الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/08/10

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام والخاص/ وجوب الفحص في تراث طبقات المعاني اعظم من اللفظي

 

تدرج البيان والجعل للأحكام فلا يعتمد على دليل واحد

كنا في الوجه الرابع، وهو تدريجية البيان أو تدريجية الجعل للأحكام، وتطبيق هذه القاعدة وتبيانها بشكل موسع يقتضي أنه لا يمكن الاعتماد على دليل واحد منفرد، ولا دليلين ولا ثلاثة، بل لابد من الفحص عن منظومة الأدلة؛ لابد من ذلك.

وهذا وإن لم يخدش في مقدمات الحكمة بمعنى الإطلاق الدليلي (الإطلاق الفردي للدليل)، ولكنه يخدش في حجية الإطلاق المقامي؛ فلا يكفي للحجية النهائية الإطلاق الفردي أو الظهور الفردي، بل لابد من الإطلاق المقامي.

وبتعبير المحقق النراقي (صاحب العوائد) -حسب ما نقل تلميذه أستاذنا الميرزا هاشم الآملي-: "الإطلاق المقامي كأنما أسهل الإطلاقات، ولكنه أغمض وأصعب الإطلاقات".

وشبيه بذلك صحيح حماد بن عيسى، الذي يشرح فيه الإمام الصادق (عليه السلام) الصلاة ببيان الفعل، والفعل دلالته أقل من دلالة اللفظ؛ فبمقدار ما تنبه إليه الفقيه حماد بن عيسى انتبه، ولكن ربما لم ينتبه إلى أفعال أخرى ولم يلتفت إليها. ومع ذلك يعبرون عن أن الرواية بمجموعها "إطلاق مقامي"، لكنها ليست إطلاقاً مقامياً مطلقاً، بل إطلاق مقامي بحسب هذا المقام؛ أي إنه متوسط بين مقام الإطلاق الدليلي الفردي، والإطلاق المقامي للمنظومة المجموعية.

وعلى أية حال، فإن أصل الظهور يجب الوقوف عليه عن طريق منظومة الأدلة والظهورات كي يتم بناء حجية الدليل.

استمرار بحث و فحص الفقهاء في الابواب بالاشتغال العلمي

إن هذا الوجه لا ريب أنه يقتضي الفحص في كل مسألة مسألة، ولا يكفي فيه الفحص العابر، بل بتعبير البعض -وهو تعبير لا بأس به- إن هذا الوجه يقتضي دوام بحث الفقيه والمجتهد، أي دوام الجانب العلمي.

وبعبارة أخرى: بعض الأعلام في باب الأعلمية أو الفتيا اشترطوا -علاوة على الفقاهة والاستنباط في كل الأبواب، وزيادة على الذاكرة والحفظ- استمرار عملية الاشتغال العلمي. وسواء اعتبرنا ذلك شرطاً للأعلمية أو أصل العلمية أو لأن الفحص مفيد ومجزٍ إلى حد ما، ولكن لابد فيه من الاستمرار.

أحد وجوه لزوم دوام الفحص هو أن الفحص في الحقيقة لا يقتصر على مرة أو مرتين. ربما يكتفي الفقيه الآن بمقدار من الفحص لأجل الاستنباط والعمل أو الفتيا، ولكن بالدقة يجب أن يستمر. والشاهد على هذا أننا نرى الكبار والأعلام كلما ازدادوا اشتغالاً، ازداد تنبههم لمواد أدلة واستنباط وتحليل.

فدوام الاشتغال يعطي دائرة فحص أقوى كيفاً وكماً. وهذا ممكن للفقيه؛ فهو أولاً يحافظ على علميته أو أعلميته من جانب، ومن جانب آخر يكرس ويجذر عملية الفحص.

وبعبارة أخرى نستطيع القول -بناءً على هذا الوجه- إن وجوب الفحص نسبي؛ فبحسب الزمان الضئيل يكفي هذا المقدار، لكن بحسب الزمان الممتد وتمام العمر يشترط فحص أطول واستمرار الاشتغال العلمي؛ لأنه قد يتنبه لنكات كان غافلاً عن موادها.

08:24- الحرمة الابدية للزنا بذات بعل - ومنهج الفحص في كتب القدماء

إن كثيراً من المواد -كما أشرنا في الفقه أو مواضع أخرى- ليس سطح ظاهرها مرتبطاً بمسألة ما، لكن بالتحليل والتدبر والدلالة الالتزامية أو التضمنية ذات الطبقات، يلتفت الفقيه إلى أن هذه المسألة لها صميم الارتباط بتلك المسألة.

ومن باب المثال: مسألة "من نكح امرأة ذات بعل". متأخرو الأعصار يقولون: "لا دليل واصل لنا إلا الإجماع"، والإجماع المنقول غير مقبول والمحصل غير حاصل، إلى آخر هذه التعابير. بينما بالتتبع في بحث النكاح -لما باحثناه وطُبع- وجدنا خمسة من القدماء تعرضوا للدليل، بينما تغافل المتأخرون عن ذلك.

وفي بحث الحدود -بمناسبة ما أعدنا البحث- وجدنا ثلاثة عشر من الأعلام ذكروا الدليل بكل وضوح وبسهولة مأخذ، فالأمر يحتاج إلى تنبه لغوي فقط.

إن الأدلة موجودة ولكن لا يلتفت إليها وكأنها أجنبية عن المسألة، ولكن بشيء من التدبر اللغوي التحليلي للعنوان يلتفت الإنسان. ففي عبارة "من نكح امرأة ذات عدة" أو "نكح ذات بعل"، حمل المشهور والمتأخرون اللفظ على "العقد"، بينما لفظ "نكح" -كما يقول القطب الراوندي- يشمل الوطء، أو العقد ليوطأ؛ فالنكاح ليس خاصاً بخصوص العقد في اللغة. فعموم "نكح ذات بعل" يشمل سواء عقد عليها أو وطأها.

وهناك شواهد قرآنية عديدة على أن المراد هنا ليس خصوص العقد بل مطلق الوطء. فانظر كيف أن كلمة "زنا" أو "وطء" غير موجودة، لكن كلمة "نكح" موجودة.

10:40- دوام الانشغال و التتبع في التراث يكسب التضلع لدى الفقيه

بينما قاطبة المعاصرين منذ مائة أو مائتي سنة يقولون: "لا يوجد دليل إلا الإجماع"، وينتهون إلى الاحتياط الوجوبي أو الاستحبابي، والحال أن الأدلة وافرة؛ فدوام الاشتغال والفحص يعطي "تنمراً علمياً" للفقيه كيفاً وكماً، لا سيما تتبع كتب العلماء.

وسيأتي بحث مقدار الفحص؛ حيث يشكل السيد الخوئي بأنه "لو كانت بعض الوجوه تامة في وجوب الفحص لاقتضت التتبع في كل الكتب المحتملة (الحديثية، الفقهية، التفسيرية، الكلامية)، المعتبرة وغير المعتبرة، والعمر لا يكفي لذلك".

وصحيح أن العمر لا يكفي، لكن هذا بالنسبة للدورة الأولى. السيد الخوئي (رحمه الله) علق على العروة مرتين كأستاذه الميرزا النائيني، فهل كفى العمر؟ نعم كفى وزاد. ففي المرة الثانية، بدلاً من أن يمشي الإنسان على نفس منوال المرة الأولى، يمكنه التوسع في التتبع؛ إذ ليس من الضروري الرجوع في نفس مسير الذهاب. فيوسع الإنسان دائرة فحصه لكتب جديدة، وسيزيده ذلك الشيء الكثير.

فالسيد الخوئي بحث الطهارة والصلاة والمعاملات مرتين (مرة في كتاب الغروي)؛ فما المانع أن تكون المرة الثانية ببطء وتوسع؟

13:00- تأثير طريقة البحث في بالمنهج التحليلي في المواد

ولا سيما إذا كان الدرس "لجنة تحضير للبحث" وليس مجرد إلقاء. فالميرزا المجدد الكبير كان درسه "ورشة عمل" ولم يكن درسه إلقاءً، والكل يساهم، فتصبح العملية "طبخاً" للأفكار، بشرط أن يكون الأستاذ قوياً في الإدارة العلمية والفنية للجلسة لكي "تزبد" (تتمخض عن نتائج).

وأصل هذه الطريقة حُكيت عن المرحوم النراقي صاحب المستند؛ ولعل كثرة ابتكارات النراقي في زمانه تعود لكون درسه ورشة عمل، حيث تنقدح الأفكار والابتكارات، وقد يبلور الأستاذ فكرة لم يلتفت صاحبها لأهميتها.

وكذلك كان درس المجدد في سامراء يستمر ساعتين أو أكثر في الأصول والفقه، فخرجت كثيراً من الفحول؛ لأنها عبارة عن نوع من "الذكاء الصناعي" (الجمع بين المعلومات المنتشرة) الذي يشحذ أذهان الحضور.

إذن، طريقة البحث وتكراره تؤثر. فالشيخ جعفر كاشف الغطاء لما سُئل عن سبب تميزه في الفقه، قال: "لكثرة تكراري كتاب الشرائع". فتكرار الكتاب يفيد في العلم التحليلي وفي المواد أيضاً.

16:00- الادلة القطعية النظرية في معاني التراث و الالفاظ في الثقلين بداياه

وسبق أن مر بنا مراراً أمثلة عما يسمى "التواتر النظري"؛ أي إنك لا تلتفت إليه لفظاً، ولكن بالمعنى الثالث أو الخامس تلتفت إلى أن هذا المعنى موجود في الحديث المتواتر أو أحاديث الآحاد المضمومة.

وهذا مصطلح موجود لدى الأعلام في باب الاجتهاد والتقليد ونقض الحكم، حيث يعبرون بأن: "هناك كثيراً من الأدلة القطعية أو المتواترة لا يصل إليها إلا الفقيه بالإدراك التنظيري التحليلي العميق"، ولا يصل إليها المحدث أو الراوي بما هو كذلك. ويعبرون عنها بـ "الأدلة القطعية النظرية"؛ لأنها تحتاج لنظر وليست في سطح اللفظ.

وهذه نكتة جداً مهمة: إن لدينا تراثاً وراء الألفاظ، وتراثنا وراء الألفاظ أعظم من تراث الألفاظ.

19:20- التراث اللفظي في الحديث والقران طرف من حبل محدود ممتد

فتراث الألفاظ -كما يقول سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)- ليس إلا "طرف الحبل". وهذا الوصف ليس للقرآن فقط بل لتراث الحديث أيضاً: "حبل ممدود، طرف منه في الألفاظ"، وعمدة هذا الحبل الممدود غير المنقطع وغير المحدود هي عند الله.

وكما ورد أن لأحاديثهم (صلوات الله عليهم) كالقرآن بطناً وسبعين بطناً. وهذا يعني أن عمدة تراثنا ليست الألفاظ؛ فالألفاظ إنما هي رؤوس خيوط (الحديث الواحد رأس خيط).

21:00- الخوارزمية في الالفاظ وعجز الفحص في التراث عنها

عمدة التراث تكمن في المعاني الاستعمالية والتفهيمية والجدية والالتزامية والضمنية، وتشابك هذه المعاني يشكل "شبكة خوارزمية" عجيبة عظيمة.

أين أنت من التراث؟ وعن أي تراث تتكلم؟ هذا شبيه بما قاله كبار المفسرين الذين عقلوا عن أهل البيت حقيقة القرآن؛ فحقيقة القرآن ليست ألفاظ المصحف (التي هي تنزيل الكتاب)، بل هي أنزل درجة من القرآن العظيم. فالقرآن العظيم ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ -أي مآله- ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، أي طرف منه عند الله.

وكما أن ألفاظ القرآن هي طرف الحبل وعمدة حقائقه في طبقات لا تتناهى، ولا يستطيع الفقيه الوصول إليها إلا بالموازين خطوة خطوة؛ فكذلك الحال في التراث الروائي.

23:00- بيانات اهل البيت لألفاظ الوحي وكشف لمنظومة معاني التراث

إذن، التراث اللفظي (وحياني أو نقلي) هو رأس خيط وطرف الحبل. وكما أبى سيد الأنبياء أن يعبر عنه بـ "بعض الحبل" بل قال "طرف" -والطرف هو ما على الحافة- فإن عمدة التراث تكمن في عملية التنقيب بالفهم ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا﴾ و "ليتفهموا". وبدون شركات الفهم لا يستطيع الإنسان الوصول للتراث.

أولاً: نفس التراث اللفظي يحتاج للباقة فنية، وثانياً: التراث الحقيقي هو الحبل الممتد. وعلاوة على الطبيعة المنظومية الشبكية للتراث -كما قال القدماء كالمفيد والمرتضى والطوسي والحلبيين وابن إدريس- فإن ما وراء الألفاظ أدهى وأخفى.

فعن أي تراث تتكلم عندما تقول: "فحصت ولم أجد"؟ أي فحص هذا؟ ولماذا تحمل المذهب قصور فحصك الضئيل؟ إننا نحتاج لأجيال تفحص.

وهذا مصداق لقول النبي (صلى الله عليه وآله): «رُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»؛ وهي معادلة تتكرر جيلاً بعد جيل.

فسيد الأنبياء في خطبة الوداع المستفيضة وصف القرآن والعترة بأنهما "حبل ممدود"؛ طرف منه عند الناس، وما بعد ذلك هو التراث الأعظم.

25:00- معاني المعاني وتفاوت القدرات على الفحص في الالفاظ فضلا عن معانيها

وهذا يشبه منهج "التحريات والتحقيقات"؛ حيث يأخذ المحقق رأس شعرة ولا يفرط في قصاصة، لتكون هذه القصاصات رؤوس خيوط للوحة كاملة يكتشفها المحقق، لا صاحب الغفلات والعجلات.

وفي بيان معجز للأئمة (عليهم السلام) يقولون: "يمكنك من لفظة واحدة أن تكتشف هذا التراث المهول". وكما قال الباقر (عليه السلام): «لو شئت لاستخرجت الشرائع كلها والأحكام والدين من لفظة واحدة الصمد». الباقر (عليه السلام) لديه هذه القدرة، بينما علماء الأمة لو بقوا أبد الدهر لا يستطيعون ذلك، لا العرفاء ولا الفلاسفة ولا المتكلمون.

ولكن كلام الباقر (عليه السلام) ينبهنا -بغض النظر عن قدرته المعصومية- إلى أن هناك نظاماً واقعياً في التراث لا نلتفت إليه، وأنه يمكن النفاذ إليه من نوافذ عديدة.

لاحظ في زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وصفه بأنه عالم بـ "معاني المعاني". فالمعاني لها معاني، وهلم جراً. فإيانا أن نتوهم أن التراث هو مجرد سطح ساحل الألفاظ. يا أخي، محيطات التراث هي المعاني، وهي لا تنفد، كما يشير القرآن: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾، والآية الأخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾.

26:50- ألفاظ كتب المقاتل بين المؤرخ و انواع التخصص و الفحص عن حقائق التاريخ

هذه نكتة مهمة جداً في وجوب الفحص: التراث ليس مجرد الساحل (الألفاظ)، بل المحيطات (المعاني والدرر). وهذا يحتاج إلى "غواص". وكلما غاص أكثر زادت قدرته، بشرط ألا يغرق؛ فإذا شارف القدرة على الانتهاء يرجع ليجلب اللآلئ. والغواصون يختلفون في قدراتهم جيلاً بعد جيل.

فهل جمعت ألفاظ المقاتل أم معاني المقاتل؟ ربما يكتشف خبير محترف في التحريات من ألفاظ المقاتل مشاهد وظلامات لم يلتفت إليها المؤرخون؛ لأن المؤرخ ليس شغله الغوص، بل هو عند الساحل.

وكذا العالم السياسي أو الاقتصادي أو الأمني؛ فتاريخ الدين يحتاج لمتخصصين في كل مجال وكل علم يغوصون في ملفاته، لا مجرد مؤرخ "ساذج" في الأمنيات أو القضايا العسكرية أو الاقتصادية (كقضية الحصار في شعب أبي طالب).

30:00- بين ألفاظ القران و بحور معاني

فلا تقل لي إن تراث عاشوراء أو سيرة الأئمة هو الألفاظ المروية فقط؛ هذه رؤوس خيوط.

ونحن -كما يقول الإمام الصادق عليه السلام-: «أقاموا حروفه وضيعوا حدوده». نحن نضيع الحقائق ونتمسك بالزي الظاهري (التجويد والإدغام). "حدود الله" ليست الأصوات اللفظية، بل المعاني التي هي نور القرآن.

وأحد أوصاف النبي (صلى الله عليه وآله) في الزيارة: "غواص التوحيد". والغوص يحتاج لأكثر من ركوب البحر؛ ففي الصلوات الشعبانية: «الفلك الجارية في اللجج الغامرة»، التي تجري في "موج كالجبال".

32:48- محيطات التراث بين بحور المعاني و ألفاظ الحديث

هذه هي المشكلة بين منهج المتأخرين (منذ السيد أحمد الطاووس إلى السيد الخوئي). القدماء يعنيهم -كما في وصية أمير المؤمنين-: «إن العالم يعنيه وعاية العلم» (أي استيعابه وحفظ معانيه)، بينما «الجاهل تعنيه الرواية» (مجرد النقل).

وكما قال أحد الطلاب: "همة السفهاء الرواية، وهمة العلماء الدراية"؛ فالدراية هي الرعاية والوعاية التي تُعيِي الطالب في هذه البحور.