48/03/13
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /قواعد الفقه السياسي وفلسفة التمهيد في ضوء النهضة الحسينية
مدخل: نهضة عاشوراء ومنهاج أهل البيت في الفقه السياسي
في خضمّ البحث التحليليّ لنهضة سيّد الشهداء (عليه السلام)، يبرز التساؤل المنهجيّ الآتي: هل تُمثّل نهضته (عليه السلام) استثناءً في المسار العامّ، أم هي سُنّةٌ وسيرةٌ أصيلةٌ جارية؟ وبصياغةٍ أخرى: هل سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) حالةٌ استثنائيةٌ منقطعة، أم هي ركيزةٌ أساسيةٌ في سُنّة أهل البيت (عليهم السلام) الممتدّة؟
والتحقيق في هذا المطلب: يقتضي بالضرورة الالتفاتَ إلى جملةٍ من القواعد الحاكمة في أصول التشريع لدى أهل البيت (عليهم السلام)، واستنطاقَ نصوصهم وسيرتهم الشريفة؛ للوقوف على معالم الفقه السياسيّ، وكيفية الانتقال والتحوّل فيه من مرحلةٍ إلى أخرى، ورسم الخارطة الكلّية لهذا الفقه في عصر ما بعد عاشوراء وصولاً إلى عصر الظهور؛ بل واستكناه حقيقة عصر الظهور نفسِه: هل هو تكليفٌ ومسؤوليةٌ مُلقاةٌ على عاتق المكلّفين، أم هو مجرّد قضاءٍ وقدَرٍ جبريّ؟ وكلّ ذلك يندرج تحت لوازم هذا المبحث واستحقاقاته العلمية.
ومن القواعد المقرّرة في سيرة أهل البيت (عليهم السلام): ما يتفرّع تارةً عن علم السيرة والتاريخ، وأخرى عن علمَي الفقه والأصول؛ ومفادُها: أنّ سيرة كلّ معصومٍ لا تنحصر في الأبعاد الظاهرة والمُعلَنة منها فحسب، بل تتّسع لتشمل أطواراً ومساراتٍ متعدّدة؛ وهو ما يُعدّ نكتةً فارقةً ومحوريةً في سبيل تفهّم منهاج أهل البيت (عليهم السلام) وبلورة رؤيتهم في الفقه السياسيّ.
ومن القواعد الأصولية المرتبطة بهذا البحث: أنّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — على ما ينطق به لسان الروايات الشريفة — إنّما يدور لُبّه وعمدته وذروة مقاصده حول مصير النظام السياسيّ والاجتماعيّ، وحفظ معالم الهوية الدينية في المجتمع لئلا تُطمس معارف الدين وتُنكَر؛ ويترتّب على ذلك قيام النظام السياسيّ العادل؛ وغايته ما ورد في الرواية الشريفة: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»[1] .
والحاصل: أنّه في ضوء فقه المقاصد وفلسفة التشريع، تتجلّى الغاية الكبرى من تشريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحمّل مسؤولية إقامة النظام الاجتماعيّ والسياسيّ وحمايته.
وبتعبير أستاذنا (رحمه الله): فإنّ الأدلة قائمةٌ وإجماع الفقهاء منعقدٌ على أنّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يُوصد في عصر الغيبة الكبرى، بل مقتضاه لزوم السعي لإقامة النظام العادل وتحصيله، سواءٌ أكان ذلك السعي على المدى القريب أم على المدى البعيد. وتأسيساً على تلك القاعدة الفقهية: فإنّ القدرة والتمكين الواجبَين ليسا مشروطين بالتحقّق دفعةً واحدة، بل يصحّ — بل يتعيّن — أن يكون الإعداد والتمهيد لهما تراكمياً يمتدّ عبر قرونٍ متطاولة، وهذا الامتداد الزمنيّ لا يُسقط التكليف عن الجيل الحاضر ولا يُعفيه من مسؤولية التمهيد؛ ولنا في سنن الأمم وتاريخها عِبرٌ وشواهدُ قائمة.
والنتيجة: لمّا كان هذا الإعداد لا يبلغ غايته طفرةً أو دفعةً واحدة، جرياً على السُنن الإلهية الحاكمة في قوله تعالى: ﴿… فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾[2] ؛ فإنّ ذلك يستدعي إعداداً شاملاً على الأصعدة الفكرية، والعقائدية، والاجتماعية، والاقتصادية، وإحكاماً للهوية الدينية عبر التراكم التاريخيّ؛ وهي قواعد تأسيسيةٌ ذات أثرٍ بالغ في إنضاج البصيرة وتوجيه الفقه السياسيّ.
سنّة الإعداد التراكمي ومسؤولية التمهيد لعصر الظهور
إنَّ النظام السياسي، أو الاستراتيجية السياسية، أو فقه المقاصد[3] وأصول التشريع في الفقه السياسي عند أهل البيت (عليهم السلام) بعد عاشوراء وإلى ظهور صاحب الأمر (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف)، هو محلّ تكليفنا ومسؤوليتنا.
وشاهد ذلك: ما سطّره كثيرٌ من العلماء حول وظيفة الأنام في عصر الغيبة؛ إذ توجد مصنّفاتٌ عديدة في هذا المضمار تبيّن أنّ هذه الوظيفة ليست مقصورةً على الصعيد الفردي، بل تمتدّ إلى الصعيد المجموعي والاجتماعي، وإلى مسؤولية المكلَّف تجاه القضية العامة وتجاه الإمام (عليه السلام)، لا تجاه خلاصه الفردي فحسب.
ولبيان ضرورة التمهيد والإعداد ومراكمة الخبرات، يمكن الاستشهاد بما ذكره أحد الخبراء الاقتصاديين ممّن عملوا في إدارة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في مؤلَّفٍ له حول هيمنة المنظومة المالية؛ حيث قرّر فيه أنّ البنك الدولي يستعبد اليوم دول العالم وشعوبها تحت وطأة قبضةٍ مالية محكمة، وأنّ هذا الاستعباد المعاصر أشدّ وأشرس من الاستعباد القديم بمراحل، وهو يبرهن على ذلك بالأرقام والتحليلات التخصصية.
ومحلّ الشاهد في ذلك التحليل: هو أنّ هذه الخبرة المالية والمصرفية التي حازها اليهود لم تتشكّل دفعةً واحدة ولا بصورة مفاجئة، بل تكوّنت وتراكمت منذ ما يقارب القرن الثاني الهجري، حين نزحت القوميات الرومانية إلى غرب أوروبا وانتشرت النصرانية هناك، في حين تركت الفتوحات التي قادتها السلطات الأموية والعباسية ردات فعل سلبية حالت دون نفوذ نور الإسلام إلى تلك الشعوب؛ إذ يرى بعض الباحثين، ومنهم الشهيد مطهري، أنّ تلك الممارسات والحروب كانت بمنزلة السدود والموانع التي أعاقت انتشار الإسلام الحقيقي بروحه وقيمه[4] .
وفي تلك الحقبة التاريخية، حصل تقاربٌ وتوافق بين الفاتيكان والبابوية وبين أرباب المال من اليهود، ممّا أدّى إلى تراكم خبراتهم في الصرافة وإدارة الثروات على مدى ثلاثة عشر قرناً (أي ما يناهز 1300 سنة)، وهو التراكم الذي أتاح لهم في نهاية المطاف بسط الهيمنة على مفاصل الاقتصاد العالمي والمؤسسات النقدية الدولية، على الرغم من أنّ المنظور القرآني وهَدْيَ روايات أهل البيت (عليهم السلام) يؤكّدان أنّ تاريخ وخبرة هؤلاء في الشؤون المالية يمتدان إلى أبعد من ذلك بأحقابٍ متطاولة.
إنَّ خبرة اليهود في الشأن الماليّ قد بدأت منذ عهد قارون وبواكير نشاطهم الماليّ، فعلى هذا التقدير المستفاد من القرآن الكريم وبيانات أهل البيت (عليهم السلام) لا تنحصر المدة في ثلاثة عشر قرناً، بل تمتدّ إلى نحو خمسة وثلاثين قرناً؛ حيث ينقل بعض المحقّقين في خفايا الأمور أنّ ستّة أفراد — لا ستّ عوائل ولا ستّة أعراق يهودية — يمتلكون خبرةً فائقةً في علم الإدارة تفوق خبرتهم المالية، ولديهم دراية متراكمة في إدارة شؤون العالم، وتكاد هذه العلوم الإدارية تنعدم في الحواضر والمناهج الأكاديمية بهذا المستوى الشامل تنظيراً وتطبيقاً إلا عند هؤلاء الستّة.
وأصل البحث: يكمن في مسألة الإعداد وإن كان خفياً؛ إذ لا يقتصر الإعداد على المسار العلنيّ المباشر، بل يستوعب الإعداد الخفيّ وغير المباشر أيضاً.
فإن قيل: ما هي فلسفة طول الغيبة؟
فالجواب: إنّها قائمة على سنّة الإعداد والتمهيد؛ لأنّ أصل الظهور — بخلاف ما قد يُروَّج له في كثير من كتابات الخاصّة، سواء من الأعلام أم غيرهم — ليس مجرّد قضاءٍ وقدرٍ مفروضٍ مقطوعٍ عن مقدّماته، بل الظهور مسؤوليةٌ ملقاةٌ على عاتق الأمّة، وهو مبحثٌ أصيلٌ في الرؤية السياسية لأهل البيت (عليهم السلام)، لا تنحصر مسؤوليته بالمؤمنين وحدهم ولا بالمسلمين فحسب، بل تشترك فيه البشرية جمعاء، ولا سيّما الشعوب المستضعفة والمظلومة.
تلازم التكوين والتشريع في فلسفة الغيبة والظهور
وهنا يلتقي البحث الفقهيّ بالبحث العقائديّ؛ حيث تتّصل أصول التشريع في الفقه بمباحث عقدية صميمية؛ إذ إنّ الله تعالى لا يغيّر ما بالبشر والمسلمين والمؤمنين حتّى يغيّروا ما بأنفسهم، فالتغيير مشروطٌ بالسعي والعمل الخارجيّ، وهذه آيةٌ محكمةٌ لا تقبل الترديد، ولا يعتريها نسخٌ ولا تخصيص، بل هي من العمومات الآبية عن التخصيص، وسنّة الله التكوينية في التغيير والإعداد سنّة ثابتة لا تتبدّل.
ومن اللطيف في هذا الباب: أنّ مفاد الآيات التكوينية يستثمره الفقهاء في مقام التشريع مع كونه في أصله تكوينياً، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾[5] ؛ فإنّ هذا المفاد تكوينيٌّ بحسب الدلالة المطابقية، ومع ذلك يستند إليه الفقيه في استنباط الأحكام والوظائف الشرعية.
ومقتضى ذلك: الانتهاء إلى تمام القاعدة الفقهية التي أصلناها — وليست بمبتكرة — ومفادها: «كلّما حكم به التكوين — ولو بإخبار الوحي — حكم به الشرع»، وذلك على غرار القاعدة الأصولية المقرّرة: «كلّما حكم به العقل حكم به الشرع» [6] [7] . فالآيات التكوينية وفلسفة الغايات من الخلق تُعدّ مصدراً لآيات الأحكام التشريعية، وهو مبحثٌ مدوّنٌ في علم الأصول حول الصلة والرابطة بين التكوين والتشريع، وقد تناولنا تفصيله في كتابنا «العقل العملي»، وهي منظومةٌ بحثيةٌ بالغة الأهمية تدخل في صميم مباحث حجّية حكم العقل والوحي.
والحاصل: أنّ الشارع يقرّر سنّةً تكوينيةً غير قابلة للتخصيص أو الاستثناء أو النسخ في قوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[8] ، حيث سيقت بلسان الإخبار التكوينيّ الحتميّ. وشبيهٌ بذلك ما تواتر في روايات الأئمّة الباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) وسائر الأئمّة، فضلاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ إذ ترتبط عامّة روايات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمصير السياسيّ ومسار الأمّة العامّ، ولا تنفكّ استراتيجية الأئمّة المتأخّرين وخارطة طريقهم عن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام).
والشاهد فيه: قولهم (عليهم السلام): «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»[9] ؛ فإنّه إخبارٌ تكوينيٌّ غير قابلٍ للاستثناء والتخصيص، ومفاده لزوم الالتزام بالمسؤولية والوظيفة التشريعية.
ومفاده الالتزام التشريعيّ، بيدَ أنّ أصله مفادٌ تكوينيّ غير قابلٍ للتخصيص، وتلك قاعدةٌ بالغة الأهمّيّة في الاستنباط الفقهيّ. وتأسيساً على ذلك، فإنّ قضيّة الظهور لا تخرج البتّة عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[10] ، ولا تشذّ عن قوله سبحانه: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾[11] ، أو قوله عزّ وجلّ: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾[12] .
والشاهد فيه: أنّ هذا شرطٌ تكوينيّ؛ فقوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ ليس مجرّد شرطٍ تشريعيّ مَحْض، بل هو سنّةٌ تكوينيّة؛ إذ الفعل وإن كان تشريعيّاً، إلا أنّ ترتّب النتيجة عليه أمرٌ تكوينيّ غير قابلٍ للتخصيص أو النسخ، لا في الغيبة الكبرى، ولا في الغيبة الصغرى، ولا في غيرهما؛ إذ تلك سنّة الله التي لا تبديل لها، حيث لا يقتصر الوعد الإلهيّ على مجرّد نصرة الله فحسب، بل إن تنصروا الله وتنتابكم الشدائد والزلازل فحينئذٍ يتنزّل النصر وفقاً لمقتضى الوعد الإلهيّ.
والمتحصل: أنّه إذا بسط المؤمنون سيطرتهم على ثلاثة أرباع منطقة الشرق الأوسط براياتٍ متعدّدة تعلي رايات أهل البيت (عليهم السلام) بألوانٍ شتّى، فحينئذٍ يتحقّق الظهور؛ وتلك مسؤوليّةٌ تتجسّد في راياتٍ متنوّعة: كراية شعيب بن صالح، والخراسانيّ، والحسنيّ، واليمانيّ، وسائر العناوين الأُخَر ممّا ورد في شأن نسل جعفر الطيّار وغيرهم بحسب مستفيض الروايات. والمدار كلّه على أن يخضع الشرق الأوسط — أو ثلاثة أرباعه — لهيمنة رايات المؤمنين، وتُكفّ عنه أيدي الجبابرة وفراعنة الأرض؛ وعندئذٍ ينجز الظهور بمقتضى المنطق القرآنيّ: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾.
والقاعدة هنا: أنّه لا مهديّ بلا يمانيّ، ولا مهديّ بلا خراسانيّ، ولا مهديّ بلا شعيبيّ؛ فقضيّة الظهور كعقيدة ليست فكرةً جوفاء، ولا تنظيراً فضفاضاً أو خيالاً مجرّداً، بل لها انعكاسٌ مباشرٌ في الفقه السياسيّ يحدّد معالم مسؤوليّتنا؛ وبمآل القول: فإنّ تعزيز اقتدار المؤمنين وبسط راية الإيمان يدخل في صميم مسؤوليّتنا وتكليفنا الشرعيّ.
وقد سقنا شواهد جمّة وآياتٍ بيّنات على هذا المطلب؛ حتّى إنّ الرواة نقلوا في كتاب «كمال الدين» للصدوق، وكذا في الباب الذي عقده النعمانيّ في كتاب «الغيبة» في الشدّة التي تسبق أمر القائم، أنّ الراوي قال للإمام الصادق (عليه السلام): «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ فِي سُهُولَةٍ»، فقال له الإمام (عليه السلام): «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوِ اسْتَقَامَتْ لِأَحَدٍ عَفْواً لَاسْتَقَامَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) حِينَ أُدْمِيَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ، كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى نَمْسَحَ نَحْنُ وَأَنْتُمُ الْعَرَقَ وَالْعَلَقَ»[13] . فرسول الله (صلى الله عليه وآله) مع كونه الموصوف بالمؤيَّد والمنصور، إلا أنّ ذلك التأييد والتسديد الإلهيّ كان مقروناً بشروط وسنن؛ حيث كُسرت رباعيّته، وخاض غمار الزلازل والشدائد؛ كما صدعت الصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها مبيّنةً أنّ الوعد لم يُنجَز لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا بعد مقاساة الزلازل ومقارعة الفتن وإخماد نيران الحروب التي أجّجها اليهود والمشركون[14] .
والنتيجة: أنّ الظهور كما يُدوَّن في مصنّفات العقائد وعلم الكلام، فالصحيح المقرّر أن يُبحث في أبواب الفقه السياسيّ ببعديه الفقهيّ والسياسيّ؛ وهو ما يستدعي تدويناً فقهيّاً مستأنفاً يواكب هذه الآفاق، على نحو ما يُستفاد من كلمات السيّد محسن الحكيم (رحمه الله)؛ إذ الفقه السياسيّ وثيق الارتباط بعلم الكلام، ولعلم الكلام امتدادٌ بنيويّ في الفقه السياسيّ. بيدَ أنّ الأمر يقتضي إعادة بلورة وتدوين، كما قرّره السيّد الحكيم في فتواه المنشورة قديماً في أرشيف مجلّة «الأضواء»، والتي أعاد إثباتها الدكتور عبد الهادي الفضليّ في كتابه «في انتظار الإمام»[15] .
وكذلك يمتدّ هذا المعنى في كلمات الميرزا السيّد عبد الهادي الشيرازي[16] ؛ إذ يقرّر أنّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — بالصورة التي دُوّن بها فقهيّاً عبر عشرة قرون — قد جاء مختزلاً جدّاً، ومقتصراً في الغالب على حدود الفقه الفردي، ومآل هذا التقرير أنّ فقه النظام السياسي، ومفهوم المعروف والمنكر على الصعيدين السياسي والاجتماعي، فضلًا عن الطابع العقائدي للمجتمع، كلّ ذلك لم يأخذ حظّه التامّ من التدوين والتنقيح.
ومن هنا يتجلّى: أنّ ما أفاده السيّد محسن الحكيم بالغ الدقّة والعمق؛ إذ صرّح بأنّ المنكر الواقع على صعيد بيضة الدين لم يُدوّنه الفقهاء بالمستوى المطلوب، وهي لفتة تستحقّ مزيداً من التدبّر والتأمّل؛ لكون هذه الأصول العقائديّة ذات انعكاس مباشر في صلب الفقه السياسي، وهو المعنى عينه الذي قرّرته جملة من مراجع وفقهاء النجف الأشرف في فتاواهم التي نقلها الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي في كتابه «في انتظار الإمام»، بحثاً عن الموقف والوظيفة الشرعيّة في الفقه السياسي منذ العصر الحاضر وإلى حين ظهور الإمام الحجّة (عجّل الله فرجه الشريف)، سواء بلحاظ البُعد العقائدي أو بلحاظ البُعد الفقهي السياسي.
والحاصل: أنّ ثمّة تلاحماً وثيقاً وترابطاً جوهريّاً بين الأمرين يستدعي تدويناً فقهيّاً مستأنفاً؛ فالظهور وقضاياه لا ينبغي أن تُحصر في المدوّنات العقائديّة والحديثيّة — ككتاب «الغيبة» للنعماني، أو «الغيبة» لشيخ الطائفة الطوسي، أو «كمال الدين وتمام النعمة» للشيخ الصدوق — بل يجب إدراجه وبحثه في أبواب الفقه السياسي؛ نظراً إلى كونه مسؤوليّة شرعيّة عمليّة ملقاة على عواتقنا، وليس أمراً نترقّبه بقعود وسكون.
والشاهد على ذلك: ما جاء في خطبة الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) — التي تُعدّ دستوراً جامعاً لأبواب الدين كلّها — في مقام تبيينها لحال المتربّصين بقولها: «تَتَرَبَّصُونَ بِنَا الدَّوَائِرَ، وَتَتَوَكَّفُونَ الأَخْبَارَ»[17] [18] ، وهو ما حرّرناه في هذه السلسلة من البحوث لتنقيح القواعد ورسم معالم الخارطة على وجه البصيرة.
والنتيجة المستفادة من سياق الروايات: أنّ ذروة سنام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب ما قرّره أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) — من لدن الإمام الباقر والصادق والكاظم والرضا وسائر الأئمّة، فضلاً عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليهم أجمعين) — تتمحور حول مسؤوليّة إقامة النظام السياسي الشرعي؛ إذ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: «وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ»[19] ، ومؤدّى هذا الكلام ينطلق من رؤية مقاصديّة وأصول تشريعيّة متكاملة، تُبيّن أنّ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستوعب أبواب الجهاد، والقضاء، والحدود، والديات، وسائر المسائل السياسيّة والمعاملاتيّة؛ لكون مصاديقها تدور مدار المعروف والمنكر سلباً وإيجاباً.
وتأسيساً على ذلك: يمثّل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الركيزة والبناء الداخلي للنظام السياسي والاجتماعي والعقائدي، وحيث إنّ هذا النظام يلزم أن يُشيّد وفق المنهج الذي رسمه أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّ تركه يؤدّي إلى عواقب وخيمة، وإلا فـ«لَيُوَلِّيَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ»، وهذا التحذير سنّة عامّة لا تختصّ بالمسلمين والمؤمنين فحسب، بل تطال المجتمعات البشريّة كافّة؛ إذ بمقدار ما يدركونه من معروف فطري أو منكر فطري، إن توانوا عن إقامته ودفع منكره سلّط الله عليهم قوى الرأسماليّة المتوحّشة ونظم الإقطاع والمافيات المهيمنة.
والقاعدة هنا: أنّ المعروف لا ينحصر في دائرة ما قرّره النصّ الشرعي، بل يستند في جملة من موارده إلى الفطرة وأحكام العقل المستقلّ، وكذلك المنكر؛ وذلك بمقتضى قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين[20] الثابتة في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فبمقدار ما يستبين للبشر من معروف ومُنكر تجري السنّة الإلهيّة فيهم: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»[21] .
البعد الفطري والمشترك الإنساني في قواعد النهضة الحسينية
من اللطيف ما ذكرته مديرة أحد مراكز البحوث الدولية -وهي امرأة متقدمة في السن- إذ قالت: إنكم يا أتباع أهل البيت حين تقاومون الإقطاع الدولي لستم تدافعون عن أنفسكم فحسب، بل أنتم في الحقيقة تغيثون الشعوب الغربية التي ترزح تحت وطأة هذا الإقطاع، حتى إنَّ المذيع في ذلك اللقاء ارتبك وطلب منها إعادة توضيح الفكرة وسألها عن هذه الفلسفة السياسية، فأجابت بأنه حين يضعف هذا الإقطاع الدولي فإنَّ الشعوب التي ترزح تحته تتنفس الصعداء ويضعف استنزاف ثرواتها، ولذلك ذكر الله (عز وجل) مصيراً مشتركاً للبشرية في فلسفة الجهاد الابتدائي في قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾[22] ، وهذا ليس مجرد تفكيك للنظم، بل هو ضمن فهرسة القواعد ومحطات البحث التي مرّت بنا.
قاعدة: وهناك قاعدة أخرى أيضاً، وهي أنَّ المصلحة العليا لا يُفرَّط بها لأجل الفساد المقطعي، وهي من جملة القواعد المهمة جداً.
والحاصل: أنَّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحقيقة ليس مرتبطاً بالمسلمين والمؤمنين فقط، بل هو شبيه بفلسفة سيد الشهداء (عليه السلام) القائمة على الفطرة، والفطرة هي الدين، حين يقول (عليه السلام): «إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ دِينٌ… فَكُونُوا أَحْرَاراً فِي دُنْيَاكُمْ»[23] ، ومن ضمن التشريعات الفطرية التي نبَّه عليها سيد الشهداء (عليه السلام) يوم عاشوراء في خطبته قوله: «المَوْتُ أَوْلَى مِنْ رُكُوبِ العَارِ / وَالعَارُ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ النَّارِ»[24] ، وهذا بحث فطري عقلي لا يختص بالدين والتشريع فقط وإن كانت الفطرة مطابقة للتشريع.
وهذا الأمر يشمل كثيراً من البشر وليس المسلمين والمؤمنين فحسب، حيث يُهدَّد الإنسان بالفضيحة ليرتكب جريمة أكبر، بينما الموقف الصحيح هو تحمّل الفضيحة وعدم ارتكاب الجريمة الأكبر، إذ يضغط الطغاة والمجرمون على أفراد في مواقع معينة -عسكرية أو سياسية أو اقتصادية- بقضية العار والابتزاز، فيتسبب ذلك في دمار البشر أو فئات منهم، وهنا يقول سيد الشهداء (عليه السلام): «وَالعَارُ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ النَّارِ»[25] ، فليكن العار الدنيوي فإنه أفضل من الخسران الأبدي، بينما العدو يسعى لإسقاط الشخصية، وهذا يجري مع رؤساء دول وحتى داخل أوساط المؤمنين، حيث يهدد العدو شخصية معينة بملفات أمنية أو إدارية أو سياسية بالفضيحة ما لم تستجب لمطالبه مستغلاً موقعها الاقتصادي أو الأمني أو العسكري، فرغم أنَّ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾[26] إلا أنَّ هذا هو أسلوبه المتبع.
وكم عانى المؤمنون والمسلمون والبشرية جمعاء من هذه الحالة، وهذه قاعدة مبدئية عظيمة يحييها سيد الشهداء (عليه السلام) لكي تنجو البشرية من الطغاة؛ فقاعدة «وَالعَارُ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ النَّارِ» تؤكد أنَّ عذاب النار دائم، فكم من مسؤول في موقع عسكري أو سياسي أو اقتصادي هُدِّد وتحت وطأة التهديد ضحّى بأمور أخطر ووقع في مفاسد أعظم، فما قيمة الستر المؤقت في دار الدنيا عند الموازنة العقلية؟! فإنَّ عقل الإنسان إذا فكّر ووازن بين عار فترة يسيرة في الدنيا وبين عار أبدي في الآخرة، وهو الخزي الذي سمّاه القرآن الكريم عند الحديث عن دخول النار.
وردت تعابير عديدة في القرآن الكريم من قبيل الخزي أو الخزي الأكبر؛ فهذا المبدأ الذي رسخه سيد الشهداء (عليه السلام) يؤصل لحرية الإرادة ويحول دون استحواذ الطواغيت والمفسدين عليها، وهي إرادة الفرد البشري.
والقاعدة الأخرى: التي يقررها سيد الشهداء (عليه السلام) هي: «المَوْتُ أَوْلَى مِنْ رُكُوبِ العَارِ، وَالعَارُ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ النَّارِ»[27] ، وهي قاعدة فطرية ذات موازنات وحيثيات متعددة ينبغي تنقيحها ضمن مباحث التقية، وتناظر قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَالمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، وَالحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ»[28] .
وهذا المعنى مبثوث في نهج البلاغة من كلامه (عليه السلام) يوم صفين: «رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تُرْوَوْا مِنَ المَاءِ»[29] ، حين حظروا عنهم الماء وفرضوا حصاراً مائياً، فشنوا عليهم الحرب لكسر طوق الحصار.
ومعنى ذلك: أن قوله (عليه السلام): «وَالحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ» مفاده أن الإنسان وإن أُزهقت نفسه ظاهراً وقُتل، إلا أنه قهر خصمه وفرض إرادته ومنطقه عليه؛ وإلا فما الوجه في إفراطهم بعد انتهاء المعركة في ممارسة طغيان بالغ على الجثمان الشريف لسيد الشهداء (عليه السلام)؟! فإن ذلك برهان على أحقاد دفينة لم تُفرغ، وشاهد على أنه قد أُسقط في أيديهم ولم ينالوا مأربهم؛ فإنك متى كنت قاهراً لعدوك -وإن متَّ- فأنت حي، والمقهور هو الميت حقيقةً وإن كان بدنه يتردد بأنفاسه ويسير بين الناس.
والحاصل: أن ثمة مبادئ في الفقه السياسي يقررها القرآن الكريم والنبي الأعظم وأمير المؤمنين والإمام الحسن والإمام الحسين وسائر الأئمة (عليهم السلام)، لا تختص بالمسلمين والمؤمنين فحسب، بل تُعد منطقاً إنسانياً مشتركاً مع سائر الشعوب والملل؛ على حدِّ قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «النَّاسُ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الخَلْقِ»[30] ؛ أي وجود مشتركات فطرية تمثل منطلقاً للحوار البشري والمسؤوليات الإنسانية المشتركة.
ومن القواعد المهمة أيضاً: ضرورة تفكيك الملفات والتمييز بين جهة الحق وجهة الباطل في الواقعة والبيئة الواحدة؛ وهذا التفكيك يحتاجه الفقيه والحاكم السياسي والقائد العسكري والأمني؛ إذ لا يسوغ عند معاينة تشابك وتداخل بين مسار باطل ومسار حق أن يُفرَّط في جانب الحق، بل الواجب تفكيك المسارات وعدم التفريط في المصلحة العليا لمجرد طروء مفسدة مقطعية.
والشاهد على ذلك: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أقام صرح الإسلام، مع إحاطة الله تعالى وإخباره إياه بما سيؤول إليه الأمر من بعده، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾[31] ؛ ونحن بعقولنا القاصرة قد نتساءل عن جدوى ذلك البناء إذا كان أهل الباطل قد تسلطوا واستأثروا بالانتفاع مرحلياً؛ غير أن هذا المنطق مدفوع، وهو نظير ما رُوي حين سُئل الإمام السجاد (عليه السلام) بعد فاجعة كربلاء عمن كان له النصر والغلبة، فأجاب (عليه السلام): «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ مَنْ غَلَبَ، وَ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَأَذِّنْ ثُمَّ أَقِمْ»[32] ؛ فإن دين رسول الله ورسالته الحضارية بقيا راسخين ولم يتمكن الخصوم من تقويضهما؛ ومثل هذا الصرح الحضاري العظيم والمستدام لا يمكن التفريط فيه لمحض طروء مفاسد ومظالم عارضة عبر التاريخ.
فهل يُفرِّط رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك؟ وهل يُفرِّط الله تعالى؟ كلا؛ فهذه نكتةٌ بالغة الأهمية ترتبط برعاية المصلحة العليا، وهي مصلحةٌ حضاريةٌ دائمةٌ ومستدامةٌ في مقابل مقاطع الفساد العارضة؛ فلا يسوغ ترك الملفِّ العظيم لمجرّد كونه متشابكاً مع ملفِّ فساد.
ومثال ذلك: ما جرى لعليِّ بن يقطين حين استأذن الإمامَ الكاظم (عليه السلام) في ترك الوزارة[33] ، وهي موقعيّةٌ خطيرةٌ لكونه وزيراً لا مجرّد موظف؛ فكان (عليه السلام) يشدّد عليه بالبقاء من جهة، ومن جهةٍ أخرى كانت تحيط به مخاطر الدولة العباسية والرقابة الأمنية المشددة، فوقع بين كماشتين، وهذه من النكات المهمة جداً في قواعد الحكم والسلوك السياسي التي لا ينبغي الغفلة عنها.
ومن القواعد الأصولية: ما أسلفناه من أنَّ أصل باب الفقه السياسي يبتني على ما قرَّره أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله: «إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[34] ، وتلك من جوامع الأسس العليا في الفقه السياسي؛ وحين رفعت الخوارج شعار: «لا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»، قال (عليه السلام): «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ»[35] ، محذِّراً من الانخداع بشعارِ حقٍّ يُتوسَّل به للدفع نحو منهاجٍ باطل؛ فالحقُّ المقابل للباطل هو ضرورة وجود النظام ووجوب حفظه، وهو الأمر المسلَّم لدى فقهاء الإمامية.
والنتيجة: أنَّ خارطة الفقه السياسي يجب أن تُرسَم وتُدوَّن بمختلف مراتبها وأبوابها؛ حتى إنَّ باب الجهاد يبدأ ابتداءً من إعداد القوى العسكرية وبنائها تأسيساً، وهو أسبق رتبةً وأهمُّ من مجرّد استحقاقات الجهاد الدفاعي أو الابتدائي اللاحقة له.
ومن المسائل الفقهية: ما بيّنّاه من أنَّ مشروعية الجهاد لا تُعطَّل في عصر الغيبة، كما ذهب إليه المحقق السبزواري[36] ، والسيد الخوئي[37] ؛ إذ إنَّ أدلّة الحصر لا تنهض لنفي مشروعيته، وسيأتي استعراض بقية هذه المنظومة من القواعد في المباحث الآتية لأهميتها البالغة في رسم معالم الفقه السياسي.