهم السيد الخوئي، في مباحث القطع قبل مباحث الظن.

والحاصل: أن العلم الإجمالي له زخم اعتباري يفوق الظن التفصيلي، ولهذا يعتبره مشهور علمائنا العمدة في حجية الأخبار والتراث الحديثي. وهذا ردٌّ على الحداثويين وأصحاب الفلسفات الألسنية الذين يصفون هذا التراث بأنه مجرد “ظنون”، بينما هي ظنون تقع تحت خيمة العلم الإجمالي.

تطبيقات العلم الإجمالي في العلوم الدينية

والسيد الخوئي نفسه يعتمد في علم الرجال على العلم الإجمالي، لا على العلم التفصيلي أو الظن التفصيلي، وذلك حينما يحكم بتواتر بعض الأقوال تواتراً إجمالياً. وإلا فدعوى أن كل قول للنجاشي[5] يفيد التواتر التفصيلي هي دعوى واهية قطعاً، كيف وقد اختلف مع الشيخ الطوسي في عشرات الموارد؟ فالتواتر المدعى هنا هو تواتر إجمالي لا تفصيلي. بل إنَّ الشيخ الطوسي نفسه قد تختلف آراؤه بين كتاب الرجال والفهرست والمشيخة. فهذا التعامل المفتاحي مع علم الرجال هو نحو من الانسداد في الرجال.

بل إنَّ ما يُعرف بـ”فقه المقاصد” في بعض العلوم الدينية، ليس إلا تعبيراً صناعياً آخر عن اعتبار العلم الإجمالي. وسيتبين أن أكثر الأصوليين قائلون بأن العلم الإجمالي لا ينحل تكويناً بالكامل، بل يبقى له أثر حتى بعد الظفر ببعض الظنون التفصيلية، لأن الظن التفصيلي لا يقع في قبال العلم الإجمالي ولا يزيله.

فالنتيجة: أن العلم الإجمالي له بنية موضوعية وتنجيزية وحكمية لا تقاس بالظن، وهو عمدة الحجج في العلوم الدينية كافة. وهذه نكتة مهمة يجب الالتفات إليها في مقابل الوساوس والتشكيكات التي تثار حول التراث. فالظنون تكتسب زخمها من هذه التغطية التي يوفرها العلم الإجمالي، وإن لم يقم على خصوص كل ظن دليل خاص.

ومرة أخرى نؤكد أن الدليل الخاص سنخ، والدليل العام سنخ، والعلم الإجمالي سنخ آخر يختلف عن العموم. وأقوى هذه الأنواع في التغطية هو العلم الإجمالي القطعي، فهو أقوى من الدليل العام الظني، وأقوى من الدليل الخاص الظني. وهذه هي نفس نظرية الأصوليين في باب الانسداد، الذي تتفق كلمة علماء الإمامية على صحة مقدماته الأولى.

بل قالوا بكونها ضرورية عند كل علماء الإمامية؛ ومن المغالطة القول بأن الدليل الظني التفصيلي أقوى من العلم الإجمالي، فهذا مجرد ادعاء وتزيينات لا حقائق وراءها، وإلا فإن العلم الإجمالي والقطع لا يمكن أن يُدفعا.

وإنَّما يتضح ذلك بتحليل المسار الصناعي العلمي للأعلام على وجه الدقة، فحتى السيد الخوئي[6] (رحمه الله) لا مفر له من التشبث بالقطع الإجمالي والعلم الإجمالي كما حصل في المقام. وعلى كل حال، فإن ما وراء هذا البحث -أعني تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد- من مبانٍ وكيفية انتظامها صناعياً عند العلماء، هو أهم من البحث نفسه، وهو أمر يجب الالتفات إليه.

وقد مر بنا أن القدماء يبحثون تخصيص عموم الكتاب بالخبر العلمي لا بخبر الواحد، بمعنى أنهم إنما يجرؤون على تخصيص الخبر؛ فحتى إشكالية العلم التبعي وغيرها عند الفريقين، مردها إلى إشكالية في معنى القطع، وحيث إنَّ إحدى جهات الكتاب قطعية، وهي جهة الصدور، فإن العلم الإجمالي يناهض العلم التفصيلي القطعي، لأن كل آية من آي القرآن الكريم صدورها قطعي، ومع ذلك تكافئها هذه العلوم الإجمالية، وهذا هو ما التزم به الأعلام في هذه المسألة.

فانظر إذن كيف أن مكافأة العلم الإجمالي قوية، إذ يكافئ العلم التفصيلي القطعي، فكيف له أن يكافئ الظن التفصيلي؟ إنَّ الظن التفصيلي لا يمكن أن يكافئ، بينما العلم الإجمالي يكافئ. وهذه نكات ودرر نحتاج إليها في معرفة حقيقة حجية خبر الواحد أو الظنون، فإن عمدة الاعتماد فيها على العلوم الإجمالية لا على شيء آخر.

أما الجواب الذي ذكره الأعلام تفصيلاً على الإشكال القائل: “لو جاز تخصيص عموم الكتاب بالخبر لجاز نسخه به”، فإن السيد الخوئي يقول إنَّ ههنا علماً إجمالياً بصدور أخبار للتخصيص، وليس ثمة علم إجمالي بصدور أخبار للنسخ. ويتعرض السيد الخوئي هنا، تبعاً لأستاذه الميرزا النائيني[7] ، إلى أن بعضهم قال بامتناع نسخ الكتاب بسنة النبي القطعية، بينما ذهب آخرون إلى ذلك، والمشهور عند الفريقين أن النسخ يمكن أن يقع بالسنة القطعية للنبوية، فإذا كانت السنة قطعية من النبي (صلى الله عليه وآله) فإنها تنسخ الكتاب، وليس من الضروري أن يكون نسخ الكتاب بالكتاب.

فإن قيل: ما الداعي للنسخ من قبل الأئمة (صلوات الله عليهم) للكتاب؟ قلنا: إن البعض قال بامتناعه لانقطاع الوحي وما شابه ذلك، فلا يمكن أن يكون النسخ إلا من قبل النبي. وهذا المبنى قد رده النائيني والسيد الخوئي وغيرهما من الأعلام، قديماً وحديثاً. أولاً: يمكن أن يكون النسخ من قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو من قبل الله بواسطة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فحصول النسخ لأحكام الكتاب -باستثناء قضية الضروريات التي هي بحث آخر لكونها غير قابلة للنسخ- أمر ممكن.

نكتة مهمة: إنَّ أساس الفرق المنحرفة هو المغالطة على السذج. والسؤال: أين هي منطقة النسخ أصلاً؟ سيأتي بحث ذلك. إن نسخ الكتاب بالكتاب، بل ما هو أوسع من ذلك، أين تقع منطقته؟ فمثلاً، هل حرمة الزنا قابلة للنسخ؟ أبداً. وهل حرمة اللواط قابلة للنسخ؟ أبداً. فما هو النسخ الذي يقع حتى بالكتاب؟ نعوذ بالله، لو أن سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) بُعث بنسخ وجوب الصلاة، فهذا لا يمكن أبداً. وهل ينسخ مثلاً أحكام الأنبياء من قبله كوجوب الصلاة؟ هذا لا يمكن.

وهذا بحث مهم، وإن كنا نستعجله وسيأتي بعد بحث أو بحثين، لكن من الضروري تأسيس قاعدة للسيطرة على المبحث، وهي: ما هو النسخ؟ وأين هي منطقة النسخ؟ مع أن النسخ قد اشترط فيه أن يكون الناسخ قطعياً كالمنسوخ، فكيف يكون الناسخ ظنياً والمنسوخ قطعياً؟ وقد اتفقوا على ذلك. يقول السيد الخوئي (رحمه الله): إن الإمكانية العقلية موجودة. لا، هذا غير صحيح، فهو نفسه في باب التخصيص لم يكتفِ بالظن لتخصيص الكتاب، ولم يكتفِ بظنية الظن، بل اعتمد على العلم الإجمالي والقطع الموجود، فإذا لم يعتمد على الظن في التخصيص، فكيف يعتمد عليه في النسخ؟

إن النسخ لا يمكن أن يكون بناسخ ظني لمنسوخ قطعي، بل يجب أن يكون الناسخ قطعياً لمنسوخ قطعي. إلا أن الكلام هو في أصل إمكانية النسخ ومناطها، فالنسخ لا يمكن أن يكون في وجوب الصلاة، أو في وجوب الصوم، أو في وجوب الجهاد. فهل الجهاد الدفاعي في الغيبة الكبرى منسوخ؟ لا يمكن، لا يمكن أن يكون منسوخاً، ولا مخصصاً، فلا التخصيص يمكن ولا النسخ يمكن أبداً. والسبب في ذلك أن للنسخ دائرة معينة، يُشدد فيها أزيد من التخصيص، كما مر بنا، فلا يكفي في النسخ أن يكون دليل الناسخ إجمالياً، بل يجب أن يكون دليله تفصيلياً، أي علماً تفصيلياً.

فإذا كان المنسوخ قطعاً تفصيلياً، وجب أن يكون الناسخ قطعاً تفصيلياً. أما أن ينسخ قطع إجمالي قطعاً تفصيلياً، فهذا لا يمكن. لقد أمكن التخصيص عندهم لأن التشدد في النسخ أكثر. إذن، لا يمكن لناسخ ظني تفصيلي -وإن كان اعتباره مستنداً إلى القطع الإجمالي- أن ينسخ حكماً قطعياً تفصيلياً، ولو صدوراً، وهذا ما عليه كل الفريقين، فالتشدد في النسخ أكثر.

وزيادة على هذا التشدد: أين هي إمكانية النسخ؟ - هل التوحيد ينسخ؟ لا يمكن. - هل أصل النبوة ينسخ؟ لا يمكن. - هل يُفهم من ذلك أنه لم يعد واجباً علينا الاعتقاد بالنبوة، أي بالواسطة بين الله وخلقه؟ إن بعض التيارات كالوهابية والعرفاء والصوفية قد يذهبون إلى عدم الحاجة للواسطة، ولكن هذا لا يمكن، فالواسطة لا بد منها، فهي “سبب متصل بين الأرض والسماء”، سواء كان ذلك عبر النبوة أم عبر الإمامة. - هل الإمامة تنسخ؟ لا يمكن، فإذا كان وجوب الصلاة لم يُنسخ، فكيف بالإمامة؟

وهذا يمثل سداً منيعاً أمام الفرق المنحرفة، سواء كانت من فرق الغلو، أو من تلك التي تدعي الانتساب زوراً إلى الساحة المهدوية، أو الباطنية، أو الصوفية، أو الناصبية الوهابية، فكل هؤلاء ينكرون الواسطة. وهذا السد المنيع هو تحديد ما هي دائرة النسخ؟ وهذا شيء مهم جداً.

ولذلك، لاحظ اعتراضات النبي موسى (عليه السلام)، فقد أعلمه الله وحياً بشأن الخضر، ولكن لما رأى أفعاله تصادم دائرة معينة من الثوابت، اعترض موسى، ولم يكن اعتراضه مرجوحاً بالكلية، بل كان لديه ما يرجح موقفه، فقال ما معناه: أنا لا أتناقض مع ثوابتي. وقد ورد في الرواية أن موسى أخذ بتلابيب الخضر فجذبه إلى الأرض.[8] والمقصود أن هذه الصلاحيات التي أُعطيت للخضر كانت خارجة عن صلاحيات نبي مثل موسى، بل وخارجة عن صلاحيات سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله).

ثبات الدين في مواجهة الفرق المنحرفة

نعم، هذه هي دائرة الدين، والدين لا يُنسخ. كذب اليهود عندما هودوا الدين، وكذب النصارى عندما نصروا الدين، وكذب الصابئة عندما صبأوا الدين، وكذب المجوس عندما مجسوا الدين؛ فالدين لا يمكن أن يُنسخ. أما الذي يُنسخ فهو الشريعة، وهذا ليس من صلاحية سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهل هو أعظم من سيد الأنبياء؟ أبداً. هل هو أعظم من الأئمة؟ هل هو أعظم من الخضر؟ أبداً. الدين لا يُنسخ، وليس هذا من صلاحية سيد الأنبياء، فضلاً عمن هو دونه.

إن تعبير القرآن لطيف: ﴿…مَا كَانَ لِنَبِيٍّ…﴾، [9] أي أن هذا الأمر ليس من صلاحية النبي. ولذلك يحتج الله (عز وجل) على اليهود والنصارى بأن إبراهيم (عليه السلام) ليس من صلاحيته تغيير الدين، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة - 134]، فلا يصح احتجاجكم به على أن الدين هو اليهودية أو النصرانية. والحاصل: أن هذه مباحث مهمة جداً، عقائدية وتفسيرية وفقهية وكلامية، فالدين لا يمكن العبث به، وأصل الإمامة لا يمكن العبث به، لا من قبل الفقهاء ولا نوابهم الخاصين أو العامين، فهذه دائرة محكمة جداً، هي دائرة الدين، التي لا يمكن أن تلعب بها الفرق الضالة المنحرفة، ولا يمكن أن تمسها، وإذا مستها عُرف أنها شيطانية وفرق ضلالة.

ولذلك، فإن موقف النبي موسى (عليه السلام) كان صحيحاً، وموقف الخضر (عليه السلام) كان صحيحاً، فمع أن الوحى أتى لموسى من الله بأن الخضر على حق، إلا أن هذا الوحي لم يزعزع عنده أصل دائرة الدين، فاعتبار دائرة الدين عند النبي موسى كان أكبر من اعتبار شخص الخضر. وهذا بحث مهم، فمع أن الخضر أتاه وحي خاص، لكن ذلك لا يعني أن الله (عز وجل) أعطاه صلاحية فوق صلاحيته، فالنبي موسى نفسه لم تكن لديه تلك الصلاحية، وسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) لم تكن لديه، فكيف بالخضر؟ فالبحث معقد ووعر وصعب. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


 


[1] هو السيد أبو القاسم بن علي أكبر الموسوي الخوئي (1377-1413هـ)، مرجع دين شيعي ومن أبرز علماء الأصول والفقه في القرن العشرين.
[2] العلم الإجمالي مصطلح أصولي يعني العلم بوجود حكم معين ضمن مجموعة من الأطراف المحصورة أو غير المحصورة، مع الجهل بتعينه في فرد بعينه. وهو منجز للتكليف في تمام الأطراف قبل الفحص.
[3] هو الميرزا هاشم بن صادق الآملي اللاريجاني (1322-1413هـ)، من كبار فقهاء ومراجع الشيعة، ومن تلامذة الميرزا النائيني والشيخ ضياء الدين العراقي.
[4] هو الشيخ مرتضى بن محمد أمين الدزفولي الأنصاري (1214-1281هـ)، خاتم الفقهاء والمجتهدين، وأحد أبرز علماء الأصول في تاريخ التشيع. كتابه فرائد الأصول. هو العمدة في هذا العلم
[5] هو أبو العباس أحمد بن علي النجاشي (372-450هـ)، صاحب كتاب رجال النجاشي. الذي يعد من أهم وأوثق المصادر في علم الرجال عند الشيعة
[6] هو السيد أبو القاسم بن علي أكبر الموسوي الخوئي (1899-1992م)، من أبرز مراجع الشيعة في القرن العشرين، وأستاذ لكثير من الفقهاء المعاصرين. له مصنفات دقيقة في الفقه والأصول، منها “مصباح الأصول” و”معجم رجال الحديث”.
[7] هو الميرزا محمد حسين بن عبد الرحيم النائيني (1860-1936م)، من كبار فقهاء الأصول في القرن الرابع عشر الهجري، وتلميذ الآخوند الخراساني. يُعد من أبرز مجددي علم الأصول في المدرسة الحديثة، ومن أشهر تلامذته السيد الخوئي. من آثاره “فوائد الأصول” و”تنبيه الأمة وتنزيه الملة”.
[8] لم يُعثر على رواية بهذا اللفظ الدقيق في المصادر المعتبرة، ولكن وردت روايات تصف اعتراض النبي موسى (ع) الشديد على أفعال الخضر (ع)، كما في تفسير القمي، علي بن إبراهيم. تفسير القمي.. تحقيق السيد طيب الموسوي الجزائري، ط3، مؤسسة دار الكتاب، 1404 هـ، ج2، ص41-45
[9] إشارة إلى آيات قرآنية تبين حدود الصلاحيات، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال - 67]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران - 161].