47/08/27
الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام والخاص/ الخطابات للمشافهين او المعدومين
الخطابات الشرعية للمعدومين في القضية الفعلية المقدرة
كان الكلام في الخطابات الشرعية: هل تختص بالمشافهين، أم تعم الغائبين والمعدومين؟ وكان البحث أيضاً في جهتين عقليتين: وهي الإمكانية العقلية التكوينية للخطاب، والبحث الثالث في أن أدوات الخطاب وُضعت لأي خطاب؟ هل للنداء أم للخطاب؟
فمر بنا كلام الأعلام في الإمكانية العقلية للتكليف في "القضية الحقيقية المقدرة الكلية"، وأنه ممكن للمعدومين؛ لأنه "فعلي مقدر". فإذاً مقصود المتكلم إذا كانت القضية بنحو الفعل المقدر فلا مانع. نعم، إذا كان التكليف بمعنى التنجيز والباعثية، أو مرحلة الخطاب والتنجيز، فهي غير ممكنة، أما إذا كان بمعنى أصل تقرير الحكم بنحو الفعلي المقدر، فلا مانع؛ فقد قالوا: مرحلة الفعلية المقدرة ممكنة. ولما مر من أن الحكم الشرعي ذو مراحل، فإذا كان بنحو المرحلة الثالثة في الإنشاء -وهي التي تسمى الفعلية المقدرة- فهذه ممكن عمومها إلى المعدومين.
ولكن مر في الروايات أن ذلك ممكن حتى بنحو الفاعلية أو الخطاب قبل عالم الحس، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27]. وقد وردت روايات مستفيضة تقريباً أن النبي إبراهيم (عليه السلام) يخاطب الأرواح. أما كون المتكلمين أو الفلاسفة أو العرفاء لا يتصورونها، فذاك بحث آخر.
وهنا سأل أحد الطلاب: هل هي فاعلية مقدرة أم فاعلية فعلية؟
والجواب: الفاعلية المقدرة ممكنة، لكن الكلام في الفعلية أو الفاعلية؛ حيث إن الفاعلية هنا ليست مقدرة، بل فاعلية للأشخاص منحلة. فحين أذن النبي إبراهيم، فكل روح أجابته مرة حجت مرة، ومن أجابته تسعاً تحج تسعاً، ومن أجابته خمسين تحج خمسين، وهلم جرا.
تأثير العلم الإرتكازي (العقل الباطن)على إرادة الأنسان
طبعاً هذا البحث لا أريد الدخول فيه الآن، ولكن قضية "العلم الارتكازي" أو العلم في "العقل الباطن" -والتي عليها أبحاث عديدة جداً الآن- تعتمد على قضية أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد من جانب. ومن جانب ثانٍ، تعتمد على العلم الذي يتلقاه الإنسان في العوالم السابقة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ﴾ [الأعراف: 172]. ولكن في آيات أخرى تبيّن أن عالم الذر وعالم الميثاق أُخذت عليهم فيه الشهادة الثانية أيضاً، ليس فقط الشهادة الأولى، كما في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ [آل عمران: 81].
المهم، إن عالم الميثاق وعالم الذر ذُكرا في القرآن، وعوالم كثيرة ذُكرت كما بُيّن. وكون المشرب الحسي المادي الآن لا يقبل ذلك، فذاك بحث آخر، ولسنا في هذا الصدد، ولكن إجمالاً هذا هو الواقع.
أما كيف يؤثر هذا العلم المركوز على إرادة الإنسان واختياره؟ فالآن العلوم الحديثة، وحتى الفلسفة الحديثة البشرية، تبيّن أن العلوم المرتكزة في الإنسان -وإن لم يلتفت إليها تفصيلاً- دخيلة في إرادته واختياره. وكيف وأين؟ هذا بحث طويل عريض يسمى "العقل الباطن" في التعبير الأكاديمي العصري في علم النفس. فهذه الروايات ليس مآلها خلاف العقل، نعم بحد عقول الفلاسفة وعقول المتكلمين كأنها لا بد أن تؤول؛ ولكن بحسب العلوم الحديثة التي تثبت أن العقل الباطن في الإنسان وما يختزن من معلومات -ولو من عوالم سابقة كما يذكر بعضهم- أشد تأثيراً على الإنسان من العقل الحاضر التفصيلي في إرادته.
الأزمة في المنهج المعرفي للاستظهار الآيات والروايات
فجملة من البحوث في علم الكلام وعلم الفلسفة وعلم العرفان لا بد أن تتبدل لتطابق ما في الروايات. المشكلة أن البشر، وحتى العلماء في العلوم المتعددة، يؤولون الروايات والآيات بحسب مبلغهم من العلم. وهنا تكمن أزمة في نظرية المعرفة؛ حيث إن الإنسان يؤول بحسب ما أوتي من مدركات ولا يسلم إجمالاً بها.
ولو أن المتكلمين لم ينكروا عالم الذر وعالم الميثاق، لكنهم أولوه بتأويل يؤول إلى شبيه الإنكار، وشيئاً ما فعل الفلاسفة وحتى العرفاء. والحال أنه لا، فقد "خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام".
مدرسة ولغة الوحي العقلية والفلسفية
إذا كانت الفلسفة الوحيانية -أي لغة الفلسفة من الوحي- لا تدرس في الحوزات العلمية، فالنتيجة والمآل هو القول بأن "ليس للوحي لغة فلسفية عقلية". (وكلمة فلسفة مرادفة للعقلية في التعبير اليوناني). وإلا فالوحي لديه لغة ونظام ومنظومة عقلية فلسفية؛ فلسفة وحي وليست فلسفة بشر، أو حكمة، وكلها تعابير صحيحة، ولكنها لا تدرس.
نعم، تُدرس كتب المتكلمين - وأكرم بهم- ولكن الكلام في الروايات؛ فلعل هذا الطالب ينبثق في ذهنه أمور لم يصل إليها مَن قبله، فلا يؤول ولا يلوي عنق الدلالة.
الأدعية والزيارات لغة عقلية وقلبية برهانية للمعارف
والحال أن هناك جهلاً متفشياً في الثقافة الداخلية؛ وهو أن الروايات في المعارف لغتها ليست عقلية بل لغة تعبدية محضة. وهذا اشتباه عجيب؛ فأصلاً المعارف، والصحيفة السجادية، كلها لغتها برهانية؛ عقل نظري فكري أو عقل عملي قلبي، ولكن للأسف لا يحدث تدبر وتأنٍ. ونهج البلاغة كذلك، وكتب العقائد كبصائر الدرجات والاحتجاج، وروايات الزيارات أيضاً.
الكثير نظرتهم للدعاء أنه أمور تعبدية " بل هذه لغة عقلية وبرهانية. هذه مشكلة وثقافة عجيبة غريبة موجودة؛ وهي أن الأدعية والزيارات كلها تعبدية ، أستغفر الله ربي وأتوب إليه. أو أن روايات المعارف لغتها تعبدية. أصلاً كلها لغة عقلية. كذلك الصحيفة السجادية والأدعية، لغتها لغة قلبية برهانية، أو لغة عقلية برهانية، فذاك أيضاً برهان فطري.
واللطيف أن جملة من المتكلمين (رحمة الله عليهم) يعترفون أن روايات الذر وروايات الطينة "متواترة"، وكلمة متواترة تعني قطعية الصدور. حسناً، إذا كانت قطعية الصدور، فكيف تؤول؟
خطورة الابتعاد عن التراث العقلي والقلبي الوحياني
المشكلة هي الابتعاد عن لغة الوحي. وهذا مرتبط بوجوب الفحص. فما هي ثمرة البحث في أن الخطاب شامل للمشافهين أو يعم الغائبين والمعدومين؟ قالوا: "لأن القرائن تخفى عليهم". يا أخي، أكبر عامل لخفاء القرائن هو ابتعاد نشأة طالب العلم عن أجواء لغة الوحي -اللغة العقلية الموجودة في الروايات والآيات-.
فليدرس الطالب نتاج البشر بلا شك؛ ليدرس الفلسفة والكلام، ولكن لا يحبس نفسه فيهم. فإذا اتجه صوب لغة الوحي قيل: "هذا منهج انفلاتي إخباري". هذا ليس انفلاتاً، بل الانفلات هناك! عجيب أمر هذه المنهجية. يحرصون أن يطبعوا كتاباً لأحد العلماء، أما كتاب في الحديث؟ لا. أعوذ بالله رب العالمين من هذه الثقافة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
إن هذا الابتعاد عن التراث العقلي والقلبي الوحياني يؤدي إلى ما يؤدي. وتصبح لدى الطالب مرتكزات ومبانٍ هي نتاج المجتهدين من البشر في علم الكلام والفلسفة والعرفان، وكأنها وحيٌ منزل؛ حيث يتشبع العقل الباطن ويتأثر. بينما إذا سمح لنفسه بقليل من الحرية وجاء ليسبح في الوحي -سيما إذا كانت عنده قوة- فقد يفهم غير ما فهموه، ويستنبط غير ما استنبطوه، ويلتفت إلى غفلات عندهم، كما يحدث في الفقه حين يرى أقوال العلماء ثم يذهب مباشرة للروايات.
تغييب ثقافة الوحي الآيات والروايات عن التدبر والتفكر
أليست ثمرة كون الخطابات عامة للمعدومين هي "القرائن"؟ إن الابتعاد عن علم الحديث وعن كتب الحديث في الاستنباط، من أول نشأة طالب العلم إلى آخره، هو في الحقيقة ما يغيب القرائن عن طالب العلم والباحث والمستنبط. لقد ابتعدنا كثيراً. یقولون: قراءة القرآن ليست حراماً، ولكن التدبر في القرآن حرام مثلاً! لکن قراءة الروايات حرام قراءةً وتدبراً، أما قراءة كتب العلماء فلا بأس بها. ما القصة؟ لماذا يمنع التدبر في الروايات؟
حرمة التقليد في العقائد والانفتاح على العلماء وتراث الحديث
إذا كان يأخذ ويستنتج ويفتي بلا أهلية، فهذا حرام طبعاً. بل لا بد أن يصير مجتهداً أولاً، فقيهاً ذا قدرة، ثم يلم بالفحص في التراث والآيات وأقوال العلماء؛ فلا بد من الاطلاع على أقوال العلماء. ولكن التغييب لثقافة الوحي في الروايات والآيات -إما لفظاً أو معنىً- هو الذي يضيع القرائن.
فلنكن واقعيين: القصة ليست قصة "مشافه أو غائب أو معدوم". ما هي ثمرة هذا البحث؟ هي حجية الظهور والوقوف على القرائن. والذي يضيع القرائن على المجتهد هو أنه لا يبدأ الفحص إلا وقد كبر سنه وانهارت قواه، فكيف يقدر على البحث والفحص حينها؟ لا بد من بداية نشأته العلمية في المهد العلمي أن يكون عنده إلمام وخوض في الروايات. قضية الاستنباط مطلب آخر، أما أصل التصفح والتورق والتدبر والتفكر والتصور فلا مانع منه.
ولا سيما في العقيدة؛ فالعقيدة ليس فيها تقليد حتى للعوام. نعم، لا بد أن ينفتح على العلماء، ولكن لا أن ينفتح على العلماء وينغلق عن التراث؛ فبأي منطق وميزان يكون هذا؟ قد نرى انحرافات عند العوام حين يدخلون في الروايات، وهنا يجب تنبيههم لينفتحوا على كتب علماء ألف سنة، صحيح، ولكن ليس معناه أن ينحبس هناك؛ بل ينفتح على الجانبين لكي يكون متوازناً.
فالقضية هي غياب القرائن، ونرجع لنفس بحث وجوب الفحص الذي مر بنا. أحد آليات وجوب الفحص هي الممارسة طويلة المدى في كتب الروايات والآيات. سبحان الله، الآية كم مرة تسمعها؟ ولكن تسمعها صباح اليوم فتلتفت إلى نكات فيها لم يلتفت إليها المفسرون.
تداعيات الابتعاد عن مطالسة تراث الوحي
المشكلة إذن ليست قصة "مشافه". لماذا عقدوا هذا البحث (هل الخطاب الديني خاص بالمشافه، أو يعم الغائب والمعدوم)؟ لأن السؤال هو: هل يمكن للمعدوم أن يحيط بظهور الكلام ليكون حجة في حقه أم لا؟ وهل يمكن للمتكلم أن يوجه الكلام "كالرادار"؟
فببيان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الكلام سيوجه إلى أفقه الفقهاء». وكثير من الفقهاء لا يشمون رائحة الكلام حتى الحاضرين عند رسول الله أو عند الأئمة؛ «فرُب حامل فقهٍ ليس بفقيه»، و«رب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه». وهذه المعادلة (إلى من هو أفقه منه) مترامية وتتكرر عند سيد الرسل.
ولذلك ورد في بيانات أهل البيت (عليهم السلام): «إنما يعرف القرآن من خوطب به». أي أن أصل الخطاب للراسخين في العلم، ليس فقط للمشافهين. فالصحابة كثير منهم لا يعقلون المعاني، بل ولا يعقلون الألفاظ، مع أنهم عرب. فمن يخاطب القرآن الكريم؟ هل يخاطب المشافهين؟ لا، بل يخاطب الراسخين في العلم (بالمعنى الاصطلاحي الصفائي هم أهل البيت سلام الله عليهم)، وبالتالي يعم حتى الأئمة الذين لم يولدوا بعد.
فالمقصود أن المشكلة ليست قصة مشافه ومعدوم وغائب، بل مشكلة عدم استئناس بتراث الوحي. إذا قرأ "الباب الحادي عشر" أو "شرح التجريد" فعمله صحيح، وإذا قرأ "اعتقادات الصدوق" فلا! ما القصة؟ إذا قرأ "الفصول المهمة في أصول الأئمة" لصاحب الوسائل -وهي دورة عقائدية كلها معادلات عقلية مستفيضة-، فهي عقلية. ولكن من لا يفهم اللغة العقلية ولا يميزها، ماذا نفعل له؟
هل سماع معادلات عقلية من العلماء حلال، وسماع معادلات عقلية منسوبة بالاستفاضة والتواتر لأهل البيت حرام؟ ما هذا المنطق؟ هذا نوع من الإفراط والتشنج الفكري تجاه أخبار أهل البيت؛ هذا مرض علمي.
يا أخي، اسلك في هذه الأخبار بمنهجية علمية عقلية، أو خض خوض الفلاسفة كما تريد. نحن درسنا كل كتب الفلسفة والعرفان -مع النقد طبعاً-، ولكن هذا لا يعني أن أحرم نفسي من روايات أهل البيت. في دروسنا في الفلسفة مع الأكابر كنا نشكل عليهم؛ لأن منطق الوحي أفقه، ولم يتشنج الأستاذ. حرمان طالب العلم من بداياته إلى نهايته عن كتب الحديث هو الذي يغيب قرائن الظهور، ويبعد الفقيه والمفسر والمتكلم والفيلسوف عن قرائن الظهور. نحن نظلم أنفسنا ونحرم أنفسنا من درر الأحاديث وقرائنها.
قواعد الشعائر والعتبات في أبواب المزار
لاحظ الآن "أبواب المزار". هناك ارتكاز عند الأعلام الأكابر (رحمة الله عليهم، ونحن عيال على سفرتهم، ولكن هذا لا يمنع المناقشة في المنهج العلمي): صاحب الوسائل عقد أكثر من مئة باب في المزار. الكل يقول: "هذه أبواب مستحبة، ما حاجتنا إليها؟". يا أخي هذه الأبواب فيها قواعد الشعائر، وقواعد أحكام العتبات المشرفة، وأحكام فقهية إلزامية. وغير هذا فيها أحكام عقائدية، كقضية القصر للمسافر هل هي في كل مراقد الأئمة أم لا؟ تُرِكت هذه الأبواب (ربما خمسمئة أو ألف أو ألفين حديث، لا إحصائية عندي). هذا في الوسائل فقط، فكيف بالمستدرك والبحار؟
وكذلك "أبواب آداب العشرة"، طُبع عليها أنها أبواب مستحبة في الفتوى العلمية لصاحب الوسائل. من قال لك إنها كلها مستحبة؟ صار عندنا بحث في الحدود والشهادات مرتبط بالقضاء؛ والروايات المهمة المرتبطة بصلاحية الفقيه والقاضي موجودة في "آداب العشرة". ولكن لأننا نبتعد عن أبواب الروايات، تضيع منا حقائق الوحي الكثيرة.
نظرة الانصاري للمجلسي وكثرة مطالسة تراث الحديث
الشيخ الأنصاري (رحمة الله عليه) وصاحب البحار (رحمة الله عليه): الشيخ الأنصاري كان دائماً يستعين بفهم واستظهار المجلسي في "الرسائل" و"المكاسب". هل كان الشيخ الأنصاري متملقاً للمجلسي؟ لا، بل لأنه يقول: "المجلسي غواص بحار الأنوار" (وهذا تعبير الشيخ الأنصاري وهو رئيس الشموخ الأصولي في زمانه). يعني أن هناك قرائن يلتفت إليها المجلسي ونحن لا نلتفت لها؛ وذلك بسبب كثرة مطالسته ومؤانسته لأبواب الروايات ونكاتها.
ومع ذلك، فقد غابت عن المجلسي -الذي قضى طول عمره في الروايات- قرائن كثيرة في موارد عديدة، وفي بعض المطالب الكلامية. ليس لأننا أكفأ من المجلسي، أبداً، وإنما هي طبيعة العلم الوحياني المنتشرة؛ يأتي من يستدرك علينا كما استدركنا على غيرنا، فطبيعة البحث العلمي واسعة.
بحور العلم الوحياني لا تنضب واستمرارية الاجتهاد
فحقيقة البحث إذن ليست قصة المشافه والغائب والمعدوم، بل قصة الحيلولة بيننا وبين التراث. هذا التراث يحتاج إلى مطالسة كثيرة؛ لأن المعادلات في بيانات أهل البيت والقرآن معادلات هائلة في كل العلوم. إذا لم نقف على تلك المعادلات بلغتها العلمية الموجودة في الوحي، سنظن أن الأخبار تعبدية أي مبهمة لا نفهمها وخالية من المعادلات.
أصلاً القرآن الكريم يقول للفقهاء عليهم أن يتفهموا: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 122]، ويتفقهوا تعني يتفهموا، ليس فقط الألفاظ. وكما في وصية سيد الأنبياء في نظرية المعرفة: «رُب حامل فقه وليس بفقيه»، و«رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». هذا حديث ثابت عند الفريقين قاله في خطبة الوداع وغيرها. ما الذي يريده سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ يريد القول بأن بحور معاني الوحي لا يدركها جيل من العلماء ولا جيلان ولا عشرة.
بتعبير الكثير: "العلماء الآن في البرزخ في فهم معاني الأخبار والعلوم الدينية". بل الأنبياء أنفسهم يدرسون تراث أهل البيت (عليهم السلام) كما تشير الروايات. لأن بحور معاني الوحي لا تنفد؛ لا يسعها برزخ ولا دنيا ولا عالم رجعة ولا عوالم القيامة. وهذا بادعاء القرآن الكريم: ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: 109]. إما أن تصدق به أو لا؛ والكلام هنا لمن يصدق ويؤمن ويذعن.
ولنكن صريحين في الواقع المنهجي. للشيخ محمد رضا المظفر (رحمة الله عليه) عبارة لطيفة يقول فيها: "إن هذا النزاع الإخباري الأصولي نضّج المسيرة عند علماء الإمامية"؛ حيث زحزحت سلبيات كل طرف بإيجابيات الطرف الآخر. ومن السلبيات الموجودة الآن في العلوم الدينية: الابتعاد عن الحديث. وهذا يغيب عنا القرائن ولسان الروايات. أليس هذا البحث (الخطابات) معقوداً لأجل القرائن وبنية الظهور، وهل هي حجة للمعدومين كما للحاضرين؟ إذاً، من أعظم أنواع الوقوف على القرائن وبنية الظهور هو كثرة المطالسة؛ فالحديث يفسر بعضه بعضاً.
أحد الأساتذة الأكاديميين (وهو رجل دين أيضاً في الجامعات الغربية، ومستبصر وفقه الله) متخصص ومتبحر في تراث الدعاء والزيارة منذ عشر سنين. أوقفته البارحة على بعض الزيارات التي لم يرها، وبينت له كيف أن هذه الزيارات تفسر تلك الزيارات. وذكرت له مطلباً (ليس تبجحاً بل باعتبار مطالعتي): أن أهل البيت عندما يصدرون زيارة، يصدرونها بأنواع من الإصدارات؛ مختصرة، ومتوسطة، وموسعة. ربما أربع أو خمس إصدارات لزيارة واحدة. فإذا أردت شرح الزيارة المختصرة، تشرحها بالزيارة المبسوطة؛ فحديثهم يفسر بعضه بعضاً.
وذكرت للإخوة هذه التجربة: شكلنا ورشة عمل محدودة هنا في النجف الأشرف للبحث في "الزيارة الجامعة" لمدة ثلاث سنين (يومين في الأسبوع). وصلنا لهذه النتيجة: الزيارة الجامعة عبارة عن شبكة كلية منتشرة في كل الزيارات بمعادلاتها وألفاظها وبنودها. عمن أبحث؟ عن سند أو طريق؟ هذه القرينة إذا غابت عمن يبحث عن السند (صحيح أو "بحيح")، ستغيب عنه هذه المطالب، وتغيب عنه الأمور الأخرى عند تفسير الزيارة. فلنكن صريحين: قضية بنية الظهور ليست قضية مشافه ومعدوم، بل قصة عدم مطالسة تراث الحديث.
العلامة الطباطبائي -الفيلسوف المفسر العقلي- يذكر تلاميذه الأحياء (منهم الشيخ جعفر السبحاني) أنه درس "البحار" مع نفسه مرتين. وحين كتب "المرأة في الإسلام" كانت عنده نظرة جامعة، ومع ذلك سُجلت عليه مؤاخذات رغم هذا التعب، ففوق كل ذي علم عليم.
نفس هذا العلامة الطباطبائي تباحث مع السيد هادي الميلاني (الذي هو من أبرز تلاميذ النائيني دقة، ويشهد السيد الخوئي في حقه بأنه أذكى علماء الإمامية الأتراك في زمانه). هذا الأصولي الشامخ (الميلاني) تباحث مع الطباطبائي في "الوسائل" في النجف الأشرف من بدايتها إلى نهايتها، سنداً ومتناً ونسخاً. إنهم "يطالسون" الحديث.
على كلٍ، للبحث تتمة إن شاء الله، وكيف نستثمر هذا البحث لقضية كلام الآدمي في الشهادة الثالثة في التشهد، وبيان الغفلة الكبيرة لمن استشكل في هذا الجانب. نبينها إن شاء الله بعد التعطيل.