47/08/21
الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام و الخاص/ الاعتبار الإجمالي لمنظومة النقل
حجية الخبر الواحد والفتوى تبعية لاعتبار منظومة النقل علماً
مر بنا أن هناك طوائف عديدة من الروايات - وليست رواية واحدة أو طائفة واحدة - تحث أو توجب طلب العلم. وهذه الطوائف مرتبطة بمنظومة طرق النقل كافة؛ كتابةً، وحفظاً، وسماعاً، وإقبالاً، وانتقالاً، وما شئت فعبّر. فهذه المنظومة كلها وردت فيها توصيات مرحلة بمرحلة، وحلقة بحلقة، وقد أطلق الشارع عليها مصطلح "العلم"، والمقصود به العلم العرفي الحسي أو الاطمئنان.
بل إن الأعلام استدلوا بهذه الروايات حتى على الفتيا والفتوى، واستدلوا بها في حجية خبر الواحد، واستدلوا بها لوجوب طلب العلم أو وجوب التعلم، كما استدلوا بها على واجبات متعددة مرتبطة بالعلوم النقلية بهذه الطوائف من الروايات. ولاحظوا كما مر بنا في باب النقل والطرق، أن الأصل ليس هو خبر الواحد، بل الأصل في هذه الأدلة الواردة هو تحصيل العلم العرفي - ولا أقول العلم العقلي الدقي - بل تحصيل العلم العرفي من منظومة النقل.
العلم العرفي في منظومة النقل والفتيا المجموعية
وهذا ليس الحال في طرق النقل بالنسبة إلى المجتهد والفقيه فحسب، بل حتى في الفتيا؛ ففتيا الفقهاء بالدقة واردة فيها هذه الأدلة فيما نسميه "الفتيا المجموعية" وليست الفتيا الفردية، شبيه قوله عليه السلام: «خُذْ بِمَا اشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ»، والمقصود ليس المجموعية الدقية، بل مجموعية غالبية أو ما شابه ذلك؛ لأن طرق النقل وما يتصل ويرتبط بها، إما أن تكون في نقل اللفظ وهي "منظومة النقل اللفظي"، أو منظومة بحور معاني الألفاظ المنقولة في الفهم.
وإن كان يمكن دعوى أن آية النفر فيها توزيع في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: 122]، والطائفة تصدق على الواحد، ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. ولكن إجمالاً، وإن وردت روايات في فتيا الآحاد، فإن الأصل في لسان "علم وتعلم وعلم" وما شابه ذلك، أن هذه الروايات واردة في تحصيل العلم العرفي حتى من الفتيا. ولذلك فإن فتيا اثنين أو ثلاثة أو أربعة من الأعلام متقاربي الدرجة العلمية، تكون أكثر تحصيلاً للاطمئنان العرفي من فتيا الواحد.
الاعتبار المجموعي لظنون النقل المتراكمة الى الاطمئنان
فإجمالاً حتى في باب الفتيا هي في صدد تحصيل العلم، فأطلقت هذه الأدلة بطوائفها العديدة على هذه المنظومة المتراكمة اسم "العلم"، أي اعتبار واطمئنان، وأن منشأ هذا الاطمئنان ليس خطأً بل هو موزون. وهذا ما يعبر عنه بـ "الاعتبار الإجمالي". ومعنى الاعتبار الإجمالي أن الشارع لا يهمه في هذا الصدد درجة الظن كم هي، وليس في صدد اعتبار الظن الواحد، بل الشارع في صدد اعتبار المحصّل من مجموع ظنون النقل، فإذا وصلت إلى درجة الاطمئنان أو إلى درجة العلم العرفي، فهي معتبرة عند الشارع. إذن هو في صدد اعتبار المجموع المتراكم، والضريب المتصاعد كماً وكيفاً مما يرتبط بقنوات النقل.
الخوئي : اعتبار الاطمئنان وعدم مراعاة تراكم الظنون
وهذا النوع من الاعتبار وإن لم يبلوره الأعلام بشكل مصطلح مستقل، لكنه مرتكز عندهم جميعاً. ففي موارد عديدة نجد حتى السيد الخوئي يرى أن الاطمئنان الحاصل من أقوال اللغويين أو غيرها حجة؛ أي حتى الظنون النقلية التي يتبنى السيد الخوئي عدم حجيتها، هو يعترف بأنه إذا حصل منها الاطمئنان فهي حجة. والسبب في ذلك أن هذه الظنون مرتبطة بمنظومة النقل. ولكن السيد الخوئي - رحمة الله عليه - لم يكن كباقي الفقهاء يتتبع كل شاردة وواردة؛ وهذه مؤاخذة عليه، إذ كان يتتبع الظن الذي قام الدليل على اعتباره في نفسه بمفرده، أما بانضمامه فما كان يفعل ذلك غالباً، مع أنه في موارد عديدة يؤمن بنظرية التراكم والاطمئنان.
منهجية السيد الخوئي في تراكم الظنون متدافعة
لكنه لم يراعها في أغلب موارد بحثه في الفقه، وهذه مؤاخذة تسجل على السيد الخوئي أو تلاميذه الذين يسلكون نفس المسلك، فنقول لهم: بما أنكم تعتبرون الاطمئنان في المنظومة النقلية حجة، فلا مفر لكم من اعتباره بالتراكم المتصاعد، فلِمَ لا تراعوه؟ طبعا أنه يحتاج إلى تتبع واستقصاء. وكذلك الحال في علم الرجال، ففي جملة من الموارد توجد ظنون لم يعتد بها هو، لكن حين تولد لديه اطمئنان منها اعتمد بها. فأصلاً علم الرجال وعلم الفقه والعلوم النقلية كما يقول كثير من الأكابر - وهي نظرية القدماء ونظرية الإخباريين - عبارة عن مجموعة تراكمية من الظنون المرتبطة بالنقل أو معاني النقل. إجمالاً هذه هي فكرة أدلة العلوم النقلية؛ أن الشارع يؤكد على العلوم النقلية، وكل شاردة وواردة فيها، وكل قصاصة لا يفرط فيها الشارع، سواء في تاريخ سيرة المعصومين أو في علوم اللغة، وكل ما يرتبط بالعلوم النقلية، ومنها طبعاً التاريخ الديني لأنه مرتبط بالدين.
والكلام عن التفريط في الكتب بدعوى الضعف غير صحيح بإطلاقه. نعم، تمييز درجة قوة وضعف الكتب هذا صحيح؛ لأن التراكم ليس هلوسة، بل التراكم معيار تراعى فيه الدقة والموازين، فينظر كم عندك من ضريب متصاعد كماً وكيفاً؟ فمن هذه الجهة التدقيق صحيح. وهذا هو السر في أن القدماء والمشهور يدققون في درجة الأسانيد، ودرجة الدلالة، ودرجة المضمون، ودرجة اعتبار الكتاب، ودرجة جهة الصدور وهلم جرا؛ لكي يكونوا على بصيرة بأن التراكم المدرج في هذه الظنون يتصاعد إلى أي نسبة، لكي لا تصبح القضية فوضوية عشوائية.
فائدة المؤيدات - كسر دعوى الضرورة على الخلاف
وليس المعنى أن الظن الضعيف والقرينة الضعيفة لا يعتد بها مطلقاً. ففي موارد عديدة حتى في موسوعة السيد الخوئي تجد عبارة "يؤيده" و"مؤيد". فما معنى يؤيده ومؤيد وأنت لا ترى الحجية للظن الضعيف يا سيدنا الخوئي؟ الجواب أن المؤيدات وإن لم تكن حجة في نفسها بمفردها - كما مر بنا - إلا أن أقل ما في المؤيدات أنها تقف حائلاً دون من يدعي الضرورة على الخلاف.
فالمؤيدات تكسر دعوى الضرورة على الخلاف؛ لأن المؤيدات يُستأنس لها. ومثال ذلك مؤيدات صحة عقد الفضولي؛ فلا يأتي أحد ويقول "بطلان عقد الفضولي ضرورة فقهية"، فهذا غير صحيح مع وجود مؤيدات. فالمؤيدات إشارة احتمالية موجودة في الدلالة، والدلالة معتبرة واردة في شيء آخر، لكن لها "رشة إيماء"، ورشة إشارة، ورشة تأييد، فهذه تكسر دعوى الضرورة على الخلاف. وقد اعتمد عليها السيد الخوئي في موارد عديدة تحت عنوان "للاستئناس"، والاستئناس يعني إثبات أن الخلاف ليس ضرورة، أي إثبات الإمكان، وبعد الإمكان يأتي الدليل، فهذه تقوية للأدلة بعضها ببعض. فمن يريد أن يجري كشفاً تفصيلياً على منهجية السيد الخوئي ويدرسها، سيجد كلمات "مؤيد" و"يؤيد" و"يستأنس" حتى من أول الفقه، مما يعني أنه لا مفر له من أن يتمسك بذلك، وهذا هو جوهر منهج التراكم.
طوائف الروايات في علوم الدين اعتبار الشارع لمنظمة الظنون النقلية
إذن المنظومة النقلية برمتها يعتد بها الشارع بما توصل إلى العلم العرفي. فكل شاردة وواردة في ظنون المنظومة النقلية أو معانيها يعتد بها بدرجة تصل إلى العلم العرفي. وهذا هو معنى كلام القدماء - كما مر بنا - بأن الخبر العلمي هو الصحيح، وليس خبر الآحاد المجرد. وإذا عرفنا هذا نسلط الضوء على بقية الأبواب التي يستفاد منها اعتبار الشارع لمسار الظنون النقلية إجمالاً، وهو ما يسمونه "الاعتبار الإجمالي" كما مر، وهذا لا نغفل عنه، وهو غير العلم الإجمالي، وغير اعتبار الظن بمفرده كظن معتبر منفرد (آحاد)، وهذا جداً مهم.
ففي كتاب القضاء من "وسائل الشيعة"، وتحديداً أبواب صفات القاضي، عقد صاحب الوسائل أربعة عشر باباً، ومن الباب الرابع تقريباً يبدأ صاحب الوسائل بعنونة الأبواب كالتالي:
• الباب الرابع: "عدم جواز القضاء والإفتاء بغير علم بورود الحكم عن المعصومين"، والمقصود به منظومة النقل.
• الباب الخامس: "باب تحريم الحكم بغير الكتاب والسنة، ووجوب النقض للحكم مع ظهور الخطأ". والمقصود بغير الكتاب والسنة أي بغير ألفاظ الكتاب وألفاظ السنة، وكلها طرق نقلية؛ فالمصحف هو نقل للوحي، وفيه جانب إعجاز المنقول.
• الباب السادس: "عدم جواز القضاء والحكم بالرأي والمقاييس ونحوها من الاستنباطات الظنية في نفس الأحكام". وهذا فيه إبعاد لمنظومة من الظنون التي لا ترتبط ببحور المعاني، وهذه النظرة الإجمالية مهمة ليلتفت الباحث إلى الجامع بينها.
• الباب السابع: "باب وجوب الرجوع في جميع الأحكام إلى المعصومين". وهذا الرجوع يتم عبر النقل. نعم، النواب الخاصون كان عندهم اتصال مباشر أشبه بـ "الإنترنت" مع المعصومين - وهذا بحث آخر - وإلا فبقية الفقهاء والرواة كلهم طريقهم النقل. وطبعاً الإمام سلام الله عليه عنده نوع من الهيمنة والاتصال - أشبه بالتحكم عن بعد - مع الفقهاء والرواة من حيث لا يشعرون. وقد ذكر الشيخ الطوسي في كتاب "التهذيب" أن هناك كان نوراً بين النائب الخاص والإمام، والنور يعني قناة غيبية، وقد وردت عدة روايات في وصف النواب الأربعة أن عندهم نوراً، أي اتصالاً غيبياً.
• الباب الثامن: "وجوب العمل بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام المنقولة في الكتب المعتمدة وروايتها وصحتها وثبوتها". وهذه كلها مفاد طوائف متعددة من الروايات.
• الباب التاسع: "وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة وكيفية العمل بها"، وهذا هو بحث التعارض.
• الباب العاشر: "عدم جواز تقليد غير المعصوم فيما يقول برأيه وفيما لا يعمل فيه بنص عنهم"؛ مما يعني أن اجتهاد الإمامية هو فهمٌ للنص وليس اصطناع رأي.
• الباب الحادي عشر: "باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث من الشيعة فيما رووه عن الأئمة عليهم السلام من أحكام الشريعة، لا فيما يقولونه برأيهم".
• الباب الثاني عشر: "باب وجوب التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى والعمل في كل مسألة نظرية لم يعلم حكمها بنص منهم عليهم السلام".
• الباب الثالث عشر: "باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية إلا بعد معرفة تفسيرها من الأئمة". وهذه هي "نظرية المعرفة" في الدين، فإن أردت معرفتها فهي مودعة في هذه الأبواب، وهي غير مختصة بأحكام الفروع كما تخيل صاحب الوسائل، بل هي مرتبطة بكل العلوم الدينية. فنظرية المعرفة هنا يمكن قراءتها قراءة أصولية على طبق آخر تحقيقات علماء الأصول، فتستخلص منها نظرية المعرفة في علم الكلام. فمن يريد أن يعرف منهجية علم الكلام من قبل الشارع فهي موجودة هنا، ومنهجية الرياضات الروحية والكشف موجودة في هذه الأبواب. وطبعاً لا نغفل الآيات، فالروايات تشير للآيات. ونظرية صاحب الوسائل في الباب الثالث عشر - لأنه إخباري - تشير إلى عدم جواز استنباط الأحكام إلا بعد معرفة تفسيرها من الأئمة، وهذا صحيح بمعنى "معية الثقلين". فالمعية العلمية في الثقلين أعظم معية، ثم تأتي المعية العقائدية، أو قل المعية العقائدية والعلمية، ثم تأتي المعية السياسية. فالتفكيك بين الثقلين في النظام العلمي هو أخطر شيء.
• الباب الرابع عشر: "عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم المروية عن غير جهة الأئمة ما لم يُعلم تفسيره منهم".
اطلاق الشارع العلم على الجزم الحاصل من النقل
وعلى كلٍ، فإن هذه الأبواب كثيرة، وفيها طوائف كثيرة من الروايات، وليس فقط ما ذكره الكليني. وسنقتصر الآن على بعض الروايات أو الأبواب التي ذكرها الكليني، وإلا فالروايات عديدة. فالباب الذي عقده الكليني - وموجود في الوسائل أيضاً - هو: "باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه". وهذا نفس الشيء، يستخرج منه وجوب الفحص، وهو أحد الأحكام التي تستخرج من هذه الطوائف المتعددة لإمضاء إجمالي لمنظومة النقل. والروايات عديدة، وسنهمل السند الآن لتعدد الروايات واستفاضتها، مما يغنينا عن الكلام في أسانيدها بتعبير السيد الخوئي، فكلما استفاضت الروايات أغنت عن الحديث في أسانيدها.
فمنها عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، أي جنس المسلم، «أَلَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ بُغَاةَ الْعِلْمِ». وهو فريضة، فبالتالي لا بد أن يتعلم دينه، وهذا لزوم التفقه في الدين. ورواية أخرى عن أبي عبد الله عليه السلام: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ». ورواية عن الإمام الكاظم سلام الله عليه، حيث سأله الراوي: «هَلْ يَسَعُ النَّاسَ تَرْكُ الْمَسْأَلَةِ عَمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: لَا»، أي أنهم ملزمون. ورواية بسند الكليني الصحيح إلى أبي حمزة الثمالي عن أبي إسحاق السبيعي عمن حدثه عن أمير المؤمنين قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «أَيُّهَا النَّاسُ، اعْلَمُوا أَنَّ كَمَالَ الدِّينِ طَلَبُ الْعِلْمِ...».
الفهم لمنظومة معاني الاحكام شرط للتصدي للفتيا عند الشارع
فيُطلق على منظومة المنقول: "العلم". وهذه هي النكتة المهمة في كلمة "علم" الواردة في هذه الروايات المتواترة في الأبواب. والشارع يطلق على الجزم الحاصل من النقل اسم "علم"، مع أنه ليس علماً عقلياً دقياً، بل علم عرفي اطمئناني. إذن هذا هو الجامع في هذه الروايات المتواترة المستفيضة: أن التراث علمٌ. وكيف يقول أحد ليس لدي علم؟ والعلم ببابك، في متناول يدك، هلا ذهبت واغترفت منه؟ وهلا تعلمت؟ إذن هذه المنظومة يعتبرها الشارع؛ بطرقها، وشجونها، وشؤونها، وبحور معانيها. قال تعالى: ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، واقتناص العلم من هذه المنظومة ليس عبر اللفظ فقط، بل أيضاً عبر الفهم لبحور المعاني، وكلها يسميها الشارع علماً.
بل مر بنا أن الشارع يشترط في الفتيا الفهم، ولا تكفي الرواية فقط. فمن يروي وليس عنده فهم، فتصديه للفتوى مشكل حتى لو كان أعلم الموجودين. وإذا تكاسل في مسألة وأراد أن يفتي بنفس متن اللفظ بدون أن يمحص المعاني، ففتواه هنا مشكلة؛ لأنه لم يضم المنظومة، والمعنى يعني مراعاة المنظومة. ووجه الاستدلال إن شاء الله أصبح واضحاً، وهذا الاستدلال نفسه سنستعين به في مبحث الحجج.
الكشف حجة محدودية لا يغني عن وحي النبوة المنقول في التراث
وقد اضطررنا لتوسيع هذا البحث لكي نبين معنى "وجوب الفحص"؛ لأن وجوب الفحص - كما مر بنا - عبارة عن نظرية المعرفة في علوم الدين، وهو غير خاص بفقه الفروع، بل يشمل كل العلوم الدينية. وهذه بحوث أهم من بدء القطع واليقين؛ لأنها تعطيك كيف هي منظومة الدين، ونظرية المعرفة فيها، وعن أي طريق تصلنا؟ لا عن طريق المكاشفات، ولا عن طريق العقل المستقل. فالعقل حجة فكرياً لكنه محدود، ولا يغنينا عن النقل وفهم النقل، نعم هو حجة في فهم النقل. وكذلك الكشف والوجدان والفطرة حجة بشكل محدود، ولكن لا تغنينا عن وحي النبوة والعلوم النقلية التي تغترف من وحي النبوة. وهذا هو الاشتباه الذي يقع فيه كثير من العرفاء أو الصوفية، حيث يستغنون بالكشف والكشوفات عن علوم الوحي الواصلة لنا عبر علوم النقل. مع أن العرفاء والصوفية شعاراً يقولون لا نقول بذلك، لكن عملاً هم هكذا.
القيصري : المعيار في الحجية الكشف الوحياني المحمدي لا الكشف البشري
فالقيصري في شرحه لفصوص ابن عربي - في إحدى المقدمات - يعترف بأن كشف البشر ليس معياراً للحجية حتى لمن حصلت لديه المكاشفة، بل المعيار هو الكشف المحمدي، أي وحي النبي الذي أوحي إليه من القرآن وسنة المعصومين.
عدم إمكانية استبعاد اللغة العقلية والقلبية من قراءة النص الديني
كما أن الجدلية الموجودة بين المتكلمين والفلاسفة هي هذه، فنقول: أيها الفلاسفة لا تستغنوا ببحوثكم وعقولكم عن الوحي فتشتبهون. نعم الفلاسفة - لا سيما المسلمين والشيعة المتأخرين منهم - قالوا بضرورة إعمال "اللغة العقلية" في قراءة النص الديني، وهذا صحيح؛ فالعقل هو التلميذ الأول الذي يعول عليه في فهم الأستاذ الوحياني، وليس الحس ولا الوهم ولا القوى الأخرى. فلا يمكنك استبعاد اللغة العقلية تحت ذريعة محاربة الفلسفة، فهذه ذريعة خطيرة.
كما أنه لا يمكنك استبعاد "اللغة القلبية الفطرية" تحت ذريعة محاربة التصوف. فالتصوف كنتاج بشري شيء، واللغة شيء آخر. فكما أن اللغة العربية لا تقدر أن تستثنيها من العلوم النقلية - وهي لغة لسانية - فكذلك اللغة العقلية واللغة القلبية (كتصور) لا يمكن استبعادهما في المعاني، وإن جاز استبعاد انحراف الفلسفة أو التصوف في التصديقات. فمن ثَم إن لم تكن لديك رياضة في العلوم اللغوية العربية فاستنباطك يكون ضعيفاً، وكذلك إن لم تكن لديك رياضة عقلية في اللغة العقلية فاستنباطك في العقائد يصير ضعيفاً وسطحياً لا محالة، وكذلك إن لم تكن لديك رياضة قلبية وفطرية فاستنباطك للمعارف من القرآن والسنة سيكون ضعيفاً. وهذه اللغة يجب التدرب عليها وممارستها وتعلمها، فللعقل لغة، وللقلب لغة من استشعارات وخشوع وحسن وقبح، فلا يمكن أن تأخذ المعاني في الوحي بسطحها الجامد، فهذا ليس استنباطاً ولا فقاهة.
خمسمائة رواية في (الوسائل) لاعتبار منظومة النقل
إذن محصل استفاضة هذه الروايات أنها تطلق على منظومة النقل أنها علمٌ. والله يعلم كم رواية توجد في هذه الأبواب، فمن الباب الرابع في صفات القاضي إلى آخر الباب الرابع عشر - أي أحد عشر باباً - لو أحصاها أحد الأخوان فليس بعيداً أن تصل إلى مئات الروايات؛ إذ حسب الترقيم هي 517 رواية (متن)، وبدون الأسانيد التي لم ترقم، ومع اعتبار تعدد الطرق للمتن الواحد، فبهذا اللحاظ قد تقول 700 طريق، وهذا تواتر في تواتر.
وبهذا المقدار لعلنا نكتفي في وجوب الفحص، وقد ذكرنا بداياته، وهناك تتمة وتنبيهات لوجوب الفحص إن شاء الله نتعرض لها، لكن إجمالاً هذا هو بحث وجوب الفحص، وهو بحث حساس في علم الأصول لكل العلوم الدينية.