الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/02/06

بسم الله الرحمن الرحيم

منهجية فهم أهداف ثورة الحسين وعلاقتها بالمشروع المهدوي

إنَّ البحث عن أهداف ثورة الحسين (صلّى الله عليه وآله) وغايات نهضته قد يظن البعض أنَّه مجرد كلام أو بحث ثقافي، من قبيل الثقافة الدينية العامة التي تداعب الفكر وتناغم العواطف. وهذا المطلب صحيح في نفسه، ولكنه لا يقتصر على ذلك.

عندما يقال إنَّ بحث الأهداف هو عبارة ثقافية، يرى الكثير أنَّ البحوث الثقافية الدينية لا تتجاوز كونها أدبيات دينية عامة، وأجواء معنوية وفكرية، وكأنّ الأمر ينتهي عند هذا الحد. ولكن من الضروري الالتفات إلى أنَّ المعلومات الثقافية ليس مآلها مجرد معلومات فكرية فحسب، بل هي أمر ذو حساسية بالغة.

فإن قيل: ما هو المراد بمصطلح “الثقافة” أو بكلمتي “الأهداف” و”الغايات”؟ قلنا: ربما يظن الكثير أنَّها مجرد معانٍ وأفكار، ولكن في البين بحثاً حساساً وعظيماً. لاحظ حينما نتعرض لمصطلح الثقافة فيقال: ثقافة دينية، وثقافة اقتصادية، وثقافة طبية، وثقافة في سائر العلوم. فما الذي يراد بذلك؟ هل يراد بالثقافة الطبية أن يصير الإنسان طبيباً متخصصاً؟ كلا، بل هي معلومات عامة. وهل يراد بالثقافة القانونية أن يتخصص المرء في علم القانون؟ أو بالثقافة العسكرية أن يتخصص في فنون الحرب؟ أو بالثقافة السياسية أن يتخصص في العلم السياسي؟ الجواب بالنفي قطعاً.

إذن، ما المراد بالثقافة في أي علم من العلوم؟ المراد بذلك هو المعلومات العامة، أو ما يعبّر عنه بالخطوط العامة.

وبعبارة أدق: إنَّ الثقافة منهجياً ومنطقياً هي الأصول العلمية الأولية في أي علم. ففي علم القانون مثلاً، يمكن أن نعبّر عن ذلك بـ “الأصول التشريعية” في علم القانون. وفي العقائد، هي “الأصول الاعتقادية الأولية” التي تنطلق منها منظومة العقائد.

والحاصل: أنَّ معنى الثقافة هو الإلمام بالأوليات والقواعد الأولية الفوقية في كل مجال. إذن، ليست الثقافة كما قد يظن البعض أفكاراً سابحة عائمة مشتتة، بل هي على العكس من ذلك تماماً؛ إذ تمثل الثقافة معلومات خطيرة في أي مجال كان، لأنَّها تمثل القواعد والمعلومات الأولية التي ينطلق منها ذلك العلم. ليس الأمر هيّناً كما قد نتصور، بل هي أمور حساسة جداً، وهذا هو معنى الثقافة في التفسير، أو في الفقه، أو في غيرها من العلوم.

وعلى هذا الأساس، فعندما يقال “هدف” أو “غاية”، فمقتضى ذلك أنَّها القوانين الأولية التي ترجع إليها سائر الأمور. فالغاية هي نفس المبدأ باللحاظ العودي، والمبدأ يسمى أيضاً مبدأ باللحاظ البدئي. ودوماً ما تكون مبادئ الشيء هي غاياته، وغاياته هي مبادئه، وهذا مبحث منطقي لا نريد التفصيل فيه هنا.

فحينما يقال أهداف ثورة سيد الشهداء وغايات نهضته، فالمراد بذلك هو القيم والمبادئ التي انطلق لأجل تحقيقها وإقامتها.

قد يبحث باحث عن “الثقافة الفقهية”، فلا يظننَّ أحد بأنَّ الثقافة الفقهية أقل خطورة من تفاصيل المسائل، بل هي أعظم خطورة منها. قد يقول قائل: إنني أعرف فروع التفريعات في أبواب الفقه المختلفة، وهذا علم لا ننكره. لكن فقه المقاصد في كل باب فقهي هو أعظم خطورة.

والسبب في ذلك: أنَّه بمثابة قواعد فوقية دستورية. نعم، إنَّ في التفاصيل تعقيداً وتشابكاً، وهم يقرّون بصحة ذلك، لكن ليس ذلك بأعظم خطورة على ذلك الباب الفقهي من القواعد الفوقية التي تسمى “معلومات ثقافية”.

والنتيجة: أنَّه يتضح منهجياً ومنطقياً أنَّ المعلومات الثقافية عن أي علم هي الأخطر شأناً في ذلك العلم من تفاصيله الكثيرة، لأنَّها تمثل ميزان التحكم والحوكمة في ذلك العلم ومعلوماته، سواء كان ذلك فقهاً أم عقيدة أم معرفة.

صعوبة فهم مشروع الحسين والمنهجية الصحيحة للبحث

وإلى يومنا هذا، لم تتضح كل ملفات عاشوراء للفقهاء، كما صرّح بذلك بعضهم في زمان صاحب الجواهر[1] ، أي قبل مئتي سنة تقريباً. فلم يستطع الفقهاء آنذاك استجلاء كنه تلك الملفات والغايات والأهداف. فانظر كيف يمكن للمبحث الثقافي أن يعجز حتى كبار الفقهاء.

وقد مر بنا كلام النراقي[2] وجملة من أساطين الفقه، حيث صرّحوا بأنَّ مشروع سيد الشهداء، وأهدافه، وغايته، ومنظومة فقه المقاصد عنده، قد حيّرت الأساطين والعقول.

فعبد الله بن عباس، الذي يقال عنه حبر الأمة[3] ، كان مندهشاً أمام غموض مشروع سيد الشهداء. وعبد الله بن جعفر[4] ، ربيب سيد الأنبياء وذو الشأن العظيم، كان مشروع سيد الشهداء غامضاً عليه. وليس غموض المشروع عليهم بذريعة لعدم التسليم لأمر سيد الشهداء (عليه السلام)، بل هو كاشف عن عمق المشروع الذي حار في فهمه حتى مثل محمد بن الحنفية وعبد الله بن عمر.

فالمقصود إذاً، أنَّ مشروع سيد الشهداء وقراءة معرفته يترجّل الفقهاء دونه، ومع ذلك تُنقّح لهم جملة من الملفات، وتبقى جملة أخرى هي أغور، وهو غور يحتاج إلى غوص بعد، ولا بد أن تتكشف مع الأيام.

وسيرة المعصومين غالباً هكذا، شأنها شأن كلمات القرآن وكلمات أهل البيت وأفعالهم؛ فلا يمكن للعلماء جيلاً بعد جيل أن يصلوا إلى كل طبقات التأويل. والتأويل مرتبة من مراتب البعث، فتأويل الكلام أو تأويل الفعل يعني سلسلة غاياته وأهدافه. وبعبارة أخرى، فبحث التأويل اصطلاحاً يساوق بحث الثقافة. فإذا ثقّف الإنسان نفسه بغايات الأمور وأهدافها، أدرك تأويلها.

ألم ترَ كيف قال الخضر (عليه السلام) لموسى (عليه السلام): ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾[5] ؟ فما الذي بيّنه الخضر لموسى؟ لقد بيّن له الغايات والأهداف، فالتأويل هو الأهداف والغايات القواعدية في العلوم الدينية. فبيّن له تأويل خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار.

فائدة: التأويل عبارة اصطلاحية وحيانية وعلمية حوزوية، يمكن القول إنَّها تساوق الثقافة، أي ثقافة الوصول إلى الغايات والأهداف. ألا ترى كيف أنَّ بحث الغايات والأهداف، أي البحث الثقافي، هو بحث خطير جداً؟

فأنت لا تستطيع أن تلقي محاضرة ثقافية عن الاقتصاد الإسلامي ما لم تفقه وتعيَ منظومة أهداف وغايات الاقتصاد الإسلامي، وما لم تعرف أين هي الخطوط الحمراء والخطوط الخضراء فيه. حينها فقط تستطيع أن تقدّم طابعاً عن معالم الدين في الاقتصاد. فأمره ليس بالهيّن، بل هو في غاية الأهمية والخطورة.

أو إن أردت أن تلقي محاضرة في جانب الرياضات الروحية والأخلاقية في الإسلام على ضوء منهج الثقلين، فهل أدركت هذه المنظومة؟ أليس للوحي والثقلين نظام في الرياضة القلبية والروحية؟ وما الفرق بين الرياضة القلبية، والرياضة الروحية، والأخلاق، والآداب؟ إنَّها أربع طبقات متمايزة: الآداب، ثم الأخلاق، ثم الرياضات الروحية، ثم الرياضات القلبية. ولسنا في هذا بحاجة إلى تراث البشر في العرفان، كالعرفان الهندي أو النصراني أو البوذي.

وقد كان للسيد ابن طاووس[6] وابن ميثم البحراني[7] باع طويل في هذا الجانب. وكذلك جد السيد ابن طاووس، ورّام بن أبي فراس، والشهيد الثاني، كانت لهم كتابات في هذا البحث، وهذا لا يعني أنَّ ما كتبوه وحي مطلق، ولكنهم قد بذلوا في ذلك وسعهم. وقبل الشيخ البهائي وقريباً من زمانه، برز السيد علي خان المدني في شرحه على الصحيفة السجادية المسمى رياض السالكين، وكذلك المجلسي الأب، وغيرهم كثير من الأعلام. وكان للفقيه أحمد بن فهد الحلي باع في هذا المجال، وكذلك ابن أبي جمهور الأحسائي[8] (رحمة الله عليه) كان له باع فيه.

فمن أراد إلقاء محاضرة عن الأخلاق الإسلامية ليميزها عن الرياضات الروحية، أو ليبين أنَّ للدين علماً في رياضة القلوب، فعليه أن يدرك الفروق الدقيقة بين هذه العلوم الأربعة. ولا بد أن تكون هذه المعلومات الأولية واضحة لديه، وأن يستعين على الأقل بجهابذة هذا الفن، دون الانحراف عن جادة التحقيق.

وحين يقال: “الحكومة مدنية”، فما معنى مدنية؟ وما موقعها من الحكومة الدينية؟ وهل الكلام في الحكومة أم في الحاكم؟ وما الفرق بين حكومة الفقه الشرعي وحكومة الفقه؟ وهذا البحث ينسحب على كل شيء.

ألا تلاحظ أنَّك حتى لو أردت أن تخوض في مبحث بمقدار ثقافي، يجب أن تكون المعلومات الأولية الفقهية واضحة عندك، إذ لا بد من الاستعانة بالمتخصصين الكبار. فلا تدلوا بدلوكم في الثقافيات الدينية وأنتم لم تستعينوا بجهابذتها. لا أقول قلدوهم، بل على الأقل انفتحوا عليهم. فلا ينبغي الخوض في القضايا الثقافية بغير علم أو روية.

إنَّ معنى البحوث الثقافية هو إعطاء طابع عن معالم ذلك العلم الديني. فأين موقعك من ذلك؟ إمّا أن تكون متخصصاً، وإمّا أن تستعين بالمتخصصين من الأولين والآخرين. فما الذي يجب أن تفهمه؟ إن كنت لا تقصد أبواب الفقه، وتقول: “أنا بنفسي لدي رؤية”، فاعلم أنَّ “أعلم الناس من جمع علوم الناس إلى علمه”. فهل لديك تحديد لرؤية المذهب؟ أو هل تعرف ما هو المذهب حتى تفتي؟ إنَّ الثقافة فتوى، بل هي أخطر من الفتوى.

وإن أردت أن تحصل على معلومات عن أوليات العلوم الدينية، فلن يكون ذلك بالأمر السهل.

فإذا كان الحال كذلك، فإنَّ بحثنا في أهداف النهضة الحسينية لا ينحط إلى مستوى البحث الثقافي السطحي. ولسنا في صدد تثبيط الإخوة الناشطين ثقافياً عن المحاضرات الثقافية، بل ندعوهم إلى أن يستعينوا بالروايات والآيات، مع شيء من التدبر فيها، من دون أن يحسموا النتيجة. اذكروا أقوال العلماء المتقدمين، والنظريات المتعددة من علمائنا. أمّا أن تحسم أنت وتبرم، وأنت لست بفقيه ولا عالم، ولم تشتهر بالفضل، بل بالكاد تسمّى فاضلاً، فهذا غير مقبول.

إنَّ الفقهاء أنفسهم يحتاجون إلى إحاطة بالأبواب، فكيف يتقحّم المرء هذا المعترك؟ لا يمكن أن تنقل أقوال الكبار نقلاً مبتوراً من سياقاتها، بل يجب أن تنقل آراء الأعلام بأمانة.

مثال: حينما يقال إنَّ المشهور قال كذا في مسألة الشهادة الثالثة، فلا بد من التروّي والتثبت. ولست أقول هذا تبجّحاً، ولكن هذا المبحث كان من ضمن اهتماماتنا البحثية لما يقارب أربعين سنة.

قريباً من أربعين سنة ونحن في هذا البحث، وهو من ضمن اهتماماتي. واليوم بعد يوم يتكشّف لنا ما قاله صاحب الجوهر، وما ذكره النراقي، وما سطّره العلامة في كتبه، ففي كل كتاب له فتوى، وليست فتوى واحدة يبقون عليها، ثم يقولون: أين رأيكم؟

إنَّ البحث الثقافي ليس في صدد التضييق على النشاط الثقافي الديني، بل هو لبيان المنهجية، سواء للمحاضرين، أم للناشطين، أم للخطباء، أم للكتاب والباحثين والمدونين؛ فلا ينبغي أن يجاملوا أو يهملوا، بل عليهم اتباع المنهجية.

والضابطة المنهجية هي: أن تُستعرَض المواضيع بشيء من التدبر، فإنها بذلك تكون مبررة ومحسنة. فلا بد من نقل أقوال العلماء بمصداقية، وبيان كيفية تفسيرهم لها، مع الأمانة والموازنة. ولا ينبغي أن يُصوَّر للعقل الإيماني أن المعاصرين يمثلون كل شيء؛ نعم، هم أعلام كبار، ولكنهم يمثلون حلقة في مسار الطائفة، ومسار الطائفة الكلي شيء آخر في كل مسألة ومبحث.

إذًا، قضية البحث الثقافي ليست بالهيّنة، ولا سيما في مشروع ثورة عاشوراء وكربلاء والإمام الحسين (عليه السلام)؛ فإنها قضية يترجّل في ميدانها كبار الفقهاء، بينما يريد البعض أن يحسم الأمر بسرعة ويبرم ويخطط، ويصور القضية بمسار وطابع واحد. فيا أخي، لا بد من التأنّي، فلا يدّعي أحد أنه صاحب الجوهر أو النراقي أو السيد ابن طاووس، بل إن كانت هناك مصداقية وجدّية وصدق، فليستعرض الأقوال والنظريات بشيء من الموازنة؛ فهذا هو الذي يبني عقلاً علمياً عند المؤمنين.

فالعلم سيد الموقف، والتدبر سيد الموقف، واستعراض كلمات الأعلام والعلماء بدقة وأمانة وموازنة، دون إغفال جانب دون آخر. فلا بد من التدبر فيما يقولون.

ومثال ذلك: أن البعض يفسر الاحتياط الوجوبي عند أحد الأعلام بأنه فتوى بالبطلان. يا أخي، هناك فرق بين باب الاحتياط وباب البطلان، فأين الفتوى بالبطلان من الاحتياط؟ ما هذا الهرج العلمي الذي يحدث؟ إنَّ هذا ليس بصحيح، فالاحتياط شيء والبطلان شيء آخر، ولا يزال الخلط واقعاً.

تنبيه: إذا كان الحكم احتياطاً في المسألة، فهذا يعني أن هناك وجهاً آخر فيها، وهناك من ذهب إلى أقوال أخرى. فالفتوى بالبطلان لم يقل بها أحد من القرون الأولى إلى يومنا هذا، إلا ما كان قبل خمسين أو سبعين سنة حيث احتاط جملة من الأعلام، وأفتى ثلاثة منهم بالبطلان، وهذه فتوى نادرة وشاذة بالقياس إلى مسار علماء الإمامية. فإذا كانت هناك دائرة للاحتياط، فإنَّ هناك أيضاً مذهباً للوجوب، ومذهباً للجواز، وقولاً نادراً.

وهذا شبيه بما ذكره أحد الأعلام من أن المشهور هو الاحتياط بالقصر في مسألة القصر والإتمام في مواضع التخيير. وقد علّق على ذلك قائلاً: هذه غفلة. والوجه في ذلك: أن السيد المرتضى يذهب إلى وجوب تعيين الإتمام في مواضع التخيير ولا يقول بالتخيير أصلاً[9] ، فالاحتياط إذن يكون بالقصر أو بالجمع بينهما. والشيخ حسين العصفور (رحمه الله)، مع أنه يُصنَّف أخبارياً، إلا أنه كان متبحراً ذا حافظة عجيبة في التدبر في كلمات الفقهاء وأقوالهم وطبقاتهم ونكاتهم، فكيف تضلّع في وجوه الأقوال وهو أخباري؟ وليس كلامنا في الدعاية لشخصه أو لغيره من الأساطين رحمهم الله، بل في تدبر المنهجية.

والحاصل: أن البحوث الثقافية ليست بالسهلة أبداً، بل يجب على الباحث أن يطرح المواد العلمية، ويستعرض كلمات العلماء من مختلف الطبقات، ويدقق في الأقوال والوجوه والآراء، مع شيء من التدبر.

المقدمة الثانية: معنى معرفة حق الإمام

وعلى أي حال، ننتقل إلى المقدمة الثانية، وهي غاية في الأهمية والخطورة.

المقدمة الثانية: إنَّ من ضرورات المذهب أن معرفة الإمام هي قوام الإيمان أو كماله. ومؤدى ذلك ما ورد في الروايات المتواترة من قبيل: «مَنْ أَتَى قَبْرَ الْحُسَيْنِ (ع) عَارِفاً بِحَقِّهِ»[10] ، فحق الإمام هو حقيقته. فكل من يزور إماماً، لا بد أن يكون عارفاً بحقه. وهنا أبعاد عدة، أولها قيد «عَارِفاً بِحَقِّهِ».

والبعد الثاني الذي يجب الالتفات إليه هو: ما معنى أن يزوره عارفاً بحقه؟ أما إذا زاره وهو ليس بعارف بحقه، فكأنما هي زيارة خاوية من اللب. وهذا يجري في الدائرة الاصطفائية الأولى، وهم المعصومون الأربعة عشر. ثم في الدائرة الاصطفائية الثانية، كما ورد في زيارة فاطمة بنت موسى بن جعفر عليهما السلام: «مَنْ زَارَهَا عَارِفاً بِحَقِّهَا فَلَهُ الْجَنَّةُ»[11] ، فحقها هو حقيقتها، ولها حقيقة في الدين. وقد أشار إلى مقاماتهم المرحوم الشيخ محمد حسين الكمباني في أشعاره، حيث ذكر براهين على علوّ أسمائهم ومقاماتهم، وإن كانت دون الدائرة الأولى. وقد نصّ في أشعاره صراحةً وباستدلال على مقامات شخصيات من أهل البيت كعلي الأكبر وأبي الفضل العباس وزينب وعبد الله الرضيع وسكينة وفاطمة بنت الحسين عليهم السلام. فقد كان فقيه دهره، وفيلسوفه، وأصوليه، وهو أستاذ كبار من أمثال السيد الخوئي، والسيد هادي الميلاني، والعلامة الطباطبائي، والعلامة الأميني، والشيخ محمد رضا المظفر، وغيرهم من رعيل المحققين الجهابذة الذين تخرجوا على يده.

ونعود إلى الأصل: «زَارَهُ عَارِفاً بِحَقِّهِ». فعلى كلام المرحوم الكمباني وغيره، إذا كان هذا قد ورد في حق السيدة فاطمة بنت موسى بن جعفر عليهما السلام، فكيف بالدائرة الاصطفائية الأولى، أي الأربعة عشر معصوماً؟

**

ارتباط مشروع الحسين بالمشروع المهدوي

فما هو المراد بمعرفة حقه؟** إنَّ أعظم ما في معرفة كل إمام هو معرفة منهجه ومشروعه وغاية مشروعه. فإذا أردنا أن نعرف الإمام الثاني عشر، الحجة بن الحسن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، ونزوره عارفين بحقه، فلا بد أن نعرف مشروعه، سواء في الغيبة الكبرى، حيث تساءل كثير من العلماء عن الوظائف والمشروع فيها، فضلاً عن مرحلة ما قبل الظهور وما بعده. وقد ورد في الزيارات المأثورة عن سيد الشهداء (عليه السلام)، التي ذكرها الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام[12] ومصباح المتهجد[13] وغيرهما من المصادر المعتبرة، ما يشير إلى هذا المعنى، من قبيل قوله: «وَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ مُنْجِزٌ لَكَ مَا وَعَدَكَ»[14] . ومقتضى هذا أن مشروع الإمام قائم، وأن الظالمين لن يستطيعوا أن يحولوا بينه وبين إنجاز وعد الله له. وهذا يفتح الباب على فهم معنى الانتقام لسيد الشهداء (عليه السلام).

قد يُقال إنَّ الانتقام هو قضية شخصية تتعلق بأعداء سيد الشهداء، ولكن ما قيمة هؤلاء الأشخاص؟ لا نقول إنَّ الله لا ينتقم منهم، بل ينتقم، ولكن هل قيمة سيد الشهداء (عليه السلام) تقتصر على الانتقام من هؤلاء؟ إنَّ قيمة سيد الشهداء (عليه السلام) هي أن يتأسس مشروعه وينبني في الأرض، في مقابل مشاريع الجبارين الذين أرادوا أن يحولوا بينه وبين غايته؛ هذا هو الانتقام الحقيقي.

والشاهد على ذلك ما ورد في بعض النصوص من معنى: «وَالتَّأْيِيدَ عَلَى هَلَاكِ عَدُوِّكَ وَإِظْهَارِ دَعْوَتِكَ»[15] . ويتصل بهذا ما ورد في حديث اللوح الأخضر، وهي صحيفة نزلت من الله على فاطمة (عليها السلام)، وفيها أسماء الأئمة الاثني عشر من ولدها، والوظيفة الأصلية الموكلة من الله لكل إمام منهم، ابتداءً بأمير المؤمنين (عليه السلام). وقد أطلع النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم فاطمة (عليها السلام) على هذه الوثيقة الإلهية المتعلقة بقمة مسؤوليات ومشاريع الأئمة. وهذا بحد ذاته يدل على هيمنة فاطمة (عليها السلام) على هذا الأمر. لا ريب أن أمير المؤمنين (عليه السلام) متقدم عليها في الفضل، ولكن لها هيمنة من نوع خاص في هذا المقام. وقد ورد في حديث اللوح الأخضر أن الإمام الباقر (عليه السلام) قال لجابر بن عبد الله الأنصاري، الذي كان قد رأى اللوح عند فاطمة (عليها السلام) في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم واستنسخه، أن يعرض عليه نسخته، فقرأ عليه الإمام الباقر (عليه السلام) ما في اللوح الأصلي الذي عنده، فلم يخالف ما عند جابر حرفاً واحداً[16] . فانظر إلى عظيم شأن فاطمة (عليها السلام)!

ونرجع إلى صلب البحث. وعلى هذا الأساس، فإن معنى انتقام المختار لسيد الشهداء (عليه السلام) هو أنه اقتلع جذور المنهج الأموي المتهتك دينياً وأخلاقياً من نسيج المجتمع في العراق. فهذه الغدد السرطانية البشرية التي كانت تبث الانحراف في أرض المقدسات، استطاع المختار أن يقتلعها، ولذلك سُمّي منتقماً لسيد الشهداء (عليه السلام). ومعنى كون صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف هو المنتقم الأعظم الذي لا يقاس به المختار، هو أن الانحرافات الأموية المتبقية في العالم الإسلامي كمنهج، سيقتلعها هو اقتلاعاً.

وهذا هو معنى معرفة الحسين (عليه السلام)، لأن مشروعه ليس مجمداً أو مُماتاً أبداً، بل هو حيٌّ ومستمر. وفي الزيارة: «وَأَنَّكَ ثَارُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ… وَأَنَّكَ وَتْرُ اللَّهِ الْمَوْتُورُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»[17] . فالوتر هنا هو المشروع الإلهي. أما أولئك القتلة، فما هي قيمتهم؟ إنما قيمتهم في كونهم وباءً اجتماعياً وسياسياً وفكرياً وأخلاقياً يجب استئصاله لكي لا ينتشر، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ([البقرة - 30]). هذا هو مشروع الحسين سلام الله عليه.

إنَّ هوية مشروع صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف متقوّمة بمشروع جده الحسين (عليه السلام). فبعد أن ينادي بالشهادات الثلاث في شرق الأرض وغربها، فإن أكبر مبدأ وهدف يرفعه صاحب العصر والزمان (عليه السلام) هو…

فشعار “يا لثارات الحسين” ليس مجرد نداء للثأر الشخصي، بل هو نداء لإقامة مشروع سيد الشهداء، كما يتجلى في الدعاء: “اللهم أمت به الجبابرة، واقسم به الطغاة”، فمآل القول أن هذا هو مشروع سيد الشهداء.

والنتيجة: أن من لم يعرف في المشروع المهدوي غايات الإمام الحسين لم يعرف المشروع المهدوي، ومن لم يعرف في مشروع الإمام الحسين البُعد المهدوي لم يعرف الإمام الحسين حق المعرفة. فإننا وإن التصقنا بالإمام الحسين، لكننا إذا أخلينا مشروعه من غايته المهدوية، أو أخلينا مشروع الإمام المهدي من منطلقاته الحسينية، فقد حجبنا أنفسنا عن معرفة الحسين الحقيقية.

وهذه المعرفة، قطعاً، معرفة ناقصة وشكلية. فكيف يمكن الفصل بين مهدوية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ومشروع الإمام الحسين (عليه السلام)؟

بل إنَّه مما لا يبعد، استناداً إلى روايات متعددة، أنَّه كان مقدَّراً لمهدي آل محمد أن يكون هو الحسين (عليه السلام) نفسه، وهذا لا ينافي حقيقة أن الإمام هو الثاني عشر من سلسلة الأئمة.

وهذا المعنى لم يلتفت إليه مركز من مراكز الاستراتيجيات البشرية، وهو كيف تُبنى دولة لا تزول؟ دولة لو قامت لما أمكن أن تقع بعدها حادثة كسقيفة، ولا فاجعة ككربلاء؛ لأنها دولة لا تتزلزل. هذا هو أحد معاني مهدوية المهدي.

لقد كانت الأرضية مهيأة ليكون سيد الشهداء هو أول بانٍ لهذه الدولة، ولكن التخلف في الجانب الأمني عند المحبين أتاح للعدو أن يسبقهم بخدعه، وهذا ما أشير إليه في الروايات عن الإمام الحسين والإمام الصادق عليهما السلام، حيث كان سبب ذلك هو التخلف في العقل والحس الأمني عند المؤمنين.

تنبيه: إنَّ معنى المهدوية ليس نفي الإمامة الاثني عشرية، ولا يعني أن المهدي هو خاتم الأئمة. وينبغي تصحيح الاشتباه الشائع في الأذهان، فليس هذا هو المعنى المغلوط الذي استقر في العقول، بل إنَّ من يتتبع الروايات سيجد معنىً آخر.

إنَّ للمهدوية معانيَ وحيانية متعددة، وأحد أهم هذه المعاني هو أن المهدي هو الذي يبني الأساس الأول لدولة لا تزول. وهذا لا يعني أنَّه ليس بعده أئمة، فمثلاً الإمام الثاني عشر (عليه السلام) يرجع بعده الحسين (عليه السلام)، ويرجع الأئمة عدة مرات، وهم نفسهم الأئمة الاثنا عشر. فليس معنى كون الإمام الثاني عشر هو المهدي أنَّه لا إمام بعده، كما تزعم بعض الفرق المنحرفة الموجودة في زماننا، وهذا كلام منحرف.

وإنما معنى المهدوية، كما ورد في الحديث المتواتر عن سيد الرسل (صلى الله عليه وآله)، أن المهدي من أهل البيت يجعله الله لمن يشاء منهم[18] ، أي إنَّه أول بانٍ للدولة التي لا تزول، ومن ثمَّ يكون الأئمة بعده أيضاً مهدويين بهذا المعنى، أي إنَّ الاثني عشر يواصلون جميعاً بناء هذه الدولة إلى يوم القيامة. وهذا معنى خاص للمهدوية، وهو أحد معانيها الدقيقة.

والحاصل: أنَّه يوجد تشابك غائي وأهدافي بين مشروع الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ومشروع الإمام الحسين (عليه السلام). وللأسف، لم يركز على هذا الجانب من كتب في سيرة الإمام الحسين (عليه السلام)، ولا من كتب في قضية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهي حالة من التفكيك الخاطئ العاطل والباطل.

إنَّ هناك مَعيّة خاصة موجودة في الأدلة الوحيانية بين مهدوية الإمام الثاني عشر والإمام الحسين عليهما السلام.

والشاهد فيه: ما ورد في زيارة عاشوراء مرتين، كقوله: «أَنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثَارِكُمْ مَعَ إِمَامٍ مَهْدِيٍّ ظَاهِرٍ نَاطِقٍ بِالْحَقِّ مِنْكُمْ»[19] .

شرط المعرفة في الولاء للإمام الحسين

إذن هناك ارتباط وثيق. وأقول هذه الكلمة لأن الوقت قد داهمنا، وسنواصل الحديث عن هذه المقدمة غداً إن شاء الله، وهي قاعدة “زاره عارفاً بحقه”. فلماذا رُبطت الزيارة بالمعرفة؟

إنَّ الزيارة تتعلق بالحسين (عليه السلام)، والعزاء يتعلق به أيضاً، وهكذا سائر مظاهر الولاء. فقد ورد في الروايات فضل من بكى على الحسين أو أحبه شريطة أن يكون “عارفاً بحقه”[20] . فالأمر ليس مقتصراً على خصوص الزيارة، بل إنَّ كل تعلق به مشروط بالمعرفة.

فمن خدم الحسين (عليه السلام) عارفاً بحقه، أي عارفاً بمشروعه، فهذا بحث آخر.

إنَّ تعلقنا به إن لم يكن مقترناً بمعرفة مشروعه والالتزام به، فهو تعلق صوري ضعيف. لا أقول إنَّه ليس تعلقاً، بل هو ضعيف. أما التعلق الكامل والأكمل، وكل تعلق نبيل بالحسين (عليه السلام) من عزاء وبكاء وغير ذلك، فيجب أن يكون مؤسساً على معرفة مشروعه.

وهذا مبحث لم نخض فيه الآن باستفاضة، وسنبحثه إن شاء الله في الجلسة القادمة.


[1] هو الشيخ محمد حسن بن باقر النجفي (ت. 1266 هـ)، من كبار فقهاء الشيعة الإمامية في القرن الثالث عشر الهجري، وصاحب الموسوعة الفقهية الشهيرة جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام.
[2] هو المولى أحمد بن محمد مهدي النراقي (ت. 1245 هـ)، فقيه وفيلسوف وأصولي شيعي، من أشهر مؤلفاته كتاب مستند الشيعة في أحكام الشريعة في الفقه، ومعراج السعادة. في الأخلاق
[3] لقب اشتهر به عبد الله بن عباس (ت. 68 هـ)، ابن عم النبي محمد (ص)، وهو من كبار المفسرين والعلماء في صدر الإسلام.
[4] هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (ت. 80 هـ)، ابن أخ أمير المؤمنين (ع) وزوج السيدة زينب (ع)، وكان من الشخصيات البارزة في عصره.
[5] القرآن الكريم، (سورة الكهف - الآية 78).
[6] هو رضي الدين، علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحلّي (ت. 664 هـ)، من كبار علماء الشيعة، معروف بزهده وورعه ومؤلفاته الروحانية العميقة مثل إقبال الأعمال.
[7] هو كمال الدين، ميثم بن علي بن ميثم البحراني (ت. 699 هـ)، فيلسوف ومتكلم وفقيه شيعي، من أشهر أعماله شرح نهج البلاغة.
[8] هو محمد بن علي بن إبراهيم، ابن أبي جمهور الأحسائي (عاش في القرن التاسع الهجري)، عالم متكلم وفيلسوف، من أشهر كتبه عوالي اللئالي العزيزية ومجلي مرآة المنجي.
[9] يراجع: الشريف المرتضى، علي بن الحسين. الانتصار في انفرادات الإمامية.. تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي، ط1، مؤسسة النشر الإسلامي، 1415 هـ، ص161، مسألة 73
[10] ابن قولويه، جعفر بن محمد. كامل الزيارات.. تحقيق جواد القيومي، ط1، مؤسسة نشر الفقاهة، 1417 هـ، ص305، الباب79، ح1
[11] م. س.، ص536، الباب106، ح1.
[12] الطوسي، محمد بن الحسن. تهذيب الأحكام.. تحقيق حسن الموسوي الخرسان، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج6، ص113
[13] الطوسي، محمد بن الحسن. مصباح المتهجد وسلاح المتعبد.. ط1، مؤسسة فقه الشيعة، 1411 هـ، ص721
[14] المصدر نفسه، ص722.
[15] لم نعثر على هذا النص بهذا اللفظ الدقيق في زيارات سيد الشهداء (عليه السلام) المشهورة، ولكن معناه متواتر في الأدعية والزيارات التي تتحدث عن إظهار الحق ودولة العدل.
[16] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج1، ص527-528، باب “ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم”، ح3
[17] الطوسي، محمد بن الحسن. مصباح المتهجد وسلاح المتعبد.. ط1، مؤسسة فقه الشيعة، 1411 هـ، ص723
[18] قد يشير المتحدث إلى مفهوم مستفاد من مجموع الروايات، كقوله (صلى الله عليه وآله): «الْمَهْدِيُّ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، يُصْلِحُهُ اللَّهُ فِي لَيْلَةٍ». المصادر السنية: ابن ماجه، السنن، ج2، ص1367، ح4085؛ أحمد بن حنبل، المسند.، ج1، ص84، ح645. والمقصود أن المهدوية اصطفاء إلهي من أهل البيت عليهم السلام
[19] الطوسي، محمد بن الحسن. مصباح المتهجد وسلاح المتعبد.. مؤسسة فقه الشيعة، 1411 هـ، ج2، ص777
[20] ورد هذا القيد في روايات كثيرة، منها ما رواه ابن قولويه عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَنْ أَتَى قَبْرَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَارِفاً بِحَقِّهِ كَتَبَهُ اللَّهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ». ابن قولويه، جعفر بن محمد. كامل الزيارات.. تحقيق جواد القيومي الأصفهاني، ط1، مؤسسة نشر الفقاهة، 1417 هـ، ص259، باب58، ح1