48/03/12
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الفقه السياسي ومنظومة إعداد القوة وحفظ النظام في سيرة أهل البيت
إعداد القوة العسكرية كأصل تشريعي في الفقه السياسي
كان الكلام في أنَّ بناء القوة العسكرية هل يُعدّ استثناءً في وظائف عصر الغيبة الكبرى، وأنه مستثنى في سيرة أهل البيت (عليهم السلام) فضلًا عن استعمال القوى العسكرية في الحرب وما شاكلها، وكأنَّ نهضة سيّد الشهداء (عليه السلام) العسكرية استثناءٌ وليست مندرجةً ضمن الأصول والقاعدة الأولية؛ مع أنَّ ثمة فرقاً جوهرياً بين استعمال القوى العسكرية وبين اتخاذ القوى العسكرية قوةً رادعة، فهما أمران متغايران كما نبّه عليه الفقهاء، حيث أطبقوا على حرمة بيع السلاح لأعداء الدين وأفتوا بذلك، بل واستدلوا على أنَّ النصوص الخاصة الواردة في حرمة بيع السلاح للأعداء ليست مجرد أحكامٍ تعبدية وتفريعاتٍ خاصة، بل هي مقتضى القواعد العامة والعمومات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[1] وما شاكل ذلك؛ فإعداد القوة العسكرية يغاير إعمال القوة واستعمالها الفعلي.
والحاصل: أنَّ باب الجهاد — بقسميه الابتدائي والدفاعي — إنما هو في الحقيقة وظيفةٌ متفرعةٌ عن اتخاذ القوة العسكرية، وهو الأصل الواجب الذي ينشعب منه دفع العدو؛ كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الْأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ»[2] ، فعلل (عليه السلام) ذلك بكونه من وظائف الدولة؛ إذ يُقاتل به العدو وتأمن به السبل، فقتال العدو يمثل جانب الدفاع الخارجي، وتأمين السبل يمثل مهام الأمن الداخلي (وزارة الداخلية بالاصطلاح المعاصر)، وكل هذه المهام تنبثق من وظائف الدولة التي تتقدمها رتبةً طبقةٌ أخرى من الواجبات، وهي أصل إقامة الدولة وحفظ النظام.
والكلام يدور: حول تلك الطبقة العليا المتمثلة في وجوب حفظ النظام السياسي، ووجوب اتخاذ القوة العسكرية وإعدادها، ومن غايات إعداد القوة العسكرية قوله عز وجل: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[3] ، أي تردعونه بها؛ فالإسلام يقيم استدلالاً عقلياً وتكوينياً على أنه لا بد للناس من أمير برٍّ أو فاجر، يُجمع به الفيء، ويُقاتل به العدو، وتأمن به السبل، وهي ضرورة تكوينية وعقلية فضلًا عن كونها فريضةً شرعية. ومن هذا الاستدلال يتضح أنَّ النظام السياسي ضرورة، وأنَّ من أظهر وظائف هذا النظام — سواء في عصر الغيبة الكبرى أو في غيره — هي الوظائف العسكرية المتمثلة في قتال العدو وتأمين السبل داخلياً؛ فكما أنَّ قتال العدو ودفعه يتوقف على أصل النظام السياسي، فكذلك يتوقف قتال العدو على بناء النظام العسكري وإعداد القوة، إذ يمتنع تحقق الدفاع والقتال دون وجود نظامٍ عسكري منظم.
آراء الفقهاء في شمولية وظائف الجهاد وإعداد النظام العسكري
ومما يتفرع على ذلك: ما ذهب إليه السيد الخوئي (رحمه الله) في «منهاج الصالحين» من التزامه بوجوب الجهاد الابتدائي — فضلًا عن الجهاد الدفاعي — في عصر الغيبة الكبرى بحسب تقدير وتشخيص الخبراء العسكريين والسياسيين في كل عام أو عامين[4] ؛ فإنه يرى وجوب توسيع دار الإسلام خلافاً لمشهور الفقهاء ومعظمهم، مستدلاً بأنَّ هذا الواجب — وهو القيام بجهاد الدعوة وتوسيع رقعة بلاد المسلمين — متوقفٌ تكويناً على إقامة النظام وإعداد القوة، وقد سبقه إلى هذا المبنى والمناقشة في اشتراط حضور المعصوم الميرزا محمد باقر الخراساني السبزواري (رحمه الله) صاحب «الذخيرة» و«الكفاية»[5] .
لكن هذا الحصر لا يعني عدم استنابة ونيابة الفقهاء في ذلك، أو بعبارةٍ أخرى: لا يعني أن هذا الواجب يُعطَّل عند احتجاب المعصوم (عجل الله فرجه) من باب الحسبة[6] ، كما هو الشأن في القضاء فإنه لا يُعطَّل، مع أنه ورد نفس اللسان الوارد في الجهاد الابتدائي في شأن السلطة القضائية أو السلطة السياسية، والحال أن الفقه لم يستفد من ذلك تعطيل النظام السياسي أو النظام القضائي في زمن الغيبة الكبرى، فكذلك الأمر في الجهاد الابتدائي، وهذا بحثٌ آخر موكولٌ إلى موضعه.
والمتحصل: أن السيد الخوئي (قدّس سرّه) استدل هناك بأن هذا الواجب — وهو توسيع رقعة دار الإسلام وبلدان المسلمين — يتوقف تكويناً على وجود نظامٍ عسكريٍّ وخبراء مختصين وما شاكل ذلك[7] ؛ ومقتضى ذلك أن هذا الواجب، سواء أكان جهاداً دفاعياً أم ابتدائياً، متفرّعٌ على تأسيس القوة العسكرية وبناء النظام العسكري. فالأولى والأوفق بالصناعة الفقهية أن تُجعل مسألة بناء النظام العسكري وإعداد القوة هي الأصل والقاعدة التأسيسية في كتاب الجهاد، ويكون ردع العدو وقتاله إحدى الشُّعَب والوظائف المنبثقة عن اتخاذ القوة وإعداد السلاح. وكذلك الشأن في وزارة الداخلية؛ إذ إن باب الحدود والتعزيرات مرتبطٌ بملف الأمن الداخلي، ويحسن التعبير عن أبواب الفقه المأثورة بالمصطلحات المعاصرة، لأن علوم الدولة الحديثة تُعدّ مدخلاً مهماً في الفقه السياسي لتعميق الرؤية الواقعية للأدلة الشرعية.
والحاصل: إن الأصل وأسّ الواجبات في منظومة القوة العسكرية ليس هو فعل الجهاد في حد ذاته، بل الجهاد وظيفةٌ من وظائفه المنشعبة عنه، وأصل الوجوب هو اتخاذ القوة وإعدادها، لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[8] ، فهذا الإعداد هو الواجب الأصلي، سواء أكانت القوة لحفظ الأمن الداخلي ودفع التعدي في الداخل أم لردع العدوان الخارجي.
وقد ذكر الفقهاء قاطبةً هذه المسألة في باب بيع السلاح من كتاب المكاسب المحرمة[9] ، حيث استدل السيد اليزدي وغيره من الأعاظم — بل وحتى السيد الخوئي — بعموم الآية الكريمة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، مبيّنين أن تلك النصوص الناهية عن بيع السلاح للأعداء واردةٌ لبيان وظيفة مجتمع المؤمنين وعموم المسلمين، بما يكشف عن أن المعصوم (عليه السلام) عَدّ هذه الوظيفة — وهي وجوب حيازة السلاح وامتلاك القوة العسكرية — تكليفاً عاماً متوجهاً إلى عموم المكلفين.
والنتيجة: إن بناء النظام العسكري تندرج تحته وظائف متعددة:
• الجهاد الابتدائي.
• الجهاد الدفاعي.
• ردع الأعداء وحفظ الثغور.
كما تتنوع مصاديق الأسلحة بحسب الأزمنة بين ناعمة وساخنة وباردة؛ فإن مفهوم القوة يعمّ المنظومة العسكرية وسائر مصاديق الإعداد والاستطاعة. وقد استند السيد اليزدي وكذا صاحب الجواهر من قبله إلى حرمة بيع السلاح[10] ، واعتبروا هذا الخطاب تكليفاً شرعياً متوجهاً إلى المؤمنين حتى في مواجهة السلطات الجائرة كبني أمية وبني العباس؛ وهي نصوصٌ مستفيضة وردت عن الإمام الصادق والإمام الكاظم (عليهما السلام) [11] [12] .
فإن قيل: كيف يُدَّعى بعد ذلك أن سيرة أهل البيت (عليهم السلام) واستراتيجيتهم بعد نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت قائمةً على العزوف عن تأسيس النظام السياسي أو المنظومة العسكرية؟ قلنا: لا وجه لجعل نهوض سيد الشهداء وسيد الرسل وأمير المؤمنين (عليهم السلام) بإقامة النظام السياسي والعسكري مجرد استثناءٍ لا قاعدة؛ إذ كيف يعقل حصر هذا الواجب وجعل مسلك أصحاب الكساء الخمسة (عليهم السلام) استثناءً خارجاً عن مقتضى القواعد الكلية في الشريعة؟!
وعلى أيّةِ حال، لا بدَّ للناسِ من أمير، وتلك لابدّيّةٌ عقليةٌ تكوينيةٌ في عصر الغيبة الكبرى وفي زمن حضور الأئمّة (عليهم السلام) على حدٍّ سواء. وقد وردت رواياتٌ متضافرةٌ عن الأئمّة الباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) في شأنِ النظام السياسي، منها قوله (عليه السلام): «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»[13] ؛ ومقتضى ذلك ثبوتُ اهتمامٍ بالغٍ بالتدبير والإدارة لدى هؤلاء الأئمّة (عليهم السلام) حول مصير النظامين السياسي والعسكري، أو ما يُعبَّر عنه بوظيفة الوظائف عندهم وتفرُّعِ شُعَبِ وظائف النظام السياسي عنها.
والحاصل: أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يُبيّن في هذا المقام أنّ إقامةَ النظام ضرورةٌ عقليةٌ تكوينيةٌ فضلًا عن كونها ضرورةً شرعية، وهي ممّا لا يمكن أن يُعطَّل بحال، سواءٌ أُدّيَت ببرٍّ أم أُدّيَت بفاجر.
قاعدة التفكيك بين شرعية الحاكم وضرورة حفظ النظام العام
ولا مِراءَ في أنَّ الاضطرارَ إلى نظام الفاجر لا يُساوق إضفاءَ الشرعية على سلطة الجائر، ولكنَّ حيثيةَ الضرورة تقتضي التفكيكَ بين أصل ضرورة النظام العام وبين جَوْر الحكومة القائمة عليه؛ وهو نظيرُ ما جاء في محكم التنزيل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾[14] ، فالاضطرارُ ينقسم إلى:
• اضطرارٍ مقترنٍ بالبغي والعدوان: وهو غيرُ مرخَّصٍ شرعاً، لكنَّه غيرُ متروكٍ عقلاً، كمسألة التوسُّط في الدار الغصبية[15] .
• اضطرارٍ مجرّدٍ عن البغي والعدوان: وهو الاضطرارُ المرخَّصُ فيه.
والقاعدة هنا: أنَّ الاضطرارَ حيثيةٌ لازمةُ المراعاة، غيرَ أنّها لا تمنح البغيَ والعدوانَ مشروعيةً بحال؛ فههنا حيثيّتان وملفّان منفصلان: حيثيةُ الاضطرار اللزومي، وحيثيةُ عدم مشروعية البغي والعدوان.
ومثالُ ذلك في العُرف الدولي المعاصر: إلزامُ الدولة المحتلَّة لبلدٍ ما في القانون العقلائي الدولي بإدارة ذلك البلد، وحفظ أمنه، وصيانة دماء مواطنيه، والنهوض بوظائف الدولة الأساسية؛ فهل يقتضي إلزامُ دولة الاحتلال بتلك المهام صيرورةَ احتلالها مشروعاً؟ كلا، فمع انتفاء شرعية دولة الاحتلال رأساً، تبقى تلك الوظائف إلزاميةً في حقّها؛ نظراً إلى أنَّ حفظ النظام الإنساني والمدني واجبٌ لازم، وهذا تفكيكٌ عقلائيٌّ نابعٌ من وجود جهتين مستقلّتين.
وشاهدٌ آخر: ما تقرَّر في القانون الدولي والمواثيق الأُممية من إلزام الدولة المعتدية بضوابط منع ارتكاب جرائم الحرب؛ فمع كونِ أصل الحرب عدوانياً غيرَ مشروع، فإنَّها تبقى مخاطَبةً بالقوانين الرادعة عن ارتكاب جرائم الحرب. فأصلُ مشروعية الحرب ملفٌّ قائمٌ برأسه، وكيفيةُ ممارستها ملفٌّ آخر.
وممّا يدعو إلى الأسف عدمُ التفات كثيرٍ من الباحثين إلى ما رواه ثقةُ الإسلام الكليني في الحديث الرابع من باب فضل الجهاد، بسنده: «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ» — وهي روايةٌ صحيحةٌ أعلائية، إذ رواها أحد أصحاب الإجماع[16] — «قَالَ: كَتَبَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي رِسَالَةٍ إِلَى بَعْضِ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ: «وَمِنْ ذَلِكَ مَا ضَيَّعَ الْجِهَادَ الَّذِي فَضَّلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْأَعْمَالِ…»»[17] .
فيظهر من ذلك مدى اهتمام الأئمّة (عليهم السلام) بالنظام السياسي، لا من جهة تكريس السلطة الأموية الجائرة، بل حفظاً للنظام السياسي للإسلام الذي شيَّد أركانَه سيّدُ الرسل (صلى الله عليه وآله)، تفكيكاً بين الملفّين. فقد كتب الإمامُ أبو جعفر الباقر (عليه السلام) تلك الرسالة المتضمنة لخارطة وظائف الدولة وخاطب بها سلطةَ بني أمية لا مالك الأشتر، وهو ما يفرض إدراكَ مغزى هذا التوجيه وحدوده.
وذلك لأنّ وظائف النظام — بغضّ النظر عن جَور سلطة بني أميّة — تباين الحكومة مفهوماً ومصداقاً؛ إذ ثمّة نظامٌ كلي وثمّة حكومةٌ متغيّرة، فالباقي المستقرّ هو النظام، والزائل المتغيّر هو الحكومة، فهما ملفّان متغايران بالدّقة. وتأسيساً على ما مرّ بنا، فإنّ للنظام طبقاتٍ ومراتب؛ ففي منظور العلوم السياسيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة المعاصرة تُعدّ الحضارة الإسلاميّة الممتدّة من إندونيسيا إلى المغرب، ومن ألبانيا إلى عمق قارّة إفريقيا، نظاماً إسلاميّاً عامّاً أرسى دعائمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وظلّ شاخصاً ومستمرّاً. وحين نرى اليوم تعدّد الأنظمة السياسيّة بين جمهوريّة وملكيّة في البلدان الإسلاميّة، فإنّها برمّتها تندرج تحت مظلّة ذلك النظام النبويّ الحضاريّ، بل تتغيّر الحكومات داخل هذه الدول ويتعاقب الحكّام ويبقى جوهر النظام وثوابته، ممّا يبرهن على أنّ طبيعة النظام ذات طبقات طوليّة.
والشاهد على ذلك: ما تقدّم من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[18] ؛ فهل كان ناظراً (عليه السلام) إلى مقام الإمامة الإلهيّة والولاية التكوينيّة والملكوتيّة للمعصوم؟ والجواب: كلا، فإنّ الإمامة الإلهيّة ضرورةٌ عقديّة قائمة بذاتها، بيد أنّ ما قرّره الإمام هنا ضرورةٌ اجتماعيّة وسياسيّة لإقامة النظام المدنيّ، وهو يشمل سائر الشؤون العسكريّة والاقتصاديّة والأمنيّة؛ لقوله (عليه السلام) في تتمّة كلامه: «يُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ»[19] ، فعدّد (عليه السلام) منظومات متعدّدة: نظاماً عسكريّاً، وسياسيّاً، وأمنيّاً، وماليّاً، يُدار به المجتمع، ممّا يُثبت أنّ حفظ النظام ضرورةٌ عقليّة تتوزّع على طبقات متعدّدة.
فإن قيل: كيف يُوجّه مكاتبة الإمام الباقر (عليه السلام) لبعض خلفاء بني أميّة بعهدٍ ورسالة تتضمّن تدبير وظائف الدولة، ولم تكن الرسالة موجّهةً لمالك الأشتر أو لأحد خواصّه؟ قلنا: لا تدافع في ذلك البتّة، ولا يُمثّل ذلك مساوقةً لشرعنة السلطة الغاصبة لبني أميّة؛ وإنّما هو إعمالٌ لقاعدة التفكيك بين الملفّات، وهو أصلٌ دقيق يغيب عن أذهان كثير من الباحثين عند خلطهم بين شرعيّة الحاكم وحفظ النظام العام. فإنّ سيرة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) جرت باطراد على تقويم اعوجاج السلطة وترشيد مسارها؛ لا حياطةً لعرش السقيفة أو بني أميّة أو بني العبّاس، بل صيانةً لنظام المسلمين العام وحفظاً لكيان الأمّة؛ إذ لم يتركوا (عليهم السلام) الأمّة هملاً وسدى رغم اغتصاب حقّهم وموقعهم في الخلافة الإلهيّة. ومن هذا المنطلق تكرّرت تدخّلات أمير المؤمنين (عليه السلام) القضائيّة في عهود الخلفاء الثلاثة، استشعاراً للمسؤوليّة تجاه النظام الذي شيّده النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، بمعزل عن جور المتصدّرين، ممّا يوجب التفريق التامّ بين طبقات النظام والسلطة الحاكمة.
ولم تنحصر مداخلات أمير المؤمنين (عليه السلام) في المضمار القضائيّ فحسب، بل امتدّت إلى التخطيط العسكريّ والإستراتيجيّ كما حرّرناه في كتاب «الصحابة بين العدالة والعصمة»[20] ، واستوفاه الشيخ علي الكوراني (رحمه الله) في خمسة مجلّدات[21] ؛ حيث أثبتت التواريخ المعتمدة لدى العامّة أنّ تخريج الخطط العسكريّة في فتوحات بلاد فارس والروم كان بإرشاد أمير المؤمنين (عليه السلام) وتدبيره، متدخّلاً لإنقاذ نظام الإسلام المحمّدي وترميم مواضع الوهن فيه؛ إذ غلّب (عليه السلام) المصلحة العليا القاضية ببقاء بيضة الإسلام على محذور استثمار السلطة الجائرة لتلك الإرشادات في تلميع واجهتها.
والنتيجة: إنّ هذا التفكيك يتجلّى بأوضح صوره في صحيحة يونس بن عبد الرحمن عن الإمام أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، حيث سأله يونس عن حكم المرابطة والدفاع، فنهاه الإمام ابتداءً، فلمّا استفصل عمّا لو دهم العدوّ ثغور المسلمين بحيث يُخشى على أصل الدين، أجابه (عليه السلام): «يُرَابِطُ وَلَا يُقَاتِلُ، وَإِنْ خَافَ عَلَى بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ قَاتَلَ، فَيَكُونُ قِتَالُهُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ… يُقَاتِلُ عَنْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ، لَا عَنْ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ فِي دُرُوسِ الْإِسْلَامِ دُرُوسَ دِينِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)» [22] ، فالقتال مشروعٌ للدفاع عن بيضة الإسلام وحرم المسلمين لئلا يندرس دين النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، لا نصرةً لسلطان بني العبّاس، ممّا يُبرز تفكيك الإمام الحاسم بين واجب الذود عن النظام الإسلاميّ العام وبين الدفاع عن الكيان السياسيّ الجائر.
المراتب التكوينية والإنسانية لحفظ الأنظمة
«فَقَاتِلْ» لِأَجْلِ هَذَا لَا لِبَنِي الْعَبَّاسِ؛ فَالْإِمَامُ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يُفَكِّكُ فِي مَسْأَلَةِ الدِّفَاعِ، إِذْ يُمَيِّزُ فِي نَظَرِهِ بَيْنَ نِظَامِ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ نِظَامِ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَنِظَامُ الْإِسْلَامِ أَعَمُّ وَأَكْثَرُ شُمُولِيَّةً، وَهُوَ النِّظَامُ الْعَامُّ الَّذِي تَعَاقَبَتْ عَلَى حُكْمِهِ سُلْطَاتُ بَنِي السَّقِيفَةِ، وَبَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنِي الْعَبَّاسِ، وَالدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَالسَّلَاجِقَةِ؛ غَيْرَ أَنَّ نِظَامَ الْإِسْلَامِ بَاقٍ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ وَالسِّنِينَ، نَظِيرَ مَا مَرَّ بِنَا فِي قِصَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ يُوسُفَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الَّذِي أَنْقَذَ الْأَزْمَةَ الِاقْتِصَادِيَّةَ فِي أَنْظِمَةِ الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ كُلِّهَا وَلَيْسَ فِي مِصْرَ فَحَسْبُ، وَكَذَلِكَ أَنْقَذَ النِّظَامَ الْأَمْنِيَّ؛ لِأَنَّ الْمَجَاعَةَ تُورِثُ خَلَلاً فِي النِّظَامِ الْأَمْنِيِّ، وَالْعَسْكَرِيِّ، وَالِاقْتِصَادِيِّ، وَالسِّيَاسِيِّ، فَهَذِهِ الْأَنْظِمَةُ الْبَشَرِيَّةُ حَافَظَ عَلَيْهَا نَبِيُّ اللَّهِ يُوسُفُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لَا لِأَجْلِ مُلْكِ الْوَثَنِيِّينَ فِي مِصْرَ وَسُلْطَتِهِمُ الْجَائِرَةِ، بَلْ حَافَظَ عَلَيْهَا مِنَ الْمُنْطَلَقِ وَالْبُعْدِ الْإِنْسَانِيِّ.
والشاهد على ذلك: اعْتِرَاضُ الْمَلَائِكَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾[23] ؛ فَإِنَّ الْقَضِيَّةَ هُنَا تَدُورُ حَوْلَ حِفْظِ النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهَا مُسْلِمَةً أَوْ غَيْرَ مُسْلِمَةٍ.
وتأسيساً على ذلك: لَا بُدَّ مِنَ التَّفْكِيكِ فِي مَرَاتِبِ النِّظَامِ؛ فَحَتَّى فِي النِّظَامِ الْبَشَرِيِّ الْعَامِّ حِينَ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾[24] ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَرْزَحُونَ تَحْتَ وَطْأَةِ أَنْظِمَةٍ إِقْطَاعِيَّةٍ أَوْ رَأْسَمَالِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَيَحْتَاجُونَ إِلَى إِنْقَاذٍ، وَهَذَا الْإِنْقَاذُ لَيْسَ لِتَرْسِيخِ كُفْرِهِمْ، بَلْ لِرِعَايَةِ الْبُعْدِ الْإِنْسَانِيِّ؛ إِذْ إِنَّ النِّظَامَ الْإِنْسَانِيَّ يُرِيدُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْحِفَاظَ عَلَيْهِ.
والشاهد فيه: التَّعْبِيرُ الْقُرْآنِيُّ فِي قَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾[25] ؛ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ «النَّسْلَ الْمُسْلِمَ»، بَلْ أَرَادَ بِهِ أَصْلَ النَّسْلِ الْبَشَرِيِّ، فَهَذَا نِظَامٌ بَشَرِيٌّ إِلَهِيٌّ تَكْوِينِيٌّ يُرِيدُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حِفْظَهُ، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّنَا نُفَكِّكُ بَيْنَ دُوَلِ الْكُفْرِ وَسُلُطَاتِهَا وَبَيْنَ حِفْظِ النِّظَامِ الْبَشَرِيِّ؛ إِذْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ فِي الْعَالَمِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ طَبِيعَةِ السُّلْطَةِ الْقَائِمَةِ، وَحِفْظُ هَذَا النِّظَامِ التَّكْوِينِيِّ الْبَشَرِيِّ الْإِلَهِيِّ هُوَ مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ الدُّوَلِ الْمُسْلِمَةِ وَمِنْ جُمْلَةِ وَظَائِفِهَا.
القراءة الاستراتيجية لصلح الإمام الحسن وموقع الاقتدار السياسي
والحاصل: إِنَّ صُلْحَ الْإِمَامِ الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَانَ تَصَالُحَ دَوْلَتَيْنِ وَتَقَاسُمَ سُلْطَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ تَفْوِيضاً لِلسُّلْطَةِ أَلْبَتَّةَ؛ وَقَدْ فُسِّرَ صَنِيعُ الْإِمَامِ الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَلَى مَدَارِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْناً بِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ لِلسُّلْطَةِ، وَكَأَنَّهُ صُلْحُ دَوْلَةٍ مَعَ أَسِيرٍ، وَهَذَا مَنْطِقٌ بَاطِلٌ؛ إِذْ كَيْفَ يَضْغَطُ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَيُفَاوِضُهُ وَيُشَارِطُهُ إِلَّا لِكَوْنِهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مُمَثِّلاً لِدَوْلَةٍ، بَلْ هِيَ أَرْقَى دَوْلَةٍ، وَقَدْ ضَمَّ إِلَيْهِ بَعْضَ الْوِزَارَاتِ فِي الدَّوْلَةِ الْعَامَّةِ وَقَسَمَ الْمِيزَانِيَّةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ. فَالْإِمَامُ الْحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) صَاحِبُ دَوْلَةٍ، وَمَنْصِبُهُ كَوَلِيِّ عَهْدٍ كَانَ مَنْصِباً رَسْمِيّاً، وَلَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ بِلَا جَيْشٍ أَوْ أَتْبَاعٍ، بَلْ كَانَ لَدَيْهِ جَيْشٌ نِظَامِيٌّ؛ وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي نَصِّ الصُّلْحِ أَنَّ الْخِلَافَةَ وَالْأَمْرَ بَعْدَ مُعَاوِيَةَ يَعُودُ إِلَى الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) [26] ، وَهَذَا يَعْنِي وِلَايَةَ الْعَهْدِ، وَتَقَاسُمَ السُّلُطَاتِ، وَتَصَالُحَ دَوْلَتَيْنِ مَعَ بَقَائِهِمَا.
ومما يؤيد ذلك: أَنَّ مُعَاوِيَةَ طَلَبَ مِرَاراً إِغَاثَةً عَسْكَرِيَّةً مِنَ الْإِمَامِ الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَدَى الْإِمَامِ جَيْشٌ فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ ذَلِكَ؟! أَضِفْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ الْحَسَنَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَتَبَ إِلَيْهِ: «لَوْ آثَرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ لَبَدَأْتُ بِقِتَالِكَ، فَإِنِّي تَرَكْتُكَ لِصَلَاحِ الْأُمَّةِ وَحَقْنِ دِمَائِهَا»[27] ، مِمَّا يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى وُجُودِ جَيْشٍ وَأَتْبَاعٍ لِلْإِمَامِ الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)؛ وَبِتَعْبِيرِ جُمْلَةٍ مِنَ الْبَاحِثِينَ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ فِي عَهْدِ الْإِمَامِ الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لَمْ يَتَمَكَّنْ أَبَداً مِنْ قَتْلِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، أَوْ سَجْنِهِ، أَوِ الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ.
كانت للإمام الحسن (عليه السلام) دولةٌ قائمة، ولم يكن صلحُه مع معاوية تفويضاً للسلطة، بل كان في حقيقته تقاسماً لها وتصالحاً بين دولتين، غير أنّ أقلام المؤرخين الأمويين صوّرته على خلاف واقعه؛ إذ كان أوّل بندٍ من بنود الاتفاق أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) لا يدخل في هذا الالتزام ولا يُلزَم بهذا الصلح، ومقتضى ذلك أنّ خطّ المواجهة والجهاد عند بني هاشم ظلّ قائماً ومفتوحاً. وممّا يوضح ذلك أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) استدرج معاوية وجيشه إلى الكوفة حتى اختلط الجيشان، فأصبح معاوية وقادته في قبضة الإمام ومحاصرته قبل إبرام الصلح، فوقع معاوية وعمرو بن العاص وقيادات بني أمية كافّةً في كمينٍ عسكريٍّ محكم.
فهل يُعَدّ هذا الموقف موقعَ ضعفٍ أم موقعَ قوّة؟ بل هو في صميم القوّة للإمام (عليه السلام)؛ فكيف يُصوَّر بعد ذلك أنّ معاوية قد انتصر، وأنّ الإمام (عليه السلام) قد خضع له، ويُلصَق هذا الزيف بالتاريخ؟! فإنّه (عليه السلام) استدرج جيش معاوية بأكمله، ومعه معاوية وقيادات الشام، دون خوض معركةٍ كصفين، ووقعوا في حصارٍ تامّ، حتى إنّ الخوارج وبعض حواريي الإمام (عليه السلام) قالوا له: لا تعقد الصلح؛ لعدم إدراكهم لتدبيره وحنكته في البداية، غير أنّهم لمّا رأوه يشارط معاوية ويساومه في الشروط أدركوا أنّ الأمر لم يكن استسلاماً، حتى بلغ الأمر بمعاوية أن همّ باغتيال عمرو بن العاص قائلاً له: إنّ ما جرى تواطؤٌ منك مع الحسن؛ إذ زعمتَ أنّه مضطرٌّ للصلح، بينما الواقع يثبت أنّه ليس بمضطر.
والشواهد على ذلك كثيرة:
• أولاً: إنّ صلح الإمام الحسن (عليه السلام) كان صلحاً بين دولتين وتقاسماً للسلطة، ولم يكن تفويضاً مطلقاً بوجهٍ من الوجوه؛ فالخوارج كانوا خارجين عن طاعة الإمام (عليه السلام)، كما أنّ بعض الأقاليم كانت خارجةً عن سلطة الكوفة منذ عهد أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلم يتنازل الإمام عن سلطته لمعاوية، بل كانت هناك مناطق مستلبة يتنازع عليها الطرفان، فجرى التفاوض على تقاسم الصلاحيات بين الكيانين، وبقيت للإمام دولته القائمة وجيشها وميزانيتها المستقلة. وكلّ قراءةٍ استراتيجيةٍ وعسكريةٍ وسياسيةٍ منصفة تُفضي إلى أنّ ما وقع كان معاهدةً بين دولتين مع بقائهما.
• ثانياً: إنّ معاوية أقرّ واضطُرّ للاعتراف بالمرجعية والسلطة الاصطفائية لأهل البيت (عليهم السلام) بنصّ الاتفاق؛ إذ اشتُرط عليه أنّ الأمر من بعده يعود للإمام الحسن، فإن حدث به حَدَث فلأخيه الحسين (عليهما السلام) [28] ، في حين أنّ بيعة السقيفة لم تُقرّ بهذا الحقّ الاصطفائي، فأقرّ به معاوية وهو امتدادٌ لمسار السقيفة. ومع أنّه كان يطمع في جعل الملك وراثياً في بني أمية، إلّا أنّه أقرّ في وثيقة الصلح بانتفاء ذلك وسقوط حقّ بني أمية فيه.
فهل صدرت هذه الشروط القاطعة إلّا من موقع اقتدارٍ واستعلاءٍ للإمام الحسن (عليه السلام) بعدما أحكم قبضته على معاوية وجيشه؟! ولكنّ هذه الحقائق التاريخية الثابتة منذ أربعة عشر قرناً لم تنل حظّها من التحليل والاستنطاق الموضوعي لدى كثيرٍ من الباحثين.
والحاصل: وجوب التفكيك بين مراتب الأنظمة وصور إدارتها في أداء الوظائف الشرعية والسياسية.
مشروعية التغلغل في أجهزة الدولة والتمكين التدريجي
ومن ثَمَّ فإنَّ الإمام الكاظم (عليه السلام) -وهذا بندٌ استراتيجيٌّ يقبله الفقهاء كافَّة- اعتبر أنَّ التغلغل في السلطات الجائرة، سواءٌ في المجال القضائيّ أو التنفيذيّ -كما في قضيَّة عليّ بن يقطين- ليس مجرَّد قضيَّةٍ في واقعة[29] ؛ إذ هل كان عمل عليّ بن يقطين ليصبَّ في مصلحة السلطة العبَّاسيَّة؟ كَلَّا، وحينما أراد الخروج من أجهزة النظام تورُّعاً وتحرُّزاً من الوقوع في الحرام، نهاه الإمام الكاظم (عليه السلام) ومنعه من ذلك[30] ؛ فليس الورع حينئذٍ هو الانكفاء والاعتزال عن السلطة الجائرة، بل إنَّ التغلغل فيها يغدو واجباً؛ تحفُّظاً على النظام العام، الذي هو نظام الإسلام والمؤمنين.
وكثيرٌ من المؤمنين يتذرَّعون بوجود الفساد في جهاز النظام أو أروقة الحكومة ليتخلَّوا عن مسؤوليَّاتهم؛ والحال أنَّه لو طرأ الفساد على الجهاز العسكريّ أو غيره من الأجهزة، فإنَّ المكلَّف يبقى مسؤولاً عن حفظ أصل النظام؛ إذ لا يشكِّل طروُّ الفساد على أيِّ مؤسَّسةٍ دينيَّةٍ أو مدنيَّةٍ مسوِّغاً للقعود عن أداء المسؤوليَّة.
والقاعدة هنا: أنَّ الإصلاح واجبٌ بمقدار الوُسع والطاقة، ولا ينحصر المدار بالوُسع الفعليّ المباشر، بل يشمل إعداد القوَّة وتهيئة الأسباب للنهوض بهذه الوظيفة؛ تحقيقاً لمؤدَّى قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾[31] ؛ فإنَّ هذا التمكين يزيد الإنسان اقتداراً وقوَّة. وتغلغلُ نبيِّ الله يوسف (عليه السلام) في أجهزة الحكم في منطقة الشرق الأوسط هيَّأ الله سبحانه له مقدِّماتٍ بعيدة المدى: بدءاً من إلقائه في الجبّ، والتقاط السيَّارة له، ثمَّ هجرته وغربته ودخوله مصر مملوكاً، ثمَّ إيداعه في السجن، حتَّى أفضت تلك السلسلة من المقدِّمات كلُّها إلى حصول التمكين وبلوغ الغاية.
ولا ينبغي التوهُّم بأنَّ إعداد القوَّة وتحصيل التمكين يتحقَّقان بين عشيَّةٍ وضُحاها؛ فاليهود في أرجاء العالم -على سبيل المثال- يتسلَّقون مدارج القمَّة في خفاءٍ وتؤدة؛ فالبنك الدوليّ وصندوق النقد الدوليّ قد آل تدبيرهما إليهم، وسائر مقاليد القوَّة استولوا عليها تدريجيّاً عبر آمادٍ متطاولة. وكذلك كان المسار في حركة النبيّ يوسف (عليه السلام)؛ إذ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾[32] ؛ فإنَّ إنجاز مقتضى هذه الإرادة الإلهيَّة استغرق وقتاً طويلاً في شأن يوسف (عليه السلام). ومقتضى ذلك سارٍ بعينه في شأن ظهور صاحب العصر والزَّمان (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف)؛ إذ إنَّ مدَّة الألف عامٍ من الغيبة تعدُّ برُمَّتها مرحلة إعدادٍ حتميَّة، وسُنَّة الله تعالى في خلقه لا تترتَّب بمجرَّد الإنشاء الدفعيّ بـ«كن فيكون»، بل تفتقر إلى تراكم السنوات وبذل العمل والجهد؛ تصديقاً لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[33] ، وقوله سبحانه: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾[34] .
والحاصل: أنَّ التمكين وإعداد أسباب القوَّة لا يتأتَّيان بصورةٍ آنيَّةٍ مفاجئة، وهذا نظيرُ البحث المعقود بين الأصوليِّين في شأن الصفات والملكات النفسانيَّة وهل تقع موقعاً للتكليف أم لا[35] ؛ حيث ذهب الشيخ الأنصاريّ وغيره إلى أنَّها ليست اختياريَّةً ابتداءً، وحتَّى الشيخ النراقي استشكل فيها أوَّلاً، ثمَّ استدرك بأنَّ الإنسان وإن كان في الحال الحاضر مكبَّلاً بها وعاجزاً عن دفعها، إلَّا أنَّه قادرٌ على اقتلاعها وتبديلها على المدى البعيد بالرياضة والمجاهدة التدريجيَّة[36] .
فالإنسان قد يكون مكبّلاً في البداية ويصعب عليه التغيير، لكنّه على المدى البعيد قادرٌ على تحقيقه، وتلك نكتةٌ مهمّةٌ في باب التمكين وتوجيه قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[37] ؛ فالإعداد تكليفٌ لا ينبغي التخاذل عنه، ومساره تدريجيٌّ تراكمي؛ بحيث يضع الجيلُ لبنةً ليأتي الجيل اللاحق فيبني عليها، وهكذا دواليك.
والبناء هنا: يتقوّم بالتأسيس المحكم، كمن يروم تشييد صرحٍ أو مسجدٍ ضخم وهو يعلم أنّ أمواله أو مدّة عمره لا يتّسعان لإتمامه، فيُحكم الأساس ويُشيّده متيناً ليأتي من بعده فيُتمّ البناء؛ فالإعداد يجري على هذا النحو، وليس من اللازم شرعاً أن تُجنى ثمرة الإعداد في الحال، بل الواجب الفعلي المتوجّه إلى المكلّف هو أصل الإعداد؛ لأنّ الله سبحانه لم يوجب النصر الفعلي المباشر الخارج عن دائرة القدرة، وأخطر أنواع القوة هي القوة الفكرية والعقائدية، ومع ذلك فإنّ بقية أشكال القوة لازمةٌ ومطلوبةٌ كذلك.
والحاصل: أنّه لا بد من الالتفات إلى تعدّد الأنظمة وترتّبها، بدءاً من النظام الاجتماعي، فالفكري، فالديني، فالسياسي، فالعسكري، فالأمني، فالاقتصادي.
والشاهد على ذلك: ما ورد في رسالة الإمام الباقر (عليه السلام) الشبيهة بعهد مالك الأشتر[38] ، حيث كان (عليه السلام) يؤاخذ الدولة الأموية في زمانه على تضييع الجهاد الابتدائي وتركه؛ فإنّ القتال مع غير الإمام المعصوم (عليه السلام) وإن كان يفتقر إلى الشرعية الأصلية، إلّا أنّ ذلك لا يقتضي بحالٍ تجميدَ الوظيفة الحسبية عند احتجاب الإمام (عليه السلام) أو منع الظالمين له عن بسط يده، تماماً كما في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الْأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ»[39] ؛ فالإمارة وإن كانت لا تصلح شرعاً لغير أهل البيت (عليهم السلام)، إلّا أنّ وجود أصل النظام ضرورةٌ تكوينيةٌ وعقلية لا يسوغ تعطيلها، وقد فصّل (عليه السلام) في هذا البيان ضرورة قيام النظام الاقتصادي، والعسكري، والأمني، والقضائي.
والقاعدة في هذا الباب: أنّ هذه السلطات والأنظمة كلّها ضروريةٌ لقيام المجتمع الإنساني، استولى عليها برٌّ أو فاجر؛ فالنظام السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي —سواءٌ كان بلحاظ المستوى الإنساني العام أو بلحاظ النظام الإسلامي الذي أسّسه النبي (صلى الله عليه وآله)— يجب التفكيك فيه بين أصل النظام والوظائف الحسبية العامة من جهة، وبين شرعية الحكومات المتصدية جائرةً كانت أو كافرة من جهةٍ أخرى؛ إذ إنّ تلك الوظائف لا تدور مدار شرعية الحاكم المتصدي، بل مدار حفظ أصل النظام العام ومنع الهرج والمرج.
ومثال ذلك: مسلك النبي يوسف (عليه السلام) في إدارة شؤون الحكم؛ إذ لم يمتنع قائلاً: ما لي ولملك مصر ولشعبها وهم يعبدون الأوثان؟ بل تصدّى لحفظ النظام ورعاية مصالح الرعية، جرياً على القاعدة المقرّرة في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر: «فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»[40] ؛ ومن ثَمَّ يتعيّن التفكيك الدائم بين الحيثيات المتغايرة، فلا تُترك المصلحة العليا العامة لأجل مفسدةٍ مقطعيةٍ عارضة. وإذا قُرئت أبعاد النظام السياسي في فقه أهل البيت (عليهم السلام) على ضوء هذا التفكيك الموضوعي، تبلورت الرؤية بجلاءٍ على خلاف ما يتصوّره الكثيرون، وهو أفقٌ يستدعي نظراً تخصّصياً وتنظيراً فقهياً مستفيضاً.