48/02/09
القراءة السياسية لنهضة الإمام الحسين ووحدة منهج الأئمة
مرّ بنا أن خطبة سيد الشهداء (عليه السلام) المروية في تحف العقول[1] قد اعتمد عليها في الاستدلال كثير من الأعلام المعاصرين والمتقدمين في الفقه السياسي.
ومن الأهداف التي يذكرها سيد الشهداء لمشروعه هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا بمعناه الفردي فحسب، بل بأبعاده العقائدية والسياسية والاجتماعية. وهذه من الأغراض والغايات التي يؤكد عليها (عليه السلام) في جملة من خطبه الشريفة في مكة والمدينة وكربلاء ويوم عاشوراء. ولكن أي معروف وأي منكر؟ ليس المنكر والمعروف الفردي، بل هو يسلط الضوء على المنكر السياسي والاجتماعي، وذي الطابع الديني العام، فهو جانب عقائدي. إذ يركّز صلوات الله عليه على الطابع الديني العام، وعلى الشأن السياسي العام، وعلى الشأن الاجتماعي العام، وعلى مسألة الحكم في مجتمع الإسلام. الحكم بما له من أبعاد متعددة، يمكن إجمالها في الآتي: - طابع ديني. - طابع سياسي. - طابع اجتماعي. - طابع اقتصادي. - طابع حقوقي. فهذه الأبعاد يؤكد عليها (عليه السلام) في سياق حديثه عن المعروف والمنكر.
البُعد السياسي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وقد أكد السيد محسن الحكيم أن ما كتبه الفقهاء في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر –مع استثناء محتمل للشيخ الطوسي أو الشيخ المفيد من الأقدمين– قد كُتب بقالب وصياغة الفقه الفردي، أي المنكر الفردي والمعروف الفردي. فالشرائط التي ذكروها والضوابط إنما تتناسب مع ظاهرة المنكر والمعروف في بعدها الفردي.
وهذا اختزال مُجحف كبير بهذا الباب، لأنَّ هذا الباب في أصل تشريعه هو من أعظم أبواب الفقه السياسي على الإطلاق. ففي بيانات الوحي، يشمل هذا الباب الحكم والحكومة والسلطة القضائية والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، كما يشمل الجهاد ووزارات الدولة ووظائفها كلها.
وتأسيسًا على ذلك، فإنَّ ما دُوّن في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يفي ببيان كل أبعاده، وهو ما أشار إليه غير واحد من الأعلام، كالشيخ عبد الهادي الفضلي في بعض كتاباته.[2]
وتكمن المشكلة في أن البعض يريد أن يقرأ سيرة سيد الشهداء (عليه السلام) في واقعة الطف على ضوء ما حرره الفقهاء، ولكن ما حرروه ليس كاملاً شاملاً، بل يغلب عليه البُعد الفردي. فكيف يمكن قراءة عاشوراء بما كتبه الفقه من اختزال لباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
وهنا لا بد من اليقظة عند الباحث، فسيرة أهل البيت (عليهم السلام) لا تُختزل فيما نقّحه الفقهاء.
فإن قيل: أوليس الفقهاء وعلماء الدين يستندون إلى الأدلة الشرعية في تنقيحاتهم؟ قلنا: بلى، بلا شك، ولكن ما نقّحوه وحرروه في العلوم المختلفة، كعلم التفسير أو علم الكلام أو علم الأخلاق أو فقه الفروع، وحتى في علم الرجال، ليس شاملاً لكل المواد الواصلة إلينا من الأدلة.
فهذه قضية حساسة جداً يجب الالتفات إليها، وهي أن ما نقّحه الفقهاء ليس هو كل ما هو موجود في أدلة الكتاب والسنة. وهذا تصريح عظيم جداً يُنسب للسيد محسن الحكيم، ومقتضاه أننا لا نستطيع حصر فهم السيرة بما هو مدوّن فقط.
وهذا المطلب نفسه هو ما نجده في كلمات أعلام آخرين كصاحب الجواهر[3] والمولى أحمد النراقي، [4] وإن كان بصياغة أخرى. فقد ذكروا أن سيرة الحسين (عليه السلام) لا يمكن قراءة كل تفاصيلها وفق القواعد الفقهية المتعارفة، وأن بعض المساحات في سيرته، خصوصاً في عاشوراء، لا تزال بالنسبة للفقهاء مُبهمة تُحمل على التعبّد، أي أنهم لم يلتفتوا بعد إلى وجه القواعد فيها.
ومآل هذا القول، الذي ذكره صاحب الجواهر وكاشف اللثام وغيرهما من الأعلام الكبار، أن البحث الفقهي حول سيرة سيد الشهداء لم يُنجز بالكامل بعد. وهذه العبارة وإن اختلفت ظاهراً عن عبارة السيد محسن الحكيم، إلا أنَّ مؤداهما واحد، وهو أنه لا يمكن حصر فهم سيرة سيد الشهداء فيما قد أنجزه الفقهاء من قراءة.
وعليه، فمن الغريب أن يُقال: كيف تنطبق شرائط الأمر بالمعروف الفقهية على عاشوراء؟ بل الصواب هو العكس؛ كيف نُكيّف التنقيح الفقهي على ضوء عاشوراء، لا أن نُكيّف عاشوراء على ضوء التنقيح الفقهي، فسيرة المعصوم هي نفسها من مصادر الاستنباط. فإذا أردنا أن نحبس قراءتنا لوقعة الطف على ما قد أنجزه ونقّحه الأعلام، فإنَّ الأعلام أنفسهم يقرّون بأنَّ هذا التنقيح ليس كاملاً ولا شاملاً، وإنما يتناول بعض الأبعاد فحسب.
في خضم هذه المنهجية التي ركزنا عليها، نجد حديثاً شريفاً ذكره كل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تقريباً في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مروياً عن الإمام الكاظم والرضا والصادق والباقر وأمير المؤمنين والنبي (صلى الله عليه وآله)، بل هو حديث قدسي. ومضمونه يربط بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين الحكومة السياسية، حيث يبيّن أن من أهم غايات هذا الباب هو تشييد الحكومة السياسية الصالحة.
ولكن قبل الدخول في هذه الروايات، لا بد من الإجابة عن سؤال: لماذا نطرق هذا البحث؟ السبب هو أن البعض يفسر كلام الأعلام تفسيراً خاطئاً. فعلى النقيض من رأي صاحب الجواهر ومن ذهب مذهبه، نجد السيد المرتضى يطرح رؤية مختلفة ومفصلة في كتبه، كـ”تنزيه الأنبياء” أو “رسائل الشريف المرتضى”.[5]
فالسيد المرتضى يرفض أشد الرفض أن تكون سيرة سيد الشهداء، سواء في خروجه إلى مكة ثم إلى كربلاء أو في يوم عاشوراء، قضية استثنائية تعبدية. بل يقول إنَّ ما قام به سيد الشهداء كله جرى على القواعد الثابتة في الدين.
وبعبارة أخرى، حتى ذلك المقدار الذي ذكره صاحب الجواهر من أن بعض أبعاد سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) لم يصل الفقهاء بعد إلى تفسيرها الصناعي الفقهي، فيحملونها على التعبّد الخاص به، هذا المقدار يرفضه السيد المرتضى رفضاً قاطعاً. فهو يرى أن كل زوايا النهضة الحسينية قائمة على القواعد، وليست أمراً تعبدياً خاصاً أو استثنائياً لا يُقتدى به. حتى مشروع الشهادة نفسه، كقوله: “إنَّ الله شاء أن يراك قتيلاً”، يوجهه السيد المرتضى توجيهاً قواعدياً، وأنه لا يعني الانتحار كما قد يُفهم خطأً.
ولدى السيد المرتضى صياغة محكمة في تفسير نهضة عاشوراء، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولاً: إنَّ لسيد الشهداء (عليه السلام) ملفات وبرامج وغايات وأهدافاً عديدة، وليس هدفاً واحداً. ثانياً: إنَّ مشروع الشهادة لا يعني الانتحار، بل هو قائم على القواعد وله معناه الخاص. ثالثاً: إنَّ كيفية التوفيق بين هذه البرامج والخطط المتعددة كانت تتم بحسب تبدل المقاطع الزمنية والظروف، ولو في اليوم الواحد. فليست كل المشاريع لها ظرف زمني واحد، وقد تجتمع عدة مشاريع في مقطع واحد، وهذا من عظمة إدارة المعصوم للملفات. رابعاً: إنَّ القراءة الساذجة السطحية الأحادية المبتورة عن منظومة خطب وكلمات سيد الشهداء، هي قراءة عاجزة عن تفسير كل أبعاد وأفق نهضته. خامساً: لا يوجد أي تناقض بين مشروع الشهادة ومشروع إقامة الحكم العادل السياسي. سادساً: يرفض السيد المرتضى رفضاً باتاً أن يكون في سيرة سيد الشهداء أي غموض أو إبهام يُحمل على التعبّد، وذلك على عكس ما ذهب إليه صاحب الجواهر وكاشف اللثام والمولى أحمد النراقي. فكل حركاته وسكناته ومواقفه وتدبيره (عليه السلام) إما أنها تجري على القواعد المعلومة، أو أنها بنفسها تؤسس لقواعد ثابتة يمكن الاقتداء بها.
بخلاف ما ذهب إليه بعض الأعلام كالمحقّق النراقي من عدم نفي وجود غموض أو إبهام أو تعقيد في النهضة الحسينية على الآخرين، مدللاً على ذلك بأن شخصيات كعبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن عمر وكثيرين غيرهم لم يتمكنوا من فهم فلسفة سيد الشهداء (عليه السلام) ومنهجه، فإنَّ السيد المرتضى (رحمه الله) يرفض هذا المسلك رفضاً قاطعاً.
والحاصل: أن السيد المرتضى يذهب إلى أنَّ كل حركات سيد الشهداء (عليه السلام) وسكناته وكلماته ومواقفه وإدارته وتدبيره، كانت جارية على وفق القواعد الكلية، أو مبنية على خصوصيات المقاطع الزمنية وظروفها، وليس في سيرته ما هو غامض أو مبهم. فليس في واقع الأمر ما يمنع من الاقتداء بسيد الشهداء (عليه السلام)، وإنَّ القول بخلاف ذلك لمن عجائب المقولات وغرائبها.
إنَّ شخصية سيد الشهداء صلوات الله عليه لا تُختزل في البكاء، فالبكاء مقدّس وعظيم، لكنَّ غايات سيد الشهداء متعددة، فالبكاء مقدّس، أمّا حصر النهضة فيه فلا وأبداً، بل هي تشمل الحكم السياسي ودكدكة الظالمين.
والشاهد على ذلك: ما تعترف به اليوم بعض القوى الدولية، فقد ذكرنا الصين، وإنَّ الصينيين يعترفون الآن بأنَّ الذي غيّر موازين قوى العالم في هذه الأشهر هو الحسين (عليه السلام)، إذ أثّر في أتباعه في هذه الحرب الأخيرة، فقلبت العقيدة الحسينية بأبعادها العسكرية والسياسية والإدارية موازين القوى في العالم، وهذا ما ورد في تقرير صيني. وفي عام 2006م، صدرت تقارير روسية تفيد بأنَّ الحسين (عليه السلام) قلب موازين الشرق الأوسط، وقد جعلوا العقيدة الحسينية العسكرية السياسية إحدى المدارس التي تُلزِم الأكاديميات العسكرية الاستراتيجية الروسية بتدريسها كقضية رسمية منذ حرب تموز 2006م في جنوب لبنان، لأنها قلبت موازين القوى في الشرق الأوسط على حدوده بين العدو وسائر الدول، فأصابت مشاريعهم بالشلل والانتكاس، بينما الحسين (عليه السلام) قلب الموازين، وهذه تقارير روسية عاصرناها آنذاك.
والآن يعترف الصينيون أيضاً بأنَّ الحسين (عليه السلام) هو الذي جعل من مقتل القيادات لدى أتباعه مصدراً للقوة والقدرة والمعنى، وناموساً قدسياً بدلاً من أن يكون سبباً للضعف والانهيار. حتى إنَّ دوائر الاستخبارات في الدول العظمى تعترف بأنَّ هذا كان أكبر خطأ استراتيجي ارتكبوه، فبدلاً من أن يسبّب اغتيال القادة انهيارهم، كان سبباً في قوتهم، وكل ذلك ببركة الحسين (عليه السلام)، وقد ذكروا اسمه صراحةً.
إنَّ الحسين (عليه السلام) لا يُختزل في شيء، فللحسين إنجازات. ومن معاني قول النبي (صلى الله عليه وآله): «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ»[6] هو بقاء اسم الرسول وحياة دينه ومشروعه بالحسين. فالحسين صلوات الله عليه لا يُختزل في المؤمنين والشيعة، ولا في المسلمين، ولا في العرب، ولا في الشرق الأوسط، بل هو يناجز فراعنة كل زمان. والله إنَّ هذه ليست شعراً، بل حقيقة، فهو كالموج الذي ينتشر ليدكدك عروش الطغاة، وإلا فليس عبثاً أن يرفع صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه شعار الحسين (عليه السلام) في دولته، كأول شعار يرفعه للظهور، يخاطب به العالم بأسره، لا المسلمين والمؤمنين والشيعة أو العرب فحسب، فقد صار اسم الحسين عالمياً، فالحسين نبراس الحرية، كما أنَّ الحسين والمهدي عليهما السلام نبراسا العدالة. إنها قضية ليست شعراً ولا عواطف، إنما هي حقائق تقرّ بها تقارير دولية وتعترف بها الدول العظمى.
فلنلتفت إلى هذا الكنز العظيم، فإنه لا يمكن تلخيص سيد الشهداء (صلى الله عليه وآله) في البكاء.
تنبيه: البكاء شيء عظيم لا ننتقص منه أبداً، فهو مقدّس، ولكن حصر سيد الشهداء فيه مرفوض قطعاً. لذلك نجد في زيارات سيد الشهداء (عليه السلام) أنه «عَبرة وعِبرة»[7] ، فليست القضية عَبرة (بفتح العين، أي دمعة) فقط، بل هي عِبرة (بكسر العين، أي درس) مقدّسة أيضاً، فلماذا تُتناسى العِبرة؟ ومعنى العِبرة: أن يُؤتمّ بسيد الشهداء ويُقتدى به، فلا يُقال إنَّ سيد الشهداء لا يُقتدى به لأنَّ قضيته في واقعها استثنائية تعبدية. إنَّ هذا القول كذب ودجل، وهذه تعابير مُعدّلة تتناقض وتتدافع. وهل سيرة الأئمة بعد سيد الشهداء عليهم السلام تخالف سيرته؟ كيف ينفصلون؟ لن يفترقوا يا إخوة.
إنَّ من يظن أنَّ نهج الحسن ونهج الحسين عليهما السلام ينفصلان فهو مخطئ، فهما «إمامان قاما أو قعدا»[8] . ولماذا هذا التفريق؟ إنَّ في منطق الوحي ضرورات تتعلق بأهل البيت الأربعة عشر، وليست الضرورة محصورة في الإمام الثاني عشر، فأصحاب الكساء الخمسة ضرورة من ضرورات الدين، ومقامات فاطمة (عليها السلام) ضرورة، ومقامات النبي (صلى الله عليه وآله) وإمامته ضرورة. فلا بد من جمع الضرورات مع بعضها البعض، لا أن تأخذ بضرورة وتكفر ببقية الضرورات، فإنَّ ذلك يورث الزيغ. فإذا كنت تجمع الضرورات، فإنك تكون على هدى، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة - 85]. ولو أخذت من الضرورات تسعة وتسعين بالمئة وتركت واحداً بالمئة فإنك تنحرف، فالدين كتلة واحدة لا تتجزأ. وهذا كمثل قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة - 285]، مع أنه تعالى يقول في موضع آخر: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة - 253]، ولا تناقض بينهما، فثمة محكم وأحكم، وثمة مهيمن وغير مهيمن. يقول تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة - 48]، فمع وحدة الرسالات، هناك هيمنة لبعضها على بعض. وبين الأئمة الأربعة عشر، فإنَّ أصحاب الكساء عليهم السلام هم المهيمنون على الأئمة التسعة من ذرية الحسين، بل إنَّ التسعة هم المفسّرون لسيرة الخمسة، وليس بينهم اختلاف في المحكمات.
ثم إنك جعلت الحسين (عليه السلام) استثنائياً لا يُقتدى به ولا يُؤتم به، وهذا غريب. فخطب أمير المؤمنين (عليه السلام) أكثر سياسية وحماسية من خطب سيد الشهداء (عليه السلام)، كقوله: «مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا»[9] . فهل كانت قضية أمير المؤمنين (عليه السلام) استثنائية أيضاً؟ إنَّ في نهج البلاغة خطباً كثيرة، مسندة وغيرها، تؤكد على هذا المعنى، كقوله في ترك الجهاد أنه يورث الذل. فالأئمة الباقون حجج الله، ولا تناقض في سيرتهم، وإنما أنت من يرى التناقض.
وحدة المنهج: قراءة استراتيجية لصلح الإمام الحسن
إنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) تقاسم السلطة مع معاوية، ولم يفوّضها له، وهذه مقولة مغلوطة سرت بأقلام أموية حتى في العقول التي تشتغل بالبحث العلمي الشيعي. والشواهد على ذلك كثيرة، نلخصها في نقاط: - إنَّ من أغمض تدابير أئمة أهل البيت عليهم السلام هي تدابير الإمام الحسن (عليه السلام) اتفاقاً، فقد كان مأموراً بدهاء عجيب غريب، ومناورات سياسية معقّدة. - أولاً: استدرج معاوية إلى الكوفة من دون أن يعقد معه صلحاً، وجعل الجيشين يختلطان، ثم أملى عليه شروطه. - ثانياً: نص في أول بنود العقد على أنَّ أخاه الحسين (عليه السلام) غير ملزم به، فكأنه أبقى ورقة ضغط ورفض، فلم يستطع معاوية أن يعترض. - ثالثاً: استدرج الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية وعمرو بن العاص، وهما من دهاة العرب، وجعلهما في قبضته، حتى إنَّ الخوارج لما أصروا على قتال معاوية، رفض الإمام الحسن ذلك قائلاً إنَّ لديه مخططاً أكبر. - رابعاً: لم يترك الإمام الحسن السلطة أبداً. والشواهد على ذلك عديدة، منها أنَّ معاوية لما أصابه زلزال أمني مع الخوارج، أراد أن يستعين بالإمام الحسن (عليه السلام) مراراً فرفض الإمام، وهذا يعني أنَّ الإمام كان يمتلك جيشاً وقوة. كما أنَّ ميزانية الكوفة كانت تُقسّم بين معاوية والإمام الحسن، وهذا هو تقاسم السلطة بعينه. - خامساً: المساحات التي كانت متمردة على الإمام الحسن (عليه السلام)، كجبهة الخوارج، تركها الإمام لمعاوية ليكون هو وشأنه معها، فابتلى معاوية بهم. - سادساً: اشترط عليه أن يعود الحكم بعد موت معاوية إلى الحسن، فإن حدث به حدث فإلى الحسين عليهما السلام، فأين التفويض إذاً؟ وقد نص على ذلك في وثيقة الصلح التي اتفق عليها المهاجرون والأنصار.
فأين هو التراجع والتقهقر في سيرة الإمام الحسن (عليه السلام)؟ للأسف، هذه من مظلومياته العجيبة، فنحن لا نقرأ سيرته قراءة صحيحة وحقيقية. ويضاف إلى ذلك ما ذكرناه في سنين سابقة من أنَّ خطابات الإمام الحسن (عليه السلام) كانت من أشد خطابات أئمة أهل البيت سخونة وثورية وحساسية، فقد كان لسانه من البداية لساناً حسنياً وحسينياً. فبينما لم يتعرض الإمام الحسين (عليه السلام) للسقيفة في كثير من خطبه تصريحاً، كان الإمام الحسن (عليه السلام) يفتح ملفات السقيفة بصراحة تامة وبدون أي مواربة، بل كان أصرح من أمه الزهراء (عليها السلام) في خطبها. لم نجد مورداً واحداً جامل فيه الإمام الحسن أو وارب أو أخفى حقائق فتنة السقيفة وزيغها، أو جرائم بني أمية، حتى إنه كان يكشف محاولات الاغتيال التي تعرض لها في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله). فعجيب أمر الإمام الحسن (عليه السلام)، فهو عكس ما يُظن به تماماً.
إذن، لم يفوّض الإمام الحسن (صلى الله عليه وآله) السلطة لمعاوية، إنما تقاسمها معه، فأبقى بيده السلطة على المناطق الموالية له، وترك لمعاوية المناطق المتمردة عليه ليكون هو وشأنها. إنها استراتيجية عظيمة من الإمام الحسن (عليه السلام). فانظر كيف أنَّ قراءاتنا الخاطئة لسيرة أهل البيت عليهم السلام هي التي توقعنا في أخطاء كثيرة، كالقول بوجود فرق بين الحسنين. وأين الفرق؟ إنما هو في عدم رؤيتنا للمناورات، أو ما يسمى بالتعبير العصري “جدلية الملفات”، فهذه العملية التي تبدو تضاداً، ليست تضاداً في الحقيقة، بل هي تنوع تفرضه الظروف المختلفة.
هذا بالنسبة للإمام الحسن (صلى الله عليه وآله). وقد نقل لي بعض الإخوة الباحثين نتيجة متابعة استمرت لسنوات، وهي أنَّ معاوية لم يقتل ولم يتعدَّ على أحد من حواريي أمير المؤمنين (عليه السلام) ما دام الإمام الحسن (عليه السلام) حياً، على عكس السنوات العشر التي تلت شهادته. وهذا يثبت أنها كانت دولة متقاسمة، فلم يكن معاوية يستطيع أن يفعل شيئاً في دولة الإمام الحسن، حتى إنَّ كثيراً من أتباع معاوية كالمغيرة بن شعبة وغيره كانوا يقولون: “لا تزال حرارة سيوف بني هاشم في قلوبنا”. فانظر كيف كانوا يتوجسون خيفة. لقد كان شكلاً من أشكال تقاسم السلطة، كالحكم الذاتي أو الإقليم الفيدرالي. هذا هو الذي كان من الإمام الحسن (عليه السلام)، وللأسف يحتاج الأمر إلى جمع قصاصات كثيرة عن ملابسات ما جرى بينه وبين معاوية لكي نلتفت إلى مدى دهائه ومدى حماسته وغيرته على الدين في مواجهة بني أمية والسقيفة، ويمكن مراجعة كتاب الاحتجاج للطبرسي للوقوف على ذلك.
استمرارية المشروع السياسي: الأئمة وثورة المختار
ثم تعال بنا إلى الإمام زين العابدين والسجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد عليهم السلام، ألم يمدحوا المختار الثقفي؟ حتى اعترف السيد الخوئي بصحة أسانيد كل روايات المدح الواردة في حقه.[10] فقد مدح السجاد والباقر والصادق عليهم السلام المختار الذي أقام دولة سياسية، بل دولة بكل معنى الكلمة، فيها مواجهات عسكرية وعقوبات جنائية. وإنَّ في دولة المختار رائحة من دولة صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه، فشعار دولته كان “يا لثارات الحسين”، وهو شعار التوابين أيضاً. وقد ذكرنا معنى الثأر في روايات قرأناها في التهذيب والمصباح المتهجد، وهو أنَّ الله ينجز لك ما وعدك من النصر، وهذا هو المعنى العميق للمشروع.[11]
لقد كان دور المختار هو اقتلاع سرطانات بني أمية في العراق، سرطانات الفكر السياسي الأموي والنسيج الاجتماعي الأموي. وإنَّ معنى الانتقام في منطق الشرع ليس التشفي القلبي والعاطفي، بل هو إقامة مشروع الحسين (عليه السلام)، وأنَّ الله منجز لك ما وعدك من النصر وظهور الأمر. هذا هو مشروع سيد الشهداء (عليه السلام).
ورد عن كل الأئمة تقريباً حديث قدسي، وحديث نبوي، وحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، بطرق متعددة وفي مواطن متعددة، عن الحسين والحسن والسجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام، ومفاده أنَّ غاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي إقامة الحكومة السياسية الصالحة. وسنبين الروايات التي صدرت عنهم في ذلك، فكيف يُقال بعد هذا إنَّ سيرة الأئمة اللاحقين تناقض سيرة الحسين (عليه السلام)؟ أعوذ بالله من ذلك.
إنهم صلوات الله عليهم يقولون إنَّ غاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعمدته هي إقامة الحكومة السياسية الصالحة العادلة، وتجنب قيام حكومات الجور، كحكومات البعثيين والوهابية والدواعش في زماننا، وتجنب تسلط الأشرار على مقدرات المسلمين والمؤمنين. هذه هي غاية باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يقول الأئمة، فكيف يُقال إنَّ سيرة الإمام السجاد (عليه السلام) مختلفة؟ أمّا شرائط الأمر بالمعروف وضوابطه، فهذا بحث آخر.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
فليس ذلك من التضاد في شيء، بل هو من تنوع الظروف والمقتضيات.
وهذا هو الشأن في سيرة الإمام الحسن (عليه السلام)، فقد نقل بعض الباحثين نتيجة متابعة دامت سنين، أنَّ معاوية لم يقتل ولم يتعدَّ على أحد من حواري أمير المؤمنين (عليه السلام) ما دام الإمام الحسن (عليه السلام) حياً، بخلاف ما جرى في العشر سنين التي تلت شهادته.
وهذا يكشف عن حقيقة تقاسم السلطة، إذ لم يكن لمعاوية سلطان على دولة الإمام الحسن (عليه السلام)، حتى إنَّ رجالات معاوية كالمغيرة بن شعبة وغيره كانوا يتوجسون خيفةً من سيوف بني هاشم. فكان الأمر أشبه بتقاسم للسلطة، أو ما يشبه الحكم الذاتي أو الإقليمي في مصطلحاتنا المعاصرة. وهذا هو واقع ما جرى من الإمام الحسن (عليه السلام)، وإنَّ الوقوف على حقيقة الأمر يقتضي جمع القصاصات التاريخية الكثيرة حول ملابسات تلك الفترة، لنلتفت إلى مدى دهاء الإمام الحسن (عليه السلام)، ومدى ناريته وحميته على بني أمية وعلى خط السقيفة، وهو ما يظهر جلياً لمن يقرأ خطبه في كتاب الاحتجاج وأمثاله.[12]
ويتأكد هذا المنهج الواحد إذا انتقلنا من سيرة الإمام الحسن إلى سيرة بقية الأئمة عليهم السلام. فالإمام زين العابدين، والباقر، والصادق، والكاظم، والرضا، والجواد عليهم السلام، ألم يمدحوا المختار الثقفي؟ وقد اعترف السيد الخوئي بصحة أسانيد روايات مدح الإمام السجاد والباقر والصادق عليهم السلام للمختار، [13] الذي أقام دولة سياسية خاضت مواجهات عسكرية وأقامت عقوبات جنائية. بل إنَّ في دولته رائحة من دولة صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه، فقد كان شعار دولته، كما هو شعار التوابين، “يا لثارات الحسين”.
وقد مر بنا معنى الثأر في روايات التهذيب ومصباح المتهجد، وأنَّ معناه هو أن ينجز الله لك ما وعدك من النصر.[14] فكان دور المختار هو استئصال سرطانات بني أمية في العراق، واقتلاع جذور الفكر السياسي الأموي والنسيج الاجتماعي الذي زرعوه. وليس الانتقام هنا بمعنى التشفي القلبي والعاطفي، بل معناه الشرعي، كما دلت عليه الروايات، هو إقامة مشروع الحسين (عليه السلام)، وتحقيق وعد الله بالنصر وظهور الأمر. هذا هو مشروع سيد الشهداء (عليه السلام).
فالثأر للحسين (عليه السلام) هو من هؤلاء الذين وصفوا في بعض الآثار بأنهم شرار الخلق، وهم قتلة سيد الشهداء. فمشروع الإمام الحسين (عليه السلام)، بكل أبعاده ومسؤولياته، هو مشروع إلهي.
والشاهد على ذلك: ما ورد عن عامة الأئمة عليهم السلام من حديث قدسي، وحديث نبوي، وحديث علوي، رويت جميعها بطرق متعددة وفي مواطن شتى. فقد روي هذا المضمون عن الإمامين الحسن والحسين، وعن السجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام.
ومفاد هذه الأحاديث: أنَّ الغاية الكبرى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي إقامة الحكومة السياسية الصالحة.[15] فإذا كانت هذه هي الروايات الصادرة عن الإمام الباقر والسجاد والرضا والكاظم عليهم السلام، فكيف يمكن القول بعد ذلك بوجود تناقض بين سيرتهم وسيرة الإمام الحسين (عليه السلام)؟
فالأئمة عليهم السلام أنفسهم يصرحون بأنَّ غاية وعمدة باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي إقامة الحكومة الصالحة العادلة، واجتناب قيام حكومات الجور والفساد، التي يتسلط فيها الأشرار على مقدرات المسلمين والمؤمنين. فهذه هي غاية هذا الباب بنص كلامهم، فكيف يُدّعى أنَّ سيرة الإمام السجاد (عليه السلام) تختلف عن هذا النهج؟ أما البحث في شرائط الأمر بالمعروف وضوابطه فله مقام آخر.