الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/02/11

بسم الله الرحمن الرحيم

الأبعاد الخفية والمعلنة لمشروع الأئمة: الأمر بالمعروف كنظام شامل

كان الكلام على إشكال في تفسير الفقه أو العقائد الفقهية لمشروع سيد الشهداء (صلوات الله عليه). ومرّ بنا أن الأعلام في تناولهم لجملة من سيرة سيد الشهداء أو غاياته وأهدافه، يكتنفهم نوع من الغموض والإغلاق؛ لأن تعطيل معرفة مشروع سيد الشهداء يستلزم -والعياذ بالله- تجميد إمامة الحسين، أو ما هو مساوٍ لإنكار إمامته. فإذا قيل: إننا لا نعرف الإمام الحسين، بمعنى أننا نجهل سيرته ونهجه وسنّته وقضيته في واقعه، فإن هذا القول يؤدي -من حيث لا يُشعر- إلى تجميد إمامة الحسين وتجميد الاقتداء به، وهو أمر باطل. لأن أهل البيت (عليهم السلام) كلهم قدوات يُقتدى ويُحتذى بهم، فتعطيل المعرفة بمشروعهم ونهجهم أمر باطل. كما أن الادعاء بالإحاطة بكل زوايا سيرتهم ونهجهم وغاياتهم هو ادعاء غير صحيح؛ لأنه يمثل تحدياً للمعصوم.

والحال أن ملف المعصوم وإدارته للملفات لا تقتصر على ما هو محدود، بل يدير ملفات ومشاريع لا تعد ولا تحصى. وهذا شبيه بما تفعله الدول العظمى حين تدير مشاريعها، إذ تجعل محط نظرها عدة مشاريع وملفات ومسارات وسيناريوهات ومناورات؛ كي لا تحبس نفسها في نتيجة واحدة أو مسار واحد. وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. فإذا كان هذا شأن الدول العظمى، فكيف بمن هو أعظم منها؟ ومن هنا، مرّ بنا أن من الغريب الادعاء بأن سيرة المعصومين (صلوات الله عليهم) تقتصر على السيرة المعلنة، وكأن ليس للمعصوم سيرة خفية.

وهذه غفلة موجودة في الذهن العام، بل حتى في الجو العلمي طيلة قرون، حيث يلاحظون عند دراسة سيرة إمام ما (عليه السلام) السيرة المعلنة فقط، وكأن السيرة غير المعلنة لا وجود لها ولم يقم بها الإمام. فقد يذهب ذهن الكثير من الأعلام إلى القول بـ “تعدد الأدوار ووحدة الهدف”، ولكن الصواب أن لكل إمام أدواراً متعددة، بعضها معلن وبعضها خفي.

وهذه نكتة مهمة جداً: أن السنّة وسيرة الأئمة لا تنحصر ولا تقتصر على السيرة المعلنة. ففي الزيارة الجامعة: «مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلَانِيَتِكُمْ»[1] . فإذا كان لهم سر وعلانية، فلا يصح حصر العلم بشخصيتهم ودورهم في العلانية فقط. وفيها أيضاً: «وَبِظَاهِرِكُمْ وَبَاطِنِكُمْ وَشَاهِدِكُمْ وَغَائِبِكُمْ»[2] . فهذه أقسام متعددة: شاهد وغائب، باطن وظاهر، سر وعلانية. وعليه، فإن أدوار الغيبة ليست مختصة بصاحب العصر والزمان، الحجة بن الحسن المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، بل هي في الحقيقة موجودة في كل الأئمة، ففي كل منهم جانب غيبي خفي سري.

وإلا، فلاحظ ما ورد في الروايات المستفيضة من أن الله «أَوْطَأَ نَبِيَّهُ (ص) ظَهْرَ الْأَرْضِ فَأَرَاهُ مَشَارِقَهَا وَ مَغَارِبَهَا»[3] . وهذا يشير إلى أدوار خفية لسيد الأنبياء لم نعلم بها، فلا ينبغي حصر سيرته في الأربعين سنة قبل البعثة، أو الثلاثة والعشرين سنة بعدها، ثم ينتهي الأمر. فالجانب الخفي موجود في كل المعصومين.

وهذه نكتة لطيفة في معرفة الأئمة وأهل البيت (عليهم السلام). ومن الأمور التي أعلن عنها سيد الشهداء (عليه السلام) قوله: «إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ»[4] . ويتضح من بيان سيد الشهداء هذا أن الإصلاح السياسي، والطابع العقائدي للحكومة والحكم، والطابع السياسي والاقتصادي والاجتماعي له، هو من أبرز فصول وأبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهذه نكتة مهمة: وهي أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما التفت إلى ذلك كثير من الفقهاء والأعلام، يشمل أبواباً كثيرة؛ فهو يشمل القضاء، الذي هو نوع من إماتة المنكر وإقامة المعروف، وكذلك الحدود والديات والجهاد، بل وأداء الخمس والزكاة الذي هو نوع من إقامة المعروف. فبالدقة، يشتمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل أبواب الفقه. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقتصر، كما مرّ بنا مراراً، على المعروف والمنكر الفردي فحسب، وقد نبّه على ذلك السيد محسن الحكيم والسيد عبد الهادي الشيرازي وغيرهما من أعلام النجف.[5] بل إن أساس الأمر بالمعروف، كما سنقرأ في روايات كثيرة عن الأئمة (عليهم السلام)، هو أنه نظام اجتماعي وسياسي ذو أبعاد عديدة يجب إقامته.

وقد أوضحنا في جلسات سابقة سبب استخدام مصطلح “العقيدة” في العلوم الأكاديمية المعاصرة، مثل: “العقيدة السياسية”، و”العقيدة العسكرية”، و”العقيدة الاقتصادية”، بل وحتى “العقيدة النووية”. والمقصود بذلك هو بيان أن أصل أَدْلَجَة الأفكار يمثل جانباً ثابتاً في فلسفة العلوم السياسية، فالغاية تنطلق من مصدر أيديولوجي. ففلسفة العسكرة تنبع من رؤية أيديولوجية، وكذلك الاقتصاد؛ فلو نظرنا إلى الشيوعية في بعدها الاقتصادي، لوجدنا أن أصلها رؤية أيديولوجية لها تداعيات اقتصادية وسياسية واجتماعية وحكومية. ولهذا السبب، نجد في البحوث البشرية العصرية مصطلحات مثل “العقيدة العسكرية” و”العقيدة النووية”. فبالدقة، إذا أريد تبني سياسة معينة في المجال النووي، فلا بد من تحديد الرؤية الأيديولوجية الخلفية لهذا البرنامج.

وعليه، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرتقي إلى درجة العقيدة، حتى إن النظام العقائدي نفسه يصبح من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولذلك ورد في بيانات أهل البيت (عليهم السلام) أن أكبر المنكرات هم أئمة الجور وفراعنة الجور والجبابرة، فهم المنكر المجسّد. وأن أكبر المعروف هم أئمة الهدى، فهم المعروف المجسّد.

والحاصل: أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو نظام عقائدي واجتماعي وسياسي واقتصادي؛ أي نظام عام. ولذلك يقول السيد محسن الحكيم (رحمه الله) في فتوى له، كما ينقل الدكتور عبد الهادي الفضلي، إن ما كتبه الأعلام على مدى عشرة قرون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما تناول البعد الفردي منه، أما بقية فصوله وأبوابه فلم تُكتب بعد. ونفس هذا المعنى يُنسب إلى السيد عبد الهادي الشيرازي.

استمرارية النهج الحسيني لدى الأئمة اللاحقين

من الضروري لشيعة أهل البيت أن يلتفتوا إلى أنَّ الأئمة عليهم السلام أصرّوا على الحسين (عليه السلام)؛ لأنَّ نهج الحسين (عليه السلام) هو الأصل. أمّا جانب التقية أو المناورة، أو ما يُعرف بالحرب الناعمة والباردة وآلياتها، فليس هو الأصل في نهجهم. فلا يُظنَّ أنَّ الأئمة صلوات الله عليهم بعد الإمام الحسين (عليه السلام) قد تخلّوا عن هدفه المتمثل في إقامة الحكومة الصالحة، بل هدفهم هو هو. غاية الأمر أنَّه متى ما توفرت شرائط القيام بدورٍ كدور أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام، قاموا به. وقد ورد في تعبير الكثير من الروايات أنَّ الذي قام بالسيف أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكانت له حروب عسكرية، وقام بالسيف الإمام الحسين (عليه السلام).

وهذا المعنى ينسحب حتى على الإمام زين العابدين (عليه السلام)؛ فإنَّ مشاركته في عاشوراء كانت استفافةً وتضامناً مع الموقف العسكري لأبيه الإمام الحسين (عليه السلام). فمجيئه إلى كربلاء معناه أنَّه يبصم بالعشرة على نهج أبيه الإمام الحسين (عليه السلام).

وقد وردت فصول في كتاب الكافي تتناول نقاشات جرت بين عبد الله بن عباس والإمام زين العابدين (عليه السلام) حول المواجهة المسلحة، وأنَّ المواجهة المسلحة التي قام بها سيد الشهداء (عليه السلام) لها ما يؤيدها. وفي هذا السياق، يجيب الإمام زين العابدين (عليه السلام) على من استشهد بآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: 200] بأنَّها في غير محلها بالنسبة إليهم في ذلك الظرف، وأنَّ محلها هو الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، أمّا هم فالتكليف المتوجه إليهم آنذاك هو المواجهة العسكرية مع بني أمية.

ومقتضى ذلك أنَّ عبد الله بن عباس كان يرى في ذهاب الإمام زين العابدين (عليه السلام) مع أبيه الإمام الحسين (عليه السلام) أنَّ مطلع حياته كان على نهج المواجهة العسكرية والإصلاح بالقوة لإطاحة بني أمية. وإجابة الإمام (عليه السلام) موجودة في أصول الكافي في الحوارية التي جرت بين عبد الله بن عباس—عبر وسيط—وبين الإمام زين العابدين (عليه السلام).[6] ومعنى ذلك أنَّ عبد الله بن عباس وغيره من الشخصيات البارزة كانوا يرون في ذهاب الإمام زين العابدين (عليه السلام) مع أبيه مشاركةً صارخةً في نهجه، لئلا يُقال إنَّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان في منأى عن موقف أبيه، بل هو شارك فيه.

فائدة: وردت رواية في كتاب غيبة النعماني أنَّ الإمام زين العابدين صلوات الله عليه كان مريضاً يوم عاشوراء لأنَّه ارتُثَّ بالجراح، إذ شارك في الجولات العسكرية الأولى، فكثرة الجراح هي التي أقعدته، شبيهاً بحالة الحسن المثنى وزيد بن الإمام الحسن (عليه السلام)، اللذين شاركا في القتال وأُثخنا بالجراح لكنهما لم يستشهدا.[7] فمرض الإمام زين العابدين (عليه السلام) حسب هذه الرواية كان بسبب الجراح، وهذا يدل على أنَّه لم يكن بمنأى عن الجانب العسكري.

والشاهد على ذلك: أنَّه لو لم يكن الإمام الحسين (عليه السلام) نبراساً يُقتدى به، فلماذا كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) يؤكد على اسم أبيه الحسين (عليه السلام) ويركّز عليه، بحيث لا يغيب عن ذاكرة المسلمين والمؤمنين؟ وهكذا كان دأب الإمام الباقر والإمام الصادق وبقية الأئمة عليهم السلام. بل ورد في كتاب تحف العقول رسالة طويلة من عدة صفحات يعاتب فيها الإمام السجاد (عليه السلام) أحد الفقهاء الذين ذابوا في سلطان بني أمية.[8]

تنبيه: ذهب بعض المحققين إلى أنَّ هذه الرسالة ليست موجهة إلى محمد بن مسلم الزهري الفقيه العامي المعروف، وإنما إلى رجل آخر من فقهاء السلطان يُدعى قبيصة، كان معاصراً للإمام زين العابدين (عليه السلام) ويعمل واعظاً للسلطان، يشرعن لهم ظلمهم بلسان الفقه، فكان بوقاً لهم كشريح القاضي. فليُلاحظ أنَّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان شديداً في هذا الجانب.

والحاصل: أنَّ الأئمة عليهم السلام—كما سيأتي في الروايات—يذكرون ما ذكره النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام من أنَّ هدف باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ما تقتضيه ضرورة الفقه والدين، وأنَّ هذا الباب لا يُغلق قط، لا في الغيبة الصغرى ولا في الكبرى ولا في زمن الحضور، فهو مفتوح دائماً. وآليات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تنحصر بالقتال والجهاد الذي هو من الآليات الساخنة، بل هو باب منفتح على كل الآليات: الخفية والمعلنة، والباردة والناعمة، والاستباقية والفكرية والاقتصادية. فهو نظام عام شامل للمجتمع، ويختلف حتى عن باب القضاء الذي قد يسترجع الحقوق بالصلح مثلاً.

فباب الأمر بالمعروف، كما قرأنا في رواية نهج البلاغة: «مَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ».[9] أي إنَّه أعظم من الجهاد، فلماذا لا ننفتح على كل الآليات؟

وقد مرَّ بنا أنَّ اليهود في العلانية لا يقوون على إظهار أمرهم، لكنهم بالخفاء ملكوا العالم وسيطروا عليه. فمقتضى قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60] لا ينحصر في القوة الساخنة أو المعلنة أو العسكرية، بل يشمل كل القوة الناعمة والمتوسطة والخفية. فبابه مفتوح. وستأتي رواية في الكافي أنَّ الله يكره المؤمن المستضعف، وحين سُئل عن المستضعف، قال: «الَّذِي لَا دِينَ لَهُ»، فقيل: وكيف ذاك؟ قال: «يَدَعُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ».[10] أي الذي لا يشارك في الشأن العام ومصير النظام العام بطابعه العقائدي والاجتماعي والسياسي، فلا يكون له دور فيه ولو تحت السطح. وكثيراً ما كانت مؤاخذات أئمة أهل البيت عليهم السلام على الزيدية أنَّ إصرارهم على الإصلاح جيد، لكنهم يحصرونه بالقوة العسكرية والمعلنة، والحال أنَّ هناك ألف درب وألف آلية، ولكن يجب أن يكون الهمّ دوماً هو بناء النظام الصالح العادل.

لاحظ إذن هذه الرواية عن الإمام الكاظم والرضا عليهما السلام: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ، ثُمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ».[11] فإذن، حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهدفه الأسمى هو بلحاظ النظام العام الاجتماعي والسياسي وطابعه في كل المجالات.

وفي رواية أخرى صحيحة السند تقريباً عن الباقر والصادق عليهما السلام، قالا: «وَيْلٌ لِقَوْمٍ لَا يَدِينُونَ اللَّهَ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ».[12] وهذا لا يُراد به البعد الفردي فحسب، بل الهمّ الأول عند أهل البيت عليهم السلام هو النظام العام ذو الطابع العقائدي الإيماني، والسياسي الصالح، والاقتصادي العادل. فالشغل الشاغل في هذا الباب أنَّ أكبر منكر هو النظام الجائر، وأكبر معروف هو النظام العادل. وقد مرَّ بنا في كتب اللغة وغيرها أنَّ الأئمة عليهم السلام لا يأمرون بالجمود والانعزال والتخلي عن المسؤولية، بل يدعون إلى الفطنة والكياسة والحس الأمني لئلا يستطيع العدو أن يقطع الطريق أو يصطاد المؤمن.

وفي سند آخر عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «بِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ يَعِيبُونَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ».[13] فإذا قام أحد بالإصلاح الاجتماعي، يُقال عنه: هذا مؤاخَذ، والدماء في عنقه. طبعاً هناك موازنات لا تُلغى، ولكن ليس معنى ذلك تجميد هذا الواجب وتثبيط من يقوم به. وهو مصداق للآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21]. وفي آية أخرى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: 116].

ويروي الكليني أيضاً بسندٍ موثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّ رجلاً من خثعم جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله، أخبرني ما أفضل الإسلام؟ قال: «الْإِيمَانُ بِاللَّهِ». قال: ثم ماذا؟ قال: «صِلَةُ الرَّحِمِ». قال: ثم ماذا؟ قال: «الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ». فقال الرجل: فأي الأعمال أبغض إلى الله عز وجل؟ قال النبي (صلى الله عليه وآله): «الشِّرْكُ بِاللَّهِ». قال: ثم ماذا؟ قال: «قَطِيعَةُ الرَّحِمِ». قال: ثم ماذا؟ قال: «الْأَمْرُ بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمَعْرُوفِ».[14] فلاحظ أنَّ صلة الرحم من أساسيات البنية الاجتماعية.

ولكن الحذر من شخصٍ ما لا يسوّغ لك القطيعة. والبعض يخلط بين القطيعة والحذر؛ فالحذر مطلوب، لكن لا بمعنى المقاطعة. وهذا شبيه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: 14]، حيث أمر بالحذر لا المقاطعة. فالحذر شيء والمقاطعة شيء آخر. والمشكلة أننا في العناوين الأخلاقية والسياسات الإدارية كثيراً ما نخبط بين عناوين عديدة. فمثلاً، لو أنَّ مظلوماً تعرض لظلم من مؤمن أو رحم، فقد يقول: أنا مظلوم ويحق لي أن أبغضه. وهذا خطأ؛ فله أن يحذر منه نعم، ولكن لا يبغضه، فالبغضاء للمؤمن أو للرحم غير صحيحة. وليس معنى عدم البغض ألا تتحذر منه، كما أنَّه ليس معنى اللين أن تكون ساذجاً في التعامل معه.

وهذا نظير ما ورد في شأن النبي (صلى الله عليه وآله): ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 61]. فلم يقل: “يؤمن بالمؤمنين”، بل “يؤمن للمؤمنين”، أي إنَّه يتعامل معهم معاملة حسنة في الظاهر مع علمه بما قد يرتكبونه. فالمشكلة أننا كثيراً ما نخلط في سياسات التدبير، سواء الفردية أو الأسرية أو الاجتماعية، بين عنوان وآخر. فليس معنى «ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ»[15] أن تلغي جانب الحذر. فالحذر شيء، وحسن الظن شيء آخر. وليس معنى الحذر أن تثبت عليه تهمة بلا ميزان شرعي. إنَّها زوايا متعددة، لكن الناس في الحياة الاجتماعية عموماً تخلط بينها. فالمطلوب أن تحذر، ولكن ليس أن تتهم.

لا تتهم؛ فحسن الظن لا ينافي الحذر. والإشكال: كيف يمكن الجمع بين حسن الظن والحذر؟ وهل يجتمعان أصلاً؟ والجواب: نعم يجتمعان، وهذا هو المنهج المتّبع سواء على الصعيد الفردي أم الأسري أم السياسي. فإننا إذا أردنا ترطيب العلاقات مع طرف ما، فإننا نرطبها، ولكن لا يعني ذلك إسقاط الحذر الأمني منه. وبعضهم يتساءل: لماذا نتشنّج مع الآخرين؟ والحال أنَّ الله تعالى أمر نبيه موسى وأخاه هارون بالذهاب إلى فرعون مع إقراره بطغيانه، فقال: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ¤ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [سورة طه: 43-44]. فهل كان فرعون صالحاً؟ كلّا، بل كان طاغية، ولكن مع ذلك كان الأمر الإلهي بالقول الليّن. فهنا قد جمع الله بين الإقرار بطغيان الخصم والأمر بلين الخطاب معه، وهذه هي التوليفة السياسية، وتوليفة إدارة الملفات. فمشكلتنا تكمن في أننا نريد الأمور إمّا بيضاء بالكامل، أو سوداء بالكامل، أو حمراء دائماً، والحال أنَّ هناك مناورات وتوليفات ممكنة. وهذا ليس نفاقاً، بل هو عين الحكمة والتدبير.

فالآلية الناعمة المرنة لا تشنّج العدو، لأنَّه حينئذٍ لا يستجيب، ولكن لا يعني ذلك الذوبان معه بحيث تراه الصالح الأصلح. ومشكلة قومنا، حتى السياسيين منهم، أنهم تحت ذريعة اللين والمناورة والدبلوماسية، ينظرون إلى الطرف الآخر على أنَّه نموذج ونبراس، وهذا ليس دبلوماسية، بل هو تشويه للدبلوماسية. إنَّ معنى الليونة والنعومة في التعامل لا يستلزم التزلّف إلى الطرف الآخر والانبطاح له.

ومن مؤاخذات أهل البيت عليهم السلام على بعض الثورات التي قامت في زمانهم، كزمان الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام، أنهم لم يكونوا يمانعون أصل الإصلاح، ولكنهم كانوا يعترضون على حصر نهج الإصلاح بلون واحد لا غير، فهذا خطأ. بل يجب أن تكون لديك قدرة على المناورة. والمثال يضرب ولا يقاس به: لاعب كرة القدم عندما يريد أن يسجّل هدفاً، لا يتجه إليه من طريق واحد، بل يسلك زوايا عديدة لكي يصل إلى مرمى الهدف؛ فلا يلتزم بخط واحد، بل يأخذ خطاً ثم آخر، فإن لم ينجح ذاك، فكم زاوية تكون متاحة أمامه؟ عشرات بل مئات الزوايا، إلى أن يجد منفذاً يصل به إلى الهدف.

وهكذا نجد في وصية الإمام الصادق (عليه السلام) لشيعته في الكوفة والعراق، حيث يوصيهم بلحاظ الضمان الاجتماعي، فيقول ما مضمونه: «وإنَّ أحدكم إذا طلب الشيء فليتلطّف حتى تُقضى حاجته»[16] . فالتلطّف هنا يعني أن يحاول تدبّر لطائف الطرق والآليات المتعددة التي توصله إلى الهدف بلا معوّق أو ممانع.

والحاصل: أنَّ الأئمة صلوات الله عليهم ليسوا في صدد تجميد مشروع إقامة الحكومة الصالحة، لا أبداً، ولكنهم لم يحصروا الطريق بالنهضة المسلحة العسكرية. نعم، إذا استدعت الأمور ذلك فهي خيار مطروح. وقد بيّنا سابقاً أنَّ ما شاع من أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) فوّض السلطة إلى معاوية هو خطأ معشّش في الكتابات الإسلامية عند الفريقين لعشرة قرون؛ فالإمام لم يفوّض السلطة أصلاً، بل تقاسمها. وفرقٌ كبير بين هذا وذاك. وحتى السلطة التي تُركت لمعاوية لم تكن كلها تحت قبضته، بل كانت فيها مناطق للمتمردين من الخوارج وغيرهم، فكأنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) جعل معاوية يبتلي بتلك المناطق، بينما أخذ هو مناطق أخرى.

إنَّ المجتمع قد يُقسّم جغرافياً، وقد يُقسّم عرقياً، أو قومياً، أو مذهبياً، ومكونات المذهب الواحد متعددة. وكما يُقسّم البلد الواحد في الانتخابات ليس بحسب الجغرافيا فقط، بل بحسب المذهب والعرق والقومية، كذلك فعل الإمام الحسن (عليه السلام)؛ إذ تقاسم مع معاوية السلطة ليس على أساس جغرافي محض، وإن كانت فيه مسحة جغرافية، ولكنه تقاسمه أيضاً في الجانب الديمغرافي، فأبقى سلطته على جملة من بيت المال في مناطق متعددة، وتوزعت القوى العسكرية بينهما كما مرّ بنا.

فالمقصود إذن، أنَّ مشكلتنا تكمن في كيفية التعامل مع الأدلة المتعارضة. وقاعدة المتقدمين: أنَّ الجمع مهما أمكن أولى من الطرح. هذا هو التنظير عند القدماء، بينما المتأخرون ذهبوا إلى التساقط عند التعارض، أو الترجيح. ولاحظ أنَّ القدماء يقولون إنَّ حتى الترجيح ليس علاجاً جيداً، فالجمع أولى من الترجيح، لأنَّ الترجيح فيه طرح لأحد الدليلين. فقاعدتهم: «الجمع مهما أمكن أولى من الطرح»[17] ، سواء كان الطرح بالترجيح أم بغيره. وهذا في مقام التنظير والفتوى، وكذلك في مقام التطبيق في السلطة التنفيذية أو السياسية أو القضائية، فإنَّ الجمع بين القواعد أولى من الطرح. فالسائس المحنّك لا يفرّط في قاعدة من القواعد أو ملف من الملفات. وحتى في مقام التطبيق، الجمع مهما أمكن أولى من الترجيح، وباب التزاحم علاج غير أوّلي، بل هو علاج اضطراري لا يخلو من تفويت لبعض الملاكات.

ففي حال تعارض الحقوق بين الزوج والزوجة، لماذا ترجّح أحدهما على الآخر؟ لا، بل اجمع بينهما، فهذا أكثر إنصافاً. إذن، هذه قاعدة عظيمة: الجمع حتى في مقام الأداء والامتثال أولى من الطرح والترجيح. فباب التزاحم علاج ليس بأوّلي، بل اضطراري، وفيه تفويت وتفريط في بعض الملاكات، وعدم التفريط مهما أمكن أولى من التفريط ولو تحت ذريعة التزاحم. ولذلك كانت التقية، التي نواتها الخفاء، أعظم وسيلة، ففي الخفاء تستطيع أن تراعي كل الملاكات فلا يقع عندك تزاحم. فالمشكلة تكمن في أننا نظن أنَّ هناك تزاحماً، والحال أنَّ أصل تصوّر التزاحم قد يكون اشتباهاً؛ فأنت تتصور الموقف على أنَّه تدافع وتناقض، وإمّا هذا وإمّا ذاك، لا يا أخي، بل يمكن أن يكون هذا وهذا معاً. فهو طاغية، ولكن التعامل معه لا يكون بحدّة. وهو طاغية، ولكن لا يعني ذلك أنَّه كتلة من الشر المحض، بل يمكن الجمع بين النظرتين.

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التغابن: 14]. لاحظ دقة القرآن الإحصائية، فلم يقل: “كل أزواجكم”، بل قال: ﴿مِنْ﴾، ولم يقل: “فاقتلوهم” أو “حاربوهم”، بل قال: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾، ثم أعقب ذلك بالعفو والصفح. المقصود: أنَّ هذا بحث مهم في كيفية جمع الملفات والمشروعات، حيث يجب أن نتعامل بأسلوب ناعم وبارد، وليس بأسلوب الآليات الصاخنة التي تكون تحت السطح. وقد يكون الأسلوب الصاخب مطلوباً في أوانه، كما في تأييد ثورة المختار بعد سنوات من واقعة كربلاء. فهذه العملية لا نسميها مناورة فحسب، بل هي توليفة متكاملة.



[1] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه. من لا يحضره الفقيه.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط2، مؤسسة النشر الإسلامي، 1413 هـ، ج2، ص615، باب “زيارة جامعة لجميع الأئمة (ع)”، ح3217
[2] المصدر نفسه.
[3] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار.. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج16، ص399، باب “ما ظهر من فضائله (ص) يوم ولادته”
[4] المصدر نفسه. ج44، ص329، باب “ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد إلى شهادته”.
[5] يمكن مراجعة آراء السيد الحكيم في هذا الصدد في فتاواه المنشورة، وكذلك ما نقله عنه الدكتور عبد الهادي الفضلي في كتاباته حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[6] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج8، ص264، ح381
[7] ابن أبي زينب النعماني، محمد بن إبراهيم. الغيبة.. تحقيق فارس حسون كريم، ط1، أنوار الهدى، 1422 هـ، ص329، باب22، ح10
[8] الحراني، ابن شعبة. تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليهم.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط2، مؤسسة النشر الإسلامي، 1404 هـ، ص248-274
[9] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة.. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1395 هـ، ص542، الحكمة 374
[10] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج5، ص59، باب “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ح13. أشار المحاضر إلى معنى “لا قوة له”، وهو لازم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ورد في الرواية
[11] المصدر نفسه. ج5، ص56، ح1.
[12] م. س.، ص56، ح2.
[13] م. س.، ص57، ح4.
[14] المصدر نفسه. ج2، ص159، باب “صلة الرحم”، ح1.
[15] يُنظر: الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. ج2، ص362، باب “التهمة وسوء الظن”، ح3
[16] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج8، ص8. وردت هذه المضامين في رسالة الإمام الصادق (عليه السلام) إلى أصحابه
[17] هذه القاعدة من القواعد المحورية في علم أصول الفقه، ويُبحث عنها تفصيلاً في باب “تعارض الأدلة” أو “التعادل والتراجيح”، حيث يُعتبر الجمع العرفي أو الجمع الدلالي أول مراحل العلاج قبل اللجوء إلى الترجيح أو التساقط.