48/03/09
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الفقه السياسي لنهضة سيد الشهداء وعدم سقوط المسؤوليات الكبرى
أصل الولاية وباب السلطة في الشريعة
لا يزال البحث منعقداً في الفقه السياسي لنهضة سيّد الشهداء (عليه السلام):
تحرير محلّ النزاع: هل تعدّ النهضة العسكريّة لسيّد الشهداء (عليه السلام) حكماً استثنائياً ثانوياً، أم أنّها تُمثّل حكماً أوليّاً أصيلاً؟
وحيث ينجرّ البحث إلى مباحث الجهاد وتفريعاته، فإنّ التحقيق يقتضي الالتفات إلى أنّ باب الجهاد، أو باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السياسيَّيْن، أو باب السلطة القضائية، وكذا باب القصاص وسائر الأبواب التنفيذية، تندرج جميعاً في الحقيقة تحت أصلٍ جامع وبابٍ فوقانيّ أعلى، وهو «باب السلطة والولاية»؛ إذ لا مناص من وجود كيان ذي سلطان وقوّة وقدرة تدير الشأن الاجتماعيّ. وهو عين ما قرّره أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله: «…وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ…»[1] ؛ إذ بدون قيام القوّة وبسط السلطة في بنية المجتمع لا يمكن امتثال هذه الوظائف الاجتماعية، ولا استقامة الأنظمة المعاشية والتنظيمية للأمّة.
والشاهد على ذلك: ما بيّنه أمير المؤمنين (عليه السلام) من هذه الضرورة العقلية في مقام نقض شبهة الخوارج ومحاججتهم؛ إذ كانوا يكفّرون بكلّ حكومة ونظام وكيان، ويُنكرون شرعية كلّ حاكم سوى الله تعالى تحت شعار (لا حكم إلّا لله). فأوضح (عليه السلام) أنّ هذا الشعار في مفاده ومضمونه الذاتيّ حقّ، بيد أنّ توظيفه واستعماله على النحو الذي أراده الخوارج توظيفٌ باطل؛ وكم من قاعدة تشريعية أو أصلٍ علويّ يكون حقّاً في نفسه ولكنّه يُوظَّف باطلاً، ومآل توظيف الخوارج إنكار ضرورة أيّ سلطان ومشروعيّة أيّ قدرة نافذة تدير شؤون الناس.
وقد كشف أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك الموطن عن مواضع الالتباس التي يختلط فيها الحابل بالنابل[2] لدى الخوارج، وكذا لدى المتقاعسين عن النهوض بالمسؤوليات السياسية العامّة في مختلف الأعصار، تحت ذريعة أنّ التكليف الشرعي في عصر الغيبة الكبرى لا يشمل الشأن السياسي، وأنّ رعاية النظام ومصير الأمّة ليسا من مسؤوليّة عامّة المكلّفين؛ فيتوهّمون من ظواهر طوائف من الروايات أنّ وظيفة المؤمنين تنحصر في ملازمة البيوت، وتعطيل المسؤوليّات العامّة، وترك الأمور تجري على عواهنها. وتلك الدعوى هي بعينها المقالة التي أسّس لها الخوارج، والتي تصدّى أمير المؤمنين (عليه السلام) لإبطالها ودحض لوازمها.
والقاعدة المقرَّرة هنا: أنّه لا يسوغ استنباط معالم الدين وفهم منظومته التشريعية بالاقتصار على طائفة واحدة أو اثنتين أو ثلاث من الروايات والآيات، بل لا يصحّ ذلك ولو كانت تلك الطائفة متواترةً في نفسها ما دامت معزولةً عن سائر أبواب الشريعة؛ وقد حذّر القرآن الكريم من التبعيض في أخذ الدين والعمل ببعضه دون بعض، فقال عزّ وجلّ: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾[3] .
والحاصل: أنّ الشريعة وحدةٌ تركيبيّة متماسكة تنتظم الأبواب والنصوص كافة؛ وإنّ من أعظم مواطن الانزلاق والانحراف في الفكر الفقهي والثقافة الدينية عموماً الاقتصارَ على بضع طوائف من الأخبار مع إغفال المحكمات والروايات المقابلة لها؛ إذ مَثَل من يسلك هذا المسلك كمَثَل من يُقرّ بوجوب الصلاة ويُنكر الصيام، أو يلتزم بالحجّ ويتنكّب عن سائر الواجبات بدعوى التنسّك والانقطاع.
شمولية الشريعة والرد على دعاوى التقاعس السياسي
تقتصر هذه الرؤية على حصر الدين في الحجّ والصلاة والصوم والزيارة، والهمّ التنسّكي المجرّد، بزعمِ أنّ هذا هو جوهر الدين؛ أمّا المخاطرات السياسية والعسكرية والأمنية فتُعدّ في نظرهم حقلَ ألغامٍ وعالماً متوتراً ينبغي النأي بالنفس عنه، متسائلين: ما لنا وللدخول في معترك القدرة وصراع السلطة ومسابقة القوى العظمى؟ وما شأننا والتدخل في ذلك ما دام ليس من صلب الدين؟!
وهذا التصور ينهار بالرجوع إلى الطوائف الأخرى من الروايات الصادرة عن الأئمّة أنفسهم: الباقر والصادق والسجّاد والكاظم (عليهم السلام)؛ فالناظر في أبواب الجهاد من كتاب «الكافي» يجد أنّ جلّ الروايات المروية عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) تحثّ حثّاً بليغاً على بناء القوة العسكرية، فكيف يُدّعى بعد ذلك أنّ استراتيجية الإمامين الباقر والصادق ومنهجهما التربوي كانا يقومان على متاركة القوى العسكرية وإهمال بنائها؟! بل كيف تكون الروايات في هذا الباب مستفيضةً عن الإمامين، إلى حدّ أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) يسجّل مؤاخذاتٍ صريحةً على السلطة الأموية الجائرة لتفريطها في النهوض بالمسؤولية العسكرية، وتضييع الجهاد، والتقاعس عن توسعة رقعة دار الإسلام، وإهمال إقامة سياج دفاعيّ حصين يحمي ثغور المسلمين؟[4] وهذه الروايات التي أوردها ثقة الإسلام الكليني تدلّ على أنّ جلّ روايات الحثّ على الجهاد وبيان عظمته مرويةٌ عن الباقر والصادق (عليهما السلام).
والإشكال هنا: كيف يُعقل في منهج الاستنباط أن يقرأ الفقيه للإمام الباقر (عليه السلام) باباً من الأبواب الفقهية ويُعرض عن سائر الأبواب للإمام الصادق (عليه السلام)؟! وهل يصحّ التبعيض في حجية كلام الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)؟! فيؤخذ بكلام الإمامين الباقر والصادق متى ما وافق النزوع إلى الراحة والاسترخاء وترك الأمور تجري على عواهنها -بحسب فهم هؤلاء القاصر لطائفةٍ من الروايات، مع تنزّه الأئمّة عن الأمر بذلك- وتُهمل الروايات المتضمنة للمسؤوليات الكبرى والأعباء الثقيلة، مع أنّ جلّ روايات كتاب الجهاد في «الكافي» و«التهذيب» واردةٌ عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، سواء ما تعلّق منها بالجهاد الابتدائيّ أو الجهاد الدفاعيّ.
تشريع الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة والتقية
بل إنّ لسان الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) يُستفاد منه أنّ الجهاد الابتدائيّ -وإن كان المعصوم (عليه السلام) غير مبسوط اليد- لا يسقط أصل تشريعه وتُلقى وظيفته على الأرض، خلافاً لما ذهب إليه مشهور الإمامية، ووفاقاً لما ذهب إليه السيد الخوئي (رحمه الله) والميرزا محمد باقر الخراسانيّ السبزواريّ[5] صاحب كتابي «الكفاية» و«الذخيرة»، والذي كان المرجع الأعلى للإمامية في عصره بأصفهان، جامعاً بين المرجعية العليا في الفقه والأصول والمرجعية العليا في الحكمة والفلسفة.
وقد كان معاصره الآغا حسين الخوانساري[6] يشاركه تلك المكانة المرجعية العليا؛ حيث كانا يتنافسان في ريادة الفقه والأصول، ويتسابقان في التحقيق الفلسفيّ والعقليّ. ومصداق ذلك ما نبّه عليه الشهيد الشيخ مرتضى مطهري (رحمه الله) من أنّ من نوادر التاريخ العلميّ للحوزة أن يبلغ العَلَمُ ذروة المرجعية الأولى في الفقه والأصول متزامنةً مع الريادة في العلوم العقلية والفلسفة[7] -والمقصود هنا سعة المباحث العقلية عموماً لا الترويج لمذهب فلسفيّ بعينه-. والآغا حسين الخوانساري هو والد الآغا جمال الخوانساري[8] صاحب التعليقات القيمة على «اللمعة» و«الروضة البهية»، وهي التعليقات التي يكثر الشيخ الأعظم الأنصاري النقلَ عنها والاعتمادَ عليها في مباحث المعاملات، وقد طُبعت ضمن مجموع حواشي الروضة البهية.
والحاصل: أنّ الميرزا محمد باقر السبزواري ذهب إلى أنّ الروايات الحاصرة لصلاحية الجهاد الابتدائيّ وتوسعة دار الإسلام بالإمام المعصوم (عليه السلام) لا تقتضي -عند منع المعصوم وقبض يده لظروف قاهرة- سقوط هذه الوظيفة الكبرى، المتمثلة في الدعوة وتوسعة رقعة دار الإسلام بالجهاد الابتدائيّ، في عصر الغيبة الكبرى أو الصغرى أو ما قبلهما[9] [10] .
وقد تظافرت الشواهد لِما ذهب إليه الميرزا محمد باقر الخراسانيّ السبزواريّ[11] والسيّد الخوئيّ (رحمهما الله) [12] ، إذ تفرّد هذان العَلَمان بالقول بعدم سقوط الجهاد الابتدائيّ في زمن الغيبة الكبرى عند توفّر شرائطه، في حين ذهب سائر الفقهاء -حتّى السيّد الخمينيّ- إلى سقوطه واشتراطه بحضور الإمام المعصوم (عليه السلام) وبسط يده.
والسبب في ذلك: أنّ حصر الصلاحيّة بالإمام المعصوم (عليه السلام) كما ورد في باب الجهاد ورد نظيره في منصب القضاء وفي السلطة التنفيذيّة وسائر شؤون الولاية العامّة، ومقتضى التحقيق أنّ أصل الحصر والولاية لله تعالى ولرسوله (صلّى الله عليه وآله) ولأوصيائه المعصومين من عترته وقرابته (عليهم السلام)؛ بيد أنّ هذا الحصر لا يستلزم سقوط هذه الوظائف الشرعيّة عن سائر المؤمنين أو عن الفقهاء العدول حال مَنْع الإمام وقبض يده لأسباب قاهرة.
وعلى كلّ حال، فإنّ نهضة المختار الثقفيّ في عصر الإمام السجّاد (عليه السلام) يُطرح بشأنها تساؤل: هل كانت بإذنٍ شرعيّ منه (عليه السلام)؟
والتحقيق: أنّه لا ريب في افتقار أيّ حركةٍ أو نهضةٍ إلى إذن المعصوم (عليه السلام)، ولكن إذا لاحظنا ما ورد في المأثور من وصف الإمام السجّاد (عليه السلام) بأنّه «المَحْجُوبُ مِنْ خَوْفِ الظَّالِمِينَ»[13] ، تبيّن أنّ شدّة التضييق الأمنيّ وبطش السلطة الأمويّة الجائرة قد بلغا حدًّا لم يكن متمكّنًا معه (عليه السلام) من إشهار إمامته حتّى لخواصّ المؤمنين في المرحلة التي تلَت واقعة عاشوراء، حيث أحدق الخطر بأصل بقاء عقيدة الإمامة فضلاً عن التصدّي للمسؤوليّات والوظائف العامّة، وهذا التقييد ناظرٌ إلى مقام العَلَن والظاهر لا الخفاء والسرّ.
والمتحصّل: أنّ هذا الوصف الوارد في الصلوات المأثورة والزيارات يكشف عن ظروفٍ خاصّة عاشها الإمام (عليه السلام) بُعَيد عاشوراء؛ إذ لم يكن يسعه البوح بمقامه للخواصّ فضلاً عن عموم المؤمنين، ولأجل صيانة جماعة المؤمنين من الانفلات أو الانصراف عن خطّ أهل البيت (عليهم السلام)، برز محمّد بن الحنفيّة جامعًا لشملهم وواجهةً لهم -وتصوير ذلك عقائديًّا وفقهيًّا موكولٌ إلى موضعه-، حتّى إذا استقرّت الأوضاع وتهيّأت الظروف، أرجع ابن الحنفيّة الإمامة إلى الإمام السجّاد (عليه السلام) بكامل الخضوع والتسليم حينما تحاكما إلى الحَجَر الأسود وسأله كبار الشيعة عن ذلك[14] .
والحاصل: أنّ الظروف القاهرة قد تقتضي عدم إمكان بوح المعصوم (عليه السلام) بأصلٍ اعتقاديّ كإمامته علنًا فضلاً عن سائر الوظائف والمقامات، ولا يعني ذلك بحالٍ اعتزاله (عليه السلام) في السرّ والخفاء.
أبعاد التبليغ الإلهي في واقعة الغدير وزيارة الإمام الهادي
كانت الظروف في العلانية قاهرةً مانعةً للإمام السجّاد (عليه السلام) من القيام بأدوار تمثّل الأصل حتّى في بيان عقيدة الدين، وكذلك كانت الحال في آخر حياته الشريفة (صلى الله عليه وآله) في حجّة الوداع قبل شهرين من استشهاده، حيث كانت الظروف قاهرةً مانعةً من أن يصرّح بالأصل الثالث في الدين، ذلك الأصل الذي يصفه الله عزّ وجلّ بقوله: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾[15] ، وهو أصل من أصول الدين.
والبيان في هذا الأمر: ما أوضحه الإمام الهادي (عليه السلام)، إذ إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد بلّغ إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) في آيات عديدة مكّيّة ومدنيّة، كما هو ثابت في الآيات والروايات المتواترة، ولكن كان ذلك بنحو الكناية والتعريض والإيماء والإشارة، لا بنحو التصريح بنصٍّ قاطعٍ للإبهام ومانعٍ للالتواء والتحايل، وهذه نكتة عظيمة يشير إليها الإمام الهادي (عليه السلام) في زيارة الغدير[16] [17] ، ولم أقف على أحد من الأعلام نبّه إلى ما نبّه إليه (عليه السلام) في هذه الزيارة.
والملاحظ في زيارة الغدير: أنّ الإمام الهادي (عليه السلام) يذكر فيها ما يقارب مئةً وخمسين معادلة، فكلّ جملة فيها تُعدّ معادلةً قائمةً برأسها، فلو كانت الصفحة الواحدة تشتمل على قرابة خمسٍ وعشرين معادلة، فإنّ المجموع يبلغ مئةً وخمسين معادلة، أو مئةً وعشرين على أقلّ تقدير، وهو عدد غير قليل؛ وكذلك الحال في الزيارة الجامعة الكبيرة[18] [19] ، بينما يقرأ كثير من الناس الآيات والروايات على عجل ودون تدبّر، مع أنّ المفترض أن تُقرأ جملةً جملة ومعادلةً معادلة؛ وحبّذا لو تُشرح الروايات والزيارات إحصائيّاً ورقميّاً، فإنّ الإحصاءات الرقميّة مؤثّرة جدّاً في هندسة معاني الزيارة الجامعة وزيارة الغدير وفهم دلالاتها.
والحقيقة الجليلة: التي يفتح الإمام الهادي (عليه السلام) الباب عليها، هي أنّ الغدير ليس مجرّد يومٍ أو شهرٍ أو موسمٍ أو سنة، بل الغدير دين وصراط مستقيم ممتدّ إلى يوم القيامة، فالمناسبات الدينيّة لا ينبغي أن يُقتصر في فهمها والبحث فيها على أوقاتها المحدّدة، كقصر البحث في عاشوراء على يوم عاشوراء فحسب، بل إنّ هذه المناسبات تمثّل أركان الدين ومعالمه، وينبغي أن نكون في اشتغالٍ دائمٍ بها، وأن نلتفت إلى فقه العقائد[20] المرتبط بها.
والنتيجة: أنّ زيارة الغدير التي تمتدّ في إحدى عشرة صفحةً تستدعي إحصاء ما اشتملت عليه من معادلاتٍ وجملٍ وآياتٍ استشهد بها الإمام (عليه السلام)، ليتّضح من خلالها فهم أهل البيت (عليهم السلام) ومعارفهم؛ فالزيارة الحقيقيّة ليست مجرّد الحضور البدنيّ عند المرقد، بل هي إدراك نور المعارف التي يحملها الإمام، حيث ورد التأكيد المستفيض على زيارة الإمام «عَارِفاً بِحَقِّهِ»[21] [22] لا جاهلاً بحقيقته، وتلك الدراسات الإحصائيّة التحليليّة التحقيقيّة تكاد تكون مفقودةً في دراسة نصوص الزيارات.
إنّ الاقتصار على مجرّد التشبّث بالراوي والمروي في الأبحاث الرجالية لا يُمثّل حقيقة هذا العلم، بل يُعدّ عند التحقيق قشرَ علم الرجال لا لبابه؛ فإنّ المنهج الذي سار عليه السيّد الخوئيّ — مع جليل قدره وعظيم فضله وأياديه البيضاء على المذهب — يُعدّ منهجاً شكليّاً وسطحيّاً في علم الرجال[23] ، وهو ليس منهجاً منفرداً به، بل هو امتدادٌ لمسلك السيّد أحمد بن طاووس الذي استمرّ إلى يومنا هذا، ومسلك الشهيد الثاني؛ وهو منهجٌ يتبيّن قصوره وسطحيّته بجلاء عند مقابلته بالمنهج التحليليّ والاجتهاديّ للمحقّق الوحيد البهبهانيّ في رجاله ومقدمات تعليقته.
والأمر الجليل هنا: أنّ من أدقّ المضامين التي يُسجّلها الإمام الهادي (عليه السلام) في زيارة الغدير[24] هو بيان حقيقة ما أَلزم اللهُ به سيّدَ الأنبياء (صلى الله عليه وآله) في واقعة الغدير؛ فإنّ أصل النصّ والتعيين الإلهيّ لإمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان ثابتاً ومُعلناً منذ مطلع الدعوة النبوية في «يوم الدار»[25] وفي آياتٍ قرآنيةٍ عديدة، غير أنّ الذي ألزم اللهُ به نبيّه وتوعّد على تركه — وحاشا مقامه الأقدس أن يتخلّف عن طاعة ربّه، وإنّما كان الخطاب عزيمةً وتشديداً إلهياً حاسماً — هو قوله سبحانه: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾[26] .
والشاهد فيه: أنّ هذا التشديد الإلهيّ العظيم يُناظر في خطورته وشدّته قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾[27] ، مِمّا يكشف عن أنّ ولاية عليّ (عليه السلام) قد بلغت في صلب الديانة وركائزها هذا المبلغ العظيم الذي لا يقوم الدين إلّا به.
وممّا يؤيّد ذلك: ما ورد في قراءة عبد الله بن مسعود وأُبيّ بن كعب للآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [في عليّ] ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾[28] [29] ؛ ومقتضى هذا التهديد البالغ أَلّا ينحصر مراده في مجرّد تشريع الإمامة، بل في وجوب نصبها وإعلانها صدعاً بالحقّ على نحوٍ صريحٍ وقاطعٍ للعذر أمام الكافّة حتّى لا تبقى لأحدٍ حجّة؛ ولذا ورد في زيارة الغدير أنّ آية ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾[30] من جملة موارد نزولها واقعة الغدير، ولا غرابة في ذلك؛ إذ لا مانع من القول بتعدّد نزول الآيات وتكرار تطبيقها بحسب الوقائع والمناسبات.
والحاصل: وفق بيان الإمام الهادي (عليه السلام)، أنّ الذي أوجبه الله تعالى في الغدير وألزم به النبيّ (صلى الله عليه وآله) إنّما هو أخذ البيعة والتسليم والانقياد؛ فإنّ حقيقة البيعة مع الرسول أو الإمام ليست مجرّد التلفّظ بكلمة، بل هي إقرارٌ وتشهدٌ وتسليمٌ قلبيّ وعمليّ بولايتهم وطاعتهم، نظير ما صنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم فتح مكّة حين أخذ البيعة من الناس على التوحيد والنبوّة والولاية معاً، ولم يكتفِ بمجرّد الشهادتين للدخول في حقيقة الإسلام والإيمان، وهو تحقيقٌ مبسوطٌ بقواعده الفقهية والكلامية في كتابَي (الإمامة الإلهية) و(أحكام الإسلام والإيمان)[31] .
وعلى أيّ تقدير؛ فما هو التحديد الدقيق لما كان مطلوباً ومنصوصاً عليه من قِبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في واقعة الغدير؟
كنتُ في السنين السابقة أستشفّ من كلام الإمام الهادي (عليه السلام) في زيارة الغدير[32] أنّ المطلوب كان الإعلان العموميّ لجميع المسلمين، بدلاً من أن ينحصر في دائرة الصحابة أو أهل المدينة أو أهل مكّة، وثمّة روايات تدلّ على ذلك، حيث كان المطلوب أخذ البيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) من كافّة المسلمين.
ولكنّ التحقيق يقتضي: الالتفات إلى بُعْدٍ آخر في غاية الأهمّيّة؛ وهو أنّ بحث الغدير ليس مجرّد واقعة تاريخيّة، بل هو أصلٌ عقائديّ، وما جرى فيه يمثّل فقهاً عقائديّاً وعقائدَ الفقه؛ فإن لم نَفْهَم هذا الترابط قد نتخيّل أنّ الولاية مسألةٌ فرعيّة أو بحثٌ فقهيّ مجرّد، بينما يدور الأمر في منعطفاتٍ دقيقة ينبغي إتقانها وإدراك أبعادها.
والحاصل: أنّ الغدير ليس مجرّد تأريخٍ زمكانيّ، بل هو معلَمٌ أساسيّ من معالم الدّين، وهذه الزيارة الشريفة لو دُرست بتمعّن لظهرت فيها معالم مدرسة الإمام الهادي (عليه السلام)، حيث يركّز (عليه السلام) في هذه الزيارة على أنّ المطلوب الأوّل يوم الغدير كان صدعاً وبياناً قاطعاً للعذر أمام الأمّة جمعاء، بحيث يشهد الجميع بولاية عليّ (عليه السلام) وسائر الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، إذ لم يقتصر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في ذلك اليوم على إعلان ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) فحسب، بل قرنها بولاية فاطمة والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ذرّيّتهم (عليهم السلام).
ذلك أنّ خطبة الغدير: تمثّل منشوراً تأسيسيّاً للدّين وأصوله؛ ولذا اعتنى الباحثون بجمع نُسخ هذه الخطبة وتحقيقها في مصنّفاتٍ مستقلّة، لما تحمله من مضامين وبيانٍ لمقاماتٍ جليلة، كمقام جعفر ومقام حمزة (عليهما السلام)، لتكون الخطبة بمثابة الإعلان الشامل والأساس لجميع أركان الدّين.
وقد بيّن الإمام الهادي (عليه السلام) أنّ سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله) واجه في حجّة الوداع ضغوطاً شديدة حالت دون التبليغ المباشر لهذا الأصل الثالث من أصول الدّين لولا التأكيد الإلهيّ الحاسم، فالولاية هي الأصل الذي يتلاشى الدّين من دونه، كما يوضح قوله تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾[33] ، وكذلك قوله سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾[34] .
والمعاد في جوهره: مرتبطٌ بهذه الأصول الثلاثة، إذ إنّ الحاكم والشهيد في القيامة والحساب هو الله تبارك وتعالى أصالةً، ورسوله وأهل البيت (عليهم السلام) خلافةً، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾[35] .
حقيقة المعاد والارتباط بالأصول الاعتقادية
عندما يُطلق عنوان أهل البيت ويُعبَّر عنهم بالمؤمنين، فإنَّ القرآن الكريم يصرّح بقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾[36] [37] ، والمراد بهم ذريّة إسماعيل الواردة في سورة البقرة؛ فالقرآن يفسّر بعضه بعضاً.
وهذا المبحث مما نقّحناه في هذا العام، ولا أدري هل انتهى الفلاسفة والمتكلمون والمفسرون والفقهاء والعرفاء إلى حقيقة هذا المطلب أم لا؟ ومفاده: ما هي حقيقة المعاد؟ وما هو لبّ لباب المعاد وجوهره؟ هل هو سماء القيامة، أو أرض القيامة، أو أرض الجنة، أو سماء الجنة؟ وحتّى جهنم جعل الله عزّ وجلّ لها سماءً وأرضاً كما في قوله تعالى: ﴿﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾[38] ، وقوله سبحانه: ﴿بِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾[39] ، وقوله عزّ شأنه: ﴿بِئْسَ الْقَرَارُ﴾[40] ؛ فهل لبّ لباب القيامة والمعاد والآخرة منحصرٌ في الصراط والميزان فحسب، مع التسليم بأنَّ كلّ هذه أمورٌ حقّة وثابتة، أم إنَّ لبّ لباب الكلّ وجوهره هو لقاء الله تعالى، ولقاء الرسول، ولقاء آل الرسول (عليهم السلام)؟
إنَّ المبدأ هو الله سبحانه، ثمَّ خَلَقَ نور النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وخَلَقَ من نور النبيّ كلّ شيء، وهذه أحاديث مستفيضة ومتواترة عند الفريقين: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر[41] ؛ فالمبدأ ومجرى الفيض هو النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وخَلَقَ من نوره نور عليّ (عليه السلام)، وخَلَقَ من نورهما سائر الأنوار[42] . فهذه الثلاثية الواردة في أحاديث الفريقين ليست على نحو العَرضية، وإنّما هي تراتبيةٌ في الطول؛ ومن هنا جعلنا الأصل الثالث هو المعاد، وهو عينه النبأ العظيم، خلافاً لما ذهب إليه جملةٌ من مفسّري الإمامية من أنّ النبأ العظيم هو المعاد المجرّد[43] ، بل النبأ العظيم هو صاحب المعاد وحاكم المعاد: الله ورسوله وآل رسوله، ويتجلّى في أمير المؤمنين (عليه السلام).
وهذا التقرير ليس تحميلاً للنصوص، بل هو مقتضى المنطق العقلي في قراءة الآيات والروايات؛ فإنَّ الموت مظهرٌ من مظاهر المعاد وأول يومٍ من أيام الآخرة، والمسؤول عنه الميت في قبره هو هذا التشهد بعينه؛ إذ يُسأل عن الله تعالى، وعن الرسول (صلى الله عليه وآله)، وعن إمامه، ولا يُسأل ابتداءً عن الصراط ولا عن تفاصيل أهوال القيامة؛ فمجيء هذه الروايات المستفيضة والمتواترة ليس أمراً اتفاقياً، بل هو ترتيبٌ ونسقٌ ونظمٌ دينيّ لا يتبدّل.
والحاصل: بالرجوع إلى خلاصة أصل البحث وإن تشعّب بنا الكلام، أنّ سيّد الرسل (صلى الله عليه وآله) كان محاطاً بظرفٍ ضاغط يمنعه من التصريح بالأصل الثالث في الدين إلى أن بلغ يوم الغدير. وقد يستشكل البعض: لِمَ لَمْ يعلن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إمامتهم لسائر المسلمين في كلّ محفل؟ والجواب عنه: أنّ سيّد الرسل (صلى الله عليه وآله) نفسه لم يستطع الصدع بإمامة عليّ (عليه السلام) للعامّة والخاصّة على وجه الإلزام التامّ إلا في أواخر حياته الشريفة عند نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾[44] .
الأمور الحسبية في الفقه والعقائد وسريان التكاليف
ولذلك يقع العجب من جملةٍ من الأعلام حين يتساءلون: لِمَ لَمْ يفرض الرسول (صلى الله عليه وآله) الشهادة الثالثة في الأذان إن كانت جزءاً منه، ولِمَ لَمْ يأخذ بها في تشهد الصلاة؟ فيُقال: أيها الفقيه الفحل والأسطوانة من أساطين الفقه، هل غاب عنك شأن الغدير؟ وهل غاب عنك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾[45] ؟ فإنَّ أصل بيان هذا المعتقد كان في وضعٍ أمنيّ واجتماعيّ بالغ الشدّة يستدعي التقية والمداراة، فكيف يُصار إلى فرضه يومياً في الصلوات الخمس مع وجود مظنّة الانقلاب والارتداد؟ فقد كان الوضع طيلة حياته الشريفة (صلى الله عليه وآله) وحتّى آخر شهرين منها في غاية الحساسية والضغط.
وكذلك كان الحال مع الإمام زين العابدين علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) في ظلّ ذلك الحصار الأمنيّ والتعتيم الشديد والضغط السياسي؛ فهل تسقط حينئذٍ سائر الوظائف الشرعية والمسؤوليات الاجتماعية، أم يجب على مثل محمد بن الحنفية[46] وعلى المختار بن أبي عبيد الثقفي[47] أن ينهضا بتلك الوظائف والأدوار؟ وهنا بيت القصيد: إنَّ هذه الوظائف والمسؤوليات لا تسقط بحالٍ من الأحوال.
فهذه الوظائف لا تسقط بحال، ولو لم نستكشف إذن المعصوم (عليه السلام) فيها؛ إذ إنّ أصل البحث من مبتدئه إلى منتهاه — وإن تشعبت بنا المسالك — كان للوصول إلى هذه النقطة؛ ومفادها أنّ الأمور الحسبيّة[48] لا تنحصر في الفروع الفقهية فحسب، وهو بحثٌ قيّم؛ إذ حتى في باب العقائد تكون الأمور الحسبيّة قابلةً للتصوير والتحقق، وتأسيس قواعد الأمور الحسبيّة في هذا المضمار هو من أجلّ بركات هذا البحث وثمراته.