48/03/05
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /حفظ المصالح العليا وقاعدة التزاحم في الفقه السياسي
حفظ المصالح العليا وقاعدة التزاحم في الفقه السياسي
حصر الحاكمية بالله وأولياته ومسؤولية الأمة
في المسؤوليات العامّة، سواء في القضاء أو في الجهاد والنشاط العسكريّ أو في السلطة التنفيذية وسائر السلطات العامّة، وقع الجمعُ بين الأدلة التي تحصر الولاية بالله ورسوله وذي القربى، وبين الأدلة الأخرى الدالّة على أنّ هذه المسؤوليات العامّة لا يمكن أن تُعطّل بحال؛ كما ورد في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في قبال كلام الخوارج حين قالوا: «لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»، حيث استدلّ الخوارج بحصر الحاكميّة لله (عزّ وجلّ) على نفي وجود الحاكم البشريّ، ولا تلازم بين الأمرين؛ إذ بإذنٍ من الله لخلفائه المصطفين في الأرض يفوّض سبحانه تشريعاً الحاكميّة للرسول ولآل الرسول، فتبقى قضية «لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ» على حالها من جهة، ويثبت تفويضه لخلفائه من جهةٍ أخرى[1] .
وكذلك ما دلّ على حصر السلطات العامّة في القضاء والسياسة وإقامة الحدود والتشريع بالله ورسوله وآل الرسول من ذوي القربى، لا ينافي أنّ هذه الوظائف العامّة لا تسقط إن منع مانعٌ من تصدّي سيّد الرسل والأئمة المعصومين (عليهم السلام)؛ فالكثير يظنّ أنّ هذا نوعٌ من التدافع، لكن ليس في البين أدنى تدافعٍ أو تناقض.
وتوجد خطاباتٌ قرآنية كثيرة في هذا المضمار، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾[2] ، سواء كان الخطاب متوجّهاً إلى الحكّام أو إلى عموم الأمة، وقوله سبحانه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾[3] ، وقوله (عزّ وجلّ): ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾[4] ؛ فالمسؤوليات العامّة ووظائف الدولة تقع على عاتق الأمة أيضاً.
وليس معنى ذلك: أنّ الحاكميّة والصلاحية والرئاسة هي بالأصالة بيد الأمة، بل هي حصراً بيد من عيّنه الله خليفةً له، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾[5] ، فلم يقل سبحانه «إنّما وليّكم أنفسكم»، بل قال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾[6] ، وهو ما ثبت نزوله في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بتواتر روايات الفريقين ومفسّريهم[7] ، وكذلك الفيء أسنده الله إلى نفسه وإلى الرسول وإلى ذي القربى.
ففي حين يُسند القرآن الكريم هذه المسؤوليات والصلاحيات العامّة إلى الله ورسوله والمصطفين من ذوي القربى، فإنّه يحمّل الأمة في الوقت ذاته مسؤولية إقامة وظائف الدولة؛ كالجهاد مثلاً في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾[8] ؛ إذ يقع على عاتق الأمة أن تعين وتتعاون مع أولياء الأمور، وهم النبيّ وقرباه (عليهم السلام).
والحاصل: أنّه ليس معنى تحميل الله (عزّ وجلّ) الأمة مسؤوليات وظائف الدولة أنّ الحاكميّة مجعولةٌ للناس، بل الحاكميّة تظلّ لله وللرسول ولذي القربى، غير أنّ هذه القيادة الإلهية الاصطفائية لا بدّ أن تجد تعاوناً ونصرةً من الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[9] ، فالتغيير من الله تكويناً وتشريعاً منوطٌ بقيام الناس بمسؤولياتهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾[10] .
الأمور الحسبية ووظيفة الأمة عند تعذر بسط يد المعصوم
والسؤال المطروح هنا: إذا مُنع خليفة الله في موطنٍ من المواطن أو زمنٍ من الأزمنة من القيام بمسؤوليته لتغلّب الظالمين أو لغير ذلك، فما هي الوظيفة الشرعية الملقاة حينئذٍ على عاتق الأمة؟
هل تبقى هذه المسؤولية العامة مهملة؟
والجواب: لا، بل لا بد حينئذٍ من أن تنبري الأمة لإقامتها؛ لأنَّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تُعطَّل. وصحيحٌ أنّ صلاحيتها حصراً لله وللرسول ولذي القربى، ولكن إذا منع الظالمون من ذلك فليس معنى هذا أن تظل الأمور في انفلات، وهذا ما يُعبَّر عنه بـ«الأمور الحِسْبيّة»[11] ، وهي الأمور التي لا بد من إقامتها بالضرورة.
والحاصل: ليس معنى ضرورة إقامتها أنّ الصلاحية والحاكمية بالذات للأمة، بل الصلاحية لمن جعل الله له الصلاحية، ولكن إذا مانع الظالمون ذا الصلاحية فاللازم أن تقوم نخب الأمة أو الفقهاء بحسب الأولى فالأولى، بلحاظ نيابة الفقهاء العامة عن المعصوم (عليه السلام)، تطبيقاً لمفهوم النبوي الشريف: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»[12] .
والنتيجة: ليس في البين تدافعٌ أو تناقض، ففي العلوم السياسية النظام والحكم طبقاتٌ وليس طبقةً واحدة، وإدارة المجتمع لها هياكل متعددة؛ فأمير المؤمنين (عليه السلام) يشيّد الهيكل المحمدي في الدولة، لا أنه يدعم الهيكل السقيفي، وهناك فرقٌ دقيق بين الأمرين.
التفكيك بين تشييد الهيكل الإسلامي واستثمار الظالمين له
فإن قيل: إنَّ دعم الهيكل المحمدي في دولة حضارة الإسلام ستستثمره سلطات السقيفة أو السلطات الأموية أو العباسية في دعم سلطانهم. فالجواب: إنَّ هذا الاستثمار وإن وُجد، إلا أننا يجب أن نحافظ على أصل البناء الذي بناه سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) لكي يبقى ولا يتلاشى؛ فإنَّ السلطات الجائرة كبني أمية وبني العباس ستستثمر ذلك لمقطعٍ زمني يزول ويولّي، ولكنَّ أصل هيكل الإسلام ودينه باقٍ، ويجب التفكيك بين الأمرين، فاستثمار الطرف الآخر يُعدّ مفسدةً، ولكنَّ إقامة مصلحة بنيان الإسلام وحفظ بيضة الدين مصلحةٌ عظيمة مقدَّمة في التزاحم، وهي الأهم التي يجب الالتفات إليها دائماً.
المنهج اليوسفي في إقامة العدالة الإنسانية وإنقاذ المجتمعات
ومثال ذلك: أنّ هذا المعنى ينطبق حتى في الأنظمة غير المسلمة؛ فالنبي يوسف (عليه السلام) لم يكن أمامه نظامٌ إسلامي، بل كان نظاماً مصرياً عابداً للوثن، ومع ذلك أنجاه من أزمةٍ اقتصادية تجر إلى أزماتٍ أمنية ومجتمعية وأخلاقية وسلسلةٍ من المفاسد، حيث أرسى العدالة مع أنّ المجتمع كان لا يزال وثنياً ولم يؤمن به، لأنَّ النبي يوسف (عليه السلام) لاحظ الجانب الإنساني؛ فإنَّ الله لا يحب الفساد والظلم، والناس: «إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»[13] .
والشاهد فيه: قول الملائكة حين قال الله عز وجل: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾[14] ، والمقصود دماء البشر عموماً، كمنطق القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾[15] ، حيث عبّر بالمستضعفين ولم يخصّص المسلمين أو المؤمنين في تلك القرية.
إنَّ الله عزّ وجلّ يُحمّلنا مسؤولية الإصلاح في الأرض حتى مع غير المسلمين؛ لا من جهة إقرار كفرهم أو دعمه، بل دعماً للجهة الإنسانية والكرامة الآدمية التي فطر الله الخلق عليها وأراد حفظها، ومثل هذا الدعم وتلك الآليات الإصلاحية تُعدّ وسيلةً جاذبةً إلى التوحيد، وتُوظَّف في هذا السبيل كما وظّفها نبيّ الله يوسف (على نبينا وآله وعليه السلام).
والشاهد في ذلك: أنَّ النبيّ يوسف (عليه السلام) لم يتلكّأ في النهوض بهذا العبء، وبيان القرآن الكريم لقصته يؤسس لقاعدةٍ ساريةٍ في المنظومة الإسلامية؛ ومؤدّاها أنَّ المؤمن إذا وُجد في مجتمعٍ أو نظامٍ غير إسلامي، فإنَّ وظيفته تقتضي الانخراط والسعي في إقامة العدالة الإنسانية وإصلاح الأرض، بغية رفع الحيف عن الشعوب المستضعفة المقهورة تحت وطأة الأنظمة الإقطاعية والرأسمالية الجائرة، وهي شعوبٌ يعيش كثيرٌ منها اليوم حالةً من الضيق والاستياء، إذ لا تجد متنفساً لحريتها وكرامتها.
ومصداق ذلك: ما ترصده التقارير والبيانات الاقتصادية من أنَّ أكثر من 95% من الثروات في المنظومة الغربية باتت محتكرةً بأيدي فئةٍ لا تتجاوز 1% من السكان، بعد أن كانت قبل عقودٍ قليلة محصورةً بنسبة 90% لدى نحو 7%، في قبال 93% من عامة الناس لا يملكون سوى 10% من مجموع الثروات، فضلاً عن الضرائب التصاعدية الباهظة التي تبتلع قرابة 40% إلى 50% من المداخيل، ناهيك عن الضرائب المفروضة على العمل والمنازل والمركبات وسائر المقتنيات، مما يُصيّر تلك الطبقات المهيمنة بمثابة أجهزة امتصاصٍ لجهود شعوبها قبل الشعوب المستعمَرة.
ويظهر الفرق جلياً: في أنَّ الفرد المسلم في المجتمعات الإسلامية يمتلك مسكنه الخاص في الغالب، في حين يعيش نصف المجتمع الغربي — أو يزيد على ذلك — تحت نير الإيجارات، فإذا ما تعطلت وظيفته بات مهدداً بالتشرد والنوم في الطرقات؛ لكون استقراره المعيشي وأمنه الشخصي مرهونين بالعمل بصورةٍ قسريةٍ دائمة؛ ولهذا تعالت الأصوات والتقارير التي ترى في مقارعة تلك المنظومات الاستكبارية متنفساً حقيقياً لإنقاذ الإنسان المظلوم.
والنتيجة المستفادة: أنَّ هذا المنهج يُمثل جوهر ما قام به النبي يوسف (عليه السلام)، وهو الملاك نفسه في فلسفة إنقاذ المجتمعات الإنسانية؛ فإنَّ الجماهير حين ترى راية الإسلام الحق تنهض بالدفاع عن حقوقها وبسط العدل وقمع الاستئثار، تنقاد إلى الدين الحق انقياداً فطرياً وطبيعياً.
ومما يُستأنس به: ما نُقل في مقابلةٍ مع مسؤولٍ استخباريٍّ سابقٍ في روسيا حين سُئل عن شخصياتٍ عُدّت من رموز الحركة الشيوعية؛ كـ«تشي غيفارا» و«كاسترو» و«شافيز»، فأفاد بأنَّ هؤلاء لم يكونوا في جوهر حركتهم شيوعيين بالمعنى العقدي، وإنما كانوا يطلبون الحرية المطلقة والعدالة المطلقة في مواجهة الإمبريالية؛ وهذا يكشف بجلاءٍ عن أنَّ الفطرة البشرية تظل نابضةً بطلب المنقذ الحقيقي؛ وإنَّ المنقذ في طلب الحرية المطلقة هو الإمام الحسين (عليه السلام)، وفي إقامة العدالة المطلقة هو الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
العلوم السيادية والاستقلال المالي في مواجهة الهيمنة المعاصرة
إنَّ فطرة شعوب البشر تنبض دومًا بالشوق إلى المنقذ وتطلب العدالة الحقة، والبشرية اليوم تلمس هذه الحاجة في سائر المجالات؛ اقتصادياً وتجارياً وجمركياً، وحيث إنَّ الضرائب علمٌ قائمٌ برأسه من علوم الاقتصاد، وكذلك الجمارك والتأمين والعلوم المصرفية، فإنَّه إن لم يتضلّع المؤمنون في هذه العلوم صاروا أسرى لإقطاع العالم والمنظومات الرأسمالية المهيمنة؛ إذ تُعدّ علوم البنوك والمال والاقتصاد كافّةً من الأدوات السيادية ومنابع القوّة لأيّ أُمّة.
وفي بلدٍ كالعراق — على سبيل المثال — ما لم يفقه أهله واقع البنوك وآليات حركتها، فإنَّ البنك المركزيّ سيُدار فعليّاً من قِبل قوى أجنبية عابرة للمحيطات، وإن وُصف البلد صورياً بأنَّه كامل السيادة، وهذا التوصيف لا يختصّ بالعراق وحده، بل يشمل دول العالم الإسلامي والشرق الأوسط كافّةً؛ لكون مفاتيح علوم المال والمصارف والاقتصاد والتجارة الاستراتيجية والزراعة ليست بأيديهم، في حين ينصرف توجّه المؤمنين والنخب في الأعمّ الأغلب إلى تخصصات خدمية كالطب والهندسة المدنية مع الغفلة عن التخصصات السيادية ذات التأثير المباشر في القرار والاستقلال.
والشاهد في ذلك: ما رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: «فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا»[16] ؛ فبينما تحيط بالمنطقة جُزرٌ وقواعد عسكرية أجنبية تضطرم بالتهديد، تنبري أصواتٌ تدعو إلى إضعاف القوّة ونزع السلاح، وهو ضربٌ من الغفلة وسلبٌ لعوامل المنعة والاقتدار.
والمتحصل: أنَّ أيّة دولةٍ تفقد هذه المفاصل تغدو دولةً منتدبةً مسلوبة الإرادة لا تملك من أمرها شيئاً؛ حيث تصبح السيطرة على النفط، والمجال الجوي، والقدرات العسكرية، والمنظومة البنكية خاضعةً للإملاءات الخارجية، فتُخزن الثروات النفطية في حساباتهم ويتحكّمون في تقطيرها، ويدّعون زيفاً أنَّ الاستعباد سمةٌ إسلامية في حين يمارسون الاستعباد المالي الشامل على الشعوب كافّةً، بالتعامل معها معاملة القاصر أو العبد المحجور عليه.
وقد كشفت بعض التقارير الدولية الصادرة حديثاً عن مساعٍ حثيثة لتوظيف منظومة «العملة الرقمية» لمدّ الهيمنة إلى ما هو أبعد من احتكار النفط ونظام «البترودولار»؛ وذلك بجعل حركة النقد العالمية بأسرها تحت الرقابة المباشرة للبنوك الدولية، بما يتيح لها التحكّم في منافذ الصرف للدول والأفراد على حدٍّ سواء وتتبّع حركة الأموال خطوةً بخطوة حتى لدى الطبقات المستضعفة، وهو نحوٌ من الاستعباد المعاصر المطبق، في الوقت الذي تسعى فيه بعض الأبواق التغريبية لتصوير الرأسمالية الغربية بصورة الفردوس المنشود.
والحاصل: أنَّ العودة إلى هذا التأصيل تُجلي لنا وجه الحكمة في تصدّي نبيّ الله يوسف (عليه السلام) لتحمّل المسؤوليات العامة وتدبير مفاصل الاقتصاد والنظام، ممّا يستدعي الوقوف على العلّة التشريعية في أمره تعالى له بالنهوض بتلك الوظائف.
وكأنّما كان إعداد نبيّ الله يوسف (عليه السلام) منذ صغره لأجل أن يحمي البشريّة من الأزمة العاصفة التي حلّت بها، لكي يتّجه الناس إلى أنّ نظام الله تعالى هو النظام الآمن، وأنّ أمن المعمورة إنّما يستتبّ بإدارة إلهيّة لا بإدارة بشريّة محضة؛ ولذلك لولا تدبير يوسف (عليه السلام) لعاشت البشريّة في جحيم مطبق، سواء على صعيد البعد الزراعي والأمن الغذائي، أم على صعيد النظام النقدي والمالي؛ إذ كانت الأزمة مركّبة وذات حلقات مترابطة.
والشاهد فيه: أنّ قصّة يوسف (عليه السلام) تمثّل مضرب مثل إلهيّ عظيم؛ حيث ابتدأت بأزمة نقديّة واقتصاديّة، ثمّ تحوّلت بالتداعي إلى أزمة أخلاقيّة ومجتمعيّة، ثمّ إلى أزمة عسكريّة وحروب؛ إذ متى ما حلّ القحط والمجاعة نشبت النزاعات واستوحش البشر بعضهم ضدّ بعض؛ فتدارك الله عزّ وجلّ تلك الأزمات الزراعيّة والتجاريّة والماليّة والعسكريّة والأمنيّة والأخلاقيّة بتدبير نبيّ من أنبيائه، ومرشدهم إلى أنّ إدارة شؤون الأرض تفتقر بالضرورة إلى هداية وحيانيّة معصومة.
وليس من قبيل العبث حينما بيّن الله سبحانه أنّ فيء الأرض وثرواتها لا يُرسى ميزان العدالة فيها إلا بحصر تدبيرها بثلاثة: الله تبارك وتعالى وليس له شريك، وخليفته سيّد الرسل (صلى الله عليه وآله)، وخلفاؤه المعصومون من قرابته، كما هو مصرَّح به في سورتي الحشر والأنفال؛ إذ تشكّلان معاً شبكة نظام ماليّ متكامل، حيث يقول تعالى: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾[17] ، وهي ثروات الأرض عند الفريقين.
تنبيه: ليس هذا الحصر التشريعي من باب التعصّب القبليّ — وحاشا لله من ذلك —؛ إذ ليس بين الله وبين أحد من خلقه قرابة عِرقيّة، بل الملاك هو الأهليّة الوحيانيّة والعصمة؛ فالنبيّ عيسى (عليه السلام) نبيّ حيّ من أولي العزم، غير أنّ الوحي والإنجيل الذي أُنزل عليه لا يؤهّله لإقامة العدالة التامّة في الأرض كلّها بحسب منطق سورة الحشر، وكذلك النبيّ إدريس والنبيّ إلياس (عليهما السلام) مع كونهما حيّين، وبحسب عقيدة الرجعة[18] الثابتة بالقرآن والروايات سيرجع الأنبياء (عليهم السلام)، ولكنّ التوراة وصحف إبراهيم لا تؤهّل لبسط العدالة الشاملة، بل المؤهَّل الحصريّ للعدالة العالميّة في الأرض هم الثقلان: القرآن الكريم، وقرابة النبيّ المعصومون (عليهم السلام) الذين يمثّلون عدله التطبيقيّ.
والحاصل: إنّ سورة الحشر بيّنة الدلالة في علوّ العلم الوحيانيّ المذخور عند سيّد الأنبياء وقرابته المصطفين دون غيرهم، وقد علّل القرآن الكريم هذا التوزيع الماليّ لئلا يكون فيه انحياز فئويّ، فقال عزّ من قائل: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ﴾ [19] ؛ أي منعاً لاحتكار الثروات وتكدّسها، وهو عين ما تقع فيه النظم البرجوازيّة والإقطاعيّة والرأسماليّة، بل حتى النظام الشيوعيّ في الاتحاد السوفيتي آل أمره إلى إقطاع ورأسماليّة مقنّعة.
وهذا المنهج الإلهيّ يبتني على عدم استئثار الحاكم بالأموال وعدم محاباة أيّ طرف في تطبيق العدالة وفق شروط نزاهة صارمة جدّاً؛ ولذا كان الإمام الصادق (عليه السلام) يخاطب أصحابه بأنّهم في سعة وراحة، ولو استلم الأئمّة مقاليد الحكم الظاهريّ ولم يعقهم الظالمون لعاشوا عيشة الشدّة وشظف العيش كعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) [20] ؛ لأنّ إقامة العدالة الإلهيّة تقتضي نزاهة وتجرّداً تامّاً، ومن كان يرتاب في موروث الفريقين الحديثيّ فلا يسعه الارتياب في محكمات القرآن.
تقديم المصلحة العظمى على التبعات الهامشية في التزاحم
والنتيجة: إنّ ثمّة تفكيكاً واجباً بين إقامة الصلاح والإصلاح في الأرض وبين استثمار النظم الجائرة لذلك؛ فلو أصلح النبيّ يوسف (عليه السلام) النظام المصريّ في ذلك العصر، فإنّ السلطة الكافرة والمجتمع الوثنيّ سيستثمرون ذلك في ترسيخ ملكهم وتحقيق رفاههم المعيشيّ، ومقتضى التزاحم تقديم المصلحة العظمى؛ لأنّ صيانة الجانب البشريّ وحفظ الدماء والأرواح مقدّم عند الشارع، ولا يصحّ أن تُعطَّل هذه المصلحة الحيويّة بذريعة أنّ المستكبرين أو الفاسدين سينتفعون منها تبعاً.
لأنّ الجانب البشريّ والدينيّ الإلهيّ هو الأهمّ، وإنِ استثمره الآخرون، واستثماره لا يقتضي إلغاء المصلحة العظمى للبشريّة، بل هي مصلحةٌ قائمةٌ وثابتة، وفي هامش هذه المصلحة العظمى يستثمر الكفّار والمنحرفون، وكذلك تستثمر السلطة الجائرة، إذ ليس من اللازم في إقامة العدل في الأرض ألا يستثمر الظالم شيئاً، بل هو يستثمر بطبيعة الحال، والأمر يدور مدار حفظ أصل مصلحة البشر، وذلك لأنّ الفطرة البشريّة هي عينُ الدين؛ قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾[21] ، فالإنسانيّة ليست أمراً مبايناً للدين، بل الإنسانيّة هي الدين، والدين هو الإنسانيّة، ونبض الفطرة الصافي غير الملوّث هو حقيقة الدين؛ فهل الدين شيءٌ سوى ذلك؟ ومن ثَمَّ يجب حفظ بيضة الإسلام، وإن لازم ذلك استثمار الكافرين والكفر والظالمين والباطل لمكاسبهم، فليستثمر الباطلُ ما شاء.
والشاهد على ذلك: أنّ سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله) لمّا انتصر في حُنين، ألم يأخذ الغنائمَ الطلقاءُ والمنافقون من قريش؟ بلى، أخذها المنافقون، ولكن أيّهما أعظم: نصرُ الإسلام والنبيّ في حُنين، أم الأموالُ التي حازها الطلقاء؟ فهل يُشترط في أيّ مشروعٍ إلهيّ ألا ينتفع منه الباطل أصلاً؟ ومن أين جاءت هذه الدعوى؟ وأيّ معادلةٍ هذه في الفقه السياسيّ أو في باب التزاحم في الملاكات بين المصالح والمفاسد؟[22] ؛ فحفظُ أصل الدين أهمّ قطعاً، وحتّى لو استثمر الباطلُ ذلك، فإنّ انتفاعه وتمصلحه لا يبلغ بحالٍ مصلحةَ تثبيت البنية الإلهيّة، وتتفرّع عن ذلك قاعدةٌ كبرى في الفقه السياسيّ وفقه الإدارة وتزاحمات المسؤوليات العامّة وسائر الأبعاد.
بطلان ذريعة الفساد الجزئي لتقويض أصل القوة والمنعة
الإشكال المطروح: قد يعترض معترضٌ فيقول: إنّ الدعوة إلى نزع السلاح منشؤها وجود جماعاتٍ لديها تجاوزاتٌ ومظاهر فسادٍ ومفسدون يستغلّون الواقع.
والجواب عنه: أين يقع أصل راية الإيمان وحفظ البلد بهذه السواعد التي بذلت الشهداء؟ فصحيحٌ أنّ هناك مفسدين يستغلّون ويستثمرون، وما من فعلٍ إلا ويُحتمل استغلاله، بيد أنّ ذلك لا يسوّغ التفريط في أصل الفعل، فانظروا كيف تُدار هذه الموازين؛ إذ هل يُعقل أن يُتذرّع باستغلال جماعةٍ لمنطقةٍ في ضواحي كربلاء لإعادتها إلى قبضة داعش من جديد؟ فأين تذهب العقول؟ وكيف تزعزع هذه الشمّاعات الواهية مصالح عظيمة؟ حيث يُصار إلى جعل الفساد الهامشيّ أصلاً لتضييع الأهميّة العظمى لأمن البلد ومصالحه العليا.
والحاصل: أنّه ما من خطوةٍ خطاها النبيّ أو أمير المؤمنين أو الحسن أو الحسين (عليهم السلام) إلا واستغلّها المنافقون أو الفاسدون؛ فالإسلام الذي شيّده النبيّ (صلّى الله عليه وآله) استثمره أهل السقيفة ثمّ بنو أميّة، وفي عهد الخليفة الأوّل وُلّي يزيد بن أبي سفيان الشام قبل معاوية، فنشأ الحزب الأمويّ بوصفه عصابةً مفسدة، وقد تواترت الروايات عند الفريقين في أنّهم الشجرة المفسدة التي: «يَتَّخِذُونَ عِبَادَ اللَّهِ خَوَلًا، وَمَالَ اللَّهِ دُوَلًا، وَكِتَابَ اللَّهِ دَخَلًا»[23] ، فهل يصحّ الزعم بأنّ غاية جهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في إقامة الحضارة والدولة كانت ركوب الأمويين أو السقيفيين أو العباسيين لموجتها؟ كلا، إنّ هذا لمنطقٌ باطل؛ إذ الأمويّون مرحلةٌ انقضت، والعبّاسيّون حقبةٌ مضت، وبقيت ربوع الإسلام ومبادئه خالدة، فهل كان يسوغ للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) أن يفرّط في تلك المبادئ العظيمة خشيةَ استثمار الأمويين أو السقيفيين لها؟ كلا وألف كلا.
ومثال ذلك في الواقع المعاصر: أنّك إذا أقمت بنياناً مشيداً، قيل لك: لِمَ تخوض غمار السياسة وفيها مفسدون يستغلّونك؟ فيؤول زمام البلد إلى الأشرار يستثمرونه كما شاؤوا، ويُقال لك: الزم الطبّ والهندسة ودَع إدارة شؤون البلد وحكمه للأشرار؛ فأيّ منطقٍ هذا؟
أفتذهب إلى دراسة الطبّ والهندسة وتدع مقاليد البلد وإدارته في أيدي الأشرار؟! فبأيّ منطقٍ يُسوَّغ ذلك؟! أبدعوى أنّ السياسة مَفْسَدة؟! فالواجب حينئذٍ أن تلج الميدان دون أن تَفْسُد، فتنهض بالمسؤوليّة مع التحرّز من التلوّث، ولا تعتذر بمقولة: «إنّ اليد الواحدة لا تُصفّق»؛ فإنّه إذا علم الله منك صدق الإخلاص فقد يجعل في عملك البسيط هذا منطلقاً لتحوّلٍ جوهريّ وتغييرٍ استراتيجيّ، كما كان الحال في نبيّ الله داود (عليه السلام)؛ إذ كان فقيراً وأضعف فردٍ في الظاهر ضمن جيش طالوت حين واجه دولة جالوت العظمى، وكانت وسيلته القتاليّة بدائيّةً للغاية، ومع ذلك كلّه جعل الله عزّ وجلّ التغيير المفصليّ يتحقّق على يديه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾[24] .
والحاصل: أنّه لا مسوّغ البتّة للتفريط في المصالح الكبرى بذريعة اقترانها بهامشٍ من الفساد أو الباطل أو النفاق. ومثال ذلك: الدعوة إلى نزع السلاح بحجّة أنّ ثمّة أفراداً منفلتين أو فصائل غير منضبطة تستغلّه؛ فلئن وُجد شيءٌ من الانفلات فليس مقتضاه إعدام أصل القوّة والسلاح؛ وتلك قاعدةٌ عظيمة في الفقه السياسيّ جرى عليها نبيّ الله يوسف (عليه السلام) وأئمّة الهدى ورسول الله (صلّى الله عليه وآله). فلا يسوغ التخلّي عن المصلحة العظمى بحجّة دفع مفسدةٍ هامشيّة، ولا القضاء على أصل وجود المؤمنين في مفاصل الإدارة وسلطة الحكم، وإلّا كان ترك الحكم تسليماً له للأشرار والمفسدين، وهو ممّا يأباه العقل والشرع.
والقاعدة المستفادة: أنّ إقامة المصالح العامّة وحفظ بيضة الدين واجبٌ متعيّن ولو استثمر تلك المنجزاتِ المنافقون أو المفسدون أو النفعيّون؛ إذ لا يعني استثمارهم ذاك جوازَ التفريط في أصل المصلحة العامّة، ارتكازاً على قاعدة تقديم الأهمّ على المهمّ في باب التزاحم[25] . وحيث إنّ الفساد وإن كان محرّماً وذا تبعاتٍ وخيمة، إلّا أنّ مفسدته لا ترقى إلى مستوى تفويت المصلحة الوجوديّة العليا، في حين أنّ الأبواق الإعلاميّة المضلّلة تسلّط الضوء على مكامن الفساد الجزئيّ لتسويغ هدم البنية العظمى والكيان الأساس، ولا يعني التمسّك بالمصلحة إمضاءَ الفساد أو إقراره، وإنّما عدم جعل الشبهات ذريعةً لتقويض الأصل الأهمّ.
والشاهد على ذلك: ما جرى في دفع خطر الهجمة الداعشيّة؛ فهل حَمَت الدولةُ حياضَ الوطن ونهضت بتمام المسؤوليّة؟! لقد كان جهدها محدوداً لعجزها وقلّة حيلتها، كما أنّ الدول التي عُوِّل عليها نكثت عهودها ومنعت السلاح، ولم تمدّ دول الجوار يد العون باستثناء دولة الإيمان، بل تواطأت سائر القوى وتآمرت؛ فكيف يُغفل عن هذا الواقع الصارخ ويُنساق وراء التضليل والانقلابات العسكريّة التي تديرها الأيدي الأجنبيّة؟!