الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/02/12

بسم الله الرحمن الرحيم

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: مسؤولية اجتماعية وبرنامج لإصلاح الحكم

جرى البحث في عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث بيّن سيد الشهداء (عليه السلام) أنَّه من عمدة مشروعه، وأنَّ هذه الفريضة تستوجب إصلاح الأمة، وقد صرّح بذلك في قوله المشهور: «إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي»[1] . فالإصلاح عبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآليته الكبرى هي إصلاح الحكم السياسي.

وقد اتضح في بيان سيد الشهداء (عليه السلام) أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آلية عظيمة لإصلاح المجتمع، وأنَّ أكبر آلياته هي إصلاح نظام الحكم. فرأس مسار الإصلاح يتوقف على إصلاح الحكم السياسي، الذي به يتحقق إصلاح المجتمع. فغاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي إصلاح الحكم وإقامة حكم عادل، وهو ما صرّح به الأئمة اللاحقون لسيد الشهداء عليهم السلام أيضاً، وجاء في الحديث الشريف: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»[2] .

والنتيجة: أنَّ الثمرة العظمى لهذه الفريضة هي كونها برنامجاً لإقامة الحكم الصالح العادل. فإذن، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أصل كيانه هو مسؤولية اجتماعية جماعية ونظام اجتماعي متكامل.

والشاهد على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ¤ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة التوبة - 71]. فمقتضى الآية أنَّ النسيج المجتمعي للمؤمنين والمؤمنات قائم على هذه الولاية المتبادلة التي تتجلى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فطبيعة هذه الفريضة اجتماعية مجموعية، تبلغ ذروتها في إقامة الحكم العادل الصالح ذي الطابع العقائدي السليم والسياسي الرشيد.

وهذه الولاية المجتمعية هي نحو من رقابة المجتمع على مصيره، وتحديد هذا المصير مسؤولية تقع على عاتق المجتمع نفسه، وهي مسؤولية عن إقامة الحكم العادل وعونه وتشييده.

ومن اللطائف في الآية: أنَّها عنونت بـ﴿الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾، مما يعني أنَّ بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس ساقطاً عن النساء، فمسؤولية تحديد مصير الأمة السياسي والاجتماعي والعقدي تقع على عاتق النساء والرجال سواء.

شمولية المسؤولية: دور النساء وكبار السن

فإنْ كان الجهاد العسكري ساقطاً عن النساء، فإنَّ بقية أنواع الجهاد غير ساقطة عنهن، كجهاد الكلمة، وجهاد الإعلام، وجهاد الفكر، والجهاد الناعم، والجهاد الأمني الخفي. وكذلك الحال بالنسبة للشيوخ وكبار السن، بل لعل كلمتهم تكون أكثر تأثيراً ونفاذاً، وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «رُبَّ قَوْلٍ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ»[3] ، وقوله: «رَأْيُ الشَّيْخِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَلَدِ الْغُلَامِ»[4] . فهذه القوة الفكرية والتخطيطية والتدبيرية لدى كبار السن تجعل أبواب الجهاد غير العسكري مفتوحة أمامهم. وما يتبادر إلى سائر الأذهان من أنَّ الجهاد ساقط عن النساء والمرضى، إنما هو الجهاد العسكري الساخن، أما الجهاد التخطيطي والفكري والإداري والأمني والإعلامي والتعبوي والنفسي، فباقٍ على حاله. هذا فضلاً عن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو باب أوسع من الجهاد بما لا يقاس، وهو باب عظيم كما يصفه الإمام الباقر (عليه السلام).

ففي الرواية التي نقلها الكليني في الكافي والشيخ الطوسي في التهذيب، يصف الإمام الباقر (عليه السلام) هذه الفريضة بقوله: «فَرِيضَةٌ عَظِيمَةٌ بِهَا تُقَامُ الْفَرَائِضُ»[5] . وهذا شبيه بقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ»[6] . وهذا التشبيه ليس مبالغة، بل هو بيان حقيقي لنسبة عظمة هذه الفريضة إلى سائر الأعمال.

ويواصل الإمام الباقر (عليه السلام) وصفها فيقول إنَّها «أَتَمُّ الْفَرَائِضِ وَأَشْرَفُهَا»[7] . فقوله: «بِهَا تُقَامُ الْفَرَائِضُ» شبيه بما ورد في ولاية أهل البيت عليهم السلام من أنَّ بها تقام بقية دعائم الدين، فهي مفتاح المسؤولية العامة العقائدية والاجتماعية والسياسية. وإنما ورد نفس التعبير في المقامين لارتباط فريضة الأمر بالمعروف بالولاية والمسؤولية المجتمعية السياسية ذات الطابع العقائدي.

إذًا، خطورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكمن في أنَّ طابعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي هو طابع ولاية أهل البيت عليهم السلام. وكما أنَّ أعمال البر والجهاد هي كنفثة في بحرٍ لجيٍّ بالقياس إلى الأمر بالمعروف، فهي كذلك بالقياس إلى ولاية أهل البيت عليهم السلام، مما يعني أنَّ الولاية ليست مجرد فكرة وعقيدة، بل هي إقامة ومسؤولية وتطبيق وإجراء، لا تنظير فحسب.

وسر عظمة الأمر بالمعروف على الجهاد يكمن في أنَّه لا يتقيد بالآلية الساخنة أو المعلنة، بل يتخذ أفقاً واسعاً يشمل كل الآليات الناعمة والباردة والخفية والاقتصادية والعلمية وغيرها.

**

غايات الفريضة: دستور الدولة الصالحة

ثم يبيّن الإمام الباقر (عليه السلام) غايات هذه الفريضة، ** وهي غايات ترسم ملامح نظام اجتماعي سياسي عقائدي صالح، فيقول: «إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ سَبِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَمِنْهَاجُ الصُّلَحَاءِ، فَرِيضَةٌ عَظِيمَةٌ بِهَا تُقَامُ الْفَرَائِضُ وَتَأْمَنُ الْمَذَاهِبُ وَتَحِلُّ الْمَكَاسِبُ وَتُرَدُّ الْمَظَالِمُ وَتُعْمَرُ الْأَرْضُ وَيُنْتَصَفُ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَيَسْتَقِيمُ الْأَمْرُ»[8] . فقوله: «وَتَأْمَنُ الْمَذَاهِبُ» -أي الطرق- إشارة واضحة إلى ارتباط هذه الفريضة بتحقيق الأمن الوطني والنظام السياسي. وذكرُه لرد المظالم وعمارة الأرض والانتصاف من الأعداء، إنما هو تعداد لوظائف الدولة الأساسية. وهذا يعني أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يهدف إلى إقامة الدولة، ولا ينحصر مفهومه في الدولة الرسمية، فإنَّ السلطة في العلوم السياسية المعاصرة لا تقتصر على الجهاز الحكومي، بل تشمل كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال وغيرهم من مراكز القوى المتشابكة في المجتمع، وهذه الفريضة تشمل كل هذه الدوائر.

وهذا البيان من الإمام الباقر (عليه السلام) هو شرح لسيرة جده الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو ردٌّ على من يريد أن يفصل بين سيرة الأئمة المتقدمين والمتأخرين. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبيل الأنبياء ومنهاج الصالحين، به تقام دعائم الدين ويتحقق الأمن الوطني.

إذًا، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو منظومة متكاملة من الأنشطة والحشد والسعي. وقد صدق السيد محسن الحكيم قدس سره فيما نُقل عنه من أنَّ ما دونه الفقهاء في هذا الباب ليس إلا النزر اليسير منه. فإنَّ أمن حوزة المؤمنين لا يقتصر على الدفاع العسكري، بل يشمل حماية المعلومات من تسلل الأعداء، وهذا مصداق لقول الإمام: «وَتَأْمَنُ الْمَذَاهِبُ». فالمنظومة الأمنية، حتى الأهلية منها بين المؤمنين، هي آلية من آليات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تهدف إلى منع الأعداء من التحكم بمصير الأمة، الذي هو أكبر المنكرات، وحماية الأمن الداخلي للمؤمنين الذي هو من أكبر المعروف.

فالإمام الباقر (عليه السلام) يشرح نظام حكم متكاملاً، وهذه الموضوعات كلها مجتمعية وجماعية ومنظومية، فأين هذا التعريف الشامل من التعريفات المحدودة المذكورة في أبواب الفقه عبر القرون؟ إنَّ هناك فجوة كبيرة بين ما يبتغيه أهل البيت عليهم السلام وما دُوِّن، وهذه الفجوة هي نفسها الفاصلة بين واقعنا وبين ظهور صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه، لأنَّهم عليهم السلام يقولون إنَّه إذا أقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه السعة، فسوف تنجو الأمة من أعدائها، ويكون ذلك تهيئة للفرج.

وقد عدّد الإمام الباقر (عليه السلام) غايات هذه الفريضة في سبعة أمور: - أولاً: تقام الفرائض. - ثانياً: تأمن المذاهب. - ثالثاً: تحل المكاسب. - رابعاً: ترد المظالم. - خامساً: تعمر الأرض. - سادساً: ينتصف من الأعداء. - سابعاً: يستقيم الأمر.

فإذا كان العدو هو من يتحكم بمقاليد توليد الكهرباء، فإنَّ ذلك لا يمثل بعداً خدمياً فحسب، بل هو هيمنة على البعد النهضوي للأمة صناعياً وتجارياً وتكنولوجياً وعلمياً. فالكهرباء ليست مجرد قصة حرٍّ وبَرْد وراحة، بل هي شريان التنمية والازدهار، فإذا تُركت مقاليد هذه الأمور بيد العدو، تجمدت الأمم.

فائدة: إنَّ نفس التعبئة المجتمعية ضد غزو الأعداء هي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما تثبيط المؤمنين، وبث اليأس فيهم، وتقليل ثقتهم بأنفسهم، فهو سلوك إجرامي يخدم العدو، وأصحابه يحصدون بألسنتهم ناراً. يقول الله عز وجل: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الأحزاب - 60]. فالمرجف الذي يخدم العدو إعلامياً يستحق أن يحاصره المجتمع. وحتى عند وجود حقائق مرة، لا ينبغي عرضها بأسلوب مرعب، بل بشكل يحفز المؤمنين على الاستعداد، لا بنفسية اليأس التي تسقط المجتمع في الهاوية. إنَّ بث روح اللامسؤولية واليأس هو من أفحش الفواحش، وهو مصداق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور - 19].

﴿…وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 60]. فهذا المثبّط والمرجف هو الذي يخدم العدو إعلامياً. وثمة موارد حتى وإن كانت حقيقة، فلا ينبغي أن تُطرح بأسلوب مرعب، بل يجب أن تُعرض بنحو يكون محفزاً للمؤمنين على الاستعداد، لا أن تُبث بروح يائسة؛ فإن هذا الجو المريض الموبوء يسقط بالمجتمع في الهاوية.

إنَّ هذه النفسية القائلة بأن “الجميع يفسدون” هي نفسية خاطئة، وهي روح جوفاء فاسدة. ومثل هذا السعي هو من مصاديق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا…﴾ [النور: 19]، بل إنَّ من أفحش الفواحش بثّ اليأس وروح اللامسؤولية في الأمة.

وينتصف من الأعداء: انظروا إلى ما يقوله الإمام الباقر (عليه السلام)، وهو الذي شهد كربلاء وكان مع جدّه الحسين (عليه السلام) في ذلك الموقف. إنَّ مجرد حضور الإمام الباقر (عليه السلام) وهو حجة الله في تلك الواقعة يبيّن امتداد القضية الحسينية فيه. فهذه الحرب العسكرية قد شارك فيها الإمام الباقر والإمام السجاد عليهما السلام.

فائدة: وقد سُئل الإمام الحسين (عليه السلام) عن سبب خروج النساء معه فقال: «شاءَ اللهُ أنْ يراهُنَّ سَبايا»[9] ، فقد قُمن بدورهن كما قام والدهن وإمامهن السجاد (عليه السلام).

وينتصف من الأعداء: أي أن تسترد حقوقك. وكيف يمنحك العدو حقوقك وهو الذي يستولي على أموالك ثم يُقطّر عليك منها قطراتٍ كأنه يمنّ بها عليك؟ أي ذلٍّ أكبر من هذا؟ وأي استعمار أعظم من هذا؟ أموال النفط بيده، وبنوكه تحت سيطرته، وأنت كأنك عبد مأمور ينفذ ما يريد، فهو الذي يرسم لك كيف تصرف وكيف تخطط الدولة، وكل ذلك يصب في جعبتهم، فمنهم وإليهم تعود المنافع، وشركاتهم لا تتوقف عن نهب الثروات.

وينتصف من الأعداء: كيف تستطيع أن تنتصف إذا لم يُبثّ الوعي الفكري في الأمة؟ إنَّ الاستعباد الاقتصادي، والاستعباد المالي، والاستعباد البنكي، والاستعباد الأمني، كل ذلك يذل المجتمع. فالضعف في هذه الساحات والبيئات هو عين الذل، وهو نتيجة لعدم الشعور بالمسؤولية العامة، وهذه الروح العدوانية تمرض المجتمع.

وبالموعظة، فإن الدنيا ليست إلا ما مضى، ثم يحصّل الإنسان جزاء أعماله. وكم يريد الإنسان أن يكدّس من الأموال؟ إنَّ بطن الإنسان لا يسع أن يأكل كل ما في الأرض، وكذلك بقية شهواته، فإلى متى هذا الحرص؟ بل على العكس، إذا أدخلت إلى نفسك أعمالاً صالحة، فإنك ستقبل على عوالم أطول عمراً وزماناً.

فلاحظوا كيف أنَّ هذا الكلام للإمام الباقر (عليه السلام) هو عين كلام جدّه سيد الشهداء (عليه السلام)، وإن كان بعبارات أخرى. وهو نفس مضمون خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) التي قرأنا شيئاً منها في كتاب تحف العقول، وكذلك خطبة الإمام السجاد (عليه السلام) ورسالته إلى محمد بن مسلم الزهري الواردة في المصدر نفسه[10] ، وإن كان الصحيح عند بعض المحققين أنَّ تلك الرسالة لم تكن موجهة للزهري، بل لقاضٍ فقيه كان عند الأمويين، حيث كان الإمام السجاد (عليه السلام) يعاتبه فيها.

وينتصف من الأعداء: فإذا لاحظت، فإن التعبئة وقوام الجهاد إنما يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن تركتموه فأنتم أول الضحايا. قوة عندك ثم تسلب نفسك منها، أي منطق هذا؟ ولماذا؟ ألكي يرتاح العدو؟

إنهم لماذا يقيمون علاقات مع أعداء الدين؟ يقولون كما حكى القرآن عنهم: ﴿…نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ…﴾ [المائدة: 52]. إنَّ علاقاتهم هذه ليست علاقات طبيعية، بل هي اصطفافات مع العدو قائمة على المودة.

وينتصف من الأعداء، ويستقيم الأمر: و”الأمر” هنا إشارة إلى الحكومة والسلطة ومسار المجتمع. فلاحظ أنَّ كل ما ذكره الإمام هي وظائف الدولة وكيان الدين للمجتمع، وهي: - إقامة الفرائض، ولم يقل “تؤدى الفرائض”، فالإقامة لها طابع اجتماعي. - تأمين المذاهب (الطرق). - حلّ المكاسب. - ردّ المظالم (إقامة العدالة). - عمارة الأرض (تحقيق الازدهار). - الانتصاف من الأعداء.

إنها وظائف كل الوزارات كما نعبر اليوم: وزارة الدفاع، وزارة التنمية، وزارة القضاء. فالإمام (عليه السلام) يبيّن وظائف الدولة. فتأمين المذاهب هو من شؤون وزارة الداخلية والاستخبارات، وحلّ المكاسب من شؤون وزارة التجارة.

والآية الكريمة في سورة المائدة توضح حال هؤلاء: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: 52]. فهم يسارعون في موالاة اليهود والنصارى، يذوبون فيهم وينبطحون، وبأي ذريعة؟ يقولون: نخشى أن تتبدل الأمور فنخسر. فهم يتخادمون مع الدول المعادية والمستعمرة، بزعم أنهم بذلك ينجون بأنفسهم، وهذا منطق عجيب.

لقد ذكر الإمام (عليه السلام) سبعة أمور هي في حقيقتها أهداف كبرى لإدارة الدولة ودستورها. ثم يقول (عليه السلام): «فأنكروا بقلوبكم، والفظوا بألسنتكم، وصكّوا بها جباههم»[11] . ومن أعظم المعاصي التي يذكرها الإمام الباقر (عليه السلام) والقرآن الكريم هي معصية هؤلاء الذين يبنون جسور العمالة مع الأجنبي. إنَّ العمالة من أعظم المعاصي وأخطرها، والقرآن الكريم في سورة المائدة يندد حتى بما هو أخف من العمالة.

﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي في صف العدو، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ…﴾، فنقيم معهم علاقات من الآن ونعطيهم المعلومات ونبثّ روحاً تخدمهم، عياذاً بالله. ﴿…فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. فهم يظنون أن هذه العلاقات ستدر عليهم نفعاً، ولكنهم سيصبحون منبوذين حين يقوى جانب الدين. لذا يقول الإمام (عليه السلام): «صكّوا بها جباههم ولا تخافوا في الله لومة لائم».

لا تجعلوا المنكر بينكم معروفاً. لا تجعلوا إرضاء الأعداء أمراً معروفاً، فهذا منكر. إنَّ مدح الأعداء منكر، وذم الأولياء منكر، وجعل لسان الانتقاد موجهاً للوسط الداخلي هو من باب جعل المنكر معروفاً والمعروف منكراً.

«فجاهدهم بأبدانكم، وابغضوهم بقلوبكم، غير طالبين سلطاناً». عندما تقومون بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجب ألا يكون ذلك لغرض الترأس. فإذا أصبح لديك هدف غير خالص، فإنك ستقع في المساومة على المبادئ لا محالة، لأن الميزان والبوصلة عندك حينئذٍ لن تكون المبادئ، وإنما المصلحة الفردية الشخصية. إنَّ قضية الإخلاص ليست مجرد قضية أخلاقية روحية، بل هي بالدقة تعبير عن مدى التزامك بالبرنامج الإلهي مقابل الانسياق وراء المصالح النفسية الخاصة.

ويؤكد الإمام (عليه السلام) على ألا تكون هذه المسؤوليات من باب انتهاز الفرص وركوب الموجة لأجل الرئاسة والمصالح الخاصة. فقد ينتقد أحدهم، ولكن هدفه من الانتقاد هو انتهاز الفرصة للوصول. فقوله: «غير طالبين سلطاناً» شرط أساسي، وإلا ما عاد ذلك أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، بل هو استبدال منكر بمنكر، وليس أمراً بمعروف، بل قد يكون أمراً بمنكر، لأن الغاية أصبحت هي الاستيلاء على السلطة واكتناز الأموال.

تنبيه: إنَّ هذا تقييد عظيم ورد في جملة من الروايات، وهو أن الذي يقوم بمسؤولية إصلاح المجتمع يجب أن يكون هدفه مبدئياً، وليس دنيوياً شخصياً، وإلا فإنه سيأمر بالمعروف للوصول إلى منكر آخر، وليس للمعروف من حيث هو معروف، وسينهى عن منكر ليستبدله بمنكر آخر أشد. فيدعو إلى الإصلاح لأجل إحلال فساد آخر غير الفساد الموجود.

لذا، من الضروري في وعي الأمة والنخبة أنه عندما يُطرح شعار الإصلاح وإزالة الفساد، لا بد من التفكير في البديل الصالح قبل التفكير في الإزالة. وإلا، فمن سيكون البديل؟ قد تأتي قوة استعمارية تنهب البلد وتجعله تحت الانتداب، كما هو الحال في كثير من بلدان الشرق الأوسط التي هي بلدان انتداب للقوى الخارجية، وصورة من صور الاستغلال.

فلاحظ إذن ضرورة ما يقوله الإمام الباقر (عليه السلام): عندما تريد أن تقوم بإصلاح وتزيل المفسد والفاسدين، يجب أن تكون قد هيأت بديلاً صالحاً، وإلا فما هذا اللعب؟ تُبذل الدماء والأرواح ويُخدع المجتمع، وفي النهاية يُستبدل الفاسد بفاسد جديد. ما الفائدة من ذلك؟ يجب الالتفات إلى البديل، أن يكون بديلاً صالحاً، سوياً، مستقيماً، كفؤاً، متعهداً، وأهلاً للمسؤولية.

يقول الإمام: «غير طالبين سلطاناً». والتصريح واضح بأنَّ قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ترتبط بالسلطة. فما دام هذا الباب من ضروريات مذهب أهل البيت عليهم السلام، بحسب كل الأدلة وكلمات الأئمة وسننهم، فإن الذي يريد أن يزيد على سنن الأئمة وسيرتهم ويفرّق بين سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) وسيرة بقية الأئمة، يغفل عن أنَّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أعظم الفرائض، وبه تقام سائرها، وهو باب ليس مغلقاً، ولا يُغلق إلى يوم القيامة. وهذا الباب الذي لا يُغلق، يقول الإمام الباقر (عليه السلام) إنَّ من غاياته السلطة، بدليل تقييده بقوله: «غير طالبين سلطاناً»، أي لا تطلبوها لغرض شخصي. إذن، الهدف واضح في هذا الباب، وهو ارتباطه بجانب السلطة العامة والمسؤولية العامة.

«ولا باغين مالاً، ولا مريدين بالظلم ظفراً». فمن الواضح أنَّ هذا البعد حاضر في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يكون الدافع هو اكتناز الكنوز والفساد المالي، ولا تحقيق النصر بالظلم، بل الغاية هي «حتى يفيئوا إلى أمر الله، وينقادوا لطاعته». فواضح أنَّ هذا الباب يشمل كل الأبواب والغايات التي ذكرها الإمام الباقر (عليه السلام).

ويستشهد الإمام الباقر (عليه السلام) بعد ذلك ليبيّن كيف أنها مسؤولية اجتماعية مترابطة، فيقول: «أوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إلى شُعيبٍ النبيِّ (عليه السلام): إنِّي معذِّبٌ من قومِك مائةَ ألفٍ: أربعين ألفاً من شرارِهم، وستِّين ألفاً من خيارِهم»[12] .

إنَّ التقوى الفردية وحدها لا تكفي. إذا صرت تقياً في الشأن السياسي، فإنك بذلك تقي المجتمع من الأشرار، كما يفعل المجاهدون في سبيل الله الذين يقون المجتمع من شر الأعداء. أما الاكتفاء بالتقوى في البعد السلوكي الفردي، فهذا لا يمنحك أماناً، حسبما ورد في نصوص الروايات المتواترة. ألم تقل الآية الكريمة: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً…﴾ [الأنفال: 25]؟ إنها فتنة سياسية خطرة، وفتنة عسكرية خطرة، وفتنة أمنية خطرة، وفتنة ثقافية واجتماعية خطرة.

وبطبيعة الحال، فإن الفتنة الاجتماعية لا تقتصر على جماعة دون أخرى. فالمجتمع كالحوض، إذا مارس فيه أحدهم ابتذالاً أخلاقياً، فإن هذه النجاسات الأخلاقية تنجّس المجتمع بأسره. وكذلك النجاسات السياسية، والنجاسات الاقتصادية، والنجاسات الفكرية، ونجاسات العمالة، كلها تلوّث المجتمع. فلا يستطيع أحد أن يقي نفسه إلا بأن يساهم في وقاية مجتمعه.

لذلك يخاطب الله تعالى نبيه عيسى (عليه السلام) بقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 55]. ففي قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾ إشارة إلى أن البيئة الاجتماعية الفاسدة هي بمثابة نجاسة اجتماعية، وأن مجتمع الكفر نجس في أبعاده الكثيرة. ويتحصل من ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يكتفي بالتقوى في بعدها الفردي فحسب، بل يجب عليه أن يتحمل المسؤوليات العامة، وإلا فإن المرض والوباء الاجتماعي سينتابه ويصيبه لا محالة.

ومثال ذلك: حال المؤمنين الذين يعيشون في المجتمعات الغربية؛ فقد يكون المرء تقياً في نفسه، ولكنه يجد ولده أو ابنته قد تأثر بالبيئة المحيطة المملوءة بالأمراض والسرطانات الأخلاقية والعقائدية، فكيف له أن يحمي نفسه وأهله في مثل هذا الوضع؟

وهكذا يسعى الأعداء إلى نشر هذا الوباء في مجتمعاتنا، وهو ما يروجون له من فساد وعبادة للشيطان ونجاسات عقدية وأخلاقية. والقرآن الكريم يخبرنا عن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ¤ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120]. فإذا تُرِكت نصرة الله، فما هو المصير؟

فيتضح من ذلك عِظَمُ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تأكيد سيد الشهداء (عليه السلام) عليه في أصل نهضته لم يكن عبثاً



[1] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار.. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج44، ص329
[2] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج5، ص56، باب “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ح1
[3] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة.. تحقيق صبحي الصالح، لا ط، دار الهجرة، 1414 هـ، ص545، ح394
[4] المصدر نفسه. ص482، ح86.
[5] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. ج5، ص56، ح1
[6] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة.. ص541، ح374
[7] يُراجع تمام الرواية في المصدر المتقدم.
[8] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. ج5، ص55-56، ح1
[9] ابن طاووس، علي بن موسى. اللهوف في قتلى الطفوف.. تحقيق قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة، ط1، مؤسسة البعثة، 1415 هـ، ص89. مع اختلاف يسير في اللفظ
[10] الحراني، ابن شعبة. تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وعليهم.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط2، مؤسسة النشر الإسلامي، 1404 هـ، ص242 وص272
[11] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج5، ص59، باب “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ح5. ورد فيه: «فأنكروا بقلوبكم والفظوا بألسنتكم وصكوا بها جباههم ولا تخافوا في الله لومة لائم»
[12] المصدر نفسه. ج5، ص58، ح1.