47/10/18
الموضوع: الخطابات في أدلة الوحي وبنيان الظهور
شمولية الخطاب الديني وحجية الظهور في علم الأصول
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وأشرف السفراء المبعوثين محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء (عجّل الله فرجهم وفرّجنا بهم).
كان الكلام في مسألة الخطاب، وتحديداً ما إذا كانت الخطابات الواردة في الأدلة خاصة بالمشافهين، أم تشمل الموجودين الغائبين، أم تتسع لتشمل حتى المعدومين.
والثمرة المترتبة على هذا المبحث: أن الظهور يكون حجة في دائرة من وُجّه إليه الخطاب. ولعل هذا هو المستفاد من نص الرواية: «إِنَّمَا يَعْرِفُ الْقُرْآنَ مَنْ خُوطِبَ بِهِ»[1] ، فهذه القاعدة المعرفية في العلوم الدينية قد يُراد منها أن المخاطب هو الذي يلمّ بالظهور فيفهم ويعرف، فتترتب الثمرة على هذا الأساس.
ثمرة البحث في شمولية الخطاب
وقبل الخوض في تفاصيل البحث، قد يكون من المناسب استعراض الثمرة المرجوة منه، فإن حقيقة البحث تظهر بثمرته وآثاره، وإن كان هذا مخالفاً للترتيب المعهود عند الأعلام.
فالحاصل من الثمرة: أن المتكلم يعتني بتشييد ظهور يفهمه المخاطب الذي يقصده، فلا يستطيع غير المقصود بالخطاب أن يحتجّ عليه بكلام لم يُسَق إليه أصلاً. في حين أن المتكلم يكون مسؤولاً عن تشييد عناصر الظهور التي يفهمها من يسوق إليه الكلام.
إلا أن صاحب الكفاية[2] لا يقبل هذه الثمرة بهذه الصيغة، ويرى أنها مبنية على تصور معين لحجية الظهور.
والجواب: أن سيرة العقلاء قائمة على أن الظهور حجة ولو لمن لم يُقصد إفهامه ولم يُخاطب به. وكثيراً ما يستند صاحب الكفاية إلى سيرة العقلاء في موارد شتى، كالأخذ بالإقرار، فإن العقلاء يحتجون على المتكلم بكلامه وإن لم يكونوا مقصودين بالخطاب.
ويتفرع على ذلك بحث كبروي مهم، وهو: هل حجية الظهور قاعدة مخصوصة ومحدودة بمن قُصد إفهامه، بحيث لا تكون حجة على غيره ولا يستطيع غيره الاحتجاج بها؟ والمشاهد في الممارسات العقلائية، كالتحريات الجنائية ونحوها، أنهم يحتجون على المتكلم بما صدر منه، مع أنه لم يقصد إفهامهم. فهذه مقدمة مهمة جداً ينبغي التوسع فيها، لتكون ركيزة أساسية في هذا المبحث.
قاعدة أخرى: يذكر صاحب الكفاية أن روح هذه المسألة ولبّها يرتبط بمبنى آخر. فيُقال إن أحد الأسباب التي دعت الميرزا القمي[3] إلى القول بالانسداد، هو بناؤه على أن الظهور حجة فقط للمخاطبين المشافهين أو من قُصد إفهامهم. أما تعميم الحجية لغيرهم فلا يتم إلا من باب الانسداد، وذلك لأن المتكلم لا يعتني بإيصال بنية الظهور بكافة عناصرها إلى من لم يقصد إفهامه. فجملة من القائلين بالانسداد لم تكن إشكاليتهم من جهة طرق الحديث أو علم الرجال، مع أن علم الرجال غير المسند ليس إشكالاً يخصنا فقط، بل هو موجود عند العامة أيضاً، فالإسناد فيه قليل. وقد يُتوهم أن هذه الإثارة حديثة أثارها بعض تلاميذ السيد الخوئي[4] أو السيد محسن الحكيم[5] ، والحال أن هذا اشتباه، فهذه الإثارة قديمة وموجودة حتى في كتب المتقدمين، كما في رجال الخاقاني تلميذ الشيخ الأنصاري[6] ، وفي شروحات مدرسة الوحيد البهبهاني[7] في الرجال، وهو كتاب صناعي جزل يتعرض لهذه الإشكالية. فهذه إحدى المعضلات البحثية التي حاول السيد الخوئي (رحمه الله) حلها بما يمكن عدّه مصادرات. فالبعض يلتزم بالانسداد لأسباب تتعلق بطرق الحديث وعلم الرجال، ولكن البعض الآخر يلتزم به بسبب إشكاليات في عالم الدلالة وظهور المتن. ومن هؤلاء الميرزا القمي الذي يُنسب إليه القول بالانسداد، وبناءً عليه فإن الأدلة التي تُشيّد للظنون الخاصة لا فائدة فيها في موارد الظهور، لأن الظهور مخصوص بالمشافهين أو الموجودين، ولا يمكن تعميمه إلا بالتمسك بقاعدة الاشتراك التي يصعب إثباتها.
وهذا البحث يأتي على خلاف ما ذهب إليه صاحب الكفاية، الذي يرى أن حجية الظهور ليست مختصة بمن قُصد إفهامه أو خطابه، فدائرة الحجية ليست ضيقة بهذا المقدار، وهذه نكتة مهمة جداً.
والشاهد على ذلك: أن للحديث الشريف: «إِنَّمَا يَعْرِفُ الْقُرْآنَ مَنْ خُوطِبَ بِهِ» تفسيرات أخرى، منها ما أشرنا إليه سابقاً من قبيل قوله (صلى الله عليه وآله): «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»[8] ، أو «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ وَلَيْسَ بِفَقِيهٍ»[9] . فهل معنى الحديث الأول هو تضييق دائرة حجية الظهور، أم له معنى آخر؟ هذا مبحث في حجية الظهور لا بد من تحريره وتنقيحه.
مقدمة أخرى وقاعدة أخرى ذكرها صاحب الكفاية، وهي تصلح صغرى لكلية مرت، مفادها: لو سلّمنا جدلاً أن حجية الظهور ضيقة ومقصورة على من قُصد إفهامه من المشافهين، فإن هذه الصغرى لا تنطبق على الخطابات الوحيانية. وهذا مبني على قاعدة مهمة في علوم الدين، وهي أن مباحث الحجج لا ترتبط بالفقه فقط، بل تؤثر في كل العلوم الدينية كالعقائد والأخلاق والسير والآداب والرياضات الروحية.
والقاعدة الثانية التي يطرحها صاحب الكفاية هي: سلّمنا أن حجية الظهور ضيقة بمن قُصد إفهامه أو خطابه. وقبل تفصيل ذلك، كنّا قد أثرنا تساؤلاً حول الفرق بين قصد الخطاب وقصد الإفهام، وهو بحث مستقل.
والمراد بقصد الخطاب: هل هو للمشافهين الموجودين، أم للموجودين الغائبين، أم للمعدومين؟ فهذه ثلاثة أقسام. يقول صاحب الكفاية: هبْ أننا سلّمنا بأن حجية الظهور ضيقة بقصد الخطاب أو الإفهام، إلا أن هناك قاعدة كلية أخرى تهدم هذا البناء، وهي: من قال إن الخطاب في الوحي – أي في الثقلين: القرآن وسنة النبي وأهل بيته – مقصود به المشافهون فقط، أو الموجودون عموماً؟ لا دليل على ذلك، بل إن الخطاب في أساسه موجّه لكل الأجيال من الجن والإنس، الموجود منهم وغير الموجود.
بل إن مباحث التفسير بيّنت أن الخطاب في العقائد شامل للملائكة، وليس خاصاً بالجن والإنس، فالملائكة مكلفون خلافاً للمشهور عند الفقهاء والمتكلمين. بل هم مكلفون حتى بأركان الفروع، كأصل الصلاة، لا تفاصيلها، إذ إنهم غير مخاطبين بشريعتنا الخاصة بالجن والإنس. أما تفاصيل أحكام الفروع فهي التي تختص بها الشريعة. وكذلك بقية الكائنات الشاعرة الحية، فهي مخاطبة بالعقيدة وبأركان الفروع، كأصل الصلاة والصوم والجهاد والزكاة، فهذه الأصول ليست من الشريعة، بل من الدين. أما كيفية الركوع والصلاة والصيام والجهاد وتفاصيل الحج، فهذه من الشريعة.
فائدة: هناك فرق بين أركان الفروع التي هي من الدين، وتفاصيل الفروع التي هي من الشريعة. وهذا مبحث دقيق غفل عنه أكثر أعلام الفريقين، وإنما نبّه عليه أهل البيت (عليهم السلام). وهو ما يفسر الاستعمالات المسامحية في إطلاق لفظ “الشريعة” على “الدين” والعكس، وهي تعابير قد ترد حتى في الروايات لأسباب مختلفة. وعلى ضوء ذلك، فإن الخطاب القرآني والوحياني، سواء في الدين أم في الشريعة، يتّسم بالعالمية والأبدية. وهذا ما استند إليه صاحب الكفاية، والشيخ البلاغي[10] أيضاً.
وهذا هو الصحيح، فإنَّ عظمة الإسلام تقتضي هذه القاعدة الأخرى.
فبعد أن حصرنا حجية الظهور بمن قُصد خطابه وإفهامه، ورأينا أنَّ في ذلك تضييقاً، تأتي قاعدة أخرى لترفع هذا التضييق، وهي: من هو المخاطَب؟ إنَّ المخاطَب هو كل الأجيال، وكل من يفهم. وعلى هذا الأساس يذهب صاحب الكفاية إلى أنَّ هذا المبحث وإن كانت له ثمرة، إلا أنَّ المبنى الذي نلتزم به لا يجعلنا نصطدم بعرقلة في طريق حجية الظهور؛ لأننا جميعاً مقصودون بالخطاب، وقُصد إفهامنا، وسيق الخطاب إلينا.
فمقتضى ذلك أنَّ المتكلم يشيد بنية الظهور حتى نكون نحن معنيين بذلك، وهو مسؤول عن هذا الإفهام. ولعل هذا البُعد من حفظ الدين والشريعة يقع قِسم منه على عاتق أئمة الدين، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. فهذا هو المبنى الذي ذكرهما صاحب الكفاية.
المحاور التفصيلية للبحث: العقلية واللغوية
وفي هذا المبحث لدينا عدة عناصر، فقد مرّ بنا في بداية البحث مبحثان عقليان ومبحث وضعي، حول كون الخطاب للمشافهين أو للمطلق. ولكي تتضح خارطة البحث الكلية قبل الدخول في تفاصيله، وهو تدقيق منهجي أدق، نستعرض هذه المباحث الثلاثة فهرستاً، ثم نربطها بالقاعدتين المتقدمتين، لنرى كم مفرداً ومحوراً لدينا في هذا البحث، وما هو ترابط هذه المحاور مع بعضها البعض، فهذه التساؤلات المنهجية الصناعية ضرورية في كل بحث.
الجهة الأولى: هل يمكن تكليف المعدوم أم لا؟ أو تكليف الغائب أم لا؟ وهذا مبحث عقلي.
الجهة الثانية: هل يمكن خطاب الغائب أو المعدوم أم لا؟ وهذا مبحث عقلي أيضاً وليس لغوياً.
ويتفرع على هذا المبحث العقلي المهم تحديد حقيقة الخطاب، وهل هي عين حقيقة الإفهام أم أنَّ الإفهام غير الخطاب؟ وهذا ما يُبحث في علم البلاغة، في باب البيان على الأنسب لا باب المعاني.
وللبحث في حقيقة الخطاب ثمرة فقهية مهمة أيضاً في باب الصلاة؛ فإنَّ الكلام الآدمي يُعدّ من مبطلات الصلاة، فلو كان الدعاء متضمناً لخطاب آدمي لأبطل الصلاة، كما لو قال المصلي: “اللهم اغفر لزيد”، فإنَّ هذا لا يُعدّ خطاباً لزيد، بخلاف ما لو قال: “اللهم اغفر لك يا زيد”، فإنَّ هذا خطاب مباشر لآدمي، وهو مبطل للصلاة كصدور الحَدَث، وهذه من بديهيات صناعة الفقه في باب الصلاة.
المبحث الثالث: وهو مبحث لغوي وليس عقلياً، ويتعلق بأدوات الخطاب، وهل هي موضوعة للمشافه الموجود فقط، أم تشمل الموجود الغائب، بل والمعدوم أيضاً؟ ككاف الخطاب وغيرها.
تنبيه: هناك أمور واضحة قد يغفل عنها بعض الأجلّاء، فمثلاً عند قولنا: “أشهد أنَّ محمداً رسول الله”، فإننا لم نأتِ بكلام نخاطب به النبي (صلى الله عليه وآله)، بل إنَّ الإتيان بالاسم العَلَم يعني أننا نعتبره غائباً. أما عندما نقول: “أشهد أنك يا رسول الله رسولُ الله”، فهذا هو الخطاب. فاسم العَلَم في علوم اللغة هو بمنزلة الضمير الغائب، والضمير الغائب لا يكون فيه خطاب. وهكذا الفرق بين قول: “أشهد أنَّ علياً أمير المؤمنين”، الذي ليس فيه خطاب لأمير المؤمنين، وبين قول: “أشهد أنك يا علي أمير المؤمنين”. هذه من بديهيات علوم اللغة التي لا ينبغي الغفلة عنها، وقد غفل عنها بعض الأجلّاء، حتى إنَّ للسيد الخوئي[11] (رحمه الله) مبنى في هذا الصدد يتعلق بصحيحة واردة في أنَّ التكلم مع النبي (صلى الله عليه وآله) هو من الصلاة، كما في التسليم عليه في التشهد الثاني الذي يعتبره الأكثر جزءاً من التشهد.
والحاصل: أنَّ لدينا هنا ثلاثة محاور رئيسة، يضاف إليها مبنيان أساسيان: أحدهما في تحديد دائرة حجية الظهور، والآخر في تحديد دائرة المخاطَب في الوحي (الثقلين)، فتكون المحاور خمسة تقريباً. ويمكن أن نضيف محوراً سادساً حول نسبة الخطاب إلى الإفهام، وهل هو عينه أم غيره، إمّا ضمن المباحث السابقة أو كمحور مستقل.
وإلى فهرست شبكة البحث هذه، تضاف القاعدة المستفادة من الرواية: “إِنَّمَا يَعْرِفُ الْقُرْآنَ مَنْ خُوطِبَ بِهِ”[12] ، وما المراد منها؟ وقد ننتهي في ضوء ذلك إلى نظرية أخرى أشرنا إليها سابقاً، وهي أنَّ الخطاب في الوحي والمخاطَبين به على درجات، فليس كل ما في الوحي يخاطَب به الكل. فالقسم العام من الوحي يخاطَب به الكل، وتتوجه دلالاته إلى كل الأجيال، وهذا كلام صحيح يتوافق مع ما ذهب إليه صاحب الكفاية. لكن ليس كل ما في الوحي القرآني يخاطَب به جميع الناس، وهذه نظرية أخرى تحتاج إلى بحث، ويتفرع عليها فهم جديد لقاعدة “إنَّما يعرف القرآن من خوطب به”.
إنَّ هذا البحث بهذا التوسع لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنَّه بحث أصولي محض، بل هو يرتبط بقواعد علم التفسير، وقواعد علم الكلام، ويؤثر في جملة من العلوم الدينية، فلا يصح اختزاله في الدائرة الأصولية فقط.