47/10/20
الموضوع: تحليل مفهوم الخطاب في الفقه والأصول وتطبيقاته العملية /انواع الخطاب الديني وبنيان الظهور/
تقدّم القول في مبحث الخطاب أو الدليل، وأنه هل هو شامل للموجودين المشافهين، أو الموجودين الغائبين، أو حتى المعدومين.
إنَّ هذا المستوى من الخطاب، إذا لوحظ بلحاظ التكليف، فإنَّ الخطاب العقلي المقصود، وهو أصل التكليف، يكون ممكناً. وهذا إنما يصح إذا كان المراد بالتكليف بعض مراحل الحكم، لا مرحلة الباعثية والمحركية والتنجيز، بل مرحلة الفعلية المقدّرة الشاملة للمعدومين، وهي التي يسميها الميرزا النائيني[1] بالقضية الحقيقية.
شمول الخطاب التشريعي للمعدومين
فإذا كان المراد بالخطاب هو الخطاب التشريعي لا الخطاب اللفظي، صحّ شموله للمعدوم، وإلا كان خطاباً لفظياً ذا أحكام أخر. إذن: من أنواع الخطاب ما هو تشريعي، وليس محصوراً في الخطاب اللفظي. وهذا النوع من الخطاب متى يكون ممكناً للمعدومين؟ يكون ممكناً إذا كان يُلحظ بنحو الفعلية المقدّرة؛ أي أنهم يفهمونه إذا التفتوا وانتبهوا ووُجدوا، فلا وجه لاستحالته.
والحاصل: أن الخطاب التفهيمي ليس بلغوٍ إذا كان المراد به الإفهام والتفهيم ولو عند التنبه والالتفات والوجود. حتى المشافه الحاضر قد لا يمكن تفهيمه دائماً، فقد يكون غافلاً، فهذا الأمر لا يختص بالمعدوم، بل يعمّ حتى الموجود المشافه.
وعليه، فإذا كان المراد هو الخطاب التفهيمي والإفهامي، فإنه يصح أن يشمل المعدومين ويكون معلّقاً على وجودهم. وهذا السنخ من خطاب الإفهام والتفهيم هو الذي أشار إليه سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: «وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ»[2] ، إذ قد يكون السامع غافلاً تماماً لا يدري ما يُقال له.
ومقتضى ذلك أن الخطاب التشريعي حجة في حق المكلّف، وإن كان تفهيمياً، أو شاملاً له على تقدير أن له نائباً يستنيب عنه وهو المجتهد لفهم الأحكام.
دور الفقيه كوسيط في فهم الخطاب
وقد ورد تعبير لطيف عند الأصوليين مؤداه أن الشارع قد جعل الفقيه والمجتهد نائباً في الفهم عن عموم المكلّفين. وهذا تعبير جيد ولطيف، وإن لم يكن الفقيه هو المكلّف بهذه الفتوى أو تلك الأحكام ابتداءً، فهي لغيره، ولكنه ينوب عنهم في تلقي الأحكام وفهمها.
وقد اختلف الأعلام في هذه المسألة على قولين سيأتي بحثهما في مباحث الحجج[3] : - القول الأول: أن الخطاب موجّه لعموم المكلّفين، وما الفقيه إلا نائب في الفهم. - القول الثاني: أن الخطاب موجّه للفقيه ابتداءً، ثم يتولى هو تبليغه للناس.
وعلى أي حال: فهناك سنخ من الخطاب التشريعي العقلي، وهناك خطاب تفهيمي إفهامي وهو أيضاً عقلي، وهناك الكلام والحوار.
وهناك قسم ثالث وهو الخطاب اللفظي، كأدوات الخطاب مثل “يا فلان” أو “يا زيد”؛ فزيد وإن كان اسم علم لشخص قد يكون غائباً، لكن عند استعمال أداة النداء “يا” للتنبيه، فإنك تخاطبه، أي تخاطب من يوصف بهذا الاسم. فلا يقتصر الأمر على ضمائر الخطاب كالكاف في “لك” أو “كُم”، بل يشمل حتى حروف الخطاب كأدوات النداء. إذن: أدوات الخطاب اللفظي متنوعة، وهي على أقسام.
من أقسام الخطاب اللفظي ما يكون موضوعه الخطاب الحقيقي، أي الخارجي الوجودي، وهذا واضح اختصاصه بالمشافهين الحاضرين دون الغائبين، بل لا يشمل حتى كل المشافهين، وإنما يختص بالمتنبهين منهم والملتفتين دون الغافلين. لكن أدوات الخطاب لا تُستعمل لغةً حصراً في الخطاب الحقيقي، بل تُستعمل أيضاً في الخطاب الإنشائي. والخطاب الإنشائي ليس له وجود حقيقي خارجي، بل هو كلام يُذكر لداعٍ من الدواعي الإنشائية، فيكون خطاباً اعتبارياً فرضياً يُلحظ فيه أحد تلك الدواعي، كالشكاية أو التخيّل وغيرها من المعاني الإنشائية. وحينئذٍ يمكن مخاطبة المعدوم، أو الغافل، أو الغائب، أو أي شيء آخر بحسب الداعي الإنشائي القائم.
والنتيجة: أنه قد تبيّن أن المراد بالخطابات الشرعية غالباً ليس هو الخطاب الحقيقي، بل الخطاب الإنشائي، فإنَّ خطابات الشارع عامة وليست خاصة. وهذا التحليل اللطيف مشترك بين علمي البيان والأصول. وبغض النظر عن هذا الاستطراد، نشير إلى ما ذكره السيد الخوئي[4] ، حيث يستند إلى صحيحة من الصحاح، ولا نريد الآن الدخول في تفاصيلها.
فائدة: أياً كان، فالذين استندوا إلى أن منشأ الإشكال أو الفتوى هو كذا، نذكر هنا فائدة صناعية أوردها السيد محمد الروحاني[5] ، خلاصتها أن المكلّف المقلِّد… والحق أن كثيراً من حقائق باب الاجتهاد والتقليد مخفية على الفضلاء فضلاً عن العوام، وهي وإن كانت من المسلّمات بينهم، إلا أنها تبقى كأسرار الصنعة التي ليس كل ما يُعلم منها يُقال. فالأمر في أصل الشرع واسع جداً، وإنما يضيّقه من يضيّقه. من تلك الأمور التي ذكرها السيد (رحمه الله) أنه لو فرضنا مقلّداً فاضلاً ليس بمجتهد ولا فقيه، ولكنه يلتفت إلى أن مستند مرجعه في فتوى معينة هو مقدمة يراها المقلّد مخدوشة، كأن تكون قضية فلكية أو لغوية، ففي هذه الحالة، لا يجوز لهذا المقلّد الأخذ بفتوى مرجعه في خصوص هذه المسألة، وإن كان مرجعه هو الأعلم بنظره، بل عليه إما أن يحتاط، أو يرجع إلى الفقيه الأعلم الذي يليه. وذلك لعلمه بالخدشة في تلك المقدمة التي هي حجر الأساس في الاستنباط، وقد تبيّن لديه خدشها بنحو واضح، إما لقوته في اللغة العربية، أو لكونه متخصصاً في علم المعادن مثلاً، أو غير ذلك. وهنا يمكن عدّ هذا المقلّد بمثابة المتجزئ في خصوص هذه المقدمة.
ولأن كلامنا في الخطاب، فلنرجع إلى بحث الخطاب الذي يستند إليه البعض في الاستشكال على بعض الفقرات في الصلاة أو الفتوى ببطلانها. تنبيه: إنَّ القول بالبطلان في مثل هذه الموارد يُعدّ شاذاً ونادراً عند علماء الإمامية، ولا توجد شهرة عليه، بل هو شذوذ. والمراد بالشذوذ هنا هو الشذوذ بالاصطلاح الفقهي، لا بمعنًى آخر، فنحن نتكلم في دائرة الاصطلاحات الفقهية والروائية.
تطبيق مفهوم الخطاب على مبطلات الصلاة
وعليه، نرجع إلى المطلب، وهو أن للعبادات صناعة فقهية مشتركة، ولكن لباب الصلاة على وجه الخصوص مختصات وصناعة فقهية خاصة به، وهذه نكتة لا بد من الالتفات إليها. إنَّ غالب الموانع في باب الصلاة هي موانع عامة تسري في جميع أجزاء الصلاة من أولها إلى آخرها، فلا خصوصية للموضع الذي يقع فيه المانع، سواء كان في القنوت أم التشهد أم القراءة أم القيام أم القعود.
وهذه مقدمة صناعية أخرى في باب الصلاة، يمكن أن نستفيد منها في بحث الخطاب هنا. القاعدة: أن المانع في الصلاة هو “كلام الآدمي”، لا مطلق التخاطب العقلي معه. والدليل على ذلك: أنهم نصوا على جواز الإشارة، فلو كان طفل في حالة خطر والمصلي يصلي، جاز له أن يشير لغيره لإنقاذه. فإذا كان تخاطب المصلي مع الآدمي بالإشارة أو الإيماء أو التنبيه، فهذا ليس من الكلام المبطل.
فالمبطل للصلاة المجمع عليه والمنصوص في الروايات هو نحو خاص من الكلام، وليس كل تكلم حتى لو كان باللفظ. فإذا كان التكلم على نحو الإشارة والإيماء والتنبيه ونحوها، لم يكن مبطلاً. إذن: ليس كل تخاطب عقلي أو لفظي خفي يُعدّ مبطلاً للصلاة، بل المبطل هو “كلام الآدمي” بخصوصياته. فأي نوع من التخاطب اللفظي على الصعيد الاستعمالي أو صعيد التفهيم القريب يُعدّ من كلام الآدمي، أما ما كان على صعيد إرادة التفهيم البعيد، كالالتزام المعبّر عنه بالإشارة والتنبيه، أو ما كان خطاباً عقلياً صرفاً، فليس من كلام الآدمي المبطل.
خذ هذه المقدمة، فعندما تقول: “أشهد أن علياً ولي الله”، فهذا إقرار. وعندما أقول: “أشهد أن محمداً رسول الله”، فمن أخاطب؟ يمكن أن أخاطب الله (عز وجل)، ويمكن أن أخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقول: “أشهد أنك رسول الله”. أما ماذا تقول في تشهد الصلاة، فهذا بحث آخر.
أما في غير مقام مخاطبة الباري تعالى، فعندما يرد اسم علم، فإنه يدل على الغائب، وهذه من مبادئ علوم اللغة. ويمكن في غير الصلاة أن أخاطب بالشهادات الثلاث، فأخاطب النبي، وأخاطب أمير المؤمنين، فأقول: “أشهد يا مولاي يا أمير المؤمنين أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)”. وهذا جائز، بل هو واقع في نصوص الزيارات. ويجوز أيضاً أن أخاطب الله بالشهادات، فأقول: “يا إلهي، إني أشهد لك بأني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله”، وهذا تصريح أبلغ.
فالأذكار في الصلاة تخاطب الله عز وجل، بل هي ذكر الله كله.
فمن أين جاءت هذه الغفلة باعتبارها كلاماً آدمياً؟ إنَّ كلام الآدمي هو التكلم بغير أذكار الصلاة، فكيف يُقال إنَّ التشهد هو من التشهد، ثم يُستشكل في بعض فقراته؟ وكيف لا يُعدّ الإقرار بأنَّ الموت حق والجنة حق والصراط حق كلاماً آدمياً، بينما يُعدّ غيره كذلك؟ هذا إشكال يُضاف إلى الوجوه الكثيرة الأخرى.
والكلام في هذه الزاوية هو أنهم يعتبرونه خطاباً مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، والحال أنَّه ليس كذلك، بل هو خطاب مع الله عز وجل. مع أنَّ السيد الخوئي[6] قد التزم بأنَّ الخطاب مع النبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة هو من ضمن ماهية الصلاة، فليس الخطاب مقصوراً على الله تعالى عنده، بل يشمل النبي أيضاً. وهذا المستند نفسه لو دُقق فيه لوُجد أنه وارد في الآل عليهم السلام أيضاً، ولا نريد التفصيل في هذا الموضع إذ قد فصّلنا القول فيه مراراً.
والحاصل: أنَّ هناك غفلة وقعت لدى بعض الأعلام في قضية الخطاب، وأول من أثار هذا المطلب هو السيد محسن الحكيم[7] ، فلم يكن هذا البحث مثاراً قبله. ومع الاحترام الكبير لهؤلاء الأعلام، فإنَّ النقاش العلمي يبقى على حاله.
وعلى أي تقدير، فإنَّ التشهد يكون تارةً خطاباً مع الله، وتارةً مع النبي (صلى الله عليه وآله)، وتارةً مع الأئمة عليهم السلام، وهذا يدلل على أنَّ أصل الدين يُخاطَب به الله ورسوله وأئمتُه. وهذا النحو من الخطاب لا إشكال فيه، فليس هو من كلام الآدمي، بل إنَّ نجوى الله ونجوى رسوله ونجوى الأئمة في الصلاة ليست كلاماً آدمياً أبداً، وإنما هي عين التوجه إليه تعالى، فلا إشكال في ذلك.
فأنا أقر لله بأنه نصب علياً إماماً، وهذا الإقرار هو إقرار بنصبه تعالى له، فالذي نصبه هو الله. فمؤدى الشهادة هو: أقر لك يا ربي بذلك. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾[8] . فإذا كان المكلف قاصداً أنه يقر لله عز وجل بهذا الأمر الذي بلغ به رسوله، فإنَّ الفتوى القائلة بالبطلان لا تكون ملزمة في حقه، بل لا يجوز له الرجوع فيها إلى من يفتي بذلك، كما ذهب إليه السيد محمد الروحاني[9] .
والخلاصة: أنَّه قد مرّ بيان أنَّ للخطاب درجات، فهناك الخطاب العقلي، سواء كان تشريعياً أم غير تشريعي، وهناك الخطاب التفهيمي والإفهامي، وهو خطاب عقلي أيضاً غير لفظي، وله درجات ومراحل. وهناك الخطاب اللفظي، وهو أيضاً على درجات: استعمالي، وتفهيمي قريب، وتفهيمي بعيد. وليس كل كلام آدمي مبطلاً للصلاة، وهذه نكات دقيقة جداً يجب على الصناعي أن يدقق فيها ويستفيد منها.
معنى قاعدة «إنما يعرف القرآن من خوطب به»
ونتطرق الآن إلى قاعدة: «إِنَّمَا يَعْرِفُ الْقُرْآنَ مَنْ خُوطِبَ بِهِ»[10] . فأي خطاب هو المقصود في هذه القاعدة؟ إنَّه الخطاب العقلي، وهو متفاوت في القرآن. فمفاد «خُوطِبَ بِهِ» هو «أُفْهِمَهُ»، وليس مستوى البشر والمخلوقات في تلقي هذا الإفهام على درجة واحدة، فالأفهام والإفهام درجات.
والشاهد على ذلك: أنَّ الحقائق كلها بيّنة، ولكن من الذي يتنبه للبيان الكامن في البيّنات؟ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي بَيَّنَهَا لِنَبِيِّهِ فَبَيَّنَهَا لِي»[11] . فحتى غيب الغيوب هو بيّن في الظاهر والبطون، ولكن ليس كل أحد يستبين هذا الأمر البيّن. فببركة النبي (صلى الله عليه وآله)، أصبح الأمر بيّناً لأمير المؤمنين (عليه السلام) في الوحي والنبوة وكل شيء. فالأمر في ذاته بيّن، ولكن يصعب على سائر البشر والمخلوقات أن يستبينوه. وكما ورد في زيارة فاطمة الزهراء (عليها السلام): «أَشْهَدُ أَنَّكِ مَضَيْتِ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكِ»[12] . فالأمر بيّن، ولكن هل استُبين؟ ولما بيّن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا الأمر، تبيّن أنه يحتاج إلى لطف النبي، كما أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) قد بيّنه الله له. فالمقصود أنَّ هذه النكتة حاضرة في قاعدة «إِنَّمَا يَعْرِفُ الْقُرْآنَ مَنْ خُوطِبَ بِهِ».
نعم، الخطاب القرآني درجات بلحاظ الإفهام والتفهيم، أو قل بلحاظ الخطاب العقلي في القرآن، وليس المقصود به الخطاب اللفظي.
وهذه نكتة مهمة جداً. ومن براهين إعجاز أهل البيت عليهم السلام وعظمتهم أنهم يربطون منظومة البنيان والظهور في القرآن بقواعد بلاغية وأصولية عجيبة. فلفظة «خُوطِبَ» في قاعدة «إِنَّمَا يَعْرِفُ الْقُرْآنَ مَنْ خُوطِبَ بِهِ» هي قاعدة حساسة ومهمة جداً، بل تصلح هذه القاعدة الأصولية أن تكون إحدى المقدمات لشرح تلك القاعدة التفسيرية.
نقطة أخرى: في نهاية هذا المبحث، وهي مسألة حساسة ومهمة أثارها صاحب الكفاية[13] . وهي أنَّ الظهور حجة حتى لمن لم يُقصد إفهامه، وحتى لمن لم يُخاطب. وهذا ما سنتناوله إن شاء الله في بحث حجية الظهور.