الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/03/04

بسم الله الرحمن الرحيم

 

موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /التفكيك بين نظام الدولة والسلطة ومنهجية تراكم القرائن في الاستنباط

 

التفكيك بين نظام الدولة والسلطة ومنهجية تراكم القرائن في الاستنباط

دلالة القوة العسكرية وأبعاد تشريع الجهاد في الروايات

مرَّ بنا أنَّ الشيخ الطوسي في «التهذيب» في باب فضل الجهاد — أو قلْ أدلّة تشريع الجهاد، وهو أوّل بابٍ من أبواب الجهاد فيه[1] — وكذلك الكليني في أوّل بابٍ من أبواب الجهاد من كتابه «الكافي» وهو باب فضل الجهاد أي تشريعه[2] ، قد أوردا رواياتٍ كثيرةً عن الإمامينِ الباقر والصادق (عليهما السلام)؛ وجلُّ هذه الروايات مرويٌّ عنهما، وبعضها يرويانه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وجملةٌ منها لا يُسندها الإمام الباقر أو الصادق إلى سيّد الرسل (صلى الله عليه وآله)، وقليلٌ جدّاً منها بإسناد الكليني إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكنَّ الأكثر إسناداً إلى الباقر والصادق (عليهما السلام)، إمّا ابتداءً منهما (صلوات الله عليهما) كما في مفتتح هذا الباب.

يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا الخبر المعتبر مُسنداً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي السَّيْفِ، وَتَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ، وَلَا يُقِيمُ النَّاسَ إِلَّا السَّيْفُ، وَالسُّيُوفُ مَقَالِيدُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ».[3]

واللطيف هنا: أنَّ الإمام (عليه السلام) في سياق بحثٍ صناعيٍّ علميٍّ فقهيٍّ لم يذكر عنوان «الجهاد»، وإنّما ذكر آليّة الجهاد وهي القوّة العسكريّة؛ فالسيفُ المرادُ به هو القوّة العسكريّة وليس خصوصَ معدن هذه الآلة الحربيّة؛ إذ استُعمل في الآيات وبالذات في الروايات للتعبير عن الآليّات العسكريّة والقوّة العسكريّة، فالمراد من السيف في كثيرٍ من الروايات الواردة عن الباقر والصادق (عليهما السلام) أو عنهما عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو القوّة العسكريّة.

ومعنى قوله: إنَّ الخير كلّه في السيف هو إنجاز مشاريع الدين؛ فالخيرُ كلّه منوطٌ بهذه الآليّة العسكريّة، في بناء وتشييد واختزان واحتفاظ وتنامي القوّة العسكريّة؛ إذ لم يقل استعمال السيف بل قال نفس السيف، وهذا يحمل الخيرَ كلّه؛ فالخيرُ كلّه في السيف وتحت ظلّ السيف، ولا يُقام الناس على موازين الله (عزَّ وجلَّ) وأحكامه وقوانينه إلّا بالسيف، أي بالقوّة العسكريّة.

ومن الواضح الجليّ أنَّ الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) في زمانهما، في العلن والعلانيّة، لم يكن لهما أيُّ تحرّكٍ عسكريٍّ ضدَّ العبّاسيّين، ولا تحرّكٍ عسكريٍّ في صفوف العبّاسيّين أو الأمويّين ضدَّ الدول الكافرة وغيرها؛ فماذا يعني صدور هذا البيان منهما؟

التفكيك بين كيان الدولة الحضاري وشرعية السلطات الحاكمة

وكذلك الإمام زين العابدين (صلوات الله عليه)، مع أنَّه خرج ممّا أدركه من واقعة كربلاء، يوصي ويعلّم الأمّة بدعاء الثغور[4] ، وما تضمّنه دعاء الثغور من الجهاد الابتدائيّ والجهاد الدفاعيّ؛ مع أنَّ الطرف الممسك بإدارة الحكم ودَفّته آنذاك هم بنو أميّة، وهم أعداء أهل البيت (عليهم السلام)؛ ولكن لكون أصل الوظيفة معدوداً من وظائف الدولة، لم يُرِد الإمام (عليه السلام) أن تتعطّل هذه الوظيفة.

وسندخل في خوض هذا المطلب لبيان كيفيّة عدم التدافع، رغم أنَّ سلطة هؤلاء غير شرعيّة؛ فكيف يدعو الإمام (عليه السلام) بهذا الدعاء الطويل العريق للمرابطين والمجاهدين وثغور الدين، حتّى إنّه يحدّد أسماء مدن الثغور في نَفَس الدعاء، ممّا يُبيّن أنَّ الإمام السجّاد (عليه السلام) لم يكن في مقام التنظير الكليّ فحسب، بل في مقام بيان الوظيفة الفعليّة في زمانه.

الوظيفة الفعلية في زمانه: وهي وظيفة الإمام السجاد (عليه السلام) بعد واقعة عاشوراء؛ حيث يجمع الإمام (عليه السلام) بين حفظ أصل الدولة وموقفه من تلك السلطة، فتثبيت وتشييد الدولة التي بناها الرسول (صلى الله عليه وآله) شيء، وأمَويّة السلطة والحكم ملفٌّ آخر. وسنخوض في هذا البحث الذي بدأنا به في الليلة الماضية ولكن لم نستوفِ الكلام فيه.

والضابطة هنا: هي أنّ ديمومة الوظائف والمسؤوليات العسكرية لتوسعة دولة الإسلام والإيمان لا تعني إعطاء الشرعية لبني أمية أو لسلطة السقيفة، كما أنّ عدم شرعية هؤلاء لا يُعطّل تلك الوظائف العسكرية.

وكذلك كان موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في الفتوحات، كفتوحات فارس والروم، حيث كان المخطّط الأول لها، ولا نقول إنه شارك مباشرةً أو أولاده كالحسن والحسين (عليهما السلام)، ولكنّ عمار بن ياسر شارك في القادسية وكان سبب النصر، وفي معركة نهاوند كانت الخطة التي ذكرها أمير المؤمنين (عليه السلام) لعمر هي سبب النجاح[5] ، وإلا لَهُزِمَت جيوش المسلمين في نهاوند، وهي أكبر واقعةٍ في فتح فارس بعد القادسية، إذ كاد المسلمون أن ينهزموا لولا تدبير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وكما هو الحال في القضاء؛ حيث كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقوّم اعوجاج القضاء في عهد الأول والثاني والثالث[6] ، وكذلك بقية الأئمة (عليهم السلام) حين كانوا يشاهدون زيغاً في القضاء أو في الحدود والديات وسائر الوظائف التي تقوم بها الدولة في عهد بني أمية وبني العباس؛ فإنهم يردعونهم عن المسير الجائر ويُقوّمونه إلى السداد، دون أن يُضفوا الشرعية على سلطة بني أمية أو بني العباس أو سلطة السقيفة؛ لوجود تفكيكٍ جوهري بين أصل النظام الإسلامي الذي هو تركة سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) لا تركة فلان وفلان، وبين السلطات الطارئة عليه.

وهذه الحضارة تمثل دولةً حضارية، والعلوم السياسية الحديثة تُقرّر أنّ الدولة والأنظمة تتشكّل من طبقات؛ فهناك نظامٌ حضاري ودولةٌ حضارية تبقى لقرونٍ ممتدة عبر أربعة عشر قرناً رغم تعاقب الحكام الجائرين، وتلك سلطاتٌ وحكوماتٌ وقتية، تماماً كما يُفرّق في العصر الحديث بين نظام الدولة العام وبين الحكومات المنتخبة المتغيرة، وهذه قراءةٌ سياسية استراتيجية تستدعي الاستعانة بالخبراء الاستراتيجيين والسياسيين.

وحينها يستطيع الفقيه، بالاستعانة بالمتخصصين كما يستعين بعلماء اللغة، أن يُدرك أبعاد هذه المسائل؛ لأنّ مبحث الدولة مبحثٌ سياسي معقّد بامتياز، وليس مبحثاً لغوياً أو عرفياً ساذجاً، فكيف لا يستعين الفقيه في استنباطه، أو المتكلم، أو المفسر، أو الباحث في العلوم الدينية بالخبراء في المجالات المتعددة؟! إذ بدون ذلك لا يستطيع هضم النصوص الروائية ونصوص السيرة والتاريخ وقراءتها بعمق.

والنتيجة: أنّ بعضهم قد وقع في الاشتباه، ظنّاً منهم أنّ تقويم أمير المؤمنين (عليه السلام) لاعوجاج دولة السقيفة في القضاء والحدود والديات والأحكام والسياسات بمقدار ما ينقادون له هو إضفاءٌ للشرعية، في حين أنه (عليه السلام) كان يقوم بالإصلاح ويُشير ويضغط ويستنكر لإصلاح الوضع العام وحفظ هيكل النظام الإسلامي دون أن يمنحهم أيّ شرعية.

فهو (عليه السلام) يشير، ويضغط، ويستنكر عليهم، لا لأجل إضفاء الشرعيّة على سلطانهم، خلافاً لما يتوهّمه بعضُ من لا يملك أفقاً في الاستراتيجيّات والعلوم السياسيّة، فيحسبُ أنّ هذا الموقف إمضاءٌ من أمير المؤمنين (عليه السلام) لدولة الأوّل أو الثاني أو الثالث، مع أنّه لا صلةَ لإصلاحه بسلطاتهم؛ والوجهُ في ذلك: أنّ طبيعة النظام السياسيّ والاجتماعيّ ذات طبقاتٍ وهياكل متعدّدة، وليس هيكلاً واحداً بسيطاً، فكان أمير المؤمنين (عليه السلام) ينهض بحفظ الهيكل التأسيسيّ الذي بناه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وصيانته، لئلّا يعبث به من نزا على مقام الخلافة النبويّة.

الاستشراف القرآني لمسار الحكم السياسي وانحراف السلطة

وقد ورد في روايات الفريقين متواتراً تقريباً في ذيل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾[7] [8] ؛ ومعنى ﴿أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ أي أحاط بمستقبلهم وبذريّته (صلّى الله عليه وآله). وهذه الآية ملحمةٌ في التأسيس للوعي السياسيّ، إذ توجد جملةٌ وافرة من الآيات القرآنيّة في سورٍ متفرّقة تتعرّض لمصير النظام السياسيّ بعد رحيل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الأمّة الإسلاميّة، ولا نبتغي معالجتها هنا من بُعْدٍ كلاميّ محض، بل من بُعْدٍ فقهيّ سياسيّ تقتضيه الفائدة العلميّة الضروريّة.

ومن شواهد ذلك: ما جاء في سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾[9] ، حيث جعلها الله سبحانه في قبال الآية النازلة في أمير المؤمنين (عليه السلام): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾[10] ، والتي أجمع المفسّرون على نزولها في مبيته (عليه السلام) على فراش النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ليلة الهجرة[11] .

ففي قبال التضحية واليقين، يبرز الطرف المناوئ الذي يروقك ظاهر قوله وخلابة لسانه، فيظهر بمظهر الحريص الأغير على حياض الدين، ولكنّ واقعه كما بيّنه المحكم: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾، أي مستبطنٌ لعداوةٍ بالغةٍ لله ولرسوله؛ فاللسانُ مشحونٌ بدعوى التديّن والغيرة، والباطنُ منطوٍ على أشدّ اللدد والخصومة، وهو نظيرُ ما وصف الله به أهل النفاق في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾[12] ، حيث يتقدّمون بالدعوى اللسانيّة دون صدق العمل.

وهذه الخصائص والتنبّؤات المستقبليّة أثبتها القرآن الكريم بياناً لما يقع من مجادلاتٍ مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ممّن يزعم أنّه أغير الناس على الدين، ثمّ كشف القرآن حقيقة مآله في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾[13] .

ومعنى قوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾: أي إذا تسلّم مقاليد الحكم وتولّى زمام إدارة الأمور والولايات بقرينة ما يعقبها، لا بمعنى أدبر وأعرض عن الحقّ فحسب، بل إنّه متى ما تمكّن من الولاية والسلطة كان مسعاه الحقيقيّ بثّ الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل.

والشاهد في ذلك: قوله تعالى في وصف هذا الصنف: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾[14] ؛ فقوله: «تولّى» ناظرٌ إلى تقلّد مقاليد الحكم وإدارة الأمور — بدلالة ما تلاها من التفريع — لا مجرّد الإدبار والإعراض؛ فإذا استلم مقاليد السلطة كان مسعاه الحثيث بثّ الفساد وإهلاك الحرث والنسل. ومقتضى ذلك أنّ حكومته تقوم على الإفساد المحض، في حين يُظهر بلسانه الغيرة البالغة على الدين والدعوة، بيد أنّ برنامجه العملي في إدارة الحكم مناقضٌ لذلك تماماً؛ إذ إنّ إهلاك الحرث والنسل مآله إلى جعل الغاية من الحروب إزهاق النفوس الإنسانية وإهلاكها بدلاً من إعمار البلدان واستصلاح العباد، وهذا مباينٌ لِما رسمه القرآن الكريم في فلسفة الجهاد وتشريعه الرامي لردع الظالمين وإقامة القسط.

وهناك آيةٌ أخرى: في سورة «محمد» (صلى الله عليه وآله) تفصّل في شأن هؤلاء الذين سيتسلّمون مقاليد الحكم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، في قوله عزّ وجلّ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾[15] ، حيث عبّر بالمرض الكامن في القلب لا في اللسان؛ والمرض ها هنا هو الضغينة المستحكمة والعداوة الدفينة لمن أوجب الله سبحانه مودّتهم، والقطب المركزي المفروضة مودّته في الكتاب العزيز هم أهل البيت وقربى النبيّ (صلوات الله عليهم)، فالضغينة إنّما هي موجّهةٌ ضدّ أهل البيت (عليهم السلام). ومن اللطيف استقراء هذه الشفرة القرآنية: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ الواردة في سورة «محمد» وفي نحو سبع إلى تسع سورٍ أخرى، ومنها قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾[16] ، و«تولّيتم» هنا واضحة الدلالة في تقلّد الولاية والأمر، لا مجرّد التولّي بمعنى الإعراض.

والحاصل: إنّ سورة «محمد» وسورة «البقرة» وسورة «الإسراء»، فضلاً عن آياتٍ أُخَرَ كقوله تعالى: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾[17] ، كلّها تنبئ بأنّ مستقبل الحكم السياسي للأمّة بعد رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله) يحمل مساراً مظلماً؛ وهذا ليس استنتاجاً صادراً عن فرقةٍ معيّنة أو بدافعٍ مذهبي، بل هو نطق القرآن الصريح وتدبّرٌ في نصوصه المحكمة التي أنبأت النبيّ (صلى الله عليه وآله) بمآل الأحداث.

وبالعودة إلى سورة الإسراء: نجد الملحمة القرآنية الكبرى في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾[18] ؛ فالمحطّة الأولى فيها إنباءٌ إلهيٌّ غيبيّ أحاط بمستقبل الأمّة قبل وقوع الرؤيا، وقد وردت رواياتٌ متواترة عند الفريقين تدلّ على أنّ «الشجرة الملعونة» المرادة في الآية هم بنو أميّة وبنو مروان وبنو الحكم، وهذا المعنى القرآني ثابتٌ بعينه في الزيارة المأثورة ليوم عاشوراء، ممّا يُعضد ما ذهب إليه جمعٌ من الأعلام من أنّ زيارة عاشوراء تسانخ الأحاديث القدسيّة الصادرة عن الله تعالى[19] .

والمحطّة الثانية: هي ما أراه الله عزّ وجلّ لنبيّه (صلى الله عليه وآله) في الرؤيا من فتنةٍ تقع على منبره؛ حيث رأى بني أميّة: «يَنْزُونَ عَلَىٰ مِنْبَرِهِ نَزْوَ الْقِرَدَةِ» والخنازير[20] ، ومنبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) كنايةٌ عن مقام إدارة الدولة وزمام الحكم، والمنبر إنّما هو لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لا للغاصبين له.

والنتيجة التحليلية: إنّ القرآن الكريم يفرّق بصورةٍ قاطعة بين أصل «نظام الدولة» الإسلامية الذي شيّده رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين «السلطة الحاكمة» الطارئة التي تنزو على هذا المنبر؛ وهو المعنى المقرّر في النظريات السياسية الحديثة من التفكيك بين «كيان الدولة» الثابت عبر القرون وبين «الحكومات المتعاقبة»، فلا يجوز خلط النظام الإسلامي النبويّ بشرعيّة سلطان السقيفة أو السلطان الأمويّ أو العباسيّ.

إنّ أصلَ هذا النّظام والسّلطان القائم في بلاد المسلمين ليس إرثاً لحُكّام الجَوْر، ولا هو مِلْكٌ لآبائهم وأجدادهم من آل فلان وآل فلان، بل إنّ واقع هذا النّظام إنّما هو تركةُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ فنظام الدّولة والحضارة الإسلاميّة في بلدان المسلمين كافّة هو صرحٌ بناه سيّد الرّسل (صلّى الله عليه وآله). وكما هو مُقرّرٌ اليوم في العلوم السّياسيّة المعاصرة من التّفكيك بين «نظام الدّولة» و«الحكومة المنتخبة»؛ فالأوّل هيكلٌ ثابتٌ، بينما الثّاني متغيّر، وهذه المباحث التّخصّصيّة إنْ لم يقف عليها الفقيه في فقهه السّياسيّ، فكيف يتسنّى له استنباط الأحكام الشّرعيّة والمفاهيم الكلّيّة من النّصوص؟!

والحاصل: أنّ الاستنباط الفقهيّ لا يستقيم بمعزلٍ عن الاستعانة بالمتخصّصين في شتّى الحقول العلميّة؛ فالفقيه إذا رام الاستنباط في الشّأن الاقتصاديّ لزمه الرّجوع إلى الخبير الاقتصاديّ بمراتب آكد. وإنّ من أعظم أسباب تخلّف القراءة الدّينيّة وقصورها عن مواكبة الواقع المعاصر هو الإعراض عن الاستعانة بذوي الاختصاص؛ ولسنا ندّعي أنّ المتخصّصين هم من يتولّون الاستنباط، بل إنّ شأن الرّجوع إليهم هو بعينه شأن الرّجوع إلى كلمات اللّغويّين في تشخيص مداليل الألفاظ.

والشّاهد على ذلك: أنّ السّيّد الخوئيّ (رحمه الله) ومدرسته وتلامذته لم يدّعوا أنّ كلمات اللّغويّين مرويّةٌ بالأسانيد، مع وضوح كون النّقول في العلوم اللّغويّة مُرسلةً غير مسندة[21] ؛ فما بال الإرسال هنا يُعدّ تراكمه حجّةً علميّةً وصناعيّةً مقبولة، ولا يُرمى بالإخباريّة ولا بالتّسامح والتّساهل، بل يُعامل بوصفه ميزاناً علميّاً دقيقاً ناشئاً عن التّراكم؟! فهل يُقال إنّ الرّواية أو الشّاهد المنقول في «لسان العرب» لابن منظور أو «الصّحاح» للجوهريّ ضعيف السّند؟! أو يُدّعى أنّ كتاب «العين» للفراهيديّ — وهو أوّل مدوّنةٍ معجميّة — يشتمل على إرسالٍ قادح، أو أنّ «القاموس المحيط» للفيروزآباديّ وكتاب «الكتاب» لسيبويه في النّحو مراسيل لا يُعتدّ بها لكونها نقلت لغة العرب بلا أسانيد متّصلة عبر القرون؟!

إنّ العلوم اللّغويّة برمّتها — مفرَداتٍ وقواعد — لا يُشكّل الإرسال فيها عائقاً صناعيّاً لدى الفقهاء، ولا يُوصَف الأخذ بها بأنّه مسلكٌ إخباريّ أو سطحيّ؛ مع استقرار المبنى الأصوليّ على:

     أولاً: أنّ قول اللّغويّ بانفراده ومجرّده ليس حجّةً تعبّديّة[22] .

     ثانياً: أنّ حجيّته إنّما تنشأ من تراكم الشّواهد وتوليد الاطمئنان العقلائيّ القائم على الاستقراء التّامّ.

وحيث إنّ تراث كتب اللّغة بأجمعه لا يبلغ معشار تراث الحديث الوارد عن أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام)؛ فلماذا يُعدّ التّراكم في جانب اللّغة ميزاناً علميّاً ويُصادر في تراث الرّوايات؟ ولماذا لا يُعدّ العمل بكتب اللّغة المرسلة تساهلاً وضعفاً؟

والنّكتة الصّناعيّة في المقام: هي ما قرّره الشّيخ الأنصاريّ والسّيّد الخوئيّ من أنّ تراكم الاحتمالات يوجب توليد الاطمئنان المعتمد على أسسٍ وموازين رياضيّة وعقلائيّة رصينة؛ فإن كان منهج تراكم القرائن حجّةً تامّةً تعصم من الإرسال وضعف الآحاد، فلمَ لا يُجرى هذا المنهج عينه في استنباط معالم الدّين من روايات أهل البيت (عليهم السّلام)؟! والمفارقة هنا تكمن في أنّ الفقيه يعتمد في فهم وتفسير الآيات القرآنيّة القطعيّة الصّدور على كلمات أهل اللّغة وهي مراسيل، بينما نجد في قبال ذلك مصادرةً منهجيّةً أخرى في التّعامل مع أقوال الرّجاليّين؛ إذ يُعمد إلى محاكمة تراث الحديث الزّاخر والمسند كلّه بإسقاطه عبر أقوالٍ رجاليّةٍ هي في جوهرها مراسيل واجتهاداتٌ حدسيّة.

ولستُ أدعو إلى ترك التمحيص وإهمال التحقيق، وإنّما التساؤل المنهجيّ هاهنا: لِمَ هذه المغايرة والمناقضة، وهذه المصادرة في المنهج؟

ففي أقوال الرجاليين: يصرّح النجاشي[23] بوثاقة راوٍ فيقول: «ثقة»، مع أنّ ذلك الراوي لم يكن معاصراً له، أو ينصّ الشيخ الطوسي[24] على الحكم فيقول: «ثقة»، أو «ضعيف»، أو «مجهول»، والحال أنّ أقوال أرباب الجرح والتعديل في حقّ الرواة غير المعاصرين لهم تفصل بينها وبينهم عقودٌ متطاولة أو قرون؛ كقرنٍ أو قرنين أو ثلاثة؛ إذ عاش النجاشي والشيخ الطوسي في القرنين الرابع والخامس الهجريين، فلم يُدركا طبقات القرون الثلاثة الأولى. ومع ذلك فإنّ منهج الوحيد البهبهاني[25] ، ومنهج الشيخ المفيد[26] ، ومنهج السيّد المرتضى[27] ، بل مسلك النجاشي نفسه، لم يكن مبنياً على حجيّة خبر الواحد[28] المجرّد، وإنّما كان قائماً عندهم كمسلك المفيد على تراكم القرائن وحساب الاحتمالات.

والإشكال هنا: كيف صار الإرسال في أقوال الرجاليين أمراً مقبولاً لا يُعَدّ مسلكاً إخبارياً ولا تساهلياً، بل يُعامل بوصفه علماً دقيقاً وميزاناً مرصعاً؟ وكيف يُسكت عن المطالبة بالسند في أقوالهم ولا يُسأل عن أسانيد تلك الأحكام، فتُتلقى كلماتهم كأنّها الوحي المنزل مع كونها اجتهاداتٍ واستنباطاتٍ رجالية؟ وكذلك الحال في كلمات أئمّة اللغة؛ إذ يُسكت عن إرسالها ولا يُطعن فيه، ليس في متن المفردات فحسب، بل في علمي النحو والصرف؛ فتكون البداية مبنيةً على المصادرة والنهاية كذلك، في حين يقع التشدّد المنهجيّ في الوسط بينهما.

والقاعدة هنا: إنّ المنهج المعتمد في أقوال الرجاليين هو تراكم القرائن في حساب الاحتمال كَمّاً وكيفاً، وهو مسلكٌ صناعيّ صحيح جرى عليه النائيني[29] والمفيد والمرتضى والوحيد البهبهاني. وأمّا من ينكر حجية تراكم الاحتمال في التراث الروائي، فكيف يلتزم به ويسلّم بآثاره في مباحث الرجال وعلوم اللغة؟ فإنّ بناء مقدّمات الاستنباط وخواتيمها على المصادرات، مع التشدّد الحصريّ في حلقة الأسانيد الروائية، مؤدّاه إلى تضييع التراث؛ لحرمان مرويات أهل البيت (عليهم السلام) من المنهجية نفسها المعتمدة في سائر العلوم.

والحاصل: كيف يُحاكَم التراث الروائيّ بميزان الإرسال ويُتشدّد في اشتراط الاتصال السنديّ المحض، في حين يُغفل ذلك في سائر الحقول، كما ينبّه عليه الذكر الحكيم في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾[30] ؟ فإذا كان التمسّك بالسند بِرّاً علمياً وضابطةً منهجية تمنع من التساهل، فما بالهم يتركونه هناك؟ لا سيّما إذا قورنت كتب الرجال بكتب الروايات والحديث؛ فإنّ تراكم القرائن في التراث الروائي يفوق كتب الرجال بأضعافٍ مضاعفة، نظراً لكثرة متونه وطرقه مقارنةً بالمصنّفات الرجالية المحصورة.

والنتيجة: إنّ التسبّب في تقويض التراث الحديثي وإفراغ هذا البنيان العظيم ناشئٌ من هذا المسلك الحصريّ الضيّق، وهو ما فصّلناه وأوضحناه في المجلدين الأوّل والثاني[31] ؛ إذ لا مساغ لإسقاط الأحاديث المعتبرة بوجوهٍ غير مقنّنة، ثمّ البناء على استظهاراتٍ لا تنضبط بأصول الصناعة. وهذا ما ينبغي الالتفات إليه؛ فنحن لا نغفل عن السند ولا نلغي رعاية أحوال الرواة، بل نلتزم بحساب الاحتمالات والتفتيش عن القرائن، ونرفض التعامل الجافّ الذي يحصر التقييم في وثاقةٍ أو تضعيفٍ مرسل، ويجعل من أقوال الرجاليين نصوصاً لا تقبل الفحص والاجتهاد.

نقد المدرسة السندية الحصرية والدعوة للاجتهاد الرجالي

إنَّ المتتبّع يجد ثماني عشرة مدرسة في علم الرجال، وجميعها مدارس متينة ذات أصول وقواعد ومنهج، باستثناء هذه المدرسة السنديّة المُحدثة؛ فإنَّها أضعف المدارس في علم الرجال قاطبة، وهي المدرسة التي أسّس أركانها السيّد أحمد بن طاووس، مع أنَّ السيّد ابن طاووس نفسه تورّع عن الالتزام بلوازمها التامّة فكان لا يتبنّاها بنحو كلّي بل بما يقارب النصف، وجرى على ذلك كلٌّ من المحقّق الحلّي والعلّامة الحلّي بنحو خمسين بالمئة، ثمّ لمّا وصلت النوبة إلى الشهيد الثاني تبنّاها بنسبة أوسع تقارب الثمانين أو المئة بالمئة، وتلاه على ذلك المحقّق المقدّس الأردبيلي بنسبة ثمانين بالمئة، إلى أن استقرّت النوبة عند السيّد الخوئي فتبنّاها بنسبة مئة بالمئة. وإنَّ هذا المنهج في حقيقته خواءٌ منهجي، ولا مناص من الإفصاح عن هذه الحقيقة العلميّة التي قرّرها علماء الرجال ونقلها كبار أساطين هذا الفنّ.

والفارق المنهجي بين المسالك: أنَّ تلك المدارس الثماني عشرة تمتاز بالمتانة وقوّة الموازين المنهجيّة، بينما ينحصر هذا المسلك في حصر الحجّيّة بمدار ثنائيّة «السند والإرسال»؛ ومقتضى النظر في السند فحسب أن نتحصّل على النسبة المئويّة لاحتمال صدور الرواية، غير أنَّه لا يصحّ بحال جعل هذا السند المجرّد هو عمود الخيمة الوحيد في حجّيّة الرواية؛ لكون أغلب أقوال الرجاليين أنفسهم مرسلة، وتلك معضلة مستحكمة لا حلّ لها على هذا المنهج إلا بالوقوع في المصادرة، بخلاف المناهج الرجاليّة الأخرى التي تمتلك حلولاً كثيرة.

والشأن عينه جارٍ في أقوال اللغويين: إذ المقرّر عند أهل التحقيق أنَّ من جزم بشيءٍ استناداً إلى غير منشأ عقلائي — كطيران الغراب — فلا بدّ من قيام التناسب المنطقي بين جزم الإنسان ومنشأ ذلك الجزم؛ فإذا كان الإرسال ساقطاً عن الاعتبار وكان مجرّد ضمّه كـ«ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان»[32] ، فكيف يتولّد الاطمئنان المعتبر حينئذٍ؟ أليس مقتضى مبناهم أنَّ غير المعتبر شرعاً كالعدم؟

والقاعدة الأصوليّة هنا: أنَّ الاطمئنان والقطع إذا نشآ من غير المناشئ العقلائيّة فليسا بحجّة ذاتيّة، وقد نبّه الأصوليّون جميعاً على لزوم ملاحظة منشأ القطع والاطمئنان[33] ؛ فكيف لا يكون حصول الاطمئنان هنا جزافاً؟ ولماذا لا يكون كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان؟ ولماذا تُبنى علوم الدين كلّها على هذه المصادرات المتتالية؟!

والحاصل: إنَّ المنهج الرصين الموزون هو مبنى الوحيد البهبهاني — كما بسطه الشيخ علي الخاقاني في كتابه «رجال الخاقاني»[34] شارحاً لمدرسة المحقّق البهبهاني — وهو عين مسلك القدماء الفحول؛ كالشيخ المفيد، والسيّد المرتضى، وابن إدريس الحلّي، وابن البرّاج؛ إذ لا وجود للإسناد في أقوال الرجاليين ولا في الكلمات اللغويّة، فكيف يسوغ تحكيم أقوال مرسلة لمحاكمة رواياتٍ مسندة بدعوى التشدّد العلمي؟! وقد بيّن الشيخ المفيد في رسالته في حجّيّة الأخبار[35] أنَّ الخبر العلمي المعتمد إنّما يقوم على تراكم المتون وتضافر الأسانيد والقرائن، لا على الاقتصار على مجرّد السند الآحادي المجرّد.

إذا خطّأنا هذه المدرسة فليس معنى ذلك أننا أغلقنا باب علم الرجال؛ فالمدارس الأخرى في علم الرجال أكثر وأوسع من هذه المدرسة، وتلك المدرسة في واقع الأمر سطحية، وفيها مصادرات إلى ما شاء الله، بخلاف مدرسة التنقيب والفحص والتحرير وتراكم القرائن، فهي عظيمة جدّاً، وتوجد مدارس متعدّدة في الرجال لدى علماء الأصول، وهي اتّفاقاً مدارس رجالية متّفق عليها بين محقّقي العلماء الأخباريين ومحقّقي الأصوليين، فليس بينهم خلاف بل توافق، واتّفاقاً فإنّ السيّد الخوئي (رحمه الله) يستفيد من التحقيقات الرجالية التي حقّقها الشيخ صاحب «الحدائق»، لوجود المشترك الرجاليّ بينهما.

والحاصل: أنّ من المهمّات تمحيص تراث أهل البيت (عليهم السلام)، لا أن نُمحّصه بمدارس عليلة في علم الرجال أو علم الأصول؛ فإذا بنينا على حصرية الحجّية بالسند، رُمي المنهج بأنّه تساهل إخباريّ وسطحيّ، بينما السطحيّ في حقيقة الأمر هو من لم يقف على تفاصيل علم الرجال مفردةً مفردة ليرى المشهد متكاملاً في طبقات التلاميذ، وطبقات الأساتذة، والشبكة العلمية المترابطة؛ فهكذا يكون الاجتهاد في علم الرجال لا بالتقليد، في حين أنّ المسلك المعتمد على تلقّي أقوال الرجاليين يجعل علم الرجال علم تقليد، في قبال ما يُؤثَر عن الوحيد البهبهاني من قوله: إنّ النجاشي رجل وأنا رجل[36] .

والتساؤل المطروح: هل الاجتهاد في علم الرجال يُعدّ مسامحة، بينما التقليد فيه دقّة ومنهج علميّ؟

والجواب: إنّ الاجتهاد ينفتح على عموم الشواهد والقرائن والأدلّة، بينما ينحصر التقليد في أخذ المنقول مبهماً؛ وإنّ هذا المنهج القائم على إثبات حجّية أقوال الرجاليين من باب الشهادة[37] هو تقليد محض؛ لأنّ أغلب الفحول في علم الرجال من العامّة والخاصّة يدركون أنّ الجرح والتعديل نابع من اجتهادات أربابه لموادّ مخصوصة، وهذه الموادّ قد يستنبط منها المحقّق نتيجةً مغايرة لما استنبطه الرجاليّ كائناً من كان.

تنبيه: رجوعاً إلى ما تقدّم ذكره، فإنّ الفقيه في مقام الاستنباط الفقهي، كما تمسّ حاجته إلى مراجعة أهل اللغة، فإنّه من الضروريّ أيضاً أن يرجع إلى أهل التخصّص والخبرة؛ لا تنظيراً للأحكام بل لأنّ لهم باعاً في تحديد موضوعات القانون الشرعيّ وتشخيص عناوينها؛ فكما يرجع إلى اللغويّ، يرجع كذلك إلى ذوي الاختصاص في الفقه السياسيّ، والعسكريّ، والماليّ، والمصرفيّ، والاقتصاديّ، ونحوها.

 


[1] تهذيب الأحكام، شيخ الطائفة، ج6، ص122.
[2] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج5، ص2.
[3] تهذيب الأحكام، شيخ الطائفة، ج6، ص122.
[4] الصحيفة السجادية - ط الهادی، ترجمه غرویان، محسن؛ ابراهیمی‌فر، عبدالجواد، ج1، ص126.
[5] نهج البلاغه، صبحي صالح، ج1، ص203، خطبه 146.
[6] الإرشاد، الشيخ المفيد، ج1، ص202.
[7] سوره اسراء، آيه 60.
[8] الغدير، العلامة الأميني، ج8، ص250.
[9] سوره البقرة، آيه 204.
[10] سوره البقرة، آيه 207.
[11] بحار الأنوار - ط مؤسسةالوفاء، العلامة المجلسي، ج19، ص95.
[12] سوره المنافقون، آيه 1.
[13] سوره البقرهة آيه 205.
[14] سوره البقرهة آيه 205.
[15] سوره محمد، آيه 29.
[16] سوره محمد، آيه 22.
[17] سوره آل عمران، آيه 144.
[18] سوره الاسراء، آيه 60.
[19] مفاتيح الجنان، القمي، الشيخ عباس، ج1، ص556.
[20] الغدير، العلامة الأميني، ج8، ص248.
[21] مصباح الأصول( مباحث الفاظ- مكتبة الداوري)، الخوئي، السيد أبوالقاسم، ج1، ص131.
[22] فرائد الأصول، الشيخ مرتضى الأنصاري، ج1، ص175.
[23] أحمد بن علي بن أحمد النجاشي (ت 450 هـ)، من أعيان علماء الإمامية ورجالهم، وصاحب كتاب الفهرست الشهير بـ«رجال النجاشي». — المحقق.
[24] محمد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ)، الملقب بشيخ الطائفة، صاحب كتابي «الرجال» و«الفهرست». — المحقق.
[25] محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني (ت 1205 هـ)، المحقق المجدد لعلم الأصول، وصاحب «الفوائد الرجالية». — المحقق.
[26] محمد بن محمد بن النعمان البغدادي (ت 413 هـ)، من كبار متكلمي الإمامية وفقهائهم. — المحقق.
[27] علي بن الحسين الموسوي، الملقب بعلم الهدى (ت 436 هـ). — المحقق.
[28] خبر الواحد في اصطلاح أهل الأصول والحديث: هو ما قَصُر عن التواتر ولم يفد العلم بنفسه، سواء أكان الراوي له واحداً أم أكثر. — المحقق.
[29] محمد حسين الغروي النائيني (ت 1355 هـ)، المحقق الأصولي الكبير. — المحقق.
[30] سوره البقرة، آيه 44.
[31] يُراجع تفصيل مناهج توثيق التراث ودراسة مسالك تراكم القرائن في: المصنف، بحوث في علم الرجال.، ج1 وج2. — المحقق
[32] «ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان» مَثَلٌ اصطلاحي مشهور في علم الأصول ومباحث الحكمة، يُضرب لضمّ الأمر الأجنبي الذي لا يترتّب عليه أثر ولا يُكسب المضمومَ إليه وصفاً ولا اعتباراً. — المحقق.
[33] يُراجع تفصيل مباحث حجّيّة القطع والمناشئ العقلائية في مظانّه من كتب الأصول، ومنها: الأنصاري، مرتضى. فرائد الأصول.. مبحث القطع. — المحقق
[34] رجال الخاقانى، الخاقاني، الشيخ علي، ج1، ص5.
[35] يُنظر: المفيد، محمد بن محمد بن النعمان. رسالة في عدم وجوب العمل بخبر الواحد.. (ضمن مصنّفات الشيخ المفيد). — المحقق
[36] يُنظر في تفصيل منهج الوحيد البهبهاني في الاجتهاد الرجاليّ ودراسة القرائن: البهبهاني، محمد باقر. الفوائد الرجالية.. — المحقق
[37] معجم رجال الحديث، الخوئي، السيد أبوالقاسم، ج1، ص41.