الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/02/10

بسم الله الرحمن الرحيم

البعد السياسي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مشروع سيد الشهداء

مر بنا أن معرفة الإمام معرفة واجبة ومن أصول الاعتقادات، وإنَّ من أعظم محاور وأركان معرفة الإمام هي معرفة مشروع الإمام. ومن ضمن ما ذكره سيد الشهداء (عليه السلام) في خطبه أن قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي إحدى الغايات والبرامج والمشاريع التي نهض من أجلها.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كغاية لنهضة الحسين

وهذا الخطاب العظيم من سيد الشهداء (عليه السلام) صريح جداً في تطبيقه الأولي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المنكر السياسي والاجتماعي والديني ذي الطابع العام، مطبقاً إياه على بنية الدولة.

فائدة: إنَّ من الفوائد العظيمة لنهضة سيد الشهداء (عليه السلام) أنه يفسّر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيبيّن أن ذروة هذا المعروف وذاك المنكر هو المنكر العام الذي يستهدف الطابع العقائدي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري للأمة. وهذا بيان وحياني محكم لا يرتاب فيه ريب، وهو ثمرة جليلة من ثمار عاشوراء. فباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس فقهاً فردياً أبداً، بل هو فقه سياسي واجتماعي وعسكري واقتصادي، ذو طابع ديني عام.

وإذا ابتليت الأمة بمثل يزيد، فعلى الإسلام السلام. فأكبر منكر هو إبادة بيضة الدين في طابعها العام، وهذا الطابع السياسي هو أخطر صور المنكر. وسنرى أن بيان سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) يؤكد المطلب نفسه، وهو أن منظومة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تبلغ ذروتها في الشأن العام، والحكم السياسي العقائدي، والطابع العقائدي للحكم، وما يتبعه من طابع سياسي واجتماعي واقتصادي وعسكري.

تأصيل المفهوم في سنة أهل البيت

وقد وردت جملة من الأحاديث عند الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا المعنى، وكذلك الأحاديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، التي سنقرأ بعض مصادرها، حيث يربط (عليه السلام) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأهم مصاديقه وأعظمها، وهو الشأن العام والحكم السياسي ذو الطابع العقائدي والسياسي والاجتماعي.

وكذلك الحال في خطب سيد الشهداء (عليه السلام)، بل لا يبعد أن يقف المتدبر على المطلب نفسه في خطب الإمام الحسن (عليه السلام)، وحتى في الخطبة الفدكية. وهو المضمون نفسه الذي نجده في خطبة الإمام زين العابدين (عليه السلام) التي رواها ابن شعبة الحراني في تحف العقول.[1]

وقد وردت عن الإمام الباقر (عليه السلام) روايات عديدة في هذا الباب، رواها الكليني في الكافي والشيخ الطوسي في التهذيب والشيخ الصدوق في مصنفاته. فمن العجيب أن يتشبث البعض ببعض ما روي عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام مما قد يوهم خلاف ذلك، ويتناسون هذه الروايات الكثيرة عنهما وعن الإمامين الكاظم والرضا عليهم السلام، التي تؤكد على أهمية وضرورة باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجعله من أهم أبواب المسؤوليات، حتى ورد في رواية أنه أهم من الجهاد.

والسبب في ذلك أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ينحصر بالقوة الساخنة، بل يشمل القوة الناعمة والحرب الباردة، وله آليات وطرق وقوالب عديدة لا تعد ولا تحصى. وإن كان الجهاد نفسه ليس محصوراً في الحرب الساخنة، فقد يكون حرباً ناعمة أو إعلامية أو باردة، خفية أو معلنة. بيد أن دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوسع. ولذلك ورد في الروايات أن كل أبواب الفقه بالقياس إلى باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي كموجة في بحر لجي. وهذا فارق عظيم جداً.

والنتيجة: أن هذا الباب هو من أخطر الأبواب الفقهية، وبعبارة أخرى، هو أخطر أبواب المسؤوليات. وإنَّ الملاكات[2] التي يُساءل عنها الإنسان في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تقتصر على البعد الفردي، بل الأخطر منها هو البعد السياسي.

فإن قيل: إنَّ بعض الروايات المروية عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام تدعو إلى السكوت أو التقية. قلنا: ماذا تقول في حثهما البالغ على باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وربطهما إياه بأعظم مواطنه، وهو الحكم السياسي والشأن العام؟ وكذلك كان نهج الإمام الرضا (عليه السلام). فأين التفاوت أو التخالف بين نهج الإمام الحسين (عليه السلام) وبقية الأئمة عليهم السلام؟ بل إنَّ خطاباتهم في هذا المجال أشد، حتى في ترك الجهاد الذي يسبب الذل. ففي بيانات أهل البيت عليهم السلام ربطوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمسؤولية تجاه الوضع العام والشأن العام والحكم. وهذا يدل على أن هذه المسؤولية لا تسقط، وإن كانت منوطة بالقدرة والاستطاعة، ولكنها كمسؤولية عامة قائمة لا محالة.

وتأسيساً على ذلك، ذهب الميرزا النائيني (رحمه الله) إلى أن من أعظم الأدلة على ضرورة الحكومة الدينية في عصر الغيبة الكبرى هو عدم إمكانية تعطيل باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.[3] وكلامه متين، إذ إنَّ هذا هو بيان أهل البيت عليهم السلام، القائل بأن أكبر منكر هو في الحكم العام والمصير العام، وأكبر معروف هو أيضاً في الحكم.

ويتضح من ذلك أن مشروع سيد الشهداء (عليه السلام) يبيّن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم غاياته، وأن ذروة هذه الغايات هي إصلاح الحكم السياسي، لتقوم حكومة وحكم صالح عادل يفشي الصلاح والعدل.

والرواية التي تربط بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبقية الأبواب، وأن بقية الأبواب في جنبه كاللجة في بحر لجي، هي رواية مشهورة سنأتي على ذكرها. والمطلب المهم هو أن الشارع عندما يصور لك أن باب الجهاد، وباب القضاء، وسائر أبواب العبادات، كلها بالنسبة إلى باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كنفثة في بحر لجي، فكأنما المسؤولية الملقاة على عاتق المكلف في هذا الباب لا يقاس بها أي مسؤولية أخرى في كل أبواب الفقه وفروعه.

ولذلك نجد في الروايات أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يأتي في الأهمية بعد العقائد وصلة الرحم، وفي هذا تأكيد على خطورة صلة الرحم، إذ إنها تمثل الأرضية الديموغرافية للمجتمع الصالح.

فهذه مسؤولية كبرى، مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد بيّن سيد الشهداء (عليه السلام) أن أعظم غاية فيها هي إصلاح الحكم السياسي في طابعه العقائدي أو السياسي أو العسكري أو الاقتصادي. وهذا الذي ذكره سيد الشهداء، ذكره كافة الأئمة عليهم السلام.

مثال ذلك: ما روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام): «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ».[4] وهذا تصريح من الإمام الكاظم (عليه السلام) بأن هذا الباب لا يغلق، لا في الغيبة الكبرى ولا الصغرى ولا في أي زمان.

عظم المسؤولية: نفثة في بحر لجي

وقد ورد في نهج البلاغة: «وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ».[5] والنفثة هي ما يخرج من الفم من رذاذ الريق عند النفخ، وهو شيء يسير جداً بالقياس إلى بحر لجي، والبحر اللجي هو البحر العظيم كثير الموج. فإذا قايست أعمال البر كلها، بما فيها العبادات والطاعات والواجبات وحتى الجهاد، بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كانت كقطرة ندى يسيرة تجاه بحر هائج عظيم. وهذا هو التأكيد على عظم شأن هذا الباب.

وما معنى هذا؟ معناه أن مسؤولية الإنسان في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في الروايات وكلام سيد الشهداء وسائر الأئمة عليهم السلام، هي مسؤولية جسيمة. ويُنقل عن السيد محسن الحكيم (رحمه الله) قوله بأن الأعلام لم يدونوا باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كاملاً، وبعبارة أخرى، إنهم بسبب ظروف التقية لم يدونوا ما هو أعظم غاية وهدف لهذا الباب بحسب نصوص المعصومين، ألا وهو الحكم والقيادة والإمامة والولاية والسياسة.

تأمل في كلام الإمام الكاظم (عليه السلام) السابق، حيث يربط التفريط في وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنتيجة وخيمة، وهي: «لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ». وهذا ربط واضح بأن الغاية من هذا الباب لا تنحصر في المنكر الفردي، بل تتعداه إلى المنكر في الطابع العام، وهو أخطر أنواع المنكر.

وهذا هو ما فعله سيد الشهداء (عليه السلام) حين ربط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقلع يزيد ومقاومة الحكم الأموي. هذه هي سنة الحسين وشعاره، وهذا هو من أعظم المبادئ التي بيّنها الإمام الحسين (عليه السلام) للأمة وللأجيال إلى يوم القيامة: أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبط في الدرجة الأولى بوضعية الحكم في الشأن العام، أي الحكم السياسي بطابعه العقائدي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي. فهذا هو أعظم أبواب المعروف، وفي المقابل يقع أعظم أبواب المنكر. وإذا ابتليت الأمة بوالٍ كيزيد، فعلى الإسلام السلام، لأنه يمسخ فكر الناس وعقائدهم وهويتهم.

والشيء العظيم في مشروع سيد الشهداء (عليه السلام)، وكما تنبه لذلك كثير من الأعلام منهم الميرزا النائيني، أنه ما دام باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفتوحاً في الغيبة الكبرى، فإنَّ إقامة الحكومة الدينية أمر لا يمكن تعطيله، وهذا يستلزم بالضرورة البحث عن الحاكم المؤهل لإقامتها. وهذا استدلال متين لا يحتاج إلى تحوير أو تعقيد.

وهذا هو كلام الإمام الكاظم (عليه السلام)، وسنقرأ أيضاً كلاماً آخر له في رواية صحيحة الإسناد وعالية السند…

فقد روى الكليني بسند صحيح عالٍ عن عبد الرحمن بن الحجاج -وهو من فقهاء الإمامين الصادق والباقر عليهما السلام- قال: بعث إليَّ أبو الحسن موسى (عليه السلام) بوصية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفيها يؤكد الإمام الكاظم (عليه السلام) على كلام جدّه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.[6]

ويستشهد الإمام الكاظم (عليه السلام) بقول جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَلَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ».[7] ويتفرّع على ذلك التساؤل عن المفسدة المترتبة على التخاذل عن هذه الفريضة، وهي ليست مفسدة فردية، بل منكر اجتماعي عام. فقد عدّ الإمام الحسين (عليه السلام) من مصاديق المنكر الاجتماعي العام ما جاء في خطبته: «جَعَلُوا مَالَ اللَّهِ دُوَلًا»، ومعناه استيلاء طبقة على المال العام، ونهب دولة من وراء المحيطات لثروات البلد وامتصاصها، فإنَّ انتداب الاستعمار لم ينقطع عن المنطقة قط، ومن يحلم بغير ذلك فهو في سبات عميق.

ومن المنكرات التي شخصها سيد الشهداء (عليه السلام) في خطبته قضية «جَعَلُوا مَالَ اللَّهِ دُوَلًا، وَعِبَادَ اللَّهِ خَوَلًا»، أي عبيداً، فإن سكتوا وإلا فإرهاب السلطة مسلط على رؤوسهم.

وأما آليات العمل: فلا تنحصر بالآليات الساخنة، فقد تكون الآليات الناعمة والخفية أعظم منها أثراً. وإنما نحن في صدد تحديد أصل الآليات التي يُنهى بها عن المنكر، والتي تكون فيها الآليات الخفية أعظم تأثيراً في كثير من الأحيان، سواء سُميت بالناعمة أم الباردة. ولسنا الآن في صدد تحديد الآليات بقدر ما نحن في صدد تأصيل فكرة التطلع لإقامة حكم صالح ونظام عادل، وهو ما يحتاج إلى طاقات وآليات ونخب.

والتفكير في البديل أهم من التفكير في الإزالة. وفي هذا السياق، يؤكد أمير المؤمنين (عليه السلام) -فيما ورد عنه في نهج البلاغة وغيره- على فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيقول: «وَلَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ»، مشيراً إلى التالي الفاسد المترتب على تركه.

وتوضيح ذلك: أن بعض الملاكات -كما يقرر علماء الأصول والفقه- تكون على نحو الإلزام الوجوبي، بينما يكون في تركها مفسدة. ففي بعض الواجبات، يكون لوجوب الفعل ملاك، ولتركه مفسدة أيضاً.[8]

فالقاعدة الأصولية أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، ولكن هذا النهي يُعد نهياً تبعياً لا أصلياً، فالعمدة هو الأمر نفسه وما فيه من ملاك. ولكن في بعض الأحكام، لا يكون الأمر كذلك، بل يكون في الأمر بالشيء ملاك يقتضي النهي عن ضده، وفي ضده مفسدة مستقلة. وكذلك النهي عن الشيء، قد يكون لمفسدة فيه، ويقتضي الأمر بضده الذي فيه مصلحة وجوبية. وهذه طبيعة بعض الأفعال التي يكون في أحد طرفيها مصلحة ملزمة وفي طرفها الآخر مفسدة.

وتأسيساً على ما سبق، نفهم عمق المقولة المستفيضة المتواترة عن أهل البيت عليهم السلام: «لَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ». فقوله: «فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ» إشارة واضحة إلى الحكم والحكومة. وبهذا يتبين أن أمير المؤمنين (عليه السلام) يوضح أن من أعظم غايات باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الوضع السياسي العام، وأن مسخ العقيدة أو الفكر أو الهوية الدينية هو من أخطر تبعات التفريط في هذا الباب.

«وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ».[9] وهذه ليست مبالغة منه (عليه السلام)، بل هي دقة وحيانية.

ومقتضى ذلك: أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقتصر على القوة العسكرية الساخنة، بل يشمل القوة الاقتصادية والإعلامية والثقافية وغيرها.

والمثال على ذلك: ما يلاحظ من حال اليهود، فهم أقلية في العالم كله، إذ لا تبلغ نسبتهم في أي دولة واحداً بالمئة، بل لعلهم لا يبلغون نصف الواحد بالمئة من السكان في الدول الغربية أو روسيا وغيرها.

ولكنهم في مجال القوة الناعمة، والحرب الخفية والباردة والنخبوية، يمتلكون نفوذاً كبيراً. فحين يُسألون عن وجهة شبابهم، يقولون إنهم يتجهون إلى التخصصات السيادية أو الاستراتيجية، وهي التخصصات التي يغفل عنها أكثر نخب بلداننا.

وعليه، فإنَّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ينحصر بآلية معينة. فحتى الجهاد بمعناه الصحيح لا ينحصر بالآلية الساخنة، بل يشمل الحرب الباردة والناعمة. وإذا كان الجهاد كذلك، فكيف ينحصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ إنَّ له آليات عديدة؛ خفية وسرية ومالية واقتصادية، ودائماً ما تكون الآليات الخفية أعظم تأثيراً من المعلنة.

وفي هذا السياق، ترد رواية: «كُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِكَ».

ومعنى الحلس، كما ينقل ابن منظور في لسان العرب، هو البساط الذي يزهد فيه السارق لكثرة نفعه، فلا يلتفت إليه العدو. فعندما يقول الإمام (عليه السلام): «كُنْ حِلْسًا»، فإنما يعني: كن كثير النفع لبيت العقيدة، أي لأهل البيت عليهم السلام. وهذه البيوت ليست بيوت الحجر والمدر، كما نبّه على ذلك الإمام الباقر (عليه السلام) حين قال لقتادة: «أَظَنَنْتَ أَنَّهَا هَذِهِ الْبُيُوتُ مِنْ حَجَرٍ وَمَدَرٍ؟». بل هي بيوت أذن الله أن ترفع، وهي بيوت أرواح المعصومين. وهذا يفسر لنا معنى وصفهم بـ«أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ»؛ فهم ليسوا أنبياء، ولكنهم مخزن للوحي النبوي الذي نزل على النبي (صلى الله عليه وآله)، فملكوته الغيبي لم يرتفع، بل خُزن عند علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين عليهم السلام.

فهم بيت النبوة ومخزنها. والوحي ليس مجرد أصوات ومعانٍ، فتلك أدنى مراتبه، بل هو حقيقة ملكوتية غيبية. قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ ¤ ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى - 52]. وقال أيضاً: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل - 2]. فحقيقة القرآن ليست أوراقاً ومصحفاً، فهذا تنزيله ودرجته النازلة، بل حقيقته روح أمري غيبي لا يموت بنفخ الصور. فجبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والملائكة المقربون والكروبيون يموتون، أما هذا الروح الأمري الملكوتي فهو باقٍ. ولولا بيانات أهل البيت عليهم السلام، لما فُهمت هذه الحقائق القرآنية العميقة.

والحاصل: أن المقايسة بين أبواب البر والأمر بالمعروف ليست شعراً، بل هي دقة وحيانية. فأمر الإمام (عليه السلام) بأن نكون «حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بُيُوتِكُمْ» لا يعني بيوت الحجر والطين، بل بيوت العقيدة والمنهج ومسار أهل البيت عليهم السلام. ومعناه: كن عنصراً فعالاً نشطاً، صالحاً لكل المهمات والمسؤوليات، بحيث لا يتفطن العدو لك، فتكون أنفع وأنشط عنصر في المجتمع المؤمن وجسم الإيمان. وهذا هو العمل الخفي الدؤوب للوصول إلى القمم. وانظر إلى اليهود كيف يسيطرون على مفاصل التجارة العالمية، ومؤسسات النقد الدولية، وغيرها. لا نريد أن نقول إنهم صالحون، بل هم مفسدون في الأرض، ولكن لديهم إصراراً وعملاً دؤوباً بالخفاء والسرية.

**

إعادة فهم التقية والسنن الإلهية الحاكمة

وهذا هو أحد معاني التقية**، وليس معناها السلبية أو الذوبان في الفساد والباطل، فما أبشعه من مسخ لهذا المفهوم العظيم! فإذا كانت التقية تسقط إذا بلغت الدم، فكيف لا تسقط إذا بلغت الدين والهوية؟

تنبيه: يجب أن تكون هذه المفاهيم قواعد راسخة في الجو العلمي، مبنية على الأدلة الصحيحة.

وماذا عن الفهم السائد للتقية عند بعض علماء الأعلام؟ إنَّ حصرها في الفقه الفردي، كما قد يُفهم من بعض المتون كـشرائع الإسلام[10] أو الوسيلة لابن حمزة[11] ومن تلاهما، هو فهمٌ خالٍ عن روح التشريع ومقاصده العليا. فهل يُعقل أن تُفرَّغ هذه الأحكام من غاياتها الكبرى؟

ومثال ذلك ما هو مشاهد تكويناً من حال بعض الأقليات التي، على الرغم من نبذها ومطاردتها بسبب شرورها، تمكنت من الوصول إلى مواقع النفوذ والتحكم من خلال العمل في الخفاء، وباستعمال الآليات الناعمة والخفية. فقد تحكموا في الإعلام، ومراكز القرار، والقوى العسكرية، ورؤساء الدول، وغير ذلك. ولا يُقال إنَّ وصولهم كان بسلوك باب الحرام حصراً، بل إنَّ باب الحلال في ذاته أنفع وأوصل إلى الغايات والقمم من باب الحرام. ولو أنَّ الأمة سلكت هذا المسلك بتفوقها البشري، لكانت قادرة على الوصول إلى منصة النصر والظفر، ولكن الله لم يأذن لها بذلك.

والسبب في ذلك: أنَّ هذا النجاح هو ثمرة جهدهم وتفوقهم، ولم يكن من حظ الأمة التي لم تبذل الجهد المطلوب. فالأمة محكومة بسنة إلهية، وهي قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[12] . فهل يُعقل أن تكون هذه الآية منسوخة؟ وكذلك قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾[13] . فهل هذه الآية منسوخة أيضاً، أو معطلة في زمن ظهور صاحب العصر والزمان؟

وقد ورد في هذا المعنى ما رواه الصدوق في كمال الدين، حيث سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عما إذا كان الله قد ينصر البشرية بصاحب العصر والزمان دون أن تتحرك البشرية وتنشط وتأخذ على عاتقها المسؤولية، فكان حاصل الجواب بالنفي.[14] فلو كان النصر يأتي بلا جهد، لأنجزه الله لسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، وهو أحب الخلق إليه وأعزهم عليه، الذي لا يماثله أحد في إدارته وقيادته، وإن كان صاحب العصر والزمان هو ممثله في زماننا هذا.

والحاصل: أنَّ كل نتيجة مرهونة بمقدماتها، ولكل غاية ضريبة لا بد من أدائها.

وتأسيسًا على ذلك، نجد التأكيد المتواتر والمستفيض من المعصومين عليهم السلام، كما ورد في نهج البلاغة والكافي بسند صحيح عالٍ: «لَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ أَشْرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ»[15] . وقد سار على هذا النهج التقليدي في الحوزة الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني (رحمه الله)، وهو صهر المرجع السيد الكلبايكاني، والذي كان رئيساً لمجلس صيانة الدستور في الجمهورية الإسلامية لعشر سنين في زمن السيد الخميني. وقد ذكر في كتابه منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر ما يؤيد هذا المطلب، مستشهداً بقول أمير المؤمنين (عليه السلام).[16]

إذن، لقد صنع سيد الشهداء (عليه السلام) فتحاً في وعي الأمة، حين بيّن أنَّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أعظم أبواب الشريعة والدين، وأنَّ ذروته مرتبطة بالحكم العام في طابعه العقائدي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي. أما اليوم، فإننا على العكس من ذلك، فأبعد ما يكون تفكير المجتمع المؤمن عن حس المسؤولية السياسية، وأبرد ما نكون تجاهها، ثم نطالب بالفرج. فأي فرج هذا الذي ننتظره؟ إنَّ أبعد مسؤولية نتهرب منها هي المسؤولية العامة، والنتيجة الحتمية لهذا التخلي هي ما جاء في الحديث: ﴿فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ أَشْرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ﴾.

وفي السياق نفسه، ورد حديث النبي (صلى الله عليه وآله) في الكافي، وهو يجري على نفس الوتيرة والنظم، حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»[17] . وقد يُفهم من بعض الروايات التي تذكر تسليط “العجم” أنَّ المقصود بهم ملل أخرى غير المسلمين، لا خصوص الفرس. ويشهد لذلك ما تواترت به الروايات عند العامة والخاصة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مدح أهل فارس، وأنهم سيعيدون حياة الإسلام ويضربون العرب عليه بعد أن يتركوه في آخر الزمان، وهذا نص نبوي صريح. وقد وعى الإمام الحسين (عليه السلام) هذا المعنى وأمثاله.



[1] ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي. تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وعليهم.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط2، مؤسسة النشر الإسلامي، 1404 هـ، ص250-254
[2] الملاك: مصطلح أصولي يعني الحكمة أو العلة التي من أجلها شرع الحكم، سواء كانت مصلحة موجبة للفعل أو مفسدة موجبة للترك.
[3] يُراجع: النائيني، محمد حسين. تنبيه الأمة وتنزيه الملة.. هذا الكتاب من أهم المؤلفات التي نظّرت للدولة الدستورية من منظور فقهي شيعي، حيث استدل فيه النائيني على أن إقامة شكل من أشكال الحكومة الصالحة في عصر الغيبة واجب لمنع الطغيان ولتطبيق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشأن العام
[4] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج5، ص56، باب “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ح1
[5] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة.. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1414 هـ، ص542، الحكمة رقم 374
[6] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج5، ص56، باب “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ح1
[7] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة.. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1414 هـ، ص422، من وصية له (ع) للحسن والحسين (ع) لما ضربه ابن ملجم (لعنه الله)، رقم 47
[8] هذا تفصيل في مبحث “دلالة الأمر على النهي عن الضد” من مباحث الأوامر في علم أصول الفقه، حيث يُبحث هل الأمر بشيء يقتضي النهي عن ضده العام (ترك كل شيء عداه) أو ضده الخاص (الفعل المنافي له). والمشهور أن الدلالة تبعية وليست أصلية.
[9] المصدر نفسه، ص542، الحكمة 374.
[10] للمحقق الحلي، جعفر بن الحسن. شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام.. تحقيق عبد الحسين محمد علي، ط2، مؤسسة اسماعيليان، 1408 هـ
[11] ابن حمزة الطوسي، محمد بن علي. الوسيلة إلى نيل الفضيلة.. تحقيق محمد الحسون، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1408 هـ
[12] الرعد: 11.
[13] محمد: 7.
[14] يراجع: الصدوق، محمد بن علي. كمال الدين وتمام النعمة.. تحقيق علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، 1405 هـ. الروايات في هذا الباب متعددة، منها ما يؤكد على ضرورة التمحيص والامتحان قبل الظهور
[15] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة. تحقيق صبحي الصالح، دار الهجرة، 1414 هـ، ص421، الكتاب47. ورواه أيضاً الكليني في الكافي.، ج5، ص59، ح16
[16] الصافي الكلبايكاني، لطف الله. منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر.. ط3، مؤسسة السيدة المعصومة، 1422 هـ
[17] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج5، ص56، باب “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ح1