47/11/02
الموضوع: حقيقة تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد
تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد: الإشكالات والأجوبة الأصولية
الكلام في جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، ومن الواضح أن البحث في هذا السؤال إنما هو بحث في جهة الحجية؛ فإن مباحث الألفاظ يُفترض فيها أنها مباحث تصورية في الدلالة وما شابهها، بيد أن هذا المبحث، من الواضح أن الإشكالية والاعتراض فيه ليس من جانب الدلالة.
إذ لو كنا نحن وعالم الدلالة، بقطع النظر عن ظنية الخبر وقطعية الكتاب، لكانت دلالة العموم محكومةً بدلالة الخاص، فالخاص مقدم على العام. إذن فالمشكلة ليست من جهة الدلالة وكيفية تخصيص الخاص للعام.
إشكالية التعارض بين القطعي والظني
وعليه، فأصل الإشكال والاعتراض هو أن القرآن الكريم القطعي كيف يخصص بخبر الواحد الظني؟ فكأنما جهة الإشكال هي هذه. إذن هو مبحث من مباحث الحجج، وليس من مباحث الألفاظ بالدقة، وهذا المبحث يُعد استهلالاً للدخول في مباحث الحجج.
وقد مرّ أن هناك خمسة اعتراضات تقريباً. الاعتراض الأول: أن النسبة بين الكتاب والخبر هي نسبة القطعي إلى الظني. الاعتراض الثاني: أن سند الخبر ظني، وسند الكتاب قطعي، وهي صياغة أخرى للاعتراض الأول.
إشكال آخر: أنه لو جاز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، للزم جواز نسخ الكتاب به، والحال أن هذا ممتنع، فمن الضرورة أنه لا يجوز ولا يسوغ نسخ الكتاب بخبر الواحد. فهذه جملة من الإشكالات والاعتراضات المذكورة، فكيف العلاج لها؟
ينبغي أن نذكر أجوبة الأعلام، فنبدأ بأجوبة المتأخرين ثم نأتي بأجوبة المتقدمين. وقد أجاب المتأخرون عن هذه الاعتراضات بأجوبة عدة.
الجواب الأول: أن دليل حجية خبر الواحد هو دليل قطعي، فليس دليل خبر الواحد ظنياً محضاً، بل دليل حجيته قطعي. ودعماً لهذا الجواب، يُقال إن الكتاب وإن كان صدوره قطعياً، إلا أن دلالته على العموم ليست قطعية، فمجموع دلالة الكتاب العزيز مركب من القطع والظن. وخبر الواحد وإن كان في نفسه ظنياً، أي إن صغراه ظنية، إلا أن دليل حجيته قطعي، أي إن كبراه قطعية، فهو أيضاً مجموع مركب من القطعي والظني. فالتفاوت ليس بذلك البون الشاسع.
جواب آخر ذكره الأعلام، وسنغوص في تحليله وفلسفته للاستفادة منه في مباحث الحجج وأصول القانون، ومفاده أن اعتبار خبر الواحد ليس مستمداً من صغراه الفردية. فهل اعتبار خبر الواحد مستمد من صورته الفردية؟ الجواب بالنفي، بل هو معتمد على الكبرى القطعية. إذن ليس الطريق، أي وثاقة الرواة وعدالتهم، هو منشأ الاعتبار الكامل لخبر الواحد، بل هو يعتمد على مظلة أو خيمة فوقية يستمد منها اعتباره. وعليه، لا يمكن القول إن تمام رصيد اعتبار خبر الواحد هو الطريق، أي الفرد وسوق الرواة وعدولهم. فالقطعية هل أتت من عدول الرواة وسوقهم، أم أتت من قطعية الدليل؟ إن هذا الجواب الذي يقرر أن دليل حجية خبر الواحد قطعي، لا يرى أن هذه القطعية أتت من عدول الرواة أو وثاقتهم، فهذا كله لا يعدو كونه ظناً، والظن لا يقاوم قطعية الكتاب.
فأنت أيها الباحث مضطر أن تستند إلى غطاء تأصيلي قانوني فوقي لخبر الواحد. فخبر الواحد، كخبر العادل أو الثقة، لا يمتلك كل الاعتبار بنفسه، بل يجب أن يعتمد على ما يغطيه ويستند إليه، أي على تشريعات فوقية هي الأساس، لا الخبر نفسه، فهذه هي النكتة المهمة. فإذا كان خبر الواحد الفردي، أي الصغرى، لا يعدو كونه ظناً، فكيف يُعتمد عليه؟ إذن لا بد من الاعتماد على المستند الأصلي، وهو التشريعات الفوقية التي هي الأساس. فلا يمكن اختزال حجية خبر الواحد في الطريق، فهذا بمفرده لا يغني من جوع.
ومن ثم اختلف وجه الحجية عند القدماء، فالطريق عند السيد ابن طاووس[1] ومن بعده، يمتلك رصيد اعتبار ليس مصدره رواته العدول أو الثقات فقط، فلهم دور، ولكن ليس كل الدور. فإذا أردت رأس الحربة في الاعتبار، فعليك بالرجوع إلى الأصول الفوقية.
ومن هنا برز بحث عصري يثيره الحداثويون وأصحاب الهرمنيوطيقا[2] والفلسفات الألسنية، حيث قالوا: أنتم تعتمدون على الظنون في دينكم وشريعتكم. والجواب: لا، فأصل الاعتبار قد انطلق من الدائرة القطعية المركزية، لا من الظن بما هو ظن. وهذا موجود في كل العلوم، فكل العلوم فيها مساحة مركزية قطعية، ومساحات ظنية. فمن يدعي أن كل العلوم قطعيات، فدعواه كاذبة. وأنت أيها الحداثوي الذي تقول: لا أعتمد إلا على القطعي، فإنك لا تجد في الفيزياء، ولا في الكيمياء، ولا في علم الأحياء، ولا في العلوم التكنولوجية اعتماداً كلياً على القطعيات. نعم، الدائرة المركزية قطعية، والبقية تعتمد وتستند إلى تلك الدائرة القطعية. إذن هذه نكتة مهمة جداً؛ فهندسة العلوم كلها هكذا، ونظرية المعرفة كلها هكذا. فالقول بأن الظن لا يُعتمد عليه، جوابه أن الظن بمفرده نعم لا عبرة به، أما إذا استند إلى أصول وجينات وراثية في المعرفة، وهي الدائرة المركزية القطعية، فهو معتبر. كل العلوم تعتمد على هذا المنهج، في كل العلوم التجريبية والحديثة والعقلية. إذن ليس في الدين منهج معرفي مبتدع، بل هو منهج علمي رصين.
وهذا يجري في رد مغالطة الاعتراض على التقليد، فالتقليد إنما يعتبر حجة، مع كونه ظنياً، باعتبار استناده إلى الضروريات، وأي فقه يتخطى الضروريات فإن صلاحيته تزول. إذن التقليد ليس ظناً محضاً أبداً، بل يعتمد على الدائرة القطعية. وعدة من الشبهات العصرية القديمة والحديثة التي تثار، يكمن جوابها في فهم هذه الهندسة، فهندسة مبحث الحجج تتحول إلى مبحث اعتقادي وتصديقي وفكري ونظري للمعرفة. إذن يجب الالتفات إلى قيمة هذا الاعتراض وقيمة هذا الجواب. هذا هو الجواب الأول الذي ذكره الأعلام، وتحليل خلفية السجال العلمي، سواء كان إشكالاً أم جواباً، هو الأمر المهم الذي ينبغي أن يلتفت إليه الإنسان.
الجواب الثاني الذي ذكره الأعلام، مفاده أن المنافرة بالدقة ليست بين دلالة الخاص الظني ودلالة العام القطعي؛ لأننا لو كنا نحن والدلالة، لقُدِّم الخاص على العام، بغض النظر عن مستند الدلالة وهو الصدور. إذن التعارض أو الاختلاف يقع بين سند الخبر الظني ودلالة العموم الظنية. فكلاهما ظني، وهذا ليس بالأمر الصعب، فالمقابلة ليست بين قطعي وظني، بل بين ظني وظني. فحقيقة الدوران هنا ليست بين سند القرآن القطعي وسند الخبر الظني بالدقة، بل بين سند الخبر الظني ودلالة الكتاب الظنية. وإذا كان الأمر هكذا، واعتُمد في دلالة الكتاب على الظن، فبأي دليل؟ ألا يُعتمد على علوم اللغة؟ قطعاً. فعلم اللغة، وعلم المفردات، والنحو، والصرف، والاشتقاق، والبديع، والمعاني، والبيان، وفقه اللغة، وغيرها من علوم اللغة التي يُعتمد عليها في فهم دلالة الكتاب. حسناً، هل هذه العلوم اللغوية كلها مسندة بسند متصل أم هي مراسيل؟ الناظر فيها يجدها قائمة على المراسيل لا على الأسانيد المتصلة. فهل رأيت أسانيد في كتب اللغة كقاموس الفيروزآبادي[3] ، أو الصحاح للجوهري[4] ؟ وهل كتاب العين للفراهيدي[5] فيه أسانيد؟ وهكذا سائر كتب اللغة والنحو والصرف، هل قواعدها وأقوالها مسندة أم مراسيل؟ فإذا كانت علوم اللغة كلها قائمة على المراسيل، فهل هي خرافات؟ هناك من يدعي ذلك. إن تكاثر هذه القرائن مطلوب، وهو دخيل في التراث، ولهذا قيل إن الصحيح من لسان العرب أو الصحيح من علم النحو قد صار شيئاً يُعتمد عليه؛ لأن تكاثر القرائن والقصاصات يولد معنى.
وفي أخطر مراحل الاستنباط في علم التفسير والفقه والكلام، نعتمد على علوم اللغة، وهي قائمة على المراسيل. وهنا يُذكر تشدد السيد الخوئي[6] (رحمه الله)، حيث يرى أن قول اللغوي ليس بحجة بمفرده. فلماذا يعتمدون عليه إذن؟ مقصودهم أنه ليس بحجة بمفرده، وإلا إذا تراكم، أو أوجب الاطمئنان، فهم يستثنون ذلك ويقبلونه.
إذن حقيقة مبنى الأصوليين، التي ربما لم تُسمع من قبل، هي أن مقصود الأعلام عندما يقولون إن قول اللغوي ليس بحجة إلا إذا أورث اطمئناناً، هو أنه ليس بحجة مفرداً، ولكنه بالتراكم يكون حجة. فالمراسيل بمفردها ليست بحجة، ولكن مرادهم أن هذه المراسيل إذا تكاثرت وتراكمت، فإنها بحسب نظرية الاحتمال تتصاعد كماً أو كيفاً أو هما معاً، فتولد اطمئناناً، فتكون حجة. فما بالنا هنا نرحب بالمراسيل في اللغة، ولا نقبلها في الروايات إلا إذا تراكمت؟ فتلك قسمة غير صحيحة.
نفس المنهج ينطبق على أقوال الرجاليين في علم الرجال. فالنجاشي[7] ، والوحيد البهبهاني[8] (رحمه الله) الذي يتشدد في الأسانيد، ذكر هذا الشيء في رجاله. وأقوال الرجاليين في النجاشي، وفي فهرس الشيخ الطوسي[9] ، ورجال الشيخ الطوسي، ورجال البرقي[10] ، والكشي[11] (والكشي فيه أسانيد لكن ليست كلها صحيحة). فما بال علماء الرجال يعتمدون على المراسيل في أقوال الرجاليين؟
فما بال علماء الرجال يعتمدون على المراسيل في أقوال الرجاليين؟ فالسيد الخوئي[12] يدّعي التواتر، ولكن أي تواتر هذا في يوميات علم الرجال وتفصيلاته؟ إنها دعوى عجيبة. فربما الواصل إلينا من طرق الروايات، بحسب تتبع بعض الإخوة للموسوعات الإلكترونية، وهو رقم ليس علمياً دقيقاً، يناهز أربعمائة ألف طريق، لا أقول متناً، بل طريقاً، مما وصل إلينا من التراث الموجود في بحار الأنوار، والكتب الأربعة، وكتب الصدوق، وكتب الراوندي، وهلم جرّاً. في حين أن طرق علم الرجال قد لا تتجاوز أربعة آلاف طريق، فأين أربعمائة ألف من أربعة آلاف؟ إنه فارق هائل بمئات آلاف الأضعاف، فإذا كان التواتر لا يحصل في هذا الكم الهائل، فكيف يُدّعى حصوله في ذاك؟
فلاحظ عملية الاستنباط عند السيد الخوئي (رحمه الله)، وعند السيد ابن طاووس[13] ، وعندما يتشدّد الشهيد الثاني[14] أو صاحب المدارك[15] ، حيث يقول بوجوب قيام البيّنة على التوثيق. فيقال لصاحب المدارك: هذه أقوال الرجاليين التي تعتمدها، أين أسانيدها؟ أنت تتشدّد في لزوم الشاهدين، وعلى كل حال، أيقع التساهل في بدء الاستنباط وفي نهايته، ثم يقع التشدّد في وسطه؟ وكيف يستقيم ذلك؟
وهذا ما ينبّه على وجود غفلة في هذا المبنى، أي مبنى السيد ابن طاووس ومن بعده، وصولاً إلى السيد الخوئي (رحمه الله)، عدا مدرسة الوحيد البهبهاني[16] وغيره، وعدا القدماء. وخلاصة المبنى أن قول اللغوي والرواية المرسلة ليسا بحجة بمفردهما، ولكن بالتراكم يحصل الاطمئنان الذي هو حجة. وأصحاب هذا المسلك يقبلون بذلك، إلا أنهم، مع الأسف، لا يراعون هذه الآلية، أي آلية التراكم، مع أن المفروض مراعاتها لأنها ضرب من الفحص والمراجعة.
وبالجملة، نعود إلى أصل البحث في تخصيص الكتاب بخبر الواحد. فلماذا هذا التحسس من خبر الواحد المنسوب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أو الأئمة (عليهم السلام)، من دون التحسس من خبر الواحد الموجود في أقوال اللغويين، والذي هو أساس في بنيان الدلالة لا مجرد تخصيص للعموم؟ والحال أن الاطمئنان الحاصل بالتراكم ليس علماً يقينياً، بل هو ظن متاخم لليقين.
فالشارع قد شجع في القرآن الكريم على تحصيل آليات النقل، كما في قوله تعالى: ﴿…فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ…﴾ [التوبة - 122]، وغير ذلك من الأدلة الدافعة بهذا الاتجاه.
نعم، هناك علوم غريبة، سواء كانت محللة أم محرمة، لا يعتمد عليها في الاستنباط. فلا يُستنبط حكم شرعي من علم الرمل، ولو كان حلالاً، فإنه ليس بحجة. ولا يُستنبط حكم شرعي أو عقيدة من علم الجفر، ولو كان حلالاً، فإنه ليس بحجة. وهلم جرّاً، فضلاً عن السحر والكهانة والشعوذة وغيرها، فكل ذلك ليس بحجة.
والحجة هي ما ورد في قوله (صلى الله عليه وآله): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ… كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»[17] ، وليس “إني تارك فيكم الجن والشياطين”، أو “إني تارك فيكم المرتاضين”. فهذا هو ميزان الحجية، وهي علوم نقلية في نهاية المطاف.
إذن، هذه الظنون النقلية متى تراكمت، فإنها تشكل حجة ووسيلة يُعوّل عليها.
وقبل أن نغادر هذا الجواب، يجدر بنا تحليل حقيقته. إذ لو كنا نحن ودلالة الخاص ودلالة العام، لقُدِّم الخاص على العام، ولا استغراب في ذلك. وإنما منشأ التجاذب، كما دقّق فيه الأعلام، هو بين سند الخبر الواحد ودلالة العام، كما مرّ بنا أنه بين سند الخبر الظني ودلالة الكتاب الظنية، ولأنهما في رتبة واحدة لم يُطرح أحدهما.
فلاحظ أن الأعلام لم يجعلوا التعارض بين سند الخبر وسند القرآن، ولا بين دلالة الكتاب ودلالة الخبر، بل جعلوه بشكل موارب، أي مائل، بين دلالة الكتاب وسند الخبر. فماذا يعني هذا التشكيل الصناعي؟
وتحليله الصناعي يهدف إلى فهم خطوات ومنهج الأعلام.
والنكتة المركزية هنا أنه عند وقوع التعارض بين دليلين، لا تلاحظ قطعة من هذا الدليل في مقابل قطعة من ذاك، بل لا بد من ملاحظة مجموع أجزاء هذا الدليل في مقابل مجموع أجزاء الدليل الآخر. وحين يقع التجاذب بين هذه الأجزاء، ينبغي النظر لتحديد مكمن التنافي ومحوره، تماماً كما يفعل الفني عند فحص آلة معطلة لتحديد القطعة التي هي مصدر الخلل. وهذا هو ما لحظه الأعلام بدقة.
إذن، هم لم يلاحظوا سنداً في مقابل سند، ولا دلالة في مقابل دلالة. ففي مقام المعالجة بين الأدلة والتصرف فيها، يجب أن تلاحظ المنظومة المجموعية لكل دليل مع المنظومة المجموعية للدليل الآخر.
والغاية من تقرير هذا المطلب هي بيان أن حجية الخبر لا تنحصر في وثاقة رواته وسلامة طريقه فحسب، فإن هذه الجهات وحدها لا تنهض بإثبات الحجية، بل هي جزء من منظومة متكاملة يسند بعضها بعضاً.
والحاصل أن حجية الخبر ليست قائمة بالطريق وحده، بل هي نتاج تفاعل جهات متعددة لا بد من ملاحظتها جميعاً.