الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/08/09

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام والخاص/ الأصل الدستوري للحجج في العلوم الدينية

كان الكلام في الوجوه التي يستدل بها، وكنا في الوجه الرابع وهو "تدريجية البيان". وسواء كانت تدريجية البيان أو تدريجية الجعل - أياً ما كان الموجود عند الشارع - فبناءً على ذلك لا يمكن الاعتماد قبل الفحص؛ إذ لابد أولاً من الفحص عن أصل الأدلة. وكما مر بنا في هذه النقطة، فإن وجوب الفحص ليس وجوباً للفحص عن مخصص فقط، أو معارِض، أو مقيد، أو ناسخ، أو مفسر، إلى آخره من أنواع التفسير والحكومة والمجمل والمبين؛ بل هو فحص حتى عن أصل الدليل، أو قل بقية الأدلة ومنظومة الأدلة؛ لأنه لا يكتفى بدليل أو دليلين أو ثلاثة.

كل العلوم لا سيما الدينية قائمة على تدريجية البيان

والفحص بهذه الدائرة ينطبق عليه الوجه الرابع تماماً؛ لأن الوجه الرابع يقرر أن دأب الشارع الحنيف هو هكذا، بل وعلم القانون والعلوم كافة هكذا. فالبيان في العلوم - سواء كانت علوماً تجريبية، أو إنسانية، أو قانونية، أو اجتماعية - لا يمكن فيه ضغط العلم في معادلة واحدة؛ إذ المعادلات دائماً منتشرة. فلكي يُفهم مبحث معين، لابد من ملاحظة مناسبات هذه المسألة مع لفيف منظومة من الأبواب والمسائل والفصول، لا أنه يؤخذ من بابٍ واحد، أو فصلٍ واحد، أو مسألة واحدة. فطبيعة البيان في العلوم هكذا، ليس فقط في علم القانون، فضلاً عن توهم أنه فقط في بيان الشارع، بل طبيعة العلوم هكذا: أن البيان فيها تدريجي، وليس بياناً دفعياً أو مركزاً في مكانٍ واحد.

وأتذكر أني التقيت بمجموعة من أساتذة الدكتوراه في العقوبات الجنائية وعلم القانون، فكانت عندهم مجموعة من الإشكالات على القانون الإسلامي أو الجعفري. وقد اتضح من إشكالاتهم وأسئلتهم - مع أنها استغرقت جلستين، كل جلسة ساعتين - أن أصل إشكالاتهم هو عدم إلمامهم بمنظومة المسائل في باب الحدود، أو باب القصاص، أو باب النكاح، أو أبواب أخرى. ولذلك معروف حتى في "الرسالة العملية" أنه لا يمكن الأخذ بمسألة ومتاركة بقية المسائل المرتبطة ذات العلاقة بها؛ لأن طبيعة بيان الشيء منتشر وموزع، وليس البيان مركزاً ومضغوطاً في مكانٍ واحد. ومن ثَم لابد من الإحاطة بهذه الأمور. وتعبير صاحب الجواهر في بعض الموارد: "يجب على الباحث المستنبط ألا يغره عموم معين - فالعموم نفسه قد يغر الإنسان - أو دليل معين"؛ لأن طبيعة المسائل متشابكة ومترابطة. إذن، هذا هو فحوى الاستدلال على لزوم الفحص، أو قل تمام الفحص.

الفحص بين الظهور المتقرر في الدليل نفسه والظهور المجموعي للأدلة

كأنما السيد الخوئي (رحمة الله عليه) استظهر من هذا الوجه - وقد ذكره كثيرون منهم الميرزا النائيني (رحمة الله عليه) - أن الظهور غير متقرر للدليل إلا بالفحص، أو أن مقدمات الحكمة لا تجري في الإطلاق إلا بالاستيعاب للأدلة المنفصلة. فأشكل السيد الخوئي على هذا الوجه بأن الظهور متقرر للدليل في نفسه؛ وإنما الدليل المنفصل حجة اقتضائية تقدم على حجة اقتضائية، لا أن الظهور متوقف على الدليل المنفصل. هذا ملخص إشكال السيد الخوئي. والحال أن المستدلين بهذا الوجه ليسوا في صدد نفي أصل الظهور للدليل في نفسه، أو أن مقدمات الحكمة لأصل تكون الظهور لا تجري؛ فذاك يسمى إطلاقاً عنوانياً أو فردياً، بينما الكلام هنا في "الإطلاق المقامي".

الفرق بين الإطلاق المقامي والإطلاق الدليلي

لابد من توضيح هذه النكتة: هناك إطلاق مقامي، وهناك إطلاق دليلي (أي الدليل الفرد)، وهناك إطلاق عنواني (العنوان الوارد في الدليل). بالنسبة لتكون الظهور للدليل أو العنوان في نفسه، فكلام السيد الخوئي صحيح ولا إشكال فيه. أما الكلام هنا فهو في الإطلاق المقامي؛ ويعني أن مراد الشارع لا يُبين في دليلٍ واحد أو عنوانٍ واحد، بل من منظومة أدلة؛ نظراً للتدريج في البيان والجعل. فالمراد الجدي النهائي لا يحصل إلا بتمام الإطلاق المقامي. وليس مرادهم بحث الإطلاق الدليلي للدليل الفرد أو العنوان الفرد كي يشكل السيد الخوئي على هذا الوجه؛ فهذا الوجه ليس في هذا الصدد.

إن بحث وجوب الفحص ليس عن أصل الدليل فقط، ولا الدليل المنفرد أو الدليلين، بل هو بحث عن مجموع منظومة الأدلة. وهذا البحث يرتبط بالحجية والتنجيز والتعذير، لا بأصل تكون الظهور. فمساق الكلام مختلف، ومؤاخذة السيد الخوئي في مسار آخر، ولا ربط لهذه بتلك.

فعلى أية حال، بيان الوجه الرابع متين جداً، ووطيد، وعام شامل لكل المسائل؛ سواء لأصل البدء في الوقوف على الدليل للمسألة، أو للدليل الثاني والثالث، أو لمنظومة الأدلة. فدليل تدريجية البيان جارٍ وملزم لكل هذه الصور والحالات بلحاظ منظومة الدليل. كما أن هذا الدليل مسعف للوجه الأول والثاني الناقصين اللذين مرا (المشافهة والوقوف على القرائن الملابسة)؛ إذ يرتبطان بأن البيان منتشر. فنقصان الوجه الأول والثاني يتمم بهذا الوجه الرابع، وتتعاضد المسألة.

الوجوه العقلية تلزم بالفحص عن أصل الدين والنبوة

الوجه الخامس هو: "الحكم العقلي". ومنشأ حكم العقل ومستنده عدة قواعد عقلية، منها: "لا ضرر" (وأصلها عقلي)، و"وجوب دفع الضرر المحتمل". وهذه الوجوه العقلية - كما ذكر النائيني والسيد الخوئي والأعلام من قبل - هي بنفسها التي تلزم بالفحص عن أصل الدين والنبوة، وعن صدق مدعي النبوة. إن أصل الإلزام بالتنقيب والتفتيش عن صدق مدعي الوساطة الإلهية سببه أن العقل بعد أن يدرك أن له خالقاً وإلهاً هو مالك الخلق والأمور، يقول: هذا مالك كل شيء ومالكي؛ فبالتالي لابد أن أفحص عما يريده مني، وعن مراضيه أو سخطه.

فأصل إثبات لزوم الفحص عن الدين والديانة وإرسال الرسل عقلاً كان بوجوه عقلية متعددة؛ منها احتمال الضرر، حيث تدعي سلسلة الأنبياء أن هناك خلوداً في العذاب وعوالم أخرى. وكما استُدل هناك بأدلة وقواعد عقلية، يلاحظ أن أصل الأدلة الكلامية على الدين والرسل تقتضي نفسها الفحص بالدقة عن كل العلوم الدينية، بل عن كل مسألة في العلوم الدينية؛ فهو نفس المناط والنكتة والقضية الكلية بلا اختلاف.

أدلة علم الكلام ملزمة للفحص في بقية العلوم الدينية

وهذا يقتضي التفتيش عن التراث ورعايته وعدم التفريط به. لا أن يقال: "الأصل عدم الحجية"؛ فما معنى أصل عدم الحجية هنا؟ "لا أصل يجري، إذ لا يوجد أصل في البين، بل الاحتمال قائم عن طريق نظام العلوم النقلية. فمن يتحرج - أي يحافظ على عدم الوقوع في الهلاك الدائم، ويأمره عقله بالحيطة والاحتياط، ويتقيد - في أصل الدين، لابد عليه أن يحتاط في كل مسائل العلوم الدينية، وفي قضية التراث أيضاً.

فلا يقال "الأصل العدم" بمعنى أننا مالكون لأنفسنا وأحرار عن أن نكون عبيداً لإلهٍ مألوه؛ فهذا كلام يخالف أصل الأدلة الاعتقادية. لاحظ أن نفس الأدلة الاعتقادية - ونقصد الأدلة الأولى الفوقية، فضلاً عن الأدلة اللاحقة كنبوة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وإمامة الأئمة (عليهم السلام) التي هي نور على نور - سواء في بدء الأدلة الاعتقادية (الفحص عن الاعتقاد بالإله، وإرسال الرسل، وشؤون الإله) وصولاً إلى أدلة النبوة العامة والخاصة، والإمامة العامة والخاصة (ورغم أن النائيني والسيد الخوئي لم يشيروا إلى نقطة بدء الأدلة الاعتقادية، إلا أن المفروض الإشارة إليها كما فعل غيرهم)، فضلاً عن براهين المعاد؛ إذن، علم الكلام برمته - بدؤه ووسطه ونهايته - كله أدلة ملزمة للفحص في بقية العلوم الدينية وفي كل مسألة منها.

أساس الحجج في الفقه والأصول وبقية علوم الدين

لاحظ هذا الارتباط بين علم الكلام وعلم الفقه وأصوله؛ فأصل الحجج والاستدلال في الفقه والأصول نابع من علم الكلام (بداياته وأواسطه ونهاياته). أصل الحجية نابع من هناك، لا أن هذه العلوم لا صلة بينها، بل بينها تمام الصلة والاستناد والاعتماد. فطبيعة العلوم الدينية مترابطة وغير منفكة. وكما أن علم الأصول يعطينا الميزان في الحجية وخارطة نظرية المعرفة ومنهجية الاستدلال؛ كذلك الحال في أصل الحجج، فهي من علم الكلام لا من علم الأصول (دققوا). فعلم الأصول يهندس الاحتجاج، أما مواد الحجية وأصلها وأساس بدئها فمن علم الكلام. وهذه أمور يجب الالتفات إليها.

العلاقة بين علم المنطق والفلسفة نظيرها بين الأصول وعلم الكلام

علم الأصول يمنهج، كالعلاقة بين علم المنطق وعلم الفلسفة. فدور علم المنطق (سواء كان أرسطياً، أو رياضياً، أو اجتماعياً) هو المنهجة. وكذلك العلاقة بين المنطق والعلوم؛ فالفيزياء لها منطق، والفرق بين منطق الفيزياء والفيزياء هو أن لكل علم (كالكيمياء والرياضيات والهندسة) منطقاً وضوابط ونظاماً وصناعة، ولا يكون بلا ميزان. فلا يُعقل وجود علم بلا نظام. وهذا النظم يأتي من المدرسة المنطقية؛ لذلك عندنا منطق رياضي ومنطق اجتماعي. فالمنطق مدارس، وليس مدرسة واحدة كما يتوهم اليونانيون أو أرسطو.

نظم مجموعات القوى منطقياً داخل الانسان مترابط

وهذا مبحث طويل. ولذلك نجد في القرآن والوحي (الثقلين) منطقاً معيناً؛ كما ورد: «حُبُّكَ لِلشَّيْءِ يُعْمِي وَيُصِمُّ»، وبغضه كذلك. وهذا مبحث لم يتعرض له منطق أرسطو، لكن تعرض له الوحي: أن الميول النفسية تؤثر على فكر الإنسان. فأنت أيها الإنسان لست فكراً أو عقلاً مجرداً، بل أنت عقل، وهوى، وشهوة، وغضب، وقوة خيال، وقوة حس؛ أنت مجموعة قوى إدراكية وعملية ومشاعر. وكما في الشعر المنسوب لأمير المؤمنين (عليه السلام):

«أَتَزْعَمُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ ... وَفِيكَ انْطَوَى الْعَالَمُ الْأَكْبَرُ»

فالإنسان مجموعة قوى، ويراد له أن يستقيم فكره وقلبه. وليس المنطق لاستقامة الفكر فحسب، بل هناك منطق لاستقامة القلب والمشاعر، لكي يكون الإنسان متوازناً؛ لا يغضب بشدة، ولا يبرد بشدة، ولا يشتهي بإفراط، بل بتوازن. فكل قوة ومجموعة قوى في الإنسان تحتاج إلى نظام. وهو شبيه بالنظام داخل الوزارة، ثم النظام بين الوزارات، ثم النظام بين السلطات (التنفيذية والقضائية). فنظامٌ في نظام، ليشكل هيكلاً كبيراً؛ وهذا النظم هو هندسة المنطق والمنهجية.

جذور قسم الحجج في علم الأصول في علم الكلام

فعلى أية حال، مواد الحجج الفوقية العامة هي من علم الكلام، أما هندسة هذه الحجج فمن علم الأصول الذي يمنهج ويعطي نظماً لعلم الكلام. والفرق شبيه بما بين المهندس النظري والمهندس المعماري؛ فالمعماري أدرى بالمواد وتطبيقها. وقد نقلت عدة مرات عن المرحوم النائيني والكمباني والعراقي (وهو معروف بين تلاميذهم الذين أدركناهم) أن قسم الحجج في الأصول يتأثر جداً بعلم الكلام. والمرحوم العراقي معروف بأنه كان الأستاذ الأول لكتاب (شرح التجريد) في الحوزة العلمية؛ ومن ثَم كانت مبانيه في القوانين الاحتجاجية العقلائية أكثر بروزاً من العلمين الآخرين. وكان الأصفهاني الأستاذ الأول في (الأسفار) والجانب الفلسفي في النجف - حسب ما يذكر المظفر وغيره - قبل أن يتمحض في الفقه والأصول، فله دور في العقليات. وكذلك في مباحث الألفاظ، فإن لعلم البلاغة (المعاني والبيان) دوراً وطيداً؛ فالمهارة فيه تعطي قوة كبيرة للأصولي.

طبعاً عندما يقال "مباحث الألفاظ" و"مباحث الحجج"، فهذا تقسيم إجمالي؛ وإلا فإن جملة من مباحث الحجج (المهمة والحساسة) موجودة في الألفاظ، والعكس صحيح؛ فهناك مباحث لفظية مهمة لم تنقح في الألفاظ بل نقحت في الحجج.

منشأ العلم الإجمالي الكبير المنجز للتراث من أدلة علم الكلام

أياً ما كان، فعلم الكلام يتكفل بأصل الحجج وموادها. فلا يصح القول بأن بحث حجية خبر الواحد أو الظهور لا صلة له بعلم الكلام؛ بل هو منبثق منها تماماً. إذن، ما دامت أدلة الحجج موجودة في علم الكلام، فنحن ملزمون إجمالاً بالحجج. وهذا هو منشأ العلم الإجمالي الذي مر بنا بدقة. فهذه الوجوه وإن كانت مستقلة بمعنى، إلا أنها مرتبطة ببعضها بمعنى آخر. فمنشأ العلوم الإجمالية هو أدلة علم الكلام (من قبل التوحيد، والتوحيد، مروراً بالنبوة والإمامة والمعاد). هذه هي عمدة أدلة وجوب الفحص ومنشؤه الأساس.

فوجوب الفحص يعني الإلزام بالوقوف على الأدلة الشرعية، والأصل هو التنجيز الإجمالي لكل الأدلة والظنون في العلوم النقلية الدينية. فالأصل أننا منجزون وعلينا تفريغ الذمة. فإن كنت تعتقد بالعقائد المقررة في علم الكلام (أما عدم الاعتقاد، أو المزج بين العلمانية والدين فبحث آخر)، فالأصل الأولي أنك ملزم بالتراث، ولا يصح القول بانتظار ثبوت حجيته، فحجيته الإجمالية ثابتة. فأي كتاب منسوب بنسبة احتمالية إلى الشارع، نحن ملزمون بالفحص فيه وبرعايته (قبل الفحص). أما النتائج التفصيلية بعد التنقيب فبحث آخر. وكما أن المفسر أو الفقيه ملزم برعاية كل شاردة وواردة في كل علوم اللغة عند الاستنباط، كذلك الحال في العلوم الدينية؛ وذلك بدليل علم الكلام.

أدلة علم الكلام هي أدلة الإلزام بالعلوم الدينية

وقد ذكروا لزوم الفحص والتنقيب عن معرفة التوحيد والذات الإلهية (لدفع الضرر المحتمل مثلاً)، حتى قبل ثبوت وجود الإله والرسل. إذن، أدلة علم الكلام برمتها هي أدلة الإلزام بالدين (أي العلوم الدينية). وكما مر بنا، فإن العلوم الدينية عبارة عن حلقات وأجزاء تشكل لوحة الدين؛ فإلزامنا بالدين يعني إلزامنا بالعلوم الدينية. فتغاير الألفاظ لا ينبغي أن يخدعنا أو يربك البحث، فالحقيقة واحدة. وهناك صلة وطيدة بين العلوم الدينية، فهي ليست مبعثرة أو أجنبية عن بعضها.

أدلة علم الكلام قوانين دستورية لكل العلوم الدينية

وبعبارة أخرى: الطبقة العليا وأصول القانون والدستور لكل العلوم الدينية هو علم الكلام؛ فنحن ملزمون به.

يقول أستاذنا الميرزا هاشم الآملي (رحمه الله) - تلميذ الآغا ضياء -: "من تشهد الشهادات الثلاث تقع على عاتقه مسؤولية مئة وعشرة مجلدات من (البحار)؛ لأنه أقر بالشهادات الثلاث وقام عليه البرهان بها، فيثبت هذا كله".

أصل وجوب الفحص في العلوم الدينية أُم الحجج

وقد طرح أحد الإخوة سؤالاً عن ربط المباحث العقائدية بوجوب الفحص هنا. والجواب: هو عين الربط! وقد صرح النائيني والخوئي وغيرهم بذلك (وإن أوجزوا وبسطنا نحن للتوضيح). فأصل وجوب الفحص في علم الأصول - سواء في الأدلة الاجتهادية أو الأصول العملية - مرتبط بعلم الكلام وأدلة العقائد. وكما مر بنا، فإن أصل وجوب الفحص في العلوم الدينية هو "أم المسائل والقواعد". فإذا سُئلت في امتحان علمي: أي قاعدة في علم الأصول هي قاعدة دستورية فوقية؟ فالجواب: وجوب الفحص. وأي علم هو بمثابة أصول دستورية ومبادئ لكل العلوم الدينية الأخرى؟ الجواب: علم الكلام. ولابد من معرفة الترتيب والمراتب، وكيف تتخادم العلوم مع بعضها البعض (أي يسد كل علم ثغرة لعلم آخر) بمنهجية منطقية. وهذا أمر ضروري يفرضه علم أصول الفقه (بمعنى فقه الدين كله لا فقه الفروع فقط، فالفقه في اللغة هو الفهم). وهذه نكتة نفيسة جداً، وصناعية، ومنهجية، وأخطبوطية بين العلوم الدينية كافة؛ إذ تبين كيف نتنبه لمراتب القواعد داخل العلم الواحد، أو فيما بين العلوم الدينية. فالقضية ليست فوضوية أو هوجائية، بل قضية صناعية.