48/03/15
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /قواعد الاستنباط في الفقه السياسي والعقائدي
قاعدة الجمع بين مختلف ألسن وطوائف الروايات
نُواصِلُ الفَهْرَسَةَ المُرْتَبِطَةَ بالفِقْهِ العَقَائِدِيِّ السِّيَاسِيِّ لِنَهْضَةِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)؛ لِمَا تُوجِبُهُ مِنْ جَدْوَلَةٍ لِخَارِطَةِ البَحْثِ.
والقَاعِدَةُ هُنَا: أَنَّ مِنْ أَهَمِّ القَوَاعِدِ الَّتِي مَرَّتْ بِنَا فِي هَذَا المِضْمَارِ — وَهِيَ قَاعِدَةٌ وَثِيقَةُ الصِّلَةِ بِصِنَاعَةِ الفِقْهِ وَمِنْ جِهَةِ صِنَاعَةِ الأُصُولِ أَيْضاً — أَنَّهُ مِنَ الخَطَأِ الفَاحِشِ أَنْ تَتَوَلَّدَ لَدَى الفَقِيهِ رُؤْيَةٌ اسْتِنْبَاطِيَّةٌ أَوْ نَتِيجَةٌ فِقْهِيَّةٌ اعْتِمَاداً عَلَى طَائِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَوْ طَائِفَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ؛ إِذْ لَا يَسُوغُ لِلْمُسْتَنْبِطِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى طَائِفَةٍ ذَاتِ لِسَانٍ وَاحِدٍ، أَوْ لِسَانَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ، مَا لَمْ تَجْتَمِعْ لَدَيْهِ مَجْمُوعُ أَلْسُنِ الرِّوَايَاتِ وَكَافَّةُ طَوَائِفِهَا فِي البَابِ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَّضِحَ لَهُ الرُّؤْيَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ الكَامِلَةُ لِأَهْلِ البَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) فِي مَجَالٍ مُعَيَّنٍ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا فِي الفِقْهِ السِّيَاسِيِّ، وَلَا سِيَّمَا الفِقْهُ العَقَائِدِيُّ السِّيَاسِيُّ المُمَثَّلُ — مَثَلاً — فِي عَصْرِ الغَيْبَةِ الكُبْرَى؛ كَمَسْأَلَةِ مَوْقِفِ أَهْلِ البَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) مِنْ إِقَامَةِ النِّظَامِ السِّيَاسِيِّ وَالدَّوْلَةِ. فَالإِلْمَامُ بِمَوْقِفِهِمْ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) وَاسْتِكْشَافُ الرُّؤْيَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ التَّامَّةِ فِي بَابٍ مُعَيَّنٍ أَوْ فِي أَبْوَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَا يَتَأَتَّى بِالِاقْتِصَارِ عَلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ أَوْ طَائِفَةٍ دُونَ أُخْرَى، وَهَذِهِ فِي نَفْسِهَا قَاعِدَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ رَاجَعْنَا الرِّوَايَاتِ الوَارِدَةَ فِي ابْنِ الزِّنَا — أَيِ: «الوَلَدِ لِغَيَّةٍ»[1] [2] — وَفَتَاوَى الفُقَهَاءِ تَبَعاً لِتِلْكَ الرِّوَايَاتِ وَطَوَائِفِهَا، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا جَاءَتْ فِي أَكْثَرِ الأَبْوَابِ بِنَفْيِ النَّسَبِ عَنْ ابْنِ الزِّنَا، عَدَا بَابٍ وَاحِدٍ مِنْ أَبْوَابِ الفِقْهِ نَبَّهَ فِيهِ المَشْهُورُ عَلَى أَنَّ المُرَادَ مِنْ نَفْيِ النَّسَبِ لَيْسَ نَفْيَ أَصْلِ النَّسَبِ التَّكْوِينِيِّ، وَإِنَّمَا المُرَادُ نَفْيُ النَّسَبِ الشَّرْعِيِّ الطَّاهِرِ وَالحَلَالِ، وَإِلَّا فَإِنَّ أَصْلَ النَّسَبِ التَّكْوِينِيِّ الحَاصِلِ بِالحَرَامِ مَوْجُودٌ وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ الشَّرْعِيَّةُ؛ فَالِابْنُ مِنَ الزِّنَا ذَاكَ أَبُوهُ تَكْوِيناً، وَالبِنْتُ مِنَ الزِّنَا ذَاكَ أَبُوهَا، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا، وَتَتَرَتَّبُ مَسْؤُولِيَّاتُ البُنُوَّةِ وَالأُبُوَّةِ وَسَائِرُ المَسْؤُولِيَّاتِ، وَأَمَّا نَفْيُ الإِرْثِ فَذَاكَ بَحْثٌ آخَرُ؛ إِذْ إِنَّ نَفْيَ التَّوَارُثِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ أَصْلِ البُنُوَّةِ التَّكْوِينِيَّةِ.
تَنْبِيهٌ: لَقَدْ بَلَغَ الأَمْرُ بِبَعْضِ الأَعْلَامِ أَنْ أَمَالَهُ كَثْرَةُ هَذَا النَّفْيِ الوَارِدِ فِي مُخْتَلِفِ الأَبْوَابِ إِلَى أَنْ بَنَى عِلْمِيّاً وَفَتْوَائِيّاً عَلَى جَوَازِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِنْتَهُ مِنَ الزِّنَا، وَلَكِنَّ هَذَا المَبْنَى غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ التَّكْوِينِيَّ مَوْجُودٌ وَمُتَحَقِّقٌ. وَالمُهِمُّ فِي المَقَامِ أَنَّ الفَقِيهَ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي تِلْكَ الطَّوَائِفِ الرِّوَائِيَّةِ فِي الأَبْوَابِ الأُخْرَى لَانْغَرَّ بِإِطْلَاقِهَا، وَلَكِنَّهُ عِنْدَمَا يَرِدُ بَابَ مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ وَمَا شَاكَلَهُ يَجِدُ الأَدِلَّةَ جَلِيَّةً وَاضِحَةً فِي التَّحْرِيمِ، وَهَذَا مَا يُفَسِّرُ الصُّغْرَى وَيُعَيِّنُ حُدُودَهَا، وَهَلُمَّ جَرّاً؛ فَالشَّوَاهِدُ عَلَى هَذِهِ القَاعِدَةِ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى.
وَمِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ أَيْضاً: مَسْأَلَةُ الهِلَالِ؛ هَلْ يَثْبُتُ بِالعَدَدِ أَمْ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ؟[3] [4] فَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ المُفِيدُ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ يَبْنِي عَلَى الرِّوَايَةِ المُسْتَفِيضَةِ أَوِ المُتَوَاتِرَةِ الوَارِدَةِ فِي حُجِّيَّةِ العَدَدِ فِي الهِلَالِ، ثُمَّ عَادَ الشَّيْخُ المُفِيدُ عَنْ ذَلِكَ المَبْنَى بَعْدَ حِينٍ[5] ، خِلَافاً لِلشَّيْخِ الصَّدُوقِ الَّذِي بَنَى عَلَى حُجِّيَّةِ العَدَدِ اسْتِنَاداً إِلَى تِلْكَ الرِّوَايَاتِ[6] [7] ؛ فَنَلْحَظُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الطَّائِفَةَ المُتَوَاتِرَةَ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَقِفَ عَلَى المُرَادِ الجِدِّيِّ مِنْهَا إِلَّا بِضَمِّهَا إِلَى بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ وَالطَّوَائِفِ الأُخْرَى.
وعلى أيّ تقريبٍ فكثيرٌ من الأصحاب هكذا نجدهم؛ فنلاحظ أنَّ الطائفة المتواترة لا يُستطاع معرفة المراد الجدّيّ منها إلا بضمّها إلى بقيّة الروايات المتواترة الأخرى، فإذا كان هذا شأن المتواتر فكيف بغير المتواتر والمستفيض فضلاً عن الآحاد؟! بل إنَّ هذا المنهج جارٍ حتى في الضروريّات التي هي أعلى رتبةً من التواتر؛ إذ لا يمكن للباحث في علم الكلام أو في علم الفقه أو أيّ علمٍ من العلوم الدينيّة أن يكتفي بضرورةٍ واحدة في استنباط الرؤية الشرعيّة؛ لأنّه إن لم يُلائم ويُناسق بين مجموع الضروريّات فلن يتحصّل على الرؤية الحقيقيّة للموقف الدينيّ.
الموازنة بين روايات التقية وأدلة الجهاد والدفاع
وإذا عقلنا هذا المنهج، فسنرى على سبيل المثال طائفةً من الروايات تذمّ النهضة والخروج في عصر الأئمّة (عليهم السلام) وحتى في عصر الغيبة إلى ظهور صاحب الأمر (عجّل الله فرجه الشريف)، ولسان بعضها: «كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ»[8] ، و«اسْكُنُوا مَا سَكَنَتِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ»[9] ، ونحو ذلك. فهذا لسانٌ مستفيضٌ أو متواتر، ولكن ما هو المراد الأصليّ منه؟
• فهل يُجعل فعلُ الإمام الحسين (عليه السلام) استثناءً لا يُؤتَمّ به؟
• أم يُقال إنَّ فعله ليس وظيفةً يُحتجّ بها ويُستنبط منها لوضعنا الحاضر، وإنّما هو مجرّد ظرفٍ خاصّ في واقعةٍ تاريخيّة وانتهت؟
وهذا ما سنناقشه تفصيلاً استناداً إلى القواعد المتقدّمة.
وماذا عمّا صدر عن الأئمّة الباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام)؟
• فهل صدر هذا اللسان فقط، كلسان التقيّة مثلاً؟
• أم أنَّ هناك ألسناً أخرى يتعاطون فيها الجهاد الابتدائيّ والجهاد الدفاعيّ، ويُعبّئون الفكر العلميّ لتلاميذهم؟
فلو كان باب الجهاد مُغلقاً بالكليّة لما كان لتلك المواقف معنى، بل أكثر من ذلك: يروي الكلينيّ عن الإمام الباقر (عليه السلام) رسالةً يعاتب فيها الدولة الأمويّة بأنّهم قصّروا في شأن الجهاد الابتدائيّ والدفاعيّ[10] ، مع أنَّ هناك لساناً متواتراً ومستفيضاً مفاده: «إِنَّ الْقِتَالَ مَعَ غَيْرِ الْإِمَامِ الْمَفْرُوضِ طَاعَتُهُ حَرَامٌ مِثْلُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ»[11] ؛ فهل المراد من هذا هو التعطيل التامّ لأصل الفريضة؟!
وكذلك نجد رواياتٍ متعدّدة يعترض فيها بعض فقهاء العامّة على الإمام السجّاد (عليه السلام) في تركه الجهاد وإقباله على الحجّ، فقرأ في جوابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ¤ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[12] ، ثمّ قال (عليه السلام): «إِذَا رَأَيْنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ فَالْجِهَادُ مَعَهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْحَجِّ»[13] .
وفي المقابل، نرى الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعاء الثغور يذكر ثغور الدَّيْلَم وغيرها، ويدعو للمسلمين بالنصر، وتثبيت العزائم، وتوسيع رقعة دار الإسلام[14] ؛ فكيف ينسجم هذان الموقفان لولا التفكيك بين الجهات والحيثيّات؟!
والأمر نفسه نجده عند الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)؛ فمع ورود أنَّ الجهاد مع غير الإمام كالميتة، نلاحظ أنَّ الإمام الباقر (عليه السلام) يعترض على بني أميّة في تقصيرهم في الفتوحات، كما في الرواية التي رواها الكلينيّ بسنده عن الحسن بن محبوب عن بعض أصحابه، وهي معتبرةٌ كالصحيحة؛ لأنَّ الحسن بن محبوب من أصحاب الإجماع[15] ، وهو إنّما يروي عن كبار مشايخه الثقات بلا شكّ.
اعتراض الإمام الباقر (عليه السلام) وتفكيك الجهات: إنّ الإمام الباقر (عليه السلام) يعترض على بني أمية بأنّهم مقصِّرون في الفتوحات، ومع أنّ للفتوحات مَلَفّاً ثانياً وثالثاً مظلماً بما شابهما من الانحراف، إلا أنّ هذا الأصل لا يُضحّى به؛ تأسِيساً على ما قرّرناه في القواعد من أنّه لا يُضحّى بالمصلحة العليا للإسلام مقابل مَلَفّات الفساد المقطعية الطارئة. ولا يقتضي ذلك إلغاء كون الجهاد الابتدائي من الأمور الحِسبِيّة المنوطة بمصلحة حفظ بيضة الدين، كما لا يعني بحالٍ أنّ الأئمة (عليهم السلام) يدعون إلى تعطيل هذا الباب حاشاهم؛ إذ لا يستقيم دعوى التعطيل مع مضامين دعاء أهل الثغور للإمام السجاد (عليه السلام) [16] ، ولا مع رسالة الإمام الباقر (عليه السلام) الاحتجاجية، ولا مع تحريض الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) لتلاميذهما على حفظ شوكة الإسلام؛ بل قد صرّحا بما نُقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الخَيْرُ كُلُّهُ فِي السَّيْفِ، وَتَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ، وَلَا يُقِيمُ النَّاسَ إِلَّا السَّيْفُ»[17] ، وبقوله (عليه السلام): «فَالْخَيْرُ فِي السَّيْفِ وَتَحْتَ السَّيْفِ، وَالْأَمْرُ يَعُودُ كَمَا بُدِئَ»[18] ؛ إذ لولا السيف وقوّة المنعة ما قام للدين عمود، وما اتّسعت رقعته، ولا أمكن الذبّ عن حياضه.
والسؤال المطروح: كيف نجمع بين هذه الألسن المتعدّدة؟
والجواب: إنّه لا يجوز للفقيه الاقتصار على لسانٍ واحد؛ إذ بالجمع الموضوعي بين مختلف الطوائف يتّضح مراد المعصومين (عليهم السلام)، ومفاده عدم الانخداع والشغف الأعمى بكلّ شعارٍ ترفعه حركة سياسية تنتحل الإصلاح أو تدّعي الإسلام، بل يجب التثبّت من الغاية الوظيفية للحركة ولمصلحة أيّ طرفٍ يصبّ ذلك الحراك.
والشاهد الفقهي: ما ورد في معتبرة يونس بن عبد الرحمن — وهو من أصحاب الإجماع[19] والفقهاء الأجلّاء — برواية الشيخ الطوسي في «التهذيب»، وثقة الإسلام الكليني في «الكافي»، ورواها أيضاً صاحب «الأشعثيات» وغيرهم من أرباب الجوامع[20] [21] ؛ حيث سأل الإمامَ الرضا (عليه السلام) عن جواز الرباط، والرباط صورةٌ من صُوَر الدفاع؛ بل إنّ عنوان الدفاع لم يتوقّف في وجوبه أحدٌ من الفقهاء قاطبة، فلا يعتريه التعطيل في عصر الغيبة الكبرى، ولا يسقط بالعيش تحت وطأة أنظمة الجور.
ومثال ذلك تاريخيّاً: فتاوى مراجع النجف الأشرف وأعلامها، كالسيد محمد كاظم اليزدي، والميرزا محمد تقي الشيرازي، والشيخ محمد حسن آل طه، وغيرهم من كبار الفقهاء؛ إذ نصوص فتاواهم قائمة ومدوَّنة بوجوب الجهاد والدفاع، سواءٌ في تحرير أرض فلسطين أم في مواجهة الغزو الاستعماري لليبيا[22] ؛ حيث أفتى عامّة فقهاء النجف حينئذٍ بوجوب النفير لصدّ العدوان، ومنع تقويض نفوذ الدولة العثمانية في مواجهة المستعمرين الكفار، وامتدّ هذا المسلك الفقهي الرصين إلى عهد السيد محسن الحكيم وسائر المراجع المتأخرين.
والحاصل: أنّ التفكيك بين الجهات والملفّات ضرورة صناعية، وهو ما ينبني على قاعدتين:
• القاعدة الأولى: أنّ الطائفة الواحدة من الروايات لا يمكن أن تُستنطق وحدها لتحديد الموقف الشرعي التامّ، ما لم تُضمّ إليها سائر الطوائف.
• القاعدة الثانية: أنّ الواقعة الواحدة والحادثة المحدّدة قد تتنازعها حيثيات متعدّدة، فتعالج كلّ طائفةٍ جهةً منها بحسب تفكيك الحيثيات.
وتطبيقاً لذلك: فإنّ يونس بن عبد الرحمن سأل الإمامَ الرضا (عليه السلام) عن حُكم المرابطة، والمرابطة مصداقٌ دفاعي، والدفاع ينقسم إلى:
• دفاعٍ فعليّ: وهو الخوض المباشر في الحرب والقتال.
• ودفاعٍ ردعيّ وقائيّ: وهو الاستقرار على الثغور لمنع مباغتة العدوّ كالمرابطة.
فيتعيّن على الفقيه تفكيك هذه المراتب؛ إذ الرباط دفاع ردعي احترازي، وحيث إنّ ظاهر رواية الإمام الرضا (عليه السلام) في بادي الرأي يوهم المنع من المرابطة تحت راية سلطان الجور، فهل يصحّ الاقتصار عليها وتجميد الحكم، أم الواجب ضمّ سائر الروايات لتنقيح المناط وتحصيل الموقف التشريعي الكامل؟
نُلاحظ في هذه الرواية نفسها أنّ الفقيه يونس بن عبد الرحمن — وهو من تلامذة الإمام الرضا (عليه السلام) البارزين — كلّما سأل عن الرِّباط[23] الذي يُمثّل نمطاً من الدفاع الوقائي والردعي، واجهه الإمام بالمنع، ويُكرّر السؤال فيُجيبه بالمنع والتحريم مرّةً بعد أخرى؛ بيد أنّ يونس — انطلاقاً من ملكته الفقهيّة — لم يقتنع بمجرّد الوقوف عند ظاهر الأجوبة الأوّلية الثلاثة، بل أخذ يستحثّ البحث بتوليد شقوقٍ وفروضٍ متعدّدة، على غرار صنيع زرارة بن أعين في صحيحاته في باب الاستصحاب[24] ، حيث كان زرارة كلّما بيّن له الإمام (عليه السلام) حكماً أورد عليه فرعاً وشقّاً آخَر حتّى استوفى سبعة شقوقٍ أو ثمانية.
والشاهد في ذلك: أنّ فقاهة الرواة الأجلّاء كعمر بن حنظلة[25] — وهو ذو موقعيّةٍ سامية من مراجع فقه الشيعة في الكوفة وتلميذ الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) — إنّما تتجلّى في عدم الاقتصار على شقٍّ واحدٍ أو اثنين؛ لإدراك الفقيه بأنّ كلّ جوابٍ يصدر عن المعصوم (عليه السلام) يُمثّل لِساناً وطائفةً ناظرةً لحيثيّةٍ مخصوصة، بينما تتطلّب الإحاطة بالرؤية التشريعيّة التامّة استقصاء سائر الشقوق والألسن والأحكام المترتّبة عليها.
وهكذا صنع يونس بن عبد الرحمن: إذ يطرح الفرض فيمنعه الإمام، ثمّ يطرح شقّاً ثانياً وثالثاً ورابعاً فيمنعه، حتّى إذا أتى بفرعٍ وشقٍّ مخصوصٍ قال له الإمام: إذا بلغ الأمر هذا الحدّ وجب؛ فلو كان يونس كعامّة الرواة متوسّطي الفضل لاكتفى بالجواب الأوّل. ولا ريب في أنّ جواب الإمام في كلّ مرحلةٍ حكمٌ واقعيٌّ حقيقي، غير أنّ الاقتصار على لسانٍ واحدٍ أو طائفةٍ مقتطعة لا يعكس تمام الموقف الشرعي؛ ومِن ثَمّ يتبيّن أنّ الجمع بين طوائف الروايات ضرورةٌ منهجيّة، إذ «الحديث يفسّر بعضه بعضاً» كما أنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً.
والحاصل: ضرورة بناء منظومةٍ علميّةٍ قائمةٍ على تفكيك الفروض والحيثيّات في الواقعة الواحدة؛ فإنّ مكمن الخلل في الاستنباط ينشأ من استرسال الباحث دون التفاتٍ لتعدّد الملفّات والجهات في المسألة الفقهيّة الواحدة.
نصّ الرواية: ما رواه الشيخ الكليني في «الكافي» والشيخ الطوسي في «التهذيب» عن يونس بن عبد الرحمن قال: «سَأَلَ أَبَا الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) رَجُلٌ وَأَنَا حَاضِرٌ، فَقَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ رَجُلاً مِنْ مَوَالِيكَ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً يُعْطِي سَيْفاً وَقَوْساً فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَتَاهُ فَأَخَذَهُمَا مِنْهُ، ثُمَّ لَقِيَهُ أَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ السَّبِيلَ مَعَ هَؤُلَاءِ — يَعْنِي بَنِي الْعَبَّاسِ — لَا يَجُوزُ»[26] [27] ؛ وحيث كان الانطباع العامّ لدى فقهاء الكوفة هو الحرمة والمنع المطلق، ولأنّ السائل لم يستفصل، فقد اكتفى الإمام بالجواب المبدئي، فقال (عليه السلام): «فَلْيُرَابِطْ وَلَا يُقَاتِلْ»؛ فمع كون المرتكز عند أصحابه حرمة العمل معهم مطلقاً، أفتى الإمام بالجواز في دائرة المُرابطة، مفكّكاً بذلك بين الدفاع الوقائي والدفاع القتالي المباشر.
تأتي بعد ذلك تفصيلاتٌ أُخَرُ في السؤال؛ حيث قال (عليه السلام): «فَلْيُرَابِطْ وَلَا يُقَاتِلْ»[28] ، فقال السائل: أفي مِثْلِ قزوين والديلم وعسقلان؟ فهذه ثغورٌ كانت قائمةً في عصر الإمام الرضا (عليه السلام)، فالإمام (عليه السلام) يتحدّث عن واقع زمانه، ونظيرُ ذلك «دعاءُ أهل الثغور» للإمام زين العابدين (عليه السلام) [29] ؛ إذ سمّى فيه الثغورَ الموجودة في عصره بأسمائها، ودعا بنصرة الإسلام والمسلمين فيها؛ ومقتضى ذلك التفكيكُ بين أصل نظام الإسلام الذي أرسى دعائمَه رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) وبين الحكومات والسلطات الأموية الجائرة.
والشاهد على ذلك: ما ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) حينما استأذنه عمّه محمد بن الحنفية في شأن حركة المختار الثقفي؛ وهو المعنى الذي اعتمده السيد الخوئي في توجيه الروايات الواردة في مدح المختار[30] ؛ إذ كان ابنُ الحنفية يلتمس إذناً صريحاً، وحيث إنّ الإمام السجاد (عليه السلام) كان في ظروفٍ أمنية بالغة الحرج والتعقيد، فقد بيّن له الضابطةَ الكلية دون الخوض في تفاصيل التدبير الميداني لحركة المختار، تأسيساً على القواعد الحسبيّة[31] . وتتحصّل من ذلك نكتةٌ صناعية دقيقة يجب تنقيحها، وهي كيفية التفكيك بين «مشروعية الفعل الحسبي» في ذاته، وبين «مشروعية الفاعل» وتعيّنه.
والحاصل: أنه قد تنتفي مشروعية الفاعل لعدم استجماعه شرائط الولاية، ولكنّ الفعل يبقى في حدّ نفسه مشروعاً وراجحاً؛ وهذا من أمهات المسائل في الفقه السياسي، وفقه الجهاد، وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفقه القضاء؛ ألا وهو التفكيكُ المنهجي بين مشروعية الفعل ومشروعية الفاعل.
وتأسيساً على ما سبق، فإنّ هذه المسألة ليست مجرّد واقعةٍ أو روايةٍ تاريخية عابرة، بل هي مبنى فقهي وعقائدي رصين؛ إذ حتى لو لم يتصدّ الإمام المعصوم (عليه السلام) بإعطاء الإذن الخاص والمباشر، فإنّ ثمّة إذناً عامّاً مجعولاً من الله ورسوله والأئمة (عليهم السلام) في أصل مشروعية الفعل الحسبي الذي لا يجوز تعطيلُه ولا إلقاؤه على الأرض مهملاً، وإن لم يُمنح الفاعلُ نفسُه عنوانَ الشرعية التامة.
ومثال ذلك: تسويغُ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لمعاملات المؤمنين المالية مع أجهزة الدولة الجائرة وموظفيها، حيث ورد في الرواية: «خُذْ وَكُلْ مِنْهُ فَلَكَ الْمَهْنَأُ وَعَلَيْهِ الْوِزْرُ»[32] ؛ فقد فكّك الأئمة (عليهم السلام) في أبواب المعاملات المالية الثمانية بين حقوق المؤمنين في أموال الدولة الجائرة وبين سلطة تلك الدولة، استناداً إلى تلك القاعدة الأصيلة في التفكيك بين مشروعية العمل في نفسه وعدم مشروعية المتصدي له؛ إذ إنّ عدم مشروعية الفاعل لا تستلزم بالضرورة فسادَ الفعل وبطلانَه في ذاته، وهي قاعدةٌ حاكمة تجري في مختلف الوظائف العسكرية والأمنية والسياسية، وتُعرف بقاعدة الحسبِيات.
والنتيجة: تتجلّى في جواب الإمام زين العابدين (عليه السلام) لعمّه محمد بن الحنفية، وهو جوابٌ تفرّعت عنه قواعدُ جمّة في شأن حركة المختار؛ إذ قال (عليه السلام): «يَا عَمِّ، لَوْ أَنَّ عَبْداً زَنْجِيّاً تَعَصَّبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ مُؤَازَرَتُهُ»[33] ، فالمِعْيارُ ليس هو صلاحية الفاعل بحسب مقاييس الناس وتصوراتهم المجرّدة، بل المدارُ على قيامه بالفعل المطلوب شرعاً وتحقيقه للغرض الإلهي؛ فإذا كان الفعل تعصباً للحق وخط أهل البيت (عليهم السلام) وصراطهم المستقيم، ترتّبت عليه مشروعيته ولزمت نصرتُه.
ومع ذلك، فإنَّه إذا تعصّب لأهل البيت (عليهم السلام) — والتعصّب لهم ليس من قبيل العصبيّة القبليّة، بل مقتضاه اتّباع صراط الإمام المعصوم والصراط المستقيم، فالتعصّب لهم يقابله التعصّب للنفس أو التعصّب للغير — لزم دعمه ونصرته؛ كما في قوله (عليه السلام): «لَوْ أَنَّ عَبْداً زَنْجِيّاً تَعَصَّبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، لَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ مُؤَازَرَتُهُ»[34] ، فيُقيم ثورةً إصلاحيّة وعسكريّة وسياسيّة ويؤسّس دولةً، فيكون شعارها حقوق أهل البيت (عليهم السلام) وموازينهم وأحكامهم. والمختارُ قد أسّس دولةً ذات نظامٍ عسكريّ واقتصاديّ وسياسيّ وأمنيّ، امتدّ نفوذها من الكوفة إلى الموصل وما والاها، وهي دولةٌ إسلاميّة.
والملحوظ هنا: أنَّ الإمام (عليه السلام) لم يقيّد ذلك بالحاجة إلى إذنٍ خاصّ، بل مقتضى الأصل أنَّ الله ورسوله والأئمّة (عليهم السلام) قد أَذِنوا به؛ لأنَّ هذا الفعل الحِسْبيّ ممّا لا يجوز تعطيله بحال، كما أنَّ الانتقام لسيّد الشهداء (عليه السلام) لا يُعطَّل، وليس هو من باب التشفّي العاطفيّ، بل المراد من الانتقام إحياءُ مشروع سيّد الشهداء (عليه السلام) بحيث لا يُستبدَل به مشروعٌ أمويّ في العراق، بل يستمرّ ويثبت مشروع أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا هو المعنى الحقيقيّ للانتقام. فنداء: «يا لثارات الحسين» مآله: «يا لثارات مشروع الحسين»؛ لأنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) بذاته مشروعٌ إلهيّ، وكما ورد في الزيارات المأثورة: «عَجَّلَ اللَّهُ لَكَ مَا وَعَدَكَ مِنَ النَّصْرِ وَظُهُورِ الْأَمْرِ»[35] ؛ فالانتقام بهذا اللحاظ إنَّما هو انتصار هذا المشروع وتجذيره وتشييده، لئلا يتجذّر المشروع الأمويّ أو السقيفيّ، ومن هنا يتبيّن الفارق الجوهريّ بين راية الحقّ والهدى وراية الضلال.
وتأسيسًا على ذلك: في مسألة التعامل مع النظام القائم، هل يحتاج المؤمنون إلى إذنٍ حتّى من الفقهاء إذا كان التعامل في نفسه مشروعاً، وخالياً من الحَيْف والظلم والرِّبا والقمار؟ وقد بيّنّا في كتاب «ملكيّة الدولة»[36] ثمانية أبوابٍ تعرّض فيها الأئمّة (عليهم السلام) لمشروعيّة التعامل؛ فإذا كان الفعل في حدّ ذاته مشروعاً فهو سائغٌ بغضّ النظر عن هويّة الفاعل، وهذا لا يُلازم بحالٍ مشروعيّة الفاعل الغاصب الجائر. وحركة المختار قد حقّقت جانباً من مشروع الإمام الحسين (عليه السلام) حفظاً له من الجمود والاندراس.
والشاهد على ذلك: ما ورد في رواية «كامل الزيارات»[37] من مدح الإمام الصادق (عليه السلام) للتّوّابين؛ بل إنَّه (عليه السلام) يذكر أنَّ المحرّك الحقيقيّ لتنظيم حركة التوّابين — بلحاظ إدارة الحوادث في الدولة الإلهيّة الخفيّة التي لا تَدَع مجريات الأمور سُدى — لم يكن مجرّد حركةٍ بشريّة؛ فمع أنّ قائدها في الظاهر كان سليمان بن صُرَد الخُزاعيّ[38] ، إلّا أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) — كما رواه ابن قَوْلَوَيْه في «كامل الزيارات»، وهو من أعاظم فقهاء الطائفة ومحدّثيها — يبيّن أنَّ الذي بادر إلى تحريك ثورة التوّابين ونظّم صفوفهم وعبّأهم هو جبريل (عليه السلام) متمثّلاً في صورة رجل، فصرخ في العسكر، فلمّا زجروه وقالوا: «هذا إنسان مجنون»، قال: «وَكَيْفَ لَا أَصْرُخُ وَرَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) قَائِمٌ يَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ مَرَّةً وَيَنْظُرُ إِلَى حِزْبِكُمْ مَرَّةً، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَهْلِكَ فِيهِمْ»، فاستفاق القوم عندئذٍ، وقال التوّابون: «تَاللَّهِ مَا صَنَعْنَا بِأَنْفُسِنَا؟! قَتَلْنَا لِابْنِ سُمَيَّةَ سَيِّدَ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ!»، فنهضوا لتشكيل حركة التوبة وتدارك الموقف؛ وقد عقّب الإمام الصادق (عليه السلام) على ذلك بقوله: «فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا كَانَ»، وهو في سياق المدح والثناء عليهم.
هذا المقطع يُبيّن فيه الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ الدولة الإلهيّة الخفيّة لا تترك الأحداث سُدى، بل إنّ ثمّة تدبيراً غيبيّاً يُدير مجريات الأمور؛ حتّى إنّ جبرئيل (عليه السلام) كان مُنظِّراً ومُعبّئاً ومُحرّكاً للثورات، ولم يكن فعله ذلك مجرّداً ولا ساكتاً، كما أنّه لم يكن يتصرّف بصفته الملكوتيّة الظاهرة، بل جرى مجرى التدبير الإلهيّ نظير قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾[39] [سورة المائدة: 31]؛ إذ أُرسِل الغُراب بتدبيرٍ إلهيٍّ هادف، وكثيرٌ من أقضية أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت قائمةً على الإرشاد وتحصيل العلم وطرق الإثبات.
والمتحصّل من ذلك: أنّ يد السماء ليست بمنأى عن تدبير شؤون الناس ومصائرهم، بل تقتضي منهم تنظيم صفوفهم وإحكام نظامهم العسكريّ والسياسيّ؛ ومن هذا المنطلق تُعدّ ثورة التوّابين[40] في واقع الأمر أُسوةً ورائدةً لحركة المختار الثقفيّ[41] ؛ لكونها أوّل حركةٍ شيعيّةٍ مواليةٍ لأهل البيت (عليهم السلام) تنهض بالعمل المسلّح بمعزلٍ عن قيادةٍ ظاهرةٍ لإمامٍ معصومٍ مُعلن. وقد استندوا في حركتهم إلى أنّ هذا الأمر من قبيل الأمور الحِسبيّة[42] التي صدر الإذن الشرعيّ العامّ في شأنها؛ إذ الحِسبيّ معناه وجود الإذن التشريعيّ من الله ورسوله والأئمّة (عليهم السلام) لدفع الفساد وإقامة الحقّ، فلا يتوقّف النهوض به على التماس فتوى خاصّةٍ من المرجع الفقيه، بل يُعدّ التعلّل بخلاف ذلك ذريعةً للتنصّل والتخاذل في أداء الواجبات الحِسبيّة.
والنتيجة: إنّ الفقه المستنبَط في الميادين السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة يُبرهن على أنّ إقامة النظام أمرٌ لا يرضى الشارع بتركه وإهماله بحال؛ والانتظار حتّى يُفتي الفقيه أو المرجع في كلّ تفصيلٍ يُعدّ ضرباً من التملّص من المسؤوليّة إذا كانت المسؤوليّة ضروريّةً ملقاةً على عاتق المكلّفين.
والشاهد فيه: أنّ أصل النظام السياسيّ ضرورةٌ لا محيص عنها؛ وحينما رفعت الخوارج[43] شعارها القائل: «لا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»، ردّ عليهم أمير المؤمنين (عليه السلام) رداً حاسماً في نهج البلاغة ومصادر أخرى قائلاً: «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ، إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[44] . فهذه «اللابُدّيّة» تُمثّل ضرورةً تكوينيّةً تأبى التخصيص والاستثناء؛ فلا تسقط في عصر غيبةٍ كبرى ولا صغرى، ولا مع بسط يد المعصوم ولا في حال انحسارها.
والحاصل: أنّه لا ينبغي التردّد في هذه الحقيقة؛ فإنّ قوله (عليه السلام): «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ» يُبيّن أنّ تصدّي البَرّ مقدَّمٌ وأولى من الفاجر قطعاً، وإن لم يكن معصوماً؛ إذ حفظ النظام ضرورةٌ تكوينيّةٌ وعقليّةٌ وشرعيّة، وبوجود الأمير: «يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الْأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ»[45] ، وكلّ هذه وظائف لا غنى عنها للنسيج الاجتماعيّ البشريّ، ولولاها لعمّت الفوضى وسادت شريعة الغاب.
والقاعدة هنا: أنّ ما يُقرّره القرآن الكريم أو النبيّ الأعظم أو الأئمّة (عليهم السلام) بوصفه ضرورةً تكوينيّةً أو حِسبيّةً، فإنّه يمتنع عن التخصيص، ولا يقوى أيّ دليلٍ استثنائيٍّ على معارضته أو تقييده؛ ومقتضى قوله (عليه السلام): «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ» هو وجوب تصدّي أهل البِرّ والعدل؛ لأنّ إمرة البَرّ تقويةٌ للمؤمنين وإحقاقٌ للحقّ، في حين أنّ إمرة الفاجر تمكينٌ للفاسقين؛ وهذه ضرورةٌ لا يجوز تعطيلها، بل يتعيّن على الأبرار تحمّل مسؤوليّتها والنهوض بأعبائها.
إذا كان الإمام (عليه السلام) قد عيّن مالك الأشتر فبها، أو عيّن فقيهاً فبها، أمّا إذا لم تكن هناك يد مبسوطة للفقيه، فإنّ النوبة تصل إلى عموم المكلفين، حتى إنّ المسؤولية لتقع على فاجر المؤمنين أو المسلمين؛ لأنّ هذا الأمر لا يُعطّل بحال، لكونه أمراً ضرورياً. ولا يعني ذلك عدم وجود مراتب في الولاية؛ فإنّ المراتب ثابتة ومقررة، ولكن ليس مقتضى ذلك تعطيل الأمر وسقوطه؛ فإذا لم تكن اليد مبسوطة للأئمة (عليهم السلام)، ولا لنوابهم الخاصين في عصر الغيبة الصغرى أو في زمن بسط يد أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا للنواب العامين، فلا بد للناس من أمير: إمّا بَرٌّ وهو المتعيّن والأولى، وإن لم يتصدَّ البَرّ ففاجر، حتى فاجر المسلمين أو المؤمنين لا بد أن يتصدى؛ إذ لا يسوغ تعطيل هذا الأصل الحياتي بحال[46] .
والحاصل: أنّ هذه هي الأمور الحِسبية[47] ؛ ولذلك يعبّر الفقهاء في صدر مباحث المكاسب المحرّمة بأنّ هذا من الواجبات النظامية التي يقوم عليها أصل نظام النوع البشري[48] ؛ فلا يمكن أن يُنتظر إفتاء المرجع في كل جزئية ومسألة، كما أنّ الإمام المعصوم (عليه السلام) لا يتصدى لبيان كل تفصيل؛ لكونها من الأمور الضرورية الحِسبية الفطرية. وتأسيساً على ذلك، فإنّ الضعف محرّم شرعاً وهو من أعظم المحرّمات، والضعف ذِلّة وهوان، في حين أنّ القوة وإعدادها من آكد الواجبات؛ وبناء القوة شامل لمختلف الميادين، سواء كانت عسكرية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو أمنية، أو فكرية وعقائدية. فلا يصح التملص والخذلان بحجة أنّ الإمام لم يأمر أو المرجع لم يُفتِ، فنتخاذل عن أداء المسؤولية متذرعين بأننا متشرعة متقيدون بالضوابط.
وقد ورد عن الإمام السجاد (عليه السلام): التفريق في مسألة العصبية، مبيّناً أنّ من تعصب لخط الحق وأهل البيت (عليهم السلام) -وليس تعصباً لنفسه وحميةً لقومه بالباطل- فإنّ الحكم يُفكك فيه[49] . فما هو الميزان الحقيقي في راية الضلال وراية الحق؟
وهذا المعنى: بيّنه الإمام الصادق (عليه السلام) حين أشاد بحركة التوابين[50] ؛ لكونهم شقوا الطريق لثورة المختار الثقفي، وكانوا أول من سنّ سُنّة حسنة في النهوض؛ إذ أدرك التوابون أنّ الأمور الحِسبية والمسؤوليات الضرورية معلومة الإذن والرضا من الله ورسوله، وأنّ الأهم هو أنّ بنيان بني أمية لا يجوز أن يتجذر في أرض العراق بل يجب أن يُجتث ويُستأصل.
والشاهد على ذلك: أنّ شعار صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عند قيامه هو: «يَا لَثَارَاتِ الحُسَيْنِ»[51] [52] من بين سائر الأئمة المعصومين (عليهم السلام)؛ وليس ذلك ناشئاً من كون الإمام الحسين (عليه السلام) أعظم أو أفضل من أمير المؤمنين (عليه السلام) أو الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، بل من باب أنّ حركة سيد الشهداء (عليه السلام) تمثل تجسيداً للحكم الأولي في واقعه، بينما كانت سيرة بقية الأئمة (عليهم السلام) ناظرةً إلى مقتضيات العناوين والأحكام الثانوية بحسب ظروفهم؛ والحكم الثانوي لا يُعوّل عليه في تأسيس الأصل التشريعي بقدر ما يُعوّل على الحكم الأولي، المتمثل في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[53] ، وهذا هو المراد الدقيق. ومن هذا المنطلق فإنّ قوله (عليه السلام): «لَا يَوْمَ كَيَوْمِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ»[54] يمكن أن يُقرأ بقراءة فقهية وعقائدية أخرى تكشف عن هذا البعد.
والنتيجة: أنّ حركة الإمام الحسين (عليه السلام) تمثل الحكم الأولي، بينما كان لظروف بقية الأئمة (عليهم السلام) عناوين ثانوية؛ فلا ينبغي اتخاذ تعدد ألسنة الأئمة (عليهم السلام) ذريعةً لتعطيل الواجبات.
فإن قيل: هل سُنّة الإمام الحسين (عليه السلام) استثناءٌ خاص به، أم هي حكمٌ أولي، أم حكمٌ ثانوي قابل للنسخ؟ ويرفع البعض شعاراً بأنّ المؤمنين في كل زمان يجب أن يتبعوا إمام زمانهم فحسب.
والجواب: أنّ هذا الشعار صحيحٌ بلا ريب؛ ولكن هل ينسخ الأئمة (عليهم السلام) بعضهم بعضاً؟ كلا، فإنّ الأئمة المعصومين لا ينسخ بعضهم بعضاً، بل تتكامل أدوارهم وتتطابق أحكامهم بحسب موازين الأصول الأولية والضرورات الثانوية.
وقد يكون ثبوت الحكم الثانوي في ظرف زمني مؤقت مبحثاً مستقلاً، إلّا أنّ ذلك لا يستلزم بحال إسقاط الأحكام الأولية الصادرة عن الأئمة المتقدمين (عليهم السلام) أو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ إذ كيف كانت وقعة بدر؟ وهل كانت مؤشرات الظفر المادي فيها راجحة ابتداءً؟ كلا، وقس على ذلك معارك أُحُد والخندق والأحزاب وسائر المغازي؛ فكم كان عِداد المقاتلين مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إنّما وظّف القوة العسكرية لإرساء دعائم العدل لا لبسط الجور والظلم.
والحاصل: أنّ ثَمّة جملةً من القواعد ينبغي الالتفاتُ إليها ونحن في مقام استقرائها وتدوينها؛ ومن ذلك ما يُستفاد من رواية: «لَوْ أَنَّ عَبْداً زَنْجِيّاً تَعَصَّبَ لَنَا أَهْلَ البَيْتِ، لَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ مُؤَازَرَتُهُ»[55] ، وكذلك ما يُستنبط من حركة التوابين[56] التي أثنى عليها الإمام الصادق (عليه السلام)؛ إذ تُمثّل ملحمةً تُستقى منها قواعدُ شتّى في الفقه السياسي والرؤية الكلية للمعصومين (عليهم السلام)؛ فالإمام الصادق (عليه السلام) الذي رُوي عنه: «كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ»[57] ، هو عينُه الذي يمدح التوابين ومن سنّ سُنّةً حسنة.
ومقتضى ذلك: أنّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) — الذي يُدّعى أنّه اعتزل الشأن العام بعد واقعة الطف — هو ذاتُه الذي أطلق بعد واقعة الطف «دعاء أهل الثغور»[58] ، وهو القائل: «لَوْ أَنَّ عَبْداً زَنْجِيّاً…»، وهي مواقف وملامح متكاملة سنُبيّن ما ينطوي عليه من القواعد التشريعية.
والنتيجة: أنّ استقراءَ مجموعِ الأدلة وتأليفَ أطراف دلالاتها يُعدّ ركيزةً لازمةً وضرورةً صناعية في استنباط الفقه العقائدي والسياسي لأهل البيت (عليهم السلام).