48/03/11
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /طبقات الحكم والحكومة ونفي ملازمة الضرورة للمشروعية
المفهوم الإلهي للحكم وتفنيد شبهة الخوارج
توقفنا عند تلك الكلمة الجامعة البليغة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، حينما رفع الخوارج شعارهم القائل: «لا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»، فقال (عليه السلام): «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ، نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ»[1] ؛ حيث استعملوا لفظ «الحُكْم» وأرادوا به سلب الإمارة والدولة والنظام. ومقتضى التحقيق أنه مع حصرية الحكم والتشريع والصلاحيات التامة به تبارك وتعالى، فلا مناصَ من وجود وسائطَ إلهيةٍ في الأرض، ولا بد من تحقق الرسل، والإمام، والقائد، والخليفة، لإنفاذ ذلك التدبير.
ويُبين أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه الضرورة الوجودية للإمام المنصَّب من قِبَل الله تعالى بحسب الواقع الشمولي للأرض، كما يرشد إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[2] ، إذ تتجلى هنا ضرورتان:
• الضرورة الأولى: ضرورةٌ تكوينية للأرض قاطبةً بألا تخلو من حجة، «إِذْ لَوْ بَقِيَتِ الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ لَسَاخَتْ»[3] .
• الضرورة الثانية: ضرورةٌ تدبيرية تتمثل في الدولة الظاهرية التي تدير شؤون السطح الظاهر من المجتمع الإنساني.
وتأسيساً على ما قررناه آنفاً، فإن من البديهيات المسلَّمة في العلوم السياسية، والقانونية، والاجتماعية، والإنسانية، أن النظام والحكم والحكومة ذو طبقات متعددة من جهة، وميادين وبيئات متباينة من جهة أخرى؛ وهو أمرٌ بالغ الأهمية في تصور موضوعات الفقه السياسي. فهذا المبحث ليس مبحثاً فقهياً صرفاً، ولا كلامياً عقائدياً بحتاً، بل هو أمرٌ بين الأمرين يجمع بين الحقلين؛ ومن ثَمَّ تبرز الضرورة إلى قيام دولةٍ باطنية لا تحيط بها الدول الظاهرية للبشر، وهي الدولة الخفية الحقة للإمام المعصوم (عليه السلام).
حكومة القضاء والقدر ومسار التكامل في الرجعة
وإذا أردنا توسعة الخارطة المعرفية استناداً إلى بيانات القرآن الكريم وروايات أهل البيت (عليهم السلام)، نجد طبقةً أعمق من طبقات الحكومة والنظام، تمثل جوهر قضية «لا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»، وهي «حكومة القضاء والقدر» الإلهي. وهذه الحكومة فوق مرتبة حكومة قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[4] ؛ ولعل التعبير بـ«لا حكم إلا لله» جاء ناظراً بالأساس إلى الحكومة التكوينية للباري عزَّ وجلَّ، وإن كان سبحانه وتعالى نافذَ الحكم والإرادة في جميع الطبقات وسائر الشؤون، وهي طبقةٌ مناظرة لحكومة ليلة القدر في نظامها ونفوذها الخاص.
والمتحصل من ظاهر أدلة الرجعة[5] : أن تكامل مسار حكومات أهل البيت (عليهم السلام) في الرجعة على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يبلغ حداً تغدو فيه حكومة خليفة الله في الأرض مطابقةً ومحاذيةً بالدقة لحكومة القضاء والقدر الإلهي. وهذه الرؤية الفلسفية المعمقة لم تُطرق في الفكر الإسلامي من قبل، على الرغم من تصريح أهل البيت (عليهم السلام) بها وبيانهم لأصولها، وهي بحق من نفائس معارفهم (عليهم السلام) في فلسفة النظم وأنماط الحكومات.
والنتيجة: إن المرتبة الأولى من مراتب الحكومات الإلهية التكوينية هي حكومة القضاء والقدر، وتكامل حكومة خليفة الله في الأرض ومسيرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) يتدرج في الرقي والاتساع، حتى إن دولة الظهور المهدوي لن تكون في مبتدئها هي حكومة القضاء والقدر التامة.
حكومةُ سيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام) — وهو أوّل مَن يرجع من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) — لن تكون حكومة القضاء والقدر، وكذلك حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام) الأولى؛ مع أنّ أكثر إمامٍ له حكمٌ في الرجعة هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كما استفيد وتواتر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) في شأنه: «أَنَّهُ صَاحِبُ الدُّوَلِ وَصَاحِبُ الكَرَّاتِ»[6] ، يدير ويدبّر شؤون الأرض وأهلها.
حكومات الرجعة واشتداد التكليف في العوالم الباطنية
وقد ذُكِر في روايات الرجعة أنّ من أعظم حكومات أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرجعة حكومةَ العصا والميسم، وتسمّى بحكومة دابّة الأرض، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾[7] ؛ وهذا المبعوث الإلهيّ إنسانٌ ناطقٌ يتكلّم نيابةً عن السماء وعن الله تعالى.
والدلالة هنا: أنّ إخراجه من الأرض لا من الأرحام دلالةٌ على الرجعة وإحياء الموتى من القبور، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾[8] ؛ فالبعث من الأرض لا يقتصر على القيامة الكبرى.
تنبيه: من يتوهّم أنّ الرجعة تناسخٌ فهو مخطئ؛ فالرجعة ليست بعثاً من الأرحام، وإنّما هي إحياءٌ من الأرض كبصمةٍ معرفيّةٍ في القرآن الكريم.
وهذه الحكومة التي تمثّل ذروة حكومات أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرجعة، والتي يُستفاد من الروايات أنّ لها ثلاث طبقات، تكاد تقترب سلطتُها ونفوذُها من حكومة القضاء والقدر الإلهيّ؛ حيث يحاسب القضاء والقدر نيّات الإنسان، فمن نوى خيراً فخيرٌ ومن نوى شرّاً فشرّ، والإنسان مكلَّفٌ بالنيّة، والقلب موردٌ للتكليف. ومضمون الروايات: «مَنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ زَادَ اللَّهُ فِي رِزْقِهِ»[9] ، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلَّا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ»[10] ، وهو ما يقرؤه المتوسّمون في علم التوسّم[11] عند أهل البيت (عليهم السلام).
والحاصل: أنّه سيأتي زمانٌ يُشدَّد فيه على الإنسان في تكليفه بالنيّات والخواطر، حيث تبلغ حكومات أمير المؤمنين (عليه السلام) ذروتها في الاقتراب من حكومة القضاء والقدر الإلهيّ بالمحاسبة على النيّات والخواطر؛ والتكليف في اشتدادٍ مستمرٍّ لا في انخفاض، وخلافاً لما يُتوهَّم فإنّه لا ينقطع بالموت، بل يشتدّ ويتدرّج في عوالم ما بعد الموت.
إنّ التكليف في اشتدادٍ مستمر؛ فالرجعة أشدّ تكليفاً من البرزخ، والبرزخ أشدّ من دار الدنيا، وفي الرجعات تدريجٌ وارتقاء، والقيامة أشدّ من الرجعة، وما بعد القيامة أشدّ وأعظم، وإنّما يُهيَّأ الإنسان في كلّ نشأةٍ لما هو أعظم منها؛ وحيث إنّ الشريعة حدّها ينتهي إلى القيامة، فإنّ التكليف بالدين — بوصفه وظائف قلبية — باقٍ مستمر، وموضوع وظائف الدين هو القلب لا الجوارح والبدن؛ فالشريعة متوجّهةٌ إلى ظاهر البدن والدين متوجّهٌ إلى باطن القلب، والقلب هولٌ مهول.
وكلّما توغّل الإنسان في العوالم العلويّة اشتدّ الأمر والخطب؛ ولذا ورد في المنقول عن جبرائيل لسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله): «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مَا بَعْدَ المَوْتِ أَطَمُّ وَأَطَمُّ مِنَ المَوْتِ»[12] ، ومقتضى أحد وجوهه تشديد الحساب؛ لأنّ ملكوت الله تعالى الحساب والتكليف فيه أشدّ وأدقّ من عالم الأرض، فالأرض أخفّ العوالم مؤونة، وفي الحديث النبوي أنّ ما بعد الموت طاماتٌ تتوالى إلى أن تأتي القيامة وهي الطامة الكبرى؛ فالموت طامةٌ صغرى، وما بين الموت والقيامة طاماتٌ مترتّبة. فبذلك تكون الشريعة تكليفاً وتمهيداً لحقائق تكليف الدين الذي موضوعه والمخاطب به هو القلب، ويستطيع العبد في دار الدنيا أن يشرع في رياضات القلب ومجاهداته، وتلك إشارةٌ إلى عظيم شأن هذه الرياضات القلبية التي أُصّلت قواعدها في الكتاب المجيد وسنّة النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، وهي أبحاثٌ قلّ الخوض فيها مع كونها مبثوثةً في تراث الوحي.
والحاصل: أنّ أعظم الحكومات هي حكومة القضاء والقدر، وحكومات أهل البيت (عليهم السلام) في الرجعة تتصاعد وتترقّى حتى تبلغ ذروتها ملامِسةً لحكومة القضاء والقدر.
ودون ذلك حكومة الأرض الخفية: وهي دولة الإمام المستفادة من قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[13] ، فهذه طبقةٌ ثانية من الحكومة الإلهية، وبينهما مراتب وطبقات.
وأمّا الطبقة الثالثة: فهي التي أشار إليها أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي أصل النظم السياسي الظاهر؛ فعندما رفع الخوارج شعار: «لا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»، ردّ عليهم (عليه السلام) بقوله: «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ، نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ»[14] ؛ ومآل دعوى الخوارج باطل، ومغالطة الوهابية والخوارج مشتركة في هذا المورد، إذ يرجع كلامهم إلى نفي الواسطة بزعم: «لا أمير إلا الله»، وهذا الإطلاق ممتنعٌ في حقّه تعالى؛ فالبارئ عزّ وجلّ ينصب الأمير ولا يوصف بكونه أميراً، كما أنّه سبحانه مُرسِلٌ ولا يوصف بكونه رسولاً، وإنكار وسائط التدبير ورسالة الرسول يفضي إلى القول بأنّ يد الله مغلولة، ويد الله إنّما هي مظاهر تصرفاته وأفعاله عزّ وجلّ.
وعليه فلا يستقيم الاعتقاد بصفات الله الذاتية مع تعطيل الصفات الفعلية؛ فإنكار صفات الفعل في مقام الأفعال خروجٌ عن جادة التوحيد، بل المدار على لزوم الاعتقاد به سبحانه في مقام الذات، وفي مقام الصفات الذاتية، وفي مقام الأفعال[15] .
لا بدَّ من الاعتقاد به تعالى في مقام الذات، وفي مقام الصفات الذاتية، وفي مقام الأفعال؛ وفي مقام الأفعال فإنَّ اليد ليست صفة ذات وليست جزءاً من الذات، فالقول بأنَّ اليد جزءٌ من مقام الذات باطلٌ وتجسيم، كما أنها ليست من مقام الصفات الذاتية، بل «يد الله» من مقام الصفات الفعلية للباري تعالى. وقد ورد ذكر «يد الله» في القرآن الكريم في خمس آيات، كما في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[16] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾[17] ، وغيرها؛ فيد الله ليست في مقام الذات ولا هي من الصفات الذاتية، بل هي من مقام الأفعال لله تعالى.
وحين قالوا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، جاء الرد الإلهي: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾[18] ، أي متصرفتان؛ وهذه المقولة تدحض مقالات الخوارج، والوهابية، والمجسِّمة، فالإمامة ليست من صفات الذات ولا جزءاً منها، وإنما هي من صفات الفعل، وصفات الفعل تُضاف إلى الذات كـ«وجه الله»، و«جنب الله»، و«عين الله»، والغضب، والسخط، فكلها أفعالٌ لله تعالى مضافةٌ إليه، والادعاء بأنَّ مقام الأفعال هو عين الذات أو عين الصفات ادعاءٌ باطل، بل هذه الأفعال مخلوقاتٌ تمثل الظهور الإلهي، وتمثل الخليفة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [19] ، فلا يمكن في مقام الفعل فرضُ أنَّ الفعل هو عين الذات، ومن هنا نشأت مغالطة الخوارج.
والحاصل: إنَّ فلسفة الحكم مبحثٌ معرفي، وحين قال الخوارج: «لا حكم إلا لله»، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ»[20] ؛ حيث دخل أمير المؤمنين (عليه السلام) في صلب مبحث الحكومة والنظام السياسي مؤصِّلاً إياه بنظرية معرفية مرتبطة بالعقيدة، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [21] ، فالإنكار هنا إنكارٌ للفعل الإلهي وليس لآدم أو الخليفة فقط، كما قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾، فلا يصح التشبيه في مقام الفعل بجعله جزءاً من الذات، ولا يصح التعطيل بالقول إنَّ يد الله مغلولة، فكلاهما باطلٌ في مقام الفعل.
ضرورة الدولة الظاهرة وقاعدة انفكاك الضرورة عن المشروعية
وفي هذا المبحث لا يشير أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الدولة الإلهية الخفية فحسب، بل يشير إلى الدولة الظاهرة أيضاً؛ فإلى جانب ضرورة طبقات الحكم والنظم المتمثلة في الحكومة التكوينية، وحكومة القضاء والقدر، والحكومة الإلهية الخفية بيد الإمام والحجة في الأرض وخليفة الله، تأتي الدولة الظاهرة بوصفها ضرورةً والطبقة الثالثة من الحكم.
والقاعدة هنا: أنَّ هذه الضرورة تقتضي أنه: «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ»[22] ؛ فلأصل قيام المجتمع المدني وعيش الإنسان لا بدَّ من وجود أمير بر أو فاجر يُعمل في إمرته وإدارته وتدبيره، فلا تكفي الدولة الخفية التي: «لَوْ بَقِيَتِ الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ لَسَاخَتْ»[23] بل إنَّ الدولة الظاهرة ضرورةٌ قائمة، سواءٌ كانت دولة برٍّ أو دولة فاجر.
فإذا أُريدَ مقامُ الطبقة الثالثة من الحكومة، فإنّ تلكم الحكومة تمثّل ضرورةً قائمة، وأمّا في الظاهر فقد ورد في الحديث: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ -أي المنكر السياسي- أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»[24] ؛ فاستيلاءُ الأشرار ضرورةٌ تكوينيةٌ ناشئةٌ عن ترك الواجب والقعود عن المسؤوليّة.
والقاعدة هنا: أنّ الضرورة التكوينيّة لا تُساوق المشروعيّة والحلّيّة بحال؛ إذ يقع خلطٌ وشبهةٌ عند البعض حين يتوهّمون أنّه متى ما قامت ضرورةٌ كانت ملازمةً للمشروعيّة، والواقع أنّها ضرورةٌ تكوينيّةٌ واقعيّةٌ وليست ضرورةً شرعيّة.
الشواهد القانونية والسياسية على انفكاك التكليف الوضعي عن الشرعية
وفي مباحث علم القانون، يقع التمايز جليّاً بين «ضرورة الفعل» و«صلاحيّة الفعل»، وهو نظيرُ ما هو مقرّرٌ اليوم في القوانين الدوليّة الوضعيّة؛ من أنّ الدولة إذا احتلّت دولةً أخرى، فإنّ مسؤوليّة حفظ أمن البلد المُحتَلّ وإدارة شؤونه تقع على عاتق دولة الاحتلال، مع الجزم بأنّ هذا الاحتلال غيرُ مشروعٍ في أصله. وعلّة هذا التقنين: أنّه ما دام زمامُ نظام البلد قد صار بيد قوّة الاحتلال، ترتّبت عليها المسؤوليّات الحتميّة؛ فاحتلالُها غصبٌ وعدوانٌ يستوجب المسؤوليّة والمؤاخذة، وتفريطُها في حفظ نظام البلد وإدارته يمثّل مسؤوليّةً وجُرماً آخر أشدّ نكارةً. وعليه، فإنّ الحكومة المحتلّة تقع على عاتقها تكاليفُ حفظ النظام، ولا يعني إلزامُها بذلك إضفاءَ أيّ مشروعيّةٍ على واقع الاحتلال، بل تتضاعف عليها المسؤوليّات فضلاً عن المسؤوليّة الأصلية القاضية بوجوب تحرير البلد من براثن غصبها؛ نظراً لكونها قد سلبت أبناءَ البلد قدرتَهم على إدارة شؤونهم بأنفسهم.
والشاهد الآخر: ما هو مقرّرٌ في القانون الدوليّ أيضاً؛ فإذا شنّت دولةٌ حرباً عدوانيّةً على دولةٍ أخرى، فإنّ الدولة المعتدية تكون مسؤولةً ومؤاخَذةً على أصل شنّ العدوان، وفي الوقت ذاته تقع على عاتقها مسؤوليّةٌ أخرى متعيّنةٌ في أتون المعركة، وهي الامتناعُ عن ارتكاب جرائم حرب؛ إذ إنّ جرائم الحرب تمثّل عنواناً لعدوانٍ أطغى وأعظمَ من مجرّد عدوانيّة الحرب، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ﴾[25] . فإذا أقدمت الدولةُ على العدوان، كان أصلُ فعلها محرّماً باطلاً، غير أنّ ارتكابَها لجرائم الحرب يستتبع مؤاخذاتٍ وعقوباتٍ مشدّدةً إضافيّة؛ لأنّ ملفّ جرائم الحرب ملفٌّ مستقلٌّ تماماً عن ملفّ مشروعيّة أصل الحرب.
وكذلك الحال في حقّ الدولة المُعتدَى عليها حين تمارس حقّها الطبيعيّ في الدفاع؛ فإنّ ممارستها لحرب الدفاع مشروطةٌ بعدم ارتكاب جرائم حرب؛ إذ إنّ المظلوم -حتى في مقام دفع ظُلامته وردّ العدوان عن نفسه- مقيّدٌ باتّباع أُطرٍ وضوابطَ شرعيّةٍ وقانونيّةٍ محدّدة، كما قال عزّ من قائل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾[26] .
والحاصل: أنّ التوصيف الأوّليّ للحرب -من حيث كونُها عدوانيّةً محرّمةً أو دفاعيّةً مشروعة- أمرٌ، ورعايةَ الضوابط وقواعدِ الاشتباك وعدمَ ارتكاب الجرائم أثناء إدارتها أمرٌ آخرُ مستقلّ؛ فهذا التكليف بالانكفاف عن جرائم الحرب يتوجّه إلى الظالم المعتدي كما يتوجّه إلى المظلوم المُعتدَى عليه على حدٍّ سواء.
حتى في الدفاع ميزان، وكذلك في العدوان؛ فإذا كانت الدولة المعتدية قد ارتكبت علاوة على حربها العدوانية جرائم حرب، فإنها تكون قد ارتكبت ظلمين وتكون العقوبة أشد، وإذا راعت الدولة المعتدية ألا ترتكب جرائم حرب، فلا يعني ذلك أن حربها صارت مشروعة، بل راعت عدم ارتكاب جرائم إضافية، وهذا لا يجعلها عادلة لأن أصل الحرب عدوانيّ.
وكذلك الحال إذا كانت هناك دولة محتلة، وتلك مسألة دقيقة في عالم القانون وفروضه وصوره؛ فإن تفكيك الملفات من أخطر بحوث الفقه السياسي سواء في النظرة القانونية أو النظرة الشرعية، والمقصود به تفكيك الملفات والطبقات والأفعال، فالدولة المحتلة لدولة أخرى تقع عليها مسؤوليات تنظيم المجتمع، ولا يعني قيامها بتنظيم المجتمع أن تصدّيها لذلك مشروع، بل هو غير مشروع في حينه ولكن لا بد منه، وهو شبيه بحكم من توسط في الدار المغصوبة[27] ، وهذه من فنون علم القانون والتقنين والتشريع، وتحديداً في الفقه السياسي.
فالضرورة العقلية والتكوينية شيء، والحلّية والشرعية شيء آخر، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾[28] ، وهو تعبير معجز يفترض وجود اضطرار لباغٍ ولمعتدٍ، فرغم كونه معتدياً إلا أن هناك ضرورة قائمة لا بد من ارتكابها وإلا عوقب عقاباً أشد، كإنسان ذهب بسوء اختياره إلى البراري دون مؤونة فاضطر إلى أكل الميتة، فهنا حصل الاضطرار بسوء اختياره، والقرآن لا ينفي وجود الضرورة، بل يعدّها ضرورة باغٍ، وهذه من اللطائف العظيمة في التقنين وفي أحكام العقل؛ فالضرورة لا تعني الشرعية.
لذا لا يصح لأصحاب تبرير الخطأ والانحراف الاعتذار بوجود الضرورة؛ فالضرورة أمر والمشروعية أمر آخر، فإن قيل: بوجود ضرورة للتعامل مع المحتل، قلنا: هذا لا يعني إضفاء المشروعية عليه، بل يجب السعي لرفع الضرورة لا تشريعها، وهذا هو منطق القرآن ومنطق القانون الدولي في مسؤوليات دولة الاحتلال أو في الحرب العدوانية والدفاعية، حيث توجد مقررات ونظم يحكم بها العقل والعقلاء والدين.
والحاصل: إن تفكيك هذه الملفات مهم جداً؛ فالضرورة متحققة ولكن المشروعية منتفية، ومن ذلك ما وفقنا لكتابته منذ خمسة وعشرين عاماً في الرد على مقال نُشر في مجلة واسعة الانتشار، كان يروم إثبات شرعية سلطة الشيخين بدعوى الضرورة، في حين أن مساهمة أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت لحفظ ضرورة النظام، ونظام محمد (صلى الله عليه وآله) ليس نظام السقيفة، مما يوجب التفكيك بين الأمرين، وهذه المباحث في فلسفة الفقه السياسي من الجهة العقلائية بالغة الأهمية؛ فالضرورة شيء والمشروعية شيء آخر، وطبقات الحكم والنظم في نظر الوحي تؤكد أن الضرورة لا تستلزم المشروعية.
إنَّ نفس هذا التشريع الإلهيِّ معجزٌ في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [29] ، وفيه دقّةٌ بالغةٌ في التقنين الإلهي؛ ومقتضى ذلك ما استقرّ عليه الإدراكُ العقلائيُّ والبشريُّ المعاصر، من أنّ الدولة المحتلّة تترتّب عليها مسؤوليّاتٌ وحقوق، وحتى مع التورّط في احتلالٍ غاشمٍ لا مشروعية له، تقع على عاتقها مسؤوليّةُ حفظ أمن البلد ونظامه، لئلّا يؤول الأمرُ إلى الهرج والمرج وسفك الدماء وتفشّي العدوان.
والحاصل: أنّ هذا المبحث يمثّل رأس العنقود في مباحث الفقه السياسي، وتلك الكلمةُ الجامعة لأمير المؤمنين (عليه السلام): «وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[30] ، هي رأسُ عنقود البحث وقاعدتُه الكبرى في الفقه السياسي ونظريّة الدولة.