48/02/07
مشروع الأئمة: من الغموض المعرفي إلى المسؤولية العملية
كان الكلام في تجاذب الفقهاء أو تصريحهم بأنَّ حقيقة مشروع الحسين (عليه السلام) هل تنطبق على قاعدة فقهية واحدة أو اثنتين أو أكثر، أو باب فقهي دون غيره؟ وقد مرّ بنا كلام الأعلام وأساطين الفقهاء معترفين بأنَّ تفسير النهضة الحسينية من منظور الفقه العقائدي له جهات بيّنة واضحة، وجهات أخرى غامضة.
غموض المعرفة وحقيقة الأمر بين أمرين
وهذا يضاهي القرآن الكريم الذي كان أهل البيت عليهم السلام عِدْله؛ ففي القرآن طبقات ظاهرة، وأخرى تأويلية، ﴿…وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ…﴾ [آل عمران: 7]. إذن ليس كل أحد يعرفه، بل هو طبقات؛ لا أنَّ القرآن معطّل عن المعرفة، ولا أنَّه يُحاط بكنهه كله، بل البشر، ومنهم العلماء والفقهاء والمفسرون ورواد العلم، مضطرون إلى معلّم إلهي للوقوف على بحور معاني القرآن وحقائقه التي لا تفنى ولا تنتهي، قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: 109].
وما هي معرفة الله؟ إنَّها معرفة بلا قياس؛ فالقول بالتعطيل باطل، وهو يبطل الاعتقاد والإيمان، والقول باكتناه كنه الله كله ادعاء باطل. وهذا لا يختص بالله تعالى، بل يجري فيما دونه من المخلوقات العليا مع كونها مخلوقة. فلا تعطيل مطلق في معرفة النبوة، ولا إحاطة كاملة بها، بل هو أمر بين أمرين.[1] وكذلك الحال في معرفة الإمام؛ فلا يقال إنَّنا لا نعرفه أبداً، فإنَّ هذا تعطيل، ولا يقال إنَّه يُعرف بكل أبعاده إحاطةً شاملةً، بل هو أمر بين أمرين.
وهكذا القرآن، وهكذا أيضاً سيرة أهل البيت عليهم السلام. فكما وردت الإشارات في الروايات، إنَّ لأهل البيت عليهم السلام سيرة خفية غير معلنة لم يقف عليها أحد إلى الآن.
ومثال ذلك: صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف، فإنَّ له منذ ولادته أو إمامته أدواراً في حياة البشر، وكثيراً ما تُنسب هذه الأدوار إلى فلان وفلان، سواء من المسلمين أم من غيرهم، والحال أنَّها أدواره هو، وهذا من عظمة إخلاص أهل البيت عليهم السلام.
ونظير ذلك ما جرى في الفتوحات الإسلامية؛ فقد نُسبت لألف سنة إلى سلاطين السقيفة وحكامها من بني أمية وغيرهم، والحال أنَّه قد وُجد بالتتبّع في مصادر أهل السنة ما يدل على أنَّ أصل إدارة الفتوحات، كفتح فارس والروم، كانت كلها بإدارة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لا أقول بمباشرته، بل بإدارته. فسواء معركة نهاوند أو القادسية أو اليرموك أو جلولاء أو قنسرين، كلها كانت بإدارة من أمير المؤمنين (عليه السلام) وحواريه، وإلا فإنَّ القوم كانوا فاشلين في الإدارة والتخطيط.[2] وأما الملفات السوداء في تلك الفتوحات فلا صلة لهم بها، ومصادر كثيرة تبيّن هذا الأمر. فلاحظ أنَّ هذا الملف ربما لم يُلتفت إليه طيلة ألف سنة، والله أعلم، ومن هذا القبيل الشيء الكثير.
فلا يشتبه الأمر، إنَّ لهم أدواراً خفية. ومن أكبر الجهالات التي نصادفها في الكتابات، حتى في كتابات كثير من العلماء، أن نظن أنَّ سيرة الأئمة، كسيرة الإمام السجاد أو الباقر أو الصادق، بل حتى أمير المؤمنين والحسنين، وسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم وفاطمة (عليها السلام)، تقتصر على ما هو معلن منها. إنَّ الظن بأنَّ سيرتهم المعلنة هي كل شيء لهو من أكبر الغفلات جداً.
السيرة الخفية والأدوار غير المعلنة للأئمة
وفي موارد للمعصومين الأربعة عشر عليهم السلام سيرة لم تتبلور إلى الآن، وهي مرتكزة على البعد الباطني لهم. فما هي هذه السيرة؟ وما حقيقتها؟ على نحو ما مرّ بنا ليلة أمس من اصطحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام) إلى بيوت المهاجرين والأنصار في الأيام الأولى بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم وانقلاب السقيفة؛ فلماذا كان يأخذها معه؟ لو لم يكن لفاطمة (عليها السلام) شأن في مصير الأمة وإمامتها وقيادتها، فكيف يأخذها؟ فهي وعلي (عليه السلام) شريكان في المسؤولية، وإن كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) التقدم، لكنهما شريكان.
كما أنَّ الله عز وجل أدخل أصحاب الكساء عليهم السلام في مواطن عديدة وقضايا دينية خطيرة؛ فقد أدخلهم الله مع النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم في آية التطهير، [3] وأدخلهم في المباهلة، [4] وأدخلهم في آية المودة، [5] وأدخلهم في ولاية الفيء، [6] وإن كانوا دونه في الرتبة بلا شك. قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ…﴾ [التوبة: 105]، وهذا بحث ملكوتي، فمعنى “المؤمنون” في هذه الآية هم أهل البيت عليهم السلام، فهم حكام يوم القيامة مع الله ورسوله. ولماذا يريهم الله أعمال العباد كلها؟ لأنَّهم الحكام وأهل الحساب، وإليهم حساب الخلق، كما يُقرأ في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ¤ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 25-26]. وكذلك هم المقصودون في قوله تعالى: ﴿…مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ…﴾ [الحج: 78].
إنَّ ملف الشهادة في القرآن هو ملف حكام الآخرة، ورؤية الأعمال هي من شؤون الحكام. وهذا معناه أنَّ أخطر ما في المعاد هو معرفة من هم حكام القيامة، لا الجدران وسماء وأرض القيامة، ولا الصراط، وإن كانت هذه كلها أمور حق نشهد بها ونقر، لكنها ليست هي النبأ العظيم.
النبأ العظيم: هم القضاة الحكام في يوم القيامة، أولئك هم النبأ العظيم: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ¤ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: 1-2]. فما يجري في عالم القيامة أخطر من عالم القيامة نفسه. فقسيم الجنة والنار، الذي بيده مفاتيح الجنة والنار، هو أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذا ما دل عليه الحديث الضروري عند المسلمين.
والشبيه بهذا المقام ثابت لفاطمة (عليها السلام)؛ فهي تأخذ أحباءها فيدخلون الجنة بشفاعتها، وتطرد أعداءها، فهي شبيهة بقسيم الجنة والنار. ودائماً يجد المدقق أنَّ مقامات أمير المؤمنين (عليه السلام) لها شبيه بشكل ما، وتبعاً له، ثابت لفاطمة (عليها السلام). وهذه المباحثة ليست صدفة؛ فكما لأمير المؤمنين (عليه السلام) ولاية على الأحد عشر إماماً من ولده، كذلك لفاطمة (عليها السلام) ولاية عليهم.
معرفة مشروع الإمام: من الفقه إلى العقيدة
وعليه، نرجع إلى المبحث الأصلي، وهو أنَّ البحث عن أهداف سيد الشهداء (عليه السلام) هو مما يحتار فيه الفقهاء. فكيف يحتارون؟ قسم منهم يستطيع أن يبيّن بعض الجوانب، وقسم لا يستطيع. وطبعاً، ليس استيعاب الفقهاء لسيرة أهل البيت عليهم السلام أو كلماتهم على درجة واحدة؛ “فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ”.[7] و﴿…وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]. من هذا المنطلق، فإنَّ مشروع كل إمام من أهل البيت عليهم السلام هو من أعظم أركان معرفة ذلك الإمام؛ إذ يُقال إنَّ معرفته تعني معرفة كونه مفترض الطاعة فيما يقوم به من إمامة ومسير ومشروع وبرنامج. فمعرفته، كما مرّ بنا، ومعرفة ظلامته، ليست مجرد قصة ذات بعد فردي، بل هي قضية ذات بعد مشروعي.
إنَّ المساحة التي يجب أن يتسنّمها الإمام هي التي حال بينه وبينها المانعون والظالمون والجاحدون وفراعنة هذه الأمة. وحقوق الإمام من جهة مقاماته الدينية أعظم من حقوقه من بعده الفردي؛ لأنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم وأهل بيته عليهم السلام هم تجسيد للاصطفاء الإلهي. وعلى هذا الأساس يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ…﴾ [الكهف: 110]، فالنبي (صلى الله عليه وآله) وسلم برمته وحي يوحى، و﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، و﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ…﴾ [الأحزاب: 21]. فبالتالي، تكون معرفتهم صلوات الله عليهم في البعد العام، أي في بعد المشروع والمسؤوليات، هي أعظم معرفة لهم. وإلا فما معنى الاعتناء بهم إن لم يكن معناه الاعتناء بمشروعهم؟
النتيجة: أنَّ هذا المبحث ليس فقهياً بحتاً حتى يقال إنَّه من موارد الاجتهاد والتقليد، بل هو مبحث يرتبط بالمعرفة، فله بعد عقائدي. هناك مساحة بيّنة في مشروع كل معصوم من الأربعة عشر، وهم النبي وفاطمة والأئمة الاثنا عشر عليهم السلام. إنَّ معرفة مشروعهم مدخل في المعرفة، والمعرفة عقيدة، بغض النظر عن الجانب الفقهي السياسي المترتب عليها.
منهجية البحث في العقائد ورفض التقليد
وفي مساحة البديهيات والضروريات، أو حتى في المساحة غير الضرورية التي يجب اقتناصها، ما دامت معرفية وعقدية، فلا يصح فيها التقليد. فإذا كان المبحث داخلاً في حيّز المعرفة، فلا يصح فيه التواني؛ بمعنى أنَّه لا يُكتفى فيه بقول عالم واحد ولو كان هو الأعلم في زمانه. ففي العقائد، دقّقوا فيما قاله الفقهاء: الضروريات لا تقليد فيها.[8] وقد مرّ بنا هذا مراراً وتكراراً. ومعنى “لا تقليد فيها” أنَّه لا يُكتفى بقول عالم واحد مهما علا شأنه، بل لا بد من أخذ المعرفة من مواد الثقلين (القرآن والعترة) وجهود العلماء، باعتبارها شرحاً للثقلين.
فالعقائد لا يصح الاكتفاء فيها بعالم واحد، فإما أن تجتهد أو أن تبحث وتتحرى، حتى لو لم تكن المسألة ضرورية. إنَّ الاكتفاء بعالم واحد في المعرفة لا يجزي ولا يبرئ الذمة، ولا يُعذر فيه المكلف. بل لا بد من الانفتاح على جميع العلماء، ولا يكفي ذلك، بل يجب الانفتاح على الأدلة والروايات. وعندما يقال لك: “لا تقرأ كتب الروايات”، فلا تصغِ إلى من يمنعك من ذلك. نعم، يجب الاستعانة بالعلماء في المعارف والعقائد، وعدم الاستبداد بالرأي أو الاكتفاء بثلة من الجهلاء. وهذا صحيح، فهناك من يدّعون أنَّهم إخبارية وهم ليسوا بإخبارية ولا أصولية، بل هم فوضويون بربريون، وذلك بحث آخر.
لا بد من الانفتاح على أساطين العلماء الكبار، وإياك أن يبعدوك عن جهود عشرة قرون أو اثني عشر قرناً. لا نقول إنَّ العلماء معصومون، ولكن جهودهم هذه لا بد منها، لأنَّهم يشيرون إلى دلالات متعددة، وقراءات متعددة، وشواهد متعددة في الأدلة. فلو كنت يا بني أنبغ النبغاء، فلن توازي جهودك العلمية جهود قرون من نوابغ العلماء. إنَّهم يشيرون إلى احتمالات ودلالات متعددة في الأدلة، فلا يمكن أن تغمض عينيك عنها وتعمل برأيك. ولذلك تلاحظ في الموارد التي كانت فيها حساسية اجتماعية أو سياسية شديدة بين الإخباريين والأصوليين، أنَّ الأصوليين الكبار لم ينغلقوا عن علماء الإخبارية الكبار، ولم ينغلق علماء الإخبارية المحققون الكبار عن علماء الأصولية، بخلاف الجهلاء.
أخباريين ولا هم أصوليين، فهناك من يتقنّع بالأصولية ويتقنّع بالأخبارية، والأصول والأخبارية بريئة منه لجهله، وهذا بحث آخر يتعلق بالتقنّع والتسمية، أما كلامنا فهو مع المحققين الكبار من العلماء.
لم ينغلق أي فريق منهم على الآخر؛ لأنها جهود علمية لا يمكن الاستغناء عنها، فالعلم ليس ميداناً للسياسة أو التخندقات أو العداوات، بل هو قائم على الشواهد والأدلة والشفافية العلمية.
وعليه، ففي باب العقائد، وحيث إنَّ مشروع الإمام مبحث يتصل بمعرفته وليس مجرد تطبيق فرعي، فإنَّ الاقتداء به يبتدئ من المعرفة العقائدية قبل أن يكون تطبيقاً فرعياً. وهذه المساحة المعرفية لا يمكن تسليمها لعالم واحد أو اثنين أو عشرة من العلماء، بل يجب الانفتاح على جميع العلماء وجميع الأدلة؛ فلا يُكتفى بالعلماء دون الأدلة، ولا بالأدلة دون العلماء.
وموضوعية الرجوع إلى العلماء ليست لعصمتهم، بل لأنهم بذلوا جهوداً في بلورة الأدلة، مصداقاً للقول المأثور: “انْظُرْ إِلَى مَا قَالَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ”[9] . والفحص عن الشواهد والقرائن ملزم لاستنطاق الأدلة.
وتأسيساً على ذلك، ففي بحث مشروع سيد الشهداء لا يصح الاكتفاء بالقول: “قال فلان وقال فلان”، فهذا مجرد قول من بين أقوال، بل يجب الانفتاح على جميع الأقوال والشواهد والموازنة بينها.
وإذا كان الحال كذلك، فحين يحتار كبار الأعلام والفقهاء في بلورة كل شؤون مشروع نهضة سيد الشهداء، فإنهم من جانب لم يقولوا بتعطيل المعرفة بمشروعه العقدي الفقهي، ومن جانب آخر لم يدّعوا اكتناهه بالكامل، بل هو أمر بين أمرين له أبعاد متعددة، وهذا هو المسلك الصحيح.
فإذا وصلنا لهذه النقطة، فإننا نلاحظ كلمات سيد الشهداء في مصادرنا أولاً، ثم في مصادر الطرفين. وقد وصلنا إلى عبارة له (عليه السلام) يظهر نظير بيانها في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً.
هناك من يتشبث بسيرة الإمام الصادق (عليه السلام) لتبرير الجمود، وهو تشبث في غير محله. ففي باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجد رواية عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) تردّ على من ينتهج هذا النهج.
فما أن يدعو أحد إلى تحمّل المسؤولية، حتى يقال: هذا هو الخط الصاخب والخط الثوري! وهي مغالطة عجيبة؛ فتحمّل المسؤولية ليس بالضرورة أن يكون بالأسلوب الساخن أو الحاد، بل قد يكون بالأسلوب الخفي والسري والبارد. فالحراك له أشكال متعددة، كالحرب الباردة، والحرب الناعمة، والآليات الناعمة.
ومثال ذلك: ما مرّ بنا من أن اليهود إلى الآن يسيطرون على رقاب العالم والدول عبر الاقتصاد والجامعات والإعلام، بل وحتى القوى العسكرية؛ وهذه السيطرة لم تتم عن طريق الحروب المباشرة أو الضوضاء والضجيج، بل كانت كلها بالخفاء.
فإن قيل: إنَّ الأمر هو الامتناع أخذاً بالتقية، وبقول الأئمة (عليهم السلام): “اسْكُنُوا مَا سَكَنَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ”. قلنا: إنَّ هذا تفسير ممسوخ ومادي للتقية، فحقيقتها هي الكتمان والخفاء. وأما الرواية، فهل يُراد بها السكون مقابل النشاط الساخن فقط، أم حتى مقابل النشاط الخفي؟ إنَّ الأئمة (عليهم السلام) أنفسهم كانت لهم أنشطة خفية. فكيف يأمرون بشيء وهم (صلوات الله عليهم) يخالفونه؟
والشواهد على خلاف هذا الفهم كثيرة: - أنَّ الأئمة كالسجاد والباقر والصادق (عليهم السلام) وردت عنهم نصوص تبارك السير الخفي. - أنهم مدحوا دولة المختار الثقفي، ففي “كامل الزيارات” رواية يمدح فيها الإمام الباقر (عليه السلام) المختار لثأره لدم سيد الشهداء.[10] - أنهم مدحوا حركة التوابين، مع أنها كانت نشاطاً عسكرياً، ولم يدّعِ التوابون أنهم أخذوا إذناً مباشراً من الإمام السجاد (عليه السلام) كما فعل المختار خفاءً.
والحاصل: أن هذا المدح يدل على وجود مساحة مشروعة للنشاط العسكري أو السياسي أو غيره. وبلا شك، فإنَّ الإمام هو الولي على كل هذه الأمور، لكن الإذن ببعضها بيّن من جهة التشريع العام المفتوح. ويؤيد ذلك ما ورد في رواية منسوبة إلى الإمام زين العابدين (عليه السلام) ظاهراً، أنه لما سُئل عن المختار قال ما مضمونه: “لَوْ أَنَّ عَبْداً حَبَشِيّاً تَعَصَّبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، لَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ مُؤَازَرَتُهُ”[11] . فكأن الإمام يقول: لا تستخفوا به لعرقه أو قوميته، ولا تقولوا إنه ليس أهلاً للقيادة في نظركم.
وكذلك ما ورد في روايات متواترة بألفاظ متعددة، عند الفريقين، أنَّ في آخر الزمان وقبل ظهور صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، يخرج “المُوَطِّئُونَ” لظهوره، وهم رجال من المشرق.[12] وليس في هذه الروايات أنهم أخذوا إذناً خاصاً، بل التعبير فيها أنهم “يأخذون بحقوقنا”. فإذا رأيت مظلوماً لم يأخذ حقه، فإنَّ استرجاع الحق له هو من نصرته. وكما ورد أيضاً في الروايات عن انطلاق “نار” من كُناسة الكوفة -أي قوة عسكرية- لا تدع حقاً إلا واسترجعته.
فالمقصود من كل هذا أن استرجاع الحق المغصوب يحتاج إلى عمل، لا إلى التعلل والخذلان.
لاحظ الآن هذه الرواية الأولى في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الكافي، يرويها الكليني عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) رداً على من يتعلل بالجمود. فما المنافاة بين قولهم: “اسْكُنُوا مَا سَكَنَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ” وبين قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [سورة الأنفال - 60]؟ فلو فُسِّر “اسكنوا” بالجمود المطلق، لعارض الآية والروايات الأخرى. فهذه الروايات محمولة على محامل ووجوه أخرى غير الجمود، كما ذكرنا في مبحث شرح دعاء أهل الثغور في المسؤولية العامة. وكذلك السيد الخوئي (رحمه الله)، مع أنه يُحسب على المشرب التقليدي، إلا أنه في كتاب الجهاد من “منهاج الصالحين” يذكر تأويل هذه الروايات، ويحملها على أن كثيراً من الحركات ليس لديها القيادة الواعية، فتأخذ بالأسلوب الصاخب فقط، بينما يجب اتخاذ كل الأساليب؛ تارةً الأسلوب البارد، وتارةً الناعم، وتارةً الخفي، وحتى عند اتخاذ الأسلوب الساخن، فليس كله يكون معلناً.
فائدة: من مؤاخذات أهل البيت (عليهم السلام) على الزيدية أنهم لم يكونوا يُمدحون في تدبيرهم ونظمهم، وهذا خطأ. وإن كان أهل البيت (عليهم السلام) من جهة أخرى يمدحون الزيدية لأصل الفدائية والتضحية الموجودة عندهم ضد الظالمين، فهذا بُعد جيد، لكن هناك أبعاداً أخرى.
يقول الإمام الباقر (عليه السلام): “وَيْلٌ لِقَوْمٍ لَا يَدِينُونَ اللَّهَ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ”[13] . تنبيه: دقق في قوله: “لَا يَدِينُونَ”، فهو لم يقل: “لا يعملون” أو “لا يأمرون”، بل “لا يدينون”، أي لا يعتقدون به ديناً وبرنامجاً، وهذا مقابل للتعطيل العقدي لهذه الفريضة.
الآن، ما هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ليس بالطريقة التقليدية البدائية، بل بأن تشكّل جواً ثقافياً عظيماً، أو جواً إلكترونياً عظيماً، فهذا من أعظم مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أن تشكّل مدينة إعلامية كبرى، كما صنعوا هم “هوليوود” (Hollywood)، ونحن نقول: “هولي أئمة” أو “هولي شعائر”، مدينة كبيرة تؤثر ثقافياً وروحياً. هذا هو المعروف المأمور به بآليات عصرية ضخمة، لا بأساليب بدائية. إنَّ التأثير الأخلاقي والإعلامي والتربوي هو من أعظم آليات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذا يشمل المنكر العقائدي، والمنكر السياسي، والمنكر المجتمعي والاقتصادي؛ كما يشمل المعروف العقائدي، أو الاقتصادي، أو السياسي. نحن نغوص في بحور الفقه ونجيز للبعض الأمور الفردية.
لاحظوا: النضال الأمني أمر بالمعروف، والنضال العلمي أمر بالمعروف، ودفع الشبهات والانحرافات في التنظير السياسي العلماني نهي عن المنكر. إنَّ الأفق هنا ليس ضيقاً، وكما يقول السيد محسن الحكيم (رحمه الله)، إننا نضيق الأفق إذا فسرنا المعروف والمنكر في البعد الفردي فقط.
فالحرام الاقتصادي أعظم من الحرام الفردي، والفجور السياسي أعظم من الفجور الفردي، والفجور الأمني أعظم من الفجور الأخلاقي. فإذا كانت هناك شبكات منظمة لإفساد المجتمع، فهذا أخطر بكثير. فأين فرد يرتكب الفجور بنفسه، وأين شركات منظمة لهدم المجتمع وإنهياره أخلاقياً؟ أين هذا من ذاك؟
إنَّ آليات مقاومة الشر المنظم والخطير يجب أن تكون بآليات ضخمة وعظيمة وخطيرة. والآليات الناعمة والخفية أخطر وأشد تأثيراً؛ فالحرب الناعمة والحرب الباردة أعظم من الحرب الساخنة، لأنَّ الحرب الساخنة وقتية وفورية وتنتهي، أما عمل الليل والنهار فهو الذي يحسم الأمر.
وفي رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام): “بِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ يَعِيبُونَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ”[14] . وقد بيّن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مراتب الانحراف فقال ما معناه: - إنَّ أعتى الناس من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. - وأعتى منه من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف. - وأعتى من هذا كله أن ترى المنكر معروفاً، وترى المعروف منكراً.
والنتيجة: أن تنظير المعروف أعظم من الأمر بالمعروف، وتنظير المعروف السياسي والاقتصادي أعظم من الأمر بالمعروف الفردي. بل إنَّ تنظير المنكر السياسي والاقتصادي والأمني والعقائدي، لا سيما ما يرتبط بالوضع المعاصر، هو أعظم من مجرد ارتكاب المنكر. والسبب واضح، فإنك إذا عرّفت الناس بالسرطان والدواء، فإنَّ هذا يخلق تلقائياً جاذبية نحو المعروف ونفوراً عن المنكر. فجانب التعليم والتبصير في المعروف والمنكر هو من أعظم آليات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فحين يُنظّر للدولة المدنية، ليس معنى رفضنا أن الدولة الدينية ليس فيها بُعد مدني أو تكنولوجي، فهذه كلها أبعاد صحيحة، ولكن بشرط ألا تزايد القوانين على قوانين الله وألا تحاربها. قد يقال: لا نريد حكاماً إسلاميين متطرفين. حسناً، ما شأننا بالحكام الآن؟ دع عنك الحكام، الكلام في الحكم نفسه، ما هو؟ هل تريد حكم الإسلام أم لا؟ أما كيف يكون الحاكم، فهذا بحث آخر.
أما حكم الإسلام، وكيفية الحاكم، فهذا بحث آخر.
ولذلك فإنَّ أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم، كأمير المؤمنين والحسن والحسين، فضلاً عن فاطمة سلام الله عليها، لو فُرض أنَّ موقعهم قد غُصب، سواء في السقيفة أم في عهد بني أمية وبني العباس، فهل يُشرَّم حكم الله بذلك؟ إنَّ ذاك أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عهد الخلفاء الثلاثة، ولم تكن سيرته وسيرة بنيه من بعده، كالباقر والصادق والسجاد عليهم السلام، سيرة انكفاء على الذات، بل كانوا يضغطون بالآليات الناعمة والباردة. فمن يظن أنهم اتخذوا مسلكاً واحداً فهو مخطئ، فليس هذا دأب أهل البيت عليهم السلام.
فكلما أُعدّت آليات القوة الناعمة، ازدادت القدرة على الضغط بها، وهذا هو مقتضى السنن الطبيعية؛ وكلما تُركت القوة، ازداد الضعف. وليس في الروايات أو أبوابها ما يخالف هذا الأصل. ويشهد لذلك ما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام)، وهو مضمون قد صدر عن أمير المؤمنين وعن سائر الأئمة عليهم السلام، إذ قال: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»[15] .
إنَّ قوله: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»، لا يقتصر على المعروف الفردي، بل يشمل المعروف السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني والعام. وهذا هو مشروع الأئمة، فلو سُئلنا عن مشروعهم في عصر الغيبة، لما صح القبول بمشروع لا يلحظ هذه الأبعاد. وكما يذكر الشيخ لطف الله الصافي (رحمه الله): أي عاقل يقبل بترك أمر الأمة والحكم بيد الأشرار؟ إنَّ هذا لا يصح. فهل يُترك الأمر بيد الفساق وأهل الفجور، أم يُسلَّم للصالحين المتمسكين بالخبرة والكفاءة؟
إنَّ المنكر السياسي هو من أخطر الأمور عندهم صلوات الله عليهم، وكذلك المعروف السياسي. ومفاد الرواية يشير إلى أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عملية منظمة غايتها وصول الصالحين إلى سدة الحكم.
إذًا، هل أُعدَّ البديل الصالح؟ أم أنَّ المسعى هو استبدال نسخة بأخرى؟ فلا بد من التساؤل: من سيركب الموجة؟ ومن سيكون البديل؟ يجب التفكير أولاً في البديل، ثم في الإزالة. فإن لم يُهيَّأ البديل، كان المسير أحمق. وليس معنى هذا الرضا بالفاسد، بل معناه ضرورة بناء البديل الصالح الكفء، فهذا هو العلاج الحقيقي. إذ ما الفائدة من إزالة فاسد ليحل محله من هو أفسد منه، وأشد عمالة وارتباطاً بالأجانب والمستعمر؟ إنَّ هذا ليس علاجاً، بل هو حماقة أشد، وهذا هو مكمن الخطر في التغييرات. فأساس العلاج هو تحديد البديل وإعداده، وحين يغيب البديل عن وعي الأمة، يشتد الانتداب الأجنبي ويتعاظم تسلطه على الرقاب.
ثم إنَّ العجب من ترك الحديث عن أفسد الفاسدين، وأكبر سارقي ثروات البلد، أولئك الذين يقبعون وراء المحيطات، والذين يعادل فسادهم أضعاف ما يفسده الفاسدون المحليون. فلماذا السكوت عنهم؟ ويصدق على هذا المقام قول النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم في الحديث المستفيض: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ»[16] . فهل من البصيرة والفطنة أن يُلاحق الصغار ويُترك الكبار الذين يستنزفون الثروات؟ إنَّ الأمة التي تحابي كبيراً وتقتص من صغير، وترى الفساد الأكبر ثم لا تخلص في مواجهته، قد فارقت سبيل الرشاد.
فلا بد من متابعة مشروع الأئمة عليهم السلام، وإلا فلن تتحقق معرفتهم الحقة. وهذا البحث، كما أسلفنا، لا مسرح للتقليد فيه، بل لا بد فيه من الرجوع إلى الأدلة، والاستعانة بجهود جميع العلماء لفهمها.