48/03/06
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الفقه السياسي للمنظومة العسكرية ومفهوم بسط اليد والبعد الغيبي للإمامة
الفقه السياسي للمنظومة العسكرية ومفهوم بسط اليد والبعد الغيبي للإمامة
شمولية الوظائف العسكرية وتأصيلها الفقهي
كان الكلام في عدّة جهاتٍ في الروايات التي جمعها ثقة الإسلام الكليني في باب الجهاد من كتابه «الكافي»، وكذلك الشيخ الطوسي في كتابيه «التهذيب» و«الاستبصار»، ومحصّل البحث يدور حول ماهيّة الوظائف والمسؤوليّات العسكريّة، سواء أكانت في إطار الجهاد الدفاعيّ أم في جهاد الدعوة والتوسعة لدار الإسلام.
وقد تقدّم أنّ المسؤوليّات العسكريّة للمنظومة الدفاعيّة لا تنحصر في هذين النمطين؛ إذ توجد وظائف أُخَر للقوى العسكريّة دلّت عليها الأدلّة الشرعيّة والقواعد الفقهيّة، ومن شواهد ذلك: تسالم الأعلام على حرمة بيع السلاح لأعداء الدين[1] ؛ فإنّ هذا الحكم يكشف بوضوحٍ عن وظيفةٍ استراتيجيّةٍ ملقاةٍ على عاتق القوى العسكريّة تتمثّل في وجوب حفظ القدرة والتفوّق العسكريّ وتنميتهما وحظر تقوية معسكر العدوّ، وتلك وظيفة تخوض في غمار القوّة الناعمة والحرب غير المباشرة.
وممّا يُلحَظ في هذا السياق: أنّ الفقهاء لم يُدرجوا هذا المبحث ضمن مباحث كتاب الجهاد، وإنّما أودعوا مسألة تحريم بيع السلاح للأعداء وحظر سلب القوّة في مباحث «المكاسب المحرّمة»، مع مساسها الوثيق باستراتيجيّات المنظومة الدفاعيّة والعسكريّة، كما أنّهم بسطوا جملةً من وظائف القوى العسكريّة في أحكام المحاربين والبغاة.
والنتيجة: أنّ الباحث لو رام استيعاب المسائل العسكريّة وجمعها في مصنّفٍ واحد، لخلَص إلى تبويبٍ فقهيّ حديثٍ ومستحدثٍ يستوعب كافّة وظائف القوى العسكريّة؛ إذ لا تنحصر مسؤوليّتها في المواجهات المسلّحة والميدان الساخن -دفاعاً أو ابتداءً- بل تستوعب أدوار الحرب الباردة، والحرب الناعمة، والردع الاستراتيجيّ، ممّا يستدعي جمع هذه الفروع وتنسيقها موضوعيّاً لتأصيلها وتغطيتها بالقواعد والأدلّة الفقهيّة.
ضابطة النشاط العسكري تحت راية السلطان الجائر
والإشكال هنا: أنّ الناظر في الأدلّة الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) -لا سيّما في روايات الجهاد الدفاعيّ في ظلّ السلطان الجائر- يواجه تساؤلاً في كيفيّة الجمع والتوفيق بينها؛ إذ المسلّم فقهيّاً أنّ الجهاد الدفاعيّ لا مجال للقول بسقوطه أو تعطيله بحالٍ من الأحوال، سواء في عصر الغيبة الكبرى أم في عصور حضور المعصومين (عليهم السلام) مع عزلهم عن بسط اليد وممارسة صلاحيّاتهم، فكيف يُعقَل تفصيل الإمام (عليه السلام) في صحيحة يونس بن عبد الرحمن[2] [3] -التي استدلّ بها السيّد الخوئي[4] - بالمنع من القتال أو المرابطة تحت لواء السلطان الجائر؟ وما هو المائز الدقيق في هذا التفصيل مع أنّ أصل وجوب الدفاع عن حوزة الإسلام ثابتٌ لا يسقط؟
والوجه في الجمع: -كما اتّضح سابقاً- هو أنّ النشاط العسكريّ تارةً يقع توظيفه وبرمجته وقصده لتعزيز أركان السلطة الجائرة وتثبيت دعائمها، فهذا محظورٌ شرعاً لا تجوز مباشرته، سواء أكان في جهادٍ ابتدائيّ أم دفاعيّ.
وتارةً لا يصبّ النشاط العسكري في صالح السلطان الجائر، وإنّما يصبّ في صالح حفظ أصل نظام الإسلام وحياطة الدين والملّة، فيكون سائغاً حينئذٍ؛ وعليه فالمنع عن خوض الحرب أو القتال تحت لواء السلطان الجائر -ولو كان دفاعياً- مبنيٌّ على أنّ مناط التفصيل ليس دائراً بين الجهاد الدفاعي والجهاد الابتدائي، بل المدار على وقوعه تحت هيمنة السلطان الجائر وتوظيفه أو عدمه.
والحاصل: أنّه ليس التفصيل كما ذهب إليه مشهورٌ عظيمٌ من الفقهاء[5] ، حيث فرّقوا بين الجهاد الدفاعي والابتدائي بدعوى أنّ جهاد الدعوة من الصلاحيات المختصّة بالإمام المعصوم (عليه السلام) دون الدفاعي، في حين أنّ الواقع الفقهي يقضي بأنّ الصلاحيات العسكرية برمّتها منوطةٌ بالإمام، حتى الجهاد الدفاعي يُعدّ ولايةً حصريةً له (عليه السلام) أو لمن يستنيبه.
والشاهد فيه: ما فصّله الإمام الرضا (عليه السلام) في صحيحة يونس بن عبد الرحمن في صلب الجهاد الدفاعي، حيث فرّق بين ما يقع في إطار بنية السلطان الجائر وقصده وتوظيفه لقدرات المقاتلين فلا يجوز، وبين ما كان ذباً عن بيضة الإسلام والمسلمين وخوفاً من دُرُوس ذكر الإسلام ومحق اسم النبي الأكرم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾[6] ، فحكم (عليه السلام) بجوازه بل بوجوبه[7] ؛
والنتيجة: أنّ التفصيل الحقيقي ليس بين نوعي الجهاد (الدفاعي والابتدائي) كما توهّمه المشهور، بل الملاك فيهما معاً يدور مدار القصد والتوظيف؛ فإن كان لتعزيز شوكة الجائر حَرُم، وإن كان لحفظ بيضة الإسلام والإيمان جاز فيهما معاً.
ومثال ذلك: ما قرّره الشيخ المفيد في المقنعة[8] ، والشيخ الطوسي في النهاية[9] ، من أنّ القاضي الفقيه المؤمن إذا أُتيح له المجال من قِبل السلطان الجائر لتولّي القضاء، فالواجب عليه أن يقضي بموازين الحقّ المستفادة من أهل البيت (عليهم السلام)، وأن يوطّن نفسه على التصدّي للقضاء بنيابة الإمام المعصوم (عليه السلام) وإذنه لا بتولية هذا السلطان الجائر؛ أمّا لو وطن نفسه على خلاف ذلك متكلاً على إذن الجائر فلا يجوز له التصدّي ألبتة.
استنابة الفقهاء في إدارة السلطات وقاعدة الحسبة
والقاعدة هنا: أنّ السلطة القضائية مناظرةٌ للسلطة العسكرية تماماً؛ فمع ورود النصوص المصرّحة بأنّ منصب القضاء لا يصلح إلا لنبي أو وصي نبي[10] ، إلا أنّ ذلك لا يعني تعطيل القضاء عند عدم بسط يد المعصوم، بل يتعيّن تحصيل الإذن من الإمام إمّا إذناً خاصاً أو عاماً، وهذا الإذن العام يُستكشف من دليل الأمور الحِسْبية[11] ؛ فحين يكون الإمام غير مبسوط اليد لخذلان الناس له ولم يتصدَّ بالمباشرة، تنتقل النوبة إلى الفقهاء للتصدّي قياماً بقاعدة الحسبة.
تنبيه: يذهب السيد الخوئي إلى إثبات الولاية النيابية للفقيه في كتاب الجهاد من منهاج الصالحين استناداً إلى دليل الحسبة[12] ؛ فمع أنّ للخبراء والمتخصصين دورهم الأساس، إلا أنّ القيادة والإشراف العام وإدارة الشؤون بالاستعانة بهؤلاء الخبراء متعيّنةٌ في الفقيه الجامع للشرائط من باب الحسبة عند سماحته.
وليس المصبّ الفعلي لبحثنا هو إثبات الولاية النيابية للفقيه بذاتها، وإنّما غرضنا بيان أنّ السلطة العسكرية وشؤون الجهاد كالسلطة القضائية سواءً بسواء؛ إذ وردت النصوص بحصر صلاحية القوى العسكرية والسلطة القضائية بالأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) بالذات والأصالة، وهو حقّ، إلا أنّه لا ينافي استكشاف الإذن النيابي عند تعذّر التصدي المباشر.
إنّ استكشاف الإذن من الإمام المعصوم (عليه السلام) ومن الشارع الأقدس يقتضي تحمّل الفقهاء لمسؤولية إدارة السلطة القضائية أو العسكرية وسائر السلطات السياسية ونحوها عند عدم بسط يد الإمام وعدم تصدّيه؛ إذ إنّ عدم تصدّيه (عليه السلام) جراء موانع الظالمين وخذلان الناس لا يُفضي إلى انفلات هذه المناصب وإهمالها، بل يبقى المنصب محفوظاً للمعصوم (عليه السلام) أصالةً، ويُستكشف الإذن بتصدّي الفقهاء استنابةً إمّا بقاعدة الحِسْبة[13] ، أو بدليلٍ خاصٍّ أو عامّ.
ومقتضى الترتيب في المراتب:
• أنّه إن تعذّر تصدّي الفقهاء، انتقلت النوبة إلى فضلاء المؤمنين.
• فإن لم يتصدَّ الفضلاء، وصلت النوبة إلى عدول المؤمنين.
• فإن فُقد العدول، آلت النوبة حتى إلى فُسّاق المؤمنين عند الضرورة؛ لأنّ هذه مصالح نظامية يتوقّف عليها قِوام نظام الدين والدنيا، ولا يسوغ تعطيلها بحال من الأحوال.
والمتحصّل من ذلك: أنّ حصر الولاية على السلطات المختلفة — قضائيةً كانت، أو عسكريةً، أو سياسيةً، أو تنفيذيةً، أو تشريعيةً — بالنبي (صلى الله عليه وآله) ووصيّه لا يُنافي استنابة النبي أو الوصي للفقهاء أو لمن دونهم عند فقد الفقهاء، بل إنّ الاستنابة بذاتها فرعُ كون الولاية محصورةً ومركزيةً بيد النبي وأوصيائه (عليهم السلام)؛ إذ الحصر بالمعصوم لا يعني إسقاط المسؤولية بالكلّية ولا نقل الولاية استقلالاً إلى غير المعصوم، بل تبقى الولاية له ونحن نستكشف إذنه وترخيصه.
والشاهد على ذلك: ما ورد في شأن السلطة القضائية والجهاد الابتدائي؛ إذ دلّت النصوص على حصر القضاء بالمعصوم، كقول أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح: «يَا شُرَيْحُ، قَدْ جَلَسْتَ مَجْلِساً لَا يَجْلِسُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ، أَوْ شَقِيٌّ»[14] ، وقول الإمام الصادق (عليه السلام): «اتَّقُوا الحُكُومَةَ؛ فَإِنَّ الحُكُومَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْإِمَامِ العَالِمِ بِالقَضَاءِ، العَادِلِ فِي المُسْلِمِينَ، لِنَبِيٍّ أَوْ وَصِيِّ نَبِيٍّ»[15] ، ومع هذا الحصر فقد نصب الإمام الصادق وسائر الأئمة (عليهم السلام) الفقهاءَ نواباً عنهم في فصل الخصومات وإقامة القضاء، فالأصالة للشارع ولأوصيائه، وبتفويضهم وإذنهم يُخوَّل الفقهاء ومن دونهم بالتصدّي على نحو النيابة.
والقاعدة هنا: أنّه عند عدم الظفر بدليلٍ لفظيٍّ خاصٍّ أو عامّ على استنابة الفقيه أو المراتب التي تليه، يُصار إلى «دليل الحسبة»؛ ومفاده قيام الأدلة القطعية على أنّ شؤون النظام العام — من إدارة السلطات العسكرية والقضائية والسياسية والتشريعية ونظام المجتمع — تمثّل مصالح ضرورية في النظام الديني والدنيوي لا يرضى الشارع بتعطيلها قطعاً، وحيث امتنع تعطيلها ثبت حتماً إذن المعصوم بمقتضى ولايته؛ ولذا يُستكشف إذن المعصوم بهذا المسلك، كما قرّره الشيخ الأنصاري[16] والسيد الخوئي[17] [18] ، حيث لم يستظهرا الولاية العامة من الإطلاقات اللفظية، وإنّما أثبتا النيابة وجواز التصرّف من باب الحسبة، فالنزاع إنّما هو في مدرك الدليل لا في أصل النتيجة والمدّعى.
والنتيجة: أنّ أدلة حصر الجهاد الابتدائي بالمعصوم (عليه السلام) لا تتدافع مع استكشاف نيابة الفقهاء ومن دونهم — بحسب المراتب — في إقامة الجهاد الابتدائي؛ إذ لا يُعطَّل الجهاد في فرض عدم بسط يد المعصوم، سواء كان حاضراً ظاهراً ويده غير مبسوطة، أو كان غائباً (عجل الله فرجه).
مراتب بسط اليد بين الظهور والتدبير الخفي
تنبيه: يبتني ما تقدّم على تحرير مسألةٍ لم تُستوفَ في كلمات الفقهاء كما ينبغي، وهي: هل بسط اليد في الخفاء ينزّل منزلة بسطها في العلانية أم يختلف عنه؟
والتحقيق: أنّهما ليسا على وتيرةٍ واحدة، لإمكان تحقّق بسط اليد والنفوذ في الخفاء والسرّ على نحوٍ واقعيٍّ مؤثّر.
ومثال ذلك — مع الفارق —: أنَّ اليهود في الظاهر والعلانية ليست لهم دولة قائمة تُنسب إليهم سوى هذا الكيان الغاصب، بيد أنَّ نفوذهم وسلطانهم في العالم لم ينشأ عن هذا الكيان الصوري، وإنَّما استند إلى نفوذهم الممتدِّ في الخفاء؛ إذ يمتلكون الهيمنة التامّة على القوى العسكرية، ووسائل الإعلام، ومصادر الطاقة، والمنظومة المصرفية، ويسيطرون على مفاصل الاقتصاد عبر التجارة العالمية، ويسعون اليوم كذلك عبر العملات الرقمية إلى التحكّم في سائر النقد العالمي؛ وهي خطط تُديرها عقول تخطّط وتعمل بدقة. فهل يصحّ الزعم بأنَّ سلطتهم الخفية غير متحققة؟ والواقع يثبت تحقّقها وجداناً، على الرغم من أنَّ الاستقراء الميداني في أيِّ دولة غربية يُظهر نفي أيِّ صلاحية رسمية أو معلنة لهم في هياكل الحكم، في حين أنَّ إدارة الإعلام والبنوك والجامعات ومفاصل القضاء والعسكر والنفط في المنظومات الغربية قاطبة واقعة تحت نفوذهم وسيطرتهم في الخفاء.
والحاصل: أنَّ مورد البحث في «بسط اليد»[19] الذي يطرحه الفقهاء في أبواب الفقه السياسي: هل ينحصر في الظهور والعلانية؟
والتحقيق: أنَّ بسط اليد لا ينحصر بالبسط العلني؛ ومن ثَمَّ فإنَّ ما ذهب إليه بعض المتكلمين والفلاسفة وفقهاء السياسة من تصوير الإمام صاحب العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في عصر الغيبة بأنَّه غير مبسوط اليد، ناشئٌ من حصرهم المفهوم بالبسط الظاهري، وإلا فحاشا لحجّة الله تعالى أن يكون معطَّلاً عن أداء وظيفته الإلهية والتصدّي لمقام الإمامة؛ إذ هل ينحصر تدبير شؤون الأرض وإدارتها بالمظاهر العلنية أم يتعدّاها إلى التدبير الخفي؟
والقاعدة هنا: أنَّ لكلِّ إمامٍ معصوم سيرةً معلنة وسيراً خفية، وأدواره وأنشطته الخفية في سائر المجالات تفوق أدواره الظاهرة أضعافاً مضاعفة، وما يظهر منها للعيان يشبه في التحليلات المعاصرة «جبل الجليد»، الذي لا يبدو منه فوق السطح إلا قمة صغيرة، في حين تستقرّ في الأعماق كتلة ضخمة تعادل قارّة بأسرها.
تنبيه: وهذا الأمر لا يختصّ بالإمام الثاني عشر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، بل يجري في حقّ سيّد الرسل الخاتم (صلّى الله عليه وآله)؛ فإنَّ القول بابتداء بعثته الشريفة عند بلوغه سنَّ الأربعين ناظرٌ إلى البعثة بالرسالة المعلنة وإظهار الدعوة، وأمَّا مقام النبوّة والرسالة الخفية والاتصال الغيبي بالملأ الأعلى فثابتٌ له (صلّى الله عليه وآله) منذ ولادته، وهو ما دلّت عليه الروايات المتواترة والآيات القرآنية لدى الفريقين، والشاهد عليه ما ورد في دعاء الندبة: «وَأَوْطَأْتَهُ مَشَارِقَ أَرْضِكَ وَمَغَارِبَهَا»[20] [21] .
وقد استقصينا جملةً وافرة من النصوص المروية عنهم (عليهم السلام) الكاشفة عن ممارسة الأئمة أدواراً وتدابير خفية في أزمانهم، بحيث كانت تخفى على خواصّ أصحابهم وتلامذتهم، فضلاً عن طواغيت الدولتين الأموية والعباسية، على نحو ما كان يمارسه الخضر (عليه السلام) من مسؤوليات؛ وتلك المهامّ الثلاث التي استعرضها القرآن الكريم في سورة الكهف لا ينبغي توهّم كونها وقائع فردية أو أسرية جزئية، إذ ليست الأولويات في الحوكمة الإلهية قائمة على الشؤون الفردية الضيّقة، بل تتجه إلى المفاصل الاجتماعية الكبرى المحققة للتحولات الحضارية؛ فالغلام الذي أقدم الخضر (عليه السلام) على قتله، لو بقي حيّاً لكان مانعاً من ولادة سبعين نبيّاً من نسله، كما صرّحت به الرواية[22] ، وهو ما يمثّل مدداً نورياً وإصلاحاً اجتماعياً واسع النطاق.
والحاصل: أن ما جرى في قصة الغلام وقضية ممانعة ولادة سبعين نبياً، أو في قصة الغلامين، ذو بُعدٍ اجتماعيٍّ وإصلاحيٍّ عامّ، ويمتد ذلك أيضاً إلى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾[23] ؛ إذ كان الغرض تحرير أصحاب السفن المساكين كما نصّت الآية: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾[24] ، فأراد الخضر (عليه السلام) أن يحرر أهل تلك البيئة البحرية من سطوة ذلك الجائر، ويُعلّمهم سبيلاً يدفعون به ظلمه وغصبه.
والنكتة المهمة في هذا المقام: أن أدوار الخضر (عليه السلام) في الأرض لم تكن وظائفَ فرديةً محضة، بل كانت واقعةً على صعيد البناء الاجتماعي العامّ، وهي شاهدٌ جليٌّ على كونه مبسوط اليد في السر لا في العلن.
وقد تقدّم أن السرية والأمن في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ذاتُ طبقاتٍ متعددة، فهناك سرٌّ فوق سر، وسرٌّ مُقنَّعٌ بسر، تتدرج إلى سبع أو سبعين طبقة، كما ورد في الرواية الشريفة عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): «إِنَّ أَمْرَنَا سِرٌّ فِي سِرٍّ، وَسِرٌّ مُسْتَسِرٌّ، وَسِرٌّ لَا يُفِيدُهُ إِلَّا سِرٌّ، وَسِرٌّ عَلَى سِرٍّ، وَسِرٌّ مُقَنَّعٌ بِسِرٍّ»[25] ؛ فالجانب الأمني في حركتهم (عليهم السلام) ذو مراتبَ شتّى على نحو ما تقرره النظريات الأمنية المعاصرة.
ويتحصل من ذلك: أن لانبساط يد المعصوم (عليه السلام) مراتبَ ودرجات؛ ومن ثَمَّ يغدو القول بعدم ممارسة الإمام لبسط اليد في الشأن العامّ قولاً مجانباً للصواب؛ إذ كيف يتسنّى لغير المعصوم امتلاك القدرة والنفوذ ولا يمتلكهما الإمام؟ بل إن القرآن الكريم يثبت حتى لإبليس بسطَ يدٍ ونفوذاً في آياتٍ كثيرة، من جهة تأثيره في المجتمعات وتوجيه القرارات السياسية والعسكرية للبشر.
والمقصود من هذا التقرير: الالتفات إلى أن الدولة الخفية لكل واحدٍ من المعصومين (عليهم السلام) تشتمل على بسط يدٍ واقتدارٍ ونفوذٍ يجري في الخفاء؛ وإلا فلو لم يكن لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) هذا الامتداد والنفوذ الواقعي لما أقدم حكام بني أمية وبني العباس على اغتيالهم وتصفيتهم، وإنما فعلوا ذلك لما عاينوه من قدرتهم على سحب البساط من تحت عروشهم.
والشاهد التحليلي: أن العلوم السياسية تقرر أن السلطة العليا ليست إلا درجاتٍ وقوى موزعةً في المجتمع، فهناك قدرة لدى طبقة التجار، وأخرى لدى جماعات الضغط، وثالثة لدى علماء الدين؛ فافتراض وجود سلطانٍ بسيطٍ ممحضٍ ومجردٍ في شخصٍ واحد هو ضربٌ من الوهم، بل حتى السلطة المعلنة نفسها تتشكل من طبقاتٍ ومستويات.
ومن هنا، فإن من يزعم أن الإمام الصادق (عليه السلام) لم يكن ذا نفوذٍ في خراسان والعراق وحتى في أقصى بلاد المغرب فهو متوهّم؛ إذ مع وجود سلطان الخليفة وسطوته، كان للإمام (عليه السلام) نفوذٌ معلنٌ بدرجاتٍ وطبقات، فبينما كانت العلانية التامة تتركز في أيدي سلطات السقيفة أو بني أمية أو بني العباس، كانت ثمة مراتبُ أخرى من السلطة المعلنة متحققةً للأئمة (عليهم السلام).
ومثال ذلك: ما روي في المشهد التاريخي حين خاطب هشام بن عبد الملك نافعاً مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب في موسم الحج بقوله: «هَذَا نَبِيُّ أَهْلِ الكُوفَةِ، هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ»، ثم أمره أن يمضي إليه ليحاجه[26] .
البعد الغيبي والتدبير المعجز في الإدارة العسكرية للمعصوم
والنتيجة المستفادة من هذا الشاهد: أن هذه الواقعة التاريخية تحمل دلالاتٍ عقديةً وسياسيةً بالغة، أولاها: إقرار الخصوم بأن الشيعة يعتقدون بارتباط أئمتهم (عليهم السلام) بعالم الغيب، وهو المعنى الذي كان يعبّر عنه الخصم نبوةً بينما نعبّر عنه نحن بالإمامة الإلهية؛ ومقتضى ذلك وضوح اعتراف السلطة الأموية في عصر الإمام الباقر (عليه السلام) بأن عقيدة أتباع أهل البيت قائمةٌ على البعد الغيبي للإمامة، خلافاً لمن يزعم أن هذا المعنى إنما استُحدث لاحقاً في زمن الشيخ المفيد في القرن الرابع الهجري.
إنّ السلطة الأموية كانت تعترف بهذا الأمر؛ وهو أنّ عقيدة المؤمنين في الإمام الباقر (عليه السلام) مآلها إلى أنّه يمثل «السَّبَبَ الْمُتَّصِلَ بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ»[27] ، غير أنّهم كانوا يُسمّون ذلك نبوّة، مع أنّ هذا البعد الغيبي ليس بنبوة، وإلا فما هو الخضر (عليه السلام)؟ أهو نبي؟ وكذلك ذو القرنين هل كان نبياً؟ وطالوت هل كان نبياً؟ فليسوا بأنبياء، فالمشكلة المعرفية متجذرة في نظرية المعرفة لدى مذاهب الطرف الآخر.
والشاهد التاريخي: أنّ هذا الاعتراف لم يكن مقتصراً على السلطة الأموية فحسب، بل يمتد إلى عصر السقيفة؛ حيث قال قائلهم لسلمان (رضي الله عنه): «دَعْنِي وَأَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ»[28] ، وهذا المعنى يرصده «كتاب سليم بن قيس»[29] ؛ إذ كانت السقيفة ترى أنّ عقيدة سلمان، وأبي ذر، وعمّار، والمقداد، ومحمد بن أبي بكر (رضوان الله تعالى عليهم) ونظرتهم إلى أهل البيت (عليهم السلام) قائمة على ثبوت الارتباط بالغيب والولاية والقدرة التكوينية لهم، ولأجل ذلك رمَوْهم بقولهم: «اتَّخَذْتُمُوهُمْ أَرْبَاباً»، ممّا يدل دلالةً واضحةً على أنّ مسألة الإمامة الإلهية ذات البعد الغيبي كانت حاضرةً في عهد سلمان، وكان يعرفها سلمان ومحمد بن أبي بكر بشهادة هذا النص المثبت حتى في مصادر العامة، وهي شواهد وبراهين محكمة وليست مجرد لقطات تاريخية عابرة.
تنبيه: وكذلك ما يُذكر من نشوء الغلو في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فمما لا ريب فيه أنّ الغلو باطل، والقول بألوهية أمير المؤمنين (عليه السلام) باطلٌ وضلال، ولكن نشوء هذه الظاهرة يعكس في وجهه الآخر أنّ أولئك المنحرفين — على الرغم من زيغهم — قد شاهدوا طابعاً غيبياً خارقاً للعادة في علي بن أبي طالب (عليه السلام)، غير أنّهم عجزوا عن تفسيره تفسيراً صحيحاً بأنه إمامة وإلهام إلهي معصوم وليس وحي نبوة ولا ألوهية. وكذلك الحال في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)؛ حيث ظهرت فرق ادّعت الألوهية أو النبوة في حق الإمام، كما هو مسطور في كتب الرجال والتواريخ، وهو وإن كان انحرافاً باطلاً، إلا أنّه يكشف عن أنّ الجانب الغيبي في الأئمة (عليهم السلام) كان حقيقةً ملموسةً وبارزة، أدركها الخُلّص كسلمان والمقداد وعمّار بحقيقتها الإمامية، وضلّ فيها أهل الغلو. وحتى ما يُثار حول شخصية «عبد الله بن سبأ»[30] — سواء أكانت حقيقةً تاريخيةً أم شخصيةً مختلقة — فإنّ مجرد طرحها يعكس ظهور شواهد غيبية وإعجازية من أمير المؤمنين (عليه السلام) حيّرت العقول.
ومثال ذلك الجلي: يتجسد في قضية فتح قلعة خيبر؛ فإنّ فتح أمير المؤمنين (عليه السلام) لباب خيبر أمرٌ يمتنع تفسيره بالموازين العسكرية البشرية المادية؛ بالنظر إلى كيفية بناء قلعة خيبر ومناعتها، واستحالة اقتحامها بالسيف والرماح، إذ كانت محاطةً بطوقٍ أول من كمائن النخيل الكثيفة الممتدة على مساحة دائرية واسعة لا ينجو منها أحد.
والنتيجة: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما بعث الأول ثم الثاني ثم عمرو بن العاص رجعوا؛ حيث «يُجَبِّنُ أَصْحَابَهُ وَيُجَبِّنُونَهُ»[31] [32] ، وكان مصرع شهداء المسلمين في أوائل ذلك الطوق النخيلي لعجزهم عن اختراقه إلى العمق، إذ يعقب طوقَ النخيل ثلاثةُ أطواق من البيوت المشيدة بجدران صخرية تحيط بالجبل كأنها أسوار دائرية محصنة.
ففي البداية كان موضع مقتل شهداء المسلمين؛ ومقتضى ذلك أنهم لم يستطيعوا اختراق هذا الطوق النخيلي، إذ يعقُب طوقَ النخيل طوقٌ من البيوت المشيدة جدرانها من صخر الجبال، وهي ثلاثة أطواق من البيوت تحيط بالجبل كله إحاطة دائرية؛ فالمتحصل: طوقُ نخيلٍ أول، ثم ثلاثة أسوار من البيوت الصخرية، ثم الجبل نفسه الذي شُيِّدت فوقه قلعة خيبر. فكيف يمكن ارتقاء هذا الجبل؟ إذ لو فُرضت النجاة من كمائن النخيل ومن البيوت الصخرية وأُريد صعود الجبل، لصار المقاتل غرضاً لسهام رماة النخيل ورماة البيوت ورماة القلعة من أعلى الجبل، فلا يُتأتَّى اقتحامه إلا بما يشبه الطائرات النفاثة والمروحيات في العصر الحاضر، ثم بعد ذلك كيف يُقلع الباب الحصين؟ فهذا الفتح الذي حققه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في خيبر يبدو كأنه أسطورة عسكرية ومعجزة غيبية، سواء في قلع الباب أو في قتله لمرحب والحارث وغيرهما؛ وإذا ما روعيت أبعاده وتُصوِّرت هندسته عسكرياً بدقة، تبيّن أنه كرامة إلهية خارقة للعادة.
حتى إن الموضع الذي بارز فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقتل أبطالهم في وسط النخيل تنبع منه عين إلى يومنا هذا تُعرف بـ«عين علي»، وإذا قصد المرء خيبر الجديدة وسأل عن خيبر القديمة قد لا يُهتدى إليها، بينما إذا سأل عن «عين علي» عُرفت فوراً؛ والعلة في ذلك أن المسافة بين خيبر الجديدة الواقعة على طريق (المدينة – تبوك) وبين الحصن القديم تبلغ نحو خمسة كيلومترات، وهناك كان معسكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) على بعد خمسة كيلومترات احترازاً وتحصيناً للجيش من كمائن اليهود.
ولأجل هذا الانسداد العسكري، كان أبو بكر يذهب بالراية فيرجع يُجبِّن أصحابه ويُجبِّنونه، ويعدّونه سبباً للإخفاق لافتقاره إلى الكفاءة في الإدارة العسكرية، ثم ذهب عمر فرجع كذلك كما تضافرت به نصوص المسلمين: «يُجَبِّنُ أَصْحَابَهُ وَيُجَبِّنُونَهُ»[33] ، وكذلك صُنع بعمرو بن العاص، فتطلعت الأعناق إلى من يفتح الله على يديه. فهل يُعقل أن يُنجز هذا الفتح باقتدار بشري عادي وبلا غطاء جوي يتجاوز كمائن النخيل، والأطواق الثلاثة، ورضخ المنجنيق، وسهام الرماة من فوق القلعة ومن أسفلها؟ فكيف تخطاها (عليه السلام) حتى قلع باب الحصن: «فَجَعَلَهُ عَلَى الخَنْدَقِ جِسْراً لَهُمْ حَتَّى عَبَرُوا»[34] ؟! فالفتح بتمامه كان على يد أمير المؤمنين (عليه السلام)، وليست هذه وقائع بشرية محضة، بل هي تجلٍّ للمعان الغيب في شخص علي (عليه السلام) عسكرياً وإدارياً.
أولم يناجِ الرسولُ الأعظم (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام)؟ والمقصود هو ما استفاضت به الروايات حين اعترض المعترضون على طول مناجاته له، فما المدلول العقدي لهذا الحديث المتواتر عند الفريقين القاضي بأن علياً (عليه السلام) ناجاه الله تعالى بمشهد من النبي (صلى الله عليه وآله) والصحابة ساعات طوالاً من النهار في خمسة مواطن على أقل تقدير؟ حتى اضطرمت نفوسهم وقالوا: ما زال يناجي ابن عمه طيلة النهار ونحن جالسون نتفرج، فأجابهم النبي (صلى الله عليه وآله): «مَا أَنَا انْتَجَيْتُهُ، وَلَكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ انْتَجَاهُ»[35] .
حيث قامت ثائرتهم قائلين: لا يزال يناجي ابنَ عمّه طيلةَ النهار ونحن محبوسون! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «مَا أَنَا نَاجَيْتُهُ، وَلَكِنَّ اللهَ نَاجَاهُ»[36] .
والتساؤل هنا: ما مقتضى هذه العبارة الصادرة عن سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) في شأن عليٍّ (عليه السلام)؟ إذ يزعم بعضُهم أنَّ القول بالبُعد الغيبيّ في إمامة أهل البيت (عليهم السلام) إنَّما قال به الشيخ المفيد، فما الذي يتحدّثون عنه إزاء هذا الحديث النبويّ المتواتر في حقّ عليٍّ (عليه السلام)؟ فهل ترى هذا المعنى شيئاً سوى البُعد الغيبيّ؟
ومثال ذلك أيضاً: ما وقع في غزوة ذات السلاسل التي نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ¤ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ¤ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ¤ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ¤ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾[37] [38] ؛ إذ بُعث أبو بكرٍ فرجع خائباً، ثم بُعث عمر فرجع خائباً، ثم بُعث عمرو بن العاص فرجع خائباً. والسبب في ذلك أنَّ وقعة ذات السلاسل كان فيها مئتا فارسٍ من فُتّاك الفرسان، يُعِدّون لعقد هجومٍ كاسحٍ على مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) المنوّرة، وعندما أرسل النبيُّ (صلى الله عليه وآله) أميرَ المؤمنين (عليه السلام) تجلّت دقّة التخطيط والإدارة، فالمسألة ليست مقتصرةً على قوّة البدن، بل هي إتقانٌ لكيفيّة إدارة الموقف العسكريّ وتدبيره.
والحاصل: أنَّ عمرو بن العاص حين تيقّن أنَّ عليّاً (عليه السلام) سيكسب الجولة أراد إفساد الخطة عليه ليفشل، فلم يستطع إلى ذلك سبيلاً؛ فبعث أبا بكرٍ ليقترح عليه الذهاب من طريقٍ آخر فلم يُجبه بشيء، ثم أرسل عمر فلم يُجبه أيضاً، ونحّاهما جانباً ومضى لأمره. فالمقصود على كلّ حال أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) هو صاحب المواقف الفاصلة، ولمعانُ الغيب فيه مشهودٌ عند المؤمنين.