48/03/10
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الفقه السياسي لنهضة عاشوراء: ضرورة إقامة النظام وبناء القوة ودحض شبهة الخوارج
دحض شبهة الخوارج وضرورة الواسطة والحاكمية
كان الكلام في أنّ بناء القوّة أمرٌ ضروريٌّ في كيان المسلمين والمؤمنين، وأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في جواب شبهة الخوارج حين رفعوا شعار «لا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»، مبيّناً أنّ غرض الخوارج في الحقيقة هو: «لا إمرة إلا لله»، وهذا أمرٌ باطل؛ فكيف لا إمرة إلا لله؟! وهو شبيهٌ بشبهات الوهّابيّة؛ فإنّ قولهم: «لا حكم إلا لله، ولا أمير إلا لله» هو بعبارةٍ أخرى جحودٌ وإنكارٌ للواسطة بين الله وخلقه.
ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ، نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ»[1] ، فليس مرادهم الحكمَ بمعنى التشريع أو الحاكميّة والولاية؛ إذ سواءٌ كان الحكم بمعنى الولاية أو التشريع أو السلطة القضائيّة، فإنّ أصل أصالتها لله تعالى وهذا صحيح، ولكنّ هؤلاء يقولون: إذا كانت الولاية لله فلا ولاية لرسول الله، لأنّ كلامهم هذا يشمل حتى حاكميّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهي الفكرة نفسها المعشعشة لدى الوهّابيّة ولدى الخوارج، والحال أنّه لا بدّ من وجود وساطةٍ بين الخلق وبين الله تعالى.
إنّ حصر الولايات أصالةً ورأساً ومركزياً به تعالى صحيح، لكنّ هذا لا ينفي تخويل الله لرسوله ليكون الواسطة بينه وبين خلقه، ولأجل ذلك بعث الله الأنبياء والرسل؛ فالكفر بالواسطة والوسيلة والخليفة والنائب والشفيع هو في الحقيقة جعلٌ ليد الله مغلولة؛ لأنّه ليس كلّ أحدٍ يتّصل به تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾[2] .
فعندما يقول هؤلاء: «لا إمرة إلا لله»، أي إنّ الأمير يجب أن يكون هو الله، فكيف يباشر البشرُ الباريَ تعالى وهو ليس بجسم؟! وما هي طريقة التواصل بين البشر وبينه عزّ وجلّ؟! إنّ الرسل وخلفاء الله وأوصياءه مزوّدون بوسيلة الاتّصال مع الله عزّ وجلّ، ولكنّ هذه الوسيلة لا يهيّئها الله عزّ وجلّ للكلّ، كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾[3] .
بل إنّ الله عزّ وجلّ جعل بينه وبين سائر أنبيائه سيّدَ الرسل واسطةً، كما جعل بين الطبقات النازلة من سيّد الرسل وبينه تعالى جبرائيل وميكائيل وإسرافيل واللوح والقلم، وبضرورة الدين -إلا من شذّ- فإنّ سيّد الرسل أفضل من جبرائيل بلا شكٍّ في حقيقة نوره وأصله، لكنّ هذا لا يعني عدم ضرورة وساطة جبرائيل إلى الطبقات النازلة لسيّد الرسل، مع أنّ جبرائيل لا يستطيع أن يأخذ من الغيب كما يأخذ سيّد الأنبياء من بواطن الغيب، وتشكيلة هذه المنظومة في الوحي تحتاج إلى دراسةٍ لم يخض فيها كثيرٌ من المتكلّمين أو الفلاسفة أو العرفاء، بالشكل الذي يجده الباحث في بيانات القرآن وأهل البيت (عليهم السلام)، ووجود هذا العالم -عالم الواسطة- أمرٌ ضروريٌّ لا بدّ منه.
الضرورة التكوينية لقيام النظام وحفظ السلطات العامة
إنَّ وجود عالَم الواسطة هذا أمرٌ لا مناص من الالتزام بضرورته، ولأجل ذلك بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) حقيقة الأمر ردّاً على مقالة الخوارج فقال: «وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ»[4] ، فكيف يسوغ إنكار وجود الأمير الواسطة الذي يُدار به نظام المجتمع؟! ومقتضى هذا البيان يطال بالنقض أيضاً مسلك من ينكر وجوب إقامة الحكومة في عصر الغيبة الكبرى؛ إذ إنَّ وجود الأمير ضرورة اضطرارية وقضيّة تكوينية حاكمة فوق عالم الجعل والتشريع.
وغاية هذه الضرورة: ما أفاده (عليه السلام) بقوله: «وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الْأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ»[5] ؛ ومفاد ذلك أنّ قوام مؤسسة الإمرة يبلغ من اللزوم مبلغاً بحيث يمثّل وجود الحاكم الفاجر حدّاً أدنى لدفع غائلة الهرج والمرج وفوضى الانفلات، إذ تنهض بأعباء الوظائف الأصلية لسلطات الدولة. وتأسيساً على هذا، لا بدَّ من قيام نظام؛ وهو عين ما عبّر عنه سائر المتكلمين والحكماء بقاعدتهم: «إنَّ الإنسان مدنيٌّ بالطبع»[6] ، أي إنَّه مفتقر تكويناً إلى النظام الاجتماعي، وتلك ضرورة لا خيار فيها ولا محيد عنها.
والحاصل: أنّ بيان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقرّر أنّ بناء القوّة العسكرية ضرورة، ووجود السلطة القضائية الصارمة ضرورة، واستقرار إدارة الأمن الداخلي ضرورة، وتنظيم إدارة الاقتصاد والمالية ضرورة؛ فجمع الفيء يرتبط بوزارة المالية وعصب الاقتصاد والتجارة، وقتال العدو يمثّل مهام وزارة الدفاع والقوّات المسلحة، وتأمين السبل من وظائف وزارة الداخلية، وأخذ حقّ الضعيف من القوي يمثّل السلطة القضائية بحذافيرها. وهذه الوظائف يراها أمير المؤمنين (عليه السلام) ضرورة تكوينية وبديهة عقلية سابقة رتبةً على الوجوب التشريعي والقانوني، وحيث كانت كذلك فلا يسوغ التخلّي عن تحمّل هذه المسؤولية بحال؛ إذ المآل دائرٌ بين أن تُترك للأشرار فيعيثوا فساداً، أو يتصدّى لها الصلحاء والأخيار حتماً.
وتفريعاً على ذلك: فإنَّ هذه المسؤوليات تتفاوت مراتبها بنحوٍ نسبي؛ فتارةً ينهض الفرد باختراق النظام القائم وتحمّل المسؤولية فيه لدرء المفاسد وجلب المصالح، كما صنع علي بن يقطين حين تولّى الوزارة[7] ؛ وتارةً يكون الدخول بعمقٍ وتغلغلٍ واسع كما وقع لنبي الله يوسف (عليه السلام) حين استلم خزائن الأرض ليمارس تأثيراً شاملاً في سائر المفاصل؛ وتارةً تتجلّى في الأدوار التي مارسها أمير المؤمنين (عليه السلام) في حفظ بيضة الإسلام وإدارة التوجيه حتى في عهد الخلفاء المتقدّمين عليه، أو كما صنع الأئمة (عليهم السلام) إبّان سلطة بني أمية وبني العباس. فالأصل هو صيانة النظام العام وعدم السماح بزعزعته، سواء تحقّق ذلك بحدٍّ أدنى من الصلاح مع بقاء الأشرار، أو بحدٍّ وسطي، أو بحدٍّ فوقي متكامل الأركان.
والشاهد على ذلك: ما استفاضت به الروايات الشريفة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجلّها مرويٌّ عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) كما في كتابي الكافي والتهذيب والاستبصار، وكذا عن أمير المؤمنين وسائر الأئمة (عليهم السلام)؛ حيث ورد فيها: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ [فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ]» [8] [9] ؛ فإنَّ الغاية القصوى والهدف النهائي لتشريع هذا الباب العظيم إنَّما هو إرساء دعائم النظام في دار الإسلام والإيمان لتكون مقاليده بيد الصالحين لا بيد الأشرار والفاسقين. فتولّي العدول رأس المعروف، وأعظم منكر في المقابل هو تسلّط الأشرار على دفّة الحكم والسلطة، ولأجل اجتثاث هذا المنكر استهدف سيّد الشهداء (عليه السلام) رأس الهرم المتمثّل بيزيد.
استهداف رأس السلطة وبناء القوة في المنهج النبوي
استهدف إبراهيم (عليه السلام) نمرود، كما استهدف موسى (عليه السلام) -وهو من أولي العزم- رأسَ السلطة متمثّلاً بفرعون ووزيره هامان، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾[10] ؛ إذ إنّ رأس السلطة والنظام السياسي يمثّل أمراً في غاية الأهمّيّة. وكذلك صنع سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله)؛ حيث أسقط النظام السياسي الجاهلي الحاكم في الحجاز بل في الجزيرة العربيّة برُمّتها، وأبدله بنظامٍ إسلامي. وإلا فما الوجه في تصعيد قريش لموقفها في العهد المكّي؟ ولماذا استشعرت الخطر فعزمت على سجن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أو قتله أو إخراجه، على نحو ما حكاه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾[11]
والسبب في ذلك: أنّهم أدركوا أنّ سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله) سيسحب بساط السلطة من أيديهم عبر القوّة الناعمة، لتؤول مقاليد القيادة إليه. فحتى في العهد المكّي لسيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله) -وإن لم تكن ثمّة حروبٌ معلنة أو إقامةُ دولةٍ في العلن- فإنّه (صلّى الله عليه وآله) كان يسحب بساط السلطة بتلك القوّة الناعمة؛ ومقتضى ذلك أنّ مشروع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يكن مقتصراً على بُعدٍ فردي فحسب، ولا محصوراً في إطارٍ فكري أو اجتماعي مجرّد، بل هو مشروعٌ يمتدّ في مآله وغايته ليشمل النظام السياسي والعسكري وسائر هذه الأبعاد.
وأمّا في المدينة المنوّرة: فالأمر جليّ؛ إذ أدار سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله) في غضون عشر سنين زهاء ثمانين حرباً، فواجه حروب المعتدين بالدفاع والمواجهة الميدانيّة لا بالسلم والاستسلام. وإنّما عَدَل عن هذا الأسلوب في مكّة المكرّمة لعدم توافر الجهاز الميداني والإمكانات اللازمة حينئذٍ، فكان العهد المكّي مرحلة إعدادٍ وتأسيس للعهد المدني. فلمّا قامت الدولة واستحكمت قوّة الإسلام ومنعته، لم يستسلم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، بل ردع العدوان عن المسلمين والمؤمنين ولو باستدامة خوض ثمانين أو ستٍّ وتسعين حرباً في مجابهة الشرك والعدوان.
تنبيه: لا ينبغي الظنّ بأنّ العهد المكّي قد خلا من إعداد القوّة وبنائها؛ فإنّ الجانب الفكري والثقافي ركنٌ أساس في إعداد القوّة وركيزتها الأولى، إلى جانب بناء القوّة الاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة. ولم يقتصر سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله) على التنظير والفكر على عظم شأنهما، بل أخذ الوجود الإسلامي ينفذ ويتغلغل شيئاً فشيئاً في النسيج المجتمعي لقريش؛ ولهذا السبب فرضوا حصار شِعب أبي طالب، وهو وثيقةٌ لم تقتصر مفاعيلها على المقاطعة الاقتصاديّة والماليّة، بل شكّلت حصاراً اجتماعيّاً وأمنيّاً وعسكريّاً استمرّ ثلاث سنوات كاملة، لمنع القبائل من التواصل بسيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله)، ومع اشتداد وطأة ذلك الحصار والضغط البالغ، لم يتزلزل مشروع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قيد أنملة.
ولم يُورث ذلك الحصار في نفوس المسلمين ندامة أو وهْناً، على الرغم من شدّة وطأته وقسوته؛ إذ كان حصار شِعْب أبي طالب حصاراً سكنيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً بالغ الشدّة، بل يصحّ توصيفه بأنّه إجلاءٌ وقسْر؛ حيث ألجأت قريشٌ بني هاشم ورسولَ الله (صلى الله عليه وآله) إلى مغادرة مكة والالتجاء إلى الشِعْب، ومع ذلك كلّه ثبت سيّد الرسل (صلى الله عليه وآله) على موقفه ورسالته في تلك المرحلة التأسيسية من برعمة الإسلام الأولى.
أبعاد الجهاد الشامل ومقام السيدة خديجة في المنظومة التشريعية
وحين يُتأمّل في الروايات الشريفة الواردة في بيان مقام السيّدة خديجة ومقام السيّدة فاطمة (صلوات الله عليهما)، تبرز مسألةٌ ترتبط بالفلسفة التشريعية؛ ومؤدّاها أنّ ولاية الزهراء والأئمة (عليهم السلام) على الخمس والفيء فُسِّرت في بعض وجوه الوحي بأنّها جُعلت عِوضاً إلهيّاً عمّا بذلته خديجة الكبرى (رضوان الله تعالى عليها) من أموالها وثروتها، ممّا يجعل خديجة داخلةً في عمق منظومة الإمامة والولاية التشريعية.
والشاهد على ذلك: ما ورد في الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) في بيان اصطفائها وعلوّ شأنها لمّا دخل على فاطمة (عليها السلام) وهي منزعجة: «إِنَّ بَطْنَ أُمِّكِ كَانَ لِلْإِمَامَةِ وِعَاءً»[12] ، فهي الوعاء الطاهر لفاطمة (عليها السلام) التي انحدرت منها ذرية الإمامة؛ ولذا كانت إحدى الصفات والنعوت الاصطفائية للإمام الحسين (عليه السلام) هي انتسابه إليها بقولهم: «يا بن خديجة الكبرى»، وهي مضامين عقائدية عالية لم يتّسع لجمهور المتكلّمين (رحمة الله عليهم) على امتداد القرون استيفاءُ شرحها وتفصيل مباحثها.
وليس هذا الطرح من باب العتب على المتقدّمين، بل لأنّ معارف الدين ذات عمق وغزارة لا تنفد، كما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «يَا عَلِيُّ، إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ»[13] ؛ والاعتقاد بأنّ ما حرّره الأعلام ونقّحوه يمثّل سقف المعارف الدينية وخاتمتها ليس تامّاً، بل الميزان أن يستند كلّ ما يتبلور من معارف واستنباطات إلى الأدلة البديهية والضروريات والمحكمات، وإلّا فإنّ أبعاد الدين ومقاصده تتجدّد بتجدّد آفاق الفهم والتدبّر.
والحاصل: أنّ مسألة إسناد الفيء وثروات الأرض وتشريع حق أهل البيت (عليهم السلام) فيها، وتعليل ذلك في بعض الروايات بما قدّمته خديجة الكبرى، يمثّل مَورداً يقتضي تحليلاً كلاميّاً وفقهيّاً معمّقاً[14] ؛ فقد انطلق الإسلام وقامت دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) مدعومةً بجهادها المالي المبارك، فأثابها الله تعالى بأن جعل هذه الصلاحية لنسلها الطاهر؛ ومقتضى ذلك أنّ الجهاد لا يسقط عن المرأة إلّا في بعده القتالي الميداني، أمّا الجهاد المالي والفكري والسياسي والأمني فإنّه تكليفٌ باقٍ في حقّها بتمامه.
أمّا أمّ هانئ بنت أبي طالب[15] ، فقد كانت مركز الأمن في دولة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهناك شواهد قطعيّة على ذلك؛ إذ كانت المخطّط الأمنيّ في دولة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وفي دولة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكذا في دولتي الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام). وهي أخت أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتمتّعت بعقليّة جبّارة في الشأن الأمنيّ هي وولدها، وكان لها دورٌ خفيّ في واقعة عاشوراء، كما كان لها ولولدها أثرٌ بارزٌ في نجاح ثورة المختار؛ وتلك هي طبيعة الدور الأمنيّ دومًا.
والحاصل: أنّ المرأة قادرةٌ على الاضطلاع بأدوارٍ كبرى، والجهاد الذي يسقط عن المرأة أو عن كبار السنّ إنّما ينحصر في الشقّ العسكريّ الميدانيّ، أمّا الجهاد الماليّ، والجهاد السياسيّ، والجهاد الفكريّ، والجهاد الأمنيّ، والجهاد الإلكترونيّ والتكنولوجيّ، فكلّها باقيةٌ على حالها، وهي واجبةٌ على المرأة والرجل على حدٍّ سواء.
وبتأسيسٍ على ما تقدّم، فقد عوّض الله سبحانه خديجة (عليها السلام) بهذه الصلاحيّة التشريعيّة؛ ومع أنّ السيّدة فاطمة (عليها السلام) أعظمُ شأنًا، إلا أنّ لأمّها دورًا محوريًّا، وقد ورّثتها الاصطفاء. ومع أنّ سيّد الشهداء (عليه السلام) أعظم، فإنّ ممّا يرد في أوصافه ومدايحه الاصطفائيّة: «السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ خَدِيجَةَ الْكُبْرَى»[16] ، وهي حقائق ومعتقدات ينبغي الوقوف على عمقها؛ إذ كيف يُمدح المعصوم بالصفات الاصطفائيّة وبجدارته في الإمامة بكون جدّته خديجة؟ وما كنه هذه العلاقة؟
ومثال ذلك: ما نجده في شأن الحمزة بن عبد المطلب وجعفر الطيّار (عليهما السلام)، حيث يستشهد النبيّ (صلى الله عليه وآله) بهما في خطبة الغدير وفي مواطن ومقامات خطابيّة عديدة؛ فما هو وجه الربط بين مؤهّلات سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وكون عمّه الحمزة، مع كونه (صلى الله عليه وآله) أعظم من الحمزة قطعًا؟ إنّ هذه المقامات تمثّل نجوم «الدائرة الاصطفائيّة الثانية»، وهي مراتب وطبقات لم يتّسع علم الكلام ولا علم التفسير ولا علم الفقه لاستيفاء مباحثها وتفسيرها إلى الآن، بل لا تزال قطعيّات خامًا وبديهيّات كامنةً لم تُفتق ولم تُبلور بعد.
والمتحصل: ضرورة العود إلى أنّ سيّد الرسل (صلى الله عليه وآله) كان يعكف في العهد المكّي على بناء المجتمع المسلم، وإعداد القوّة السياسيّة، وتشييد النظام السياسيّ والعسكريّ وإبرام التحالفات للمسلمين؛ فنفس إرسال المسلمين إلى الحبشة كان نمطًا من صناعة الأذرع الدوليّة وإقامة التحالفات لسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، وهو الأمر الذي أقلق قريشًا في المرحلة المكّية، حيث أخذوا يتوسّمون كيفيّة إنشائه للمجتمع والدولة والنظام. ومع أنّ بناء المجتمع أعظم من مجرّد تشييد النظام، إلا أنّ من النتائج الحتميّة لبناء المجتمع إقامة النظام وحفظه، ممّا يحتّم تواصل هذه المسيرة بصورةٍ تعاقبيّة.
والقاعدة هنا: أنّ قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[17] يمثّل قضيّةً بديهيّةً وضرورةً تكوينيّة قبل أن يكون تكليفًا تشريعيًّا. وحينما يُعبّر بلسان «لا بدّ»، فمفاده الإشارة إلى أمرٍ تكوينيّ فوق كلّ نقاش ولا يقبل التعطيل، وهو أحد ضوابط «الأمور الحسبيّة»[18] التي لا تُعطّل في زمنٍ من الأزمنة بحال. وتلك بديهيّةٌ محكمةٌ، يتعيّن معها تأويل كلّ روايةٍ أخرى أو لسانٍ معارض وحمله عليها؛ ولهذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ»[19] ، حيث اتّكأ الخوارج على كلمة حقٍّ لزعزعة ضرورةٍ تكوينيّةٍ دينيّة وتعطيل دعائم النظام، ومآل هذا الفكر اللامسؤول ينطبق في زماننا هذا على نحوٍ يماثل مسلك الخوارج في التفلّت والانفلات وغياب النظام والمنظومة.
مفهوم الواجبات النظامية ومسؤولية حفظ الكيان الإسلامي
إنَّ مسلك إسقاط المسؤوليّة العامّة تحت أيّ غطاءٍ كان يؤول إلى منطقٍ شبيهٍ بمنطق بني إسرائيل؛ إذ يُقال لسانُ حالهم: يا صاحب الزمان اذهب أنتَ وربّك فقاتلا، واصنعا الظهور، واصنع أنتَ وربّك وخواصّك العدل في الأرض، على حدّ حكاية القرآن الكريم عن قوم موسى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾[20] ، حتّى تُقرأ الآية القرآنيّة قراءةً معكوسة، فكأنّما فُضِّل القابعون في بيوت الطين والمَدَر على المجاهدين في ساحات الوغى — خلافاً لصريح قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[21] — ويُوصَم المجاهدون في سبيل الله بأنّهم فوضويّون متهوّرون.
والمتحصّل: إنَّ إعداد القوّة وبناء أركانها ضرورةٌ من ضرورات النظام الذي يعمل في إمرته المؤمن؛ فإذا كان الله تبارك وتعالى لم يتنكّر للموقف الجهاديّ لخديجة (عليها السلام)، بل جعل الصلاحيّات والمقامات لولدها فاطمة (عليها السلام) وذريّتها الطاهرة، فكيف يُتنكَّر اليوم لهذه القيمة الأصيلة ولهذا البناء؟ والحال أنّ الجوّ جوّ جهادٍ وشهادة، لا ارتماء في أحضان السفارات الأجنبيّة وممالأتها.
والمشكلة هنا: تكمن في توظيف كلمة الحقّ لأجل التوصّل إلى باطل، والتهاون بمسؤوليّة عظمى؛ وهي الحقيقة التي جلاّها أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «…وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الْأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ حَتَّىٰ يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ»[22] ، فإنّ سائر هذه الوظائف الأساسيّة للدولة يراها (عليه السلام) ضرورةً تكوينيّة وبديهةً عقليّة لحفظ النظام العام، وليست مجرّد تكليفٍ تشريعيّ تعبّدي بحت.
وقد تنبّه فقهاء الإماميّة (رضوان الله عليهم) إلى هذا المعنى في مباحث المكاسب المحرّمة[23] — كما في كلمات المحقّق النائيني، والشيخ الأنصاري، والسيّد الخوئي — حيث بيّنوا أنّ جملةً من الواجبات والمعاملات المبحوثة في حقول التجارة والاقتصاد والزراعة وسائر المهن ليس وجوبها تشريعيّاً صرفاً، بل هو وجوبٌ ناشئ من التوقّف التكوينيّ لحفظ النظام الاجتماعيّ عليه؛ وهو ما يُصطلح عليه بـ«الواجبات النظاميّة»[24] ، وهو مبحثٌ فقهيٌّ سياسيّ ذو شأنٍ خاض فيه الأعلام، ومآله عينُ ما قرّره أمير المؤمنين (عليه السلام) من لزوم حفظ النظام ودفع الهرج والمرج.
والحاصل: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يرى القوّة العسكريّة ضرورةً لا مناص منها، والقوّة الاقتصاديّة ضرورة، وبسط الهيمنة على ثروات البلد ومقدّراته ونفطه ضرورةً لازمة؛ إذ لو صارت الثروات خاضعةً لسيطرة العدوّ لأمسى المجتمع مستعبَداً بأسره. وقوله (عليه السلام): «وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ» يعمّ سائر الموارد السياديّة للبلد، فكيف يُسوّغ جعلها في قبضة الأجانب ليبقى البلد مستباحاً وتابِعاً لنفوذ الأعداء لا لمصالحه الذاتيّة؟!
والنتيجة: إنَّ وجود القوّة العسكريّة من أوكد الضرورات لحفظ الكيان، ومن هنا ينشأ قلق الأعداء منها ومحاولاتهم الحثيثة لتقويضها؛ فالأمر بيّنٌ جليّ لا لغزَ فيه ولا تعقيد، وباعث المساعي الرامية إلى نزع السلاح إنّما هو الخشية من شوكة هذه القوّة، فما معنى أن يستسلم المرء بالصمت والخنوع في حين لم تنكسر إرادته في ميادين المنازلة والمواجهة؟!
نقد ثقافة الاستسلام والتمييز بين المداراة الحكيمة والخنوع
إنَّ امتلاك القوَّة والسِّلاح مع الاستسلام بالصَّمتِ في ميادين المواجهة، بعد الثَّباتِ في المنازلاتِ العسكريَّة، يُثير تساؤلاً جوهريّاً حول معنى هذا الاستسلام؛ فهل حصرُ السِّلاح يُحقِّق الأمان؟ وهل استطاعت الدَّولة أن تُؤمِّن سيادة البلاد واستقرارها، وقد انتُزع نصفُ العراق سابقاً؟ فهل يُراد إعادة الكرَّة مرَّةً أخرى، وهل ثمَّة ضمانةٌ تمنع استباحته مجدَّداً؟
والواقع: يشهد بعدم وجود أيِّ ضمانٍ يدفع استباحة أجواء البلد وفضائه وثرواته ونفطه. وفي الوقتِ الذي تتَّجه فيه الدُّول المحاصَرة — كالصِّين وروسيا وغيرهما — نحو تأميم مواردها وإحكام قبضتها على نفطها، نجد التَّوجُّه هنا يسير نحو الخضوع والاستسلام ومزيدٍ من الاستضعاف، وهو ما يُنافي المسؤوليَّة الشَّرعيَّة والوطنيَّة.
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ»[25] ؛ إذ كثيراً ما تُرفع الشِّعارات الحقَّة لضرب حقٍّ آخر، نظير ما ورد في النَّهي عن ضَرْبِ القرآن بعضه ببعض[26] [27] ، وهو من التَّفسير بالرَّأي الذي زجر عنه أهل البيت (عليهم السلام)؛ حيث يُستعمل وجهٌ من الحقِّ لتقويض حقٍّ آخر، والحال أنَّ القاعدة المقرَّرة في كلامه (عليه السلام) هي: «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ»[28] ؛ ومقتضى ذلك وجوب سعي المؤمن الحثيث نحو إعداد القوَّة وبناء المنعة، لا الانحدار نحو الاستكانة والضَّعف.
وتأسِيساً على ذلك: فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾[29] لا ينحصر في ميدان القتال العسكريِّ المباشر، بل يعمُّ المنازلات الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة وسائر المواجهات النَّاعمة؛ فالفرارُ من مواقع القوَّة خطرٌ جسيم، كما أنَّ الأمر الإلهيَّ في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[30] لا يختصُّ بالعُدَّة العسكريَّة فحسب، بل إنَّ التَّولِّي والانهزام في الميادين السِّياسيَّة والاقتصاديَّة والإداريَّة والتَّفاوضيَّة منهيٌّ عنه شرعاً ومشمولٌ بالوعيد المترتِّب على تولية الأدبار.
بيدَ أنَّ البعض يتعامل مع قاعدةٍ مقلوبة، مفادها: أعدُّوا لهم ما استطعتم من ضَعفٍ وخضوعٍ واستسلام وانبطاحٍ وانهزام ويأسٍ وانكسارٍ وذلَّة؛ فتُقرأ الآية بصورةٍ معكوسة عبر التَّسابق نحو التَّنازل والوهن.
تنبيه: حين أمر الله تعالى نبيَّه موسى وأخاه هارون (عليهما السلام) بقوله: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ¤ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾[31] ، فإنَّ اللِّين هنا جُعل حكمةً لمقارعة الطُّغيان وكسره، لا للاستسلام له؛ فلا مساغ لتفسير المداراة بالخنوع، إذ المداراة تدبيرٌ أمنيٌّ وسياقٌ سياسيٌّ حكيم يروم عدم استفزاز العدوِّ بغية كسب الوقت وتنمية القوَّة الذَّاتيَّة، لا تكريس الضَّعف، ويجب التَّمييز بدقَّة بين مقتضيات الدِّين في المداراة الحكيمة وبين الانهزام والاستسلام.
وهذا المسلك ممَّا يُبتلى به كثيرٌ من النَّاس حين تُرفع كلمة حقٍّ يُراد بها باطل، وهو عينُ ما كابده أمير المؤمنين (عليه السلام) في أتون المواجهات العسكريَّة؛ حيث عمد فكر الخوارج إلى تثبيط الجيش وقلب النَّصر المتحقِّق إلى هزيمة، كما وقع في صفِّين حين غدا مالك الأشتر (رضوان الله عليه)[32] قاب قوسين أو أدنى من حسم المعركة وإسقاط طاغوت الشَّام، ففرَّق الخوارج الكلمة وثبَّطوا العزائم وحوَّلوا الظَّفر إلى نكسة، وهو درسٌ تاريخيٌّ شاخص يتكرَّر عبر العصور.