47/12/03
سيرة الامامية وأنواع قواعد التقية
الأربعاء (3) ذي الحجة 1447 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01:00 تعدد تأويلات الروايات الناهية قبل القائم (عج)
02:10 استغلال الحركات السياسية تعاطف المسلمين مع أهل البيت(ع)
03:00 بني العباس وتأسيس المذاهب الفقهية للعامة
05:32 استغلال الخطابية القضية المهدوية للمذهب الاسماعيلي
07:59 انماء القوة لا تكريس الضعف والجمود في الغيبة الكبرى
09:25 اشتباه الزيدية في حصر الاسلوب الساخن في الاصلاح
09:26 بيان الامام الصادق (ع) للحركة الزيدية في خلق التوازن
09:24 الادارة الاستراتيجية في التوازن بين الخط الساخن والخطوط الاخرى
12:30 نظام الحكومة في تعدد الابعاد وتوازن أنواع القوة
19:54 سيرة علماء الامامية في النشاط السياسي
25:30 التقية ماهيات لعدة قواعد وبرمجة أمنية لإدارة الامة
27:08 الخفاء السرية أساس مهيمن على ماهيات قواعد التقية
29:09 طبقات ضوابط التقية الخوفية الاضطرارية
31:08 الخلط بين قاعدة المداراة والذوبان في ( موالاة الاعداء)
33:30 فرق تقية الصبر عن تقية الحذر واليقظة
35:00 تقية كظم الغيظ وفرقها عن تقية الصبر
38:01 اربعون رسالة لعلماء النجف في جهاد المواساة في الشعائر الحسينية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌐 دروس المرجع الديني سماحة الشيخ محمّد السند دام ظلّه
تأويل روايات الرايات وقواعد التقية الاستراتيجية
مرّ بنا أن أحد الوجوه التي ذكرها السيد الخوئي[1] والسيد الخميني[2] والسيد الحكيم[3] وجملة من العلماء الكبار في تأويل وتفسير الروايات الناهية عن النشاط السياسي أو العسكري في الغيبة الكبرى حتى قيام القائم (عليه السلام)، ومنها ما ورد في معنى «كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت»، هو أن هذه الروايات ليس فيها تعميم للحكم، إنما المراد بها معانٍ في حالات معينة أو خاصة أو مقيدة. وربما ذكروا أربعة عشر وجهاً في هذا الباب، فهم لا يُسقطون هذه الروايات، حاشاهم ذلك، وإنما يجمعون بينها وبين قواعد شرعية أعظم منها، وطوائف من الروايات أكثر وأقوى من هذه الطائفة.
فمقتضى الجمع بين منظومة طوائف الروايات ومنظومة القواعد، يقتضي حملها إما على تحذير المؤمنين من الانخداع بكل حركة سياسية وكل نشاط سياسي، وأنه يجب عليهم أن يتثبتوا ويحذروا ابتداءً واستمراراً من كل حركة وكل مجموعة وجماعة، ليميزوا هل هي مستقيمة على منهاج أهل البيت (عليهم السلام) أم منحرفة عنه.
أو أنها تشير إلى أن كثيراً ممن يرفع شعار «الرضا من آل محمد» إلى يومنا هذا، إنما يخبئ وراءه مآرب أخرى. لا سيما وأن العباسيين من نسل العباس وعبد الله بن عباس كانوا في بداية أمرهم فدائيين لأهل البيت ومناضلين ومجاهدين في صفهم، حتى إن المنصور الدوانيقي يُذكر في ترجمته أنه تعرض لجملة من محاولات الاغتيال من قبل الأمويين بسبب ترويجه لإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). فكانوا مناضلين ومجاهدين، ونِعم العون لأهل البيت، لكنهم لما استلموا القدرة والرئاسة والكرسي، كانوا هم من أسّس لمذاهب فقهية وعقائدية معادية ومواجهة لأهل البيت. فالمقصود أن العباسيين هم الذين أسّسوا تلك المذاهب الفقهية، وليس السقيفة.
فلاحظ أن أهل البيت (عليهم السلام) عندما يحذّرون، فإنما يحذّرون من جماعات ترفع شعارهم، كالفاطميين والإسماعيليين والخطّابية[4] ، أتباع أبي الخطّاب الذين يقولون بإمامة إسماعيل بن الإمام الصادق (عليه السلام). كانوا يرفعون شعار المهدوية لاستغفال الشيعة الاثني عشرية في اليمن ومصر والجزائر والمغرب وتونس، وهذه حقائق تاريخية قلما يُلتفت إليها.
فلاحظ إذاً أنها نبوءة، أي تنبؤ في محلّه، بأن تبقى رايات ترفع اسم أهل البيت وهي تستغفل المؤمنين الاثني عشرية في دول المغرب العربي، وقد قلبتهم عن مذهبهم في قضية مفصلة، بطلها أبو عبد الله الشيعي[5] الذي كان من الكوفة، وهو عالم كبير مجاهد كان له دور كبير في الجزائر والمغرب وتونس، لكن استغفله الفاطميون والخطّابية، فعصر تأسيس الدولة الفاطمية إنما هو من آثار تيار الخطّابية.
فلاحظ هذا الاستغفال الذي يحذّر منه أهل البيت (عليهم السلام) لأنه يتكرر، وهذا التحذير لا يشمل من يصدق في دعواه، كما مُدح زيد[6] لوفائه، أي لأنه لا ينكث ولا ينكل. فالأزمة إذاً ليست في أصل النشاط. وهذا وجه ثالث ورابع وخامس، ووجه آخر ذكره الأعلام، وكلها وجوه متينة وسديدة، لأنها تدعونا إلى الخروج من الجمود وتكريس الضعف والاستضعاف، نعوذ بالله من ذلك.
يقول أحد الأعلام: “لا يتفوه بهذا أحد”. والشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني[7] (رحمه الله)، الذي لا يُزايد على ولائيته وبصيرته، يقول أيضاً: “لا يتفوه به أحد، فتكريس الضعف والجمود والخمود والخمول لا يرضى الله به ورسوله”. وأن تُترك الأمور ليتمسك الأشرار بزمام أمور الأمة في غيبة الإمام الكبرى، نعوذ بالله، فمن ذا الذي يقول بهذا؟
ومن الوجوه التي ذكرها هؤلاء الأعلام، وقد ذكرت لكم أن المرحوم الدكتور عبد الهادي الفضلي (رحمه الله)[8] قد جمع فتاوى علماء النجف وقم في كتابه في انتظار الإمام، الذي ألفه، حسب كلامه في موضع آخر، تحت إشراف الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره)، بل كان بمثابة تأليف مشترك.
ومن ضمن الوجوه التي ذكرها الأعلام أيضاً لتأويل هذه الروايات، أن اشتباه الزيدية ليس كاشتباه العباسية؛ فمنهج العباسيين قام على المكر والخداع والدجل، أما الزيدية فليس عندهم هذا المنهج، لكن اشتباههم كان في أن الأسلوب الساخن هو الأسلوب الوحيد للقوة.
وأيضاً يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «لَا تَزَالُ الزَّيْدِيَّةُ وِقَاءً لَكُمْ»[9] ، مبيناً بذلك أهمية التوازن الاستراتيجي. إذ يقول ما معناه: إذا لم يكن هناك خط ساخن، فإنكم حتى بالخط الناعم ستُؤكلون. وهذه استراتيجية يحكم بها العقل والعقلاء، وهو تأويل لهذه الروايات.
أما أن يُراد أن يكون الكل قوة ناعمة، وحرباً ناعمة، وحرباً باردة، فهذا لا يستقيم. فبعض الحروب الساخنة لا بد منها، كما نشاهد في كثير من البلدان. ومن خطأ المؤمنين أن يتخندقوا في شاكلة واحدة. وهذا أحد وجوه تأويل هذه الروايات.
فإما أن تصيروا كلكم أسلوباً ساخناً كما فعلت الزيدية، فتُستأصلون، وإما أن تكونوا كلكم أسلوباً ناعماً، وهذا أيضاً لا يستقيم. ولذلك نجد الإمام من جهة يمدح زيداً، ومن جهة أخرى يمدح من واجهه. وليس هذا من الإمام الصادق (عليه السلام) ذا وجهين، حاشاه، وإنما هي إدارة استراتيجية وتوازن استراتيجي، كما يقال الآن في علوم الاستراتيجيات وعلوم الإدارة السياسية والاجتماعية.
لكن يقول الإمام الصادق (عليه السلام) ما مؤداه: إن على كلٍّ أن يأخذ خندقاً، فلماذا التوسع عن خندق واحد أو جعل كل الخنادق خندقاً واحداً؟ ولهذه الطوائف من الروايات تفصيلات عظيمة.
ومثال ذلك الدولة في عصرنا، هل يصح أن تكون الدولة كلها وزارة دفاع؟ لا يصح. ولماذا؟ لأنه لا بد من التوازن. هل يصح أن تصبح الدولة كلها وزارة أمن؟ لا يصح. هل يصح أن تصبح الدولة كلها اقتصاداً؟ ستكون مثل سنغافورة أو تايوان. وألمانيا في فترة من الفترات كانت تقتصر على وزارة الاقتصاد والمالية، فإذا لم يكن هناك وزارة دفاع، فماذا سيحدث؟ أي دولة ستأكلها، وإن لم تُؤكل فإنها ستحتمي بدول أخرى، وإذا احتمت بها فإن تلك الدول ستزايد عليها وتبتزها. وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، يتجسد في كل ميدان. فهناك دول مدنية ليست عسكرية، يبتزها كل شارد ووارد. وهناك دول عسكرية وأمنية لكنها ليست اقتصادية، وهذه أيضاً تُبتز اقتصادياً. وأنت في بلد الآن، قد لا تريد عسكرة البلد، ولكن هل شُيِّد اقتصاد العراق؟ هل شُيِّد صرحه المالي؟
هذه الرؤية في هذا الصدد، أيها النشطاء السياسيون أو العسكريون أو الأمنيون، القوة لا تنحصر في رافد واحد، ولا اثنين، ولا ثلاثة، ولا عشرة، بل هي منفتحة على كل الآفاق. فلا ينبغي أن يصادم بعضكم بعضاً، بل ليقم كل واحد بواجبه في جانبه، فليس المطلوب هو الخمود والجمود، بل النشاط وقمة النشاط، كلٌّ في جانبه، فتصير القوة جامعة. بل هذا هو مقتضى الرؤية الصحيحة.
فلاحظ إذاً، وكما مر بنا، هل يُكتفى في الدولة بوزارة الصحة؟ وهل تغني وزارة الصحة عن وزارة الدفاع؟ لا. وهل تغني وزارة الدفاع عن وزارة الصحة؟ لا. لماذا؟ لأن الوظائف العامة والمسؤوليات العامة متعددة وليست واحدة. فأي كيان اجتماعي، سواء أسّس دولة أم لم يؤسس، يحتاج إلى مجالات متعددة.
وهل تغني وزارة الصحة ووزارة الدفاع ووزارة الأمن عن وزارة التربية والتعليم؟ لا تغني. وهل تغني وزارة التربية والتعليم عن وزارة الدفاع؟ لا تغني. فكل وزارة لا تغني عن الأخرى، ولكنها تتعاضد وتتكاتف.
إن أحد المؤاخذات الكبرى من أهل البيت (عليهم السلام) على الزيدية هي حصرهم النظر في جهة واحدة، دون الالتفات إلى جهات أخرى، فقد حصروا أنفسهم في الاتجاه الساخن والثوري، وهذا انحباس. كما أنه يوجد الآن في بلدان عديدة اتجاه بين المؤمنين يتبنى العمل الاجتماعي، ولا بأس به، لكن أن يصادم الاتجاه الذي يتبنى البناء العلمي، فهذا خطأ. وصاحب الاتجاه العلمي الذي يصادم صاحب الاتجاه الاجتماعي، هو أيضاً على خطأ.
وقد تنشأ أحزاب ومنظمات، ويحدث بينها وبين الحوزات العلمية توتر، أو بين الحوزات العلمية وبينها توتر. كل هذا التوتر خاطئ، والتصادم خاطئ، إذ الواجب أن يكمل كلٌّ منهم الآخر. لذلك أعطى القرآن الكريم قاعدة استراتيجية عظيمة، فقال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: 46]، ولم يقل: لا تختلفوا في آرائكم أو مهماتكم أو مسؤولياتكم.
بل إن القرآن نفسه يقول: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122]. وهذه قاعدة استراتيجية إدارية، تعني وجوب توزيع المسؤوليات. لكن توزيع المسؤوليات لا يعني التخطيئة والصدام والطعن في بعضكم البعض.
أصحاب النظر المالي يقولون: إن الصحة والدفاع والأمن لا تفيد البلد بدون خطة مالية. وكلامهم صحيح، ولكن هذا لا يعني أن وزارة المالية تغني عن وزارة الصحة أو وزارة الدفاع. فإذا نظرنا إلى الحكومة المتكاملة، نجدها الحكومة ذات الأبعاد. والحكومة تعني الإدارة النموذجية للوضع العام، ولمصير بلد، ولمصير أمة عبر التاريخ، فيجب أن تكون ذات أبعاد.
شواهد من تاريخ العلماء على النشاط السياسي
إذاً، فقراءة هؤلاء الأعلام قبل قرن أو قرنين، وقبلهم كذلك، هي قراءة العلامة الحلّي[10] نفسه. فلماذا يسعى العلامة الحلّي، وهو نجم نجوم علماء الإمامية، جاهداً لتبديل الدولة المغولية من دولة معادية لأهل البيت إلى دولة موالية؟ وهي دولة كانت تمثل على أقل تقدير خارطة عشرين دولة إسلامية في ذلك الزمان. لماذا ينشط العلامة الحلّي وهو المرجع الأعلى، فلا يكتفي بدوره الحوزوي، بل يشارك في عمق التغيير السياسي؟
ولا يُظنّ أن العلامة قد أنجز هذا الأمر العظيم في مجلس واحد، فهذا في علم السياسة وعلم التاريخ وعلم الاجتماع لا يمكن. ولولا أن للعلامة نشاطاً سابقاً ولاحقاً، وجسوراً من العلاقات، لما استطاع أن يغير مسار دولة تمثل عشرين دولة. والكل يعترف، حتى المخالفون له والذين يعادونه، يقرّون بأن العلامة الحلّي قام بدور عظيم، وهو المرجع الأعلى، بل زعيم من زعماء الطائفة. لم يكتفِ بوزارة التربية والتعليم، بل ذهب إلى وزارة الاستراتيجيات.
والخواجة نصير الدين الطوسي[11] ، ينطبق عليه هذا، فرغم أنه منظّر وعقائدي وفيلسوف وصاحب علوم عديدة، لم يكتفِ بذلك، بل شارك في عمق التغيير السياسي في العالم الإسلامي.
رغم أنّه منظر وعقائدي وفيلسوف، وله علوم عديدة، فإنّه لم يكتفِ بذلك، بل شارك في عمق التغيير السياسي في العالم الإسلامي. ويتحسّس منه الطرف الآخر شديداً، ويكيل له التهم، كما يكيلون للعلامة الحلي[12] التهم؛ لأنّ نشاط الخواجة[13] والعلامة، هذين النجمين، قد نجح في إحداث تغييرات عظيمة.
وهلمّ جراً، فإنّ علاقة علماء أصفهان ومشهد وقم بالدولة الصفوية قامت على أكتافهم، وإلا لما كانت للدولة الصفوية قائمة. ويمتدح السيد الخوئي[14] قدس سره في أحد دروسه دور المحقق الكركي[15] ، مبيناً كيف كان له دور ركني وبنياني وأساسي في الدولة الصفوية؛ فمع أنّه عَلَم في مقام التربية والتعليم للمذهب، لكنه لم يكن في وزارة الخارجية أو في رئاسة الوزارة، بل كان في لبّ رئاسة الوزارة للدولة الصفوية، حيث يشرح السيد الخوئي نفسه دوره وصلاحياته.
ناهيك عن الشيخ البهائي[16] ، فأعظم به وأعظم. وكذا المجلسي الأول[17] والثاني[18] ، حيث كان المجلسي الثاني مفتي الدولة الصفوية وصاحب البحار، فكيف أقحم نفسه في هذه الميادين؟ وهلمّ جراً، فإنّ أجيالاً من زعماء علماء الإمامية لم يكن دورهم يقتصر على الدور الحوزوي، بل كانت لهم أذرع وأيدٍ بالوكالة وبالمباشرة حسب الظروف.
ولننظر في سيرة والد الصدوق علي بن بابويه[19] ، الذي قد يُظنّ لكونه وكيل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنّه كان قابعاً في الحوزة، ولكن الأمر ليس كذلك؛ فقد كانت له أدوار ديموغرافية وسياسية عجيبة في مناطق عديدة، ولم يكن يهدأ قط لمن يقرأ تاريخه. فكثيراً ما يكون نشاط علمائنا ونشاط أئمتنا المستور مخفياً عن كثيرين، فيُظنّ أنّه ليس لديهم مثل هذا الدور، والحال أنّ لهم أدواراً فاعلة.
وبالجملة، إذا رجعنا إلى هذا المطلب، فإنّ التدبير السياسي والنشاط السياسي والأمني والعسكري هو نشاط متغير توازناته من سنة إلى سنة، ومن زمن إلى زمن، حتى بالنسبة إلى الإمام الواحد، فضلاً عن الأئمة، وفضلاً عن ظروف أتباع أهل البيت عليهم السلام.
مدخل إلى فقه التقية: قواعد متعددة لا قاعدة واحدة
ويتفرّع على ذلك بحث التقية، وكيف أنّها ليست ماهية لقاعدة واحدة، بل هي ماهيات لقواعد عديدة. وإنّ أحد أسباب القراءة والاستنباط الخاطئ في باب الفقه السياسي هو حسبان التقية قاعدة واحدة، والحال أنّها قواعد متعددة لها مقتضيات وآثار مختلفة؛ لأنّ التقية في حقيقتها عبارة عن برمجة أمنية لمسير الأمة وإدارتها، فإذا كانت قواعد عديدة، فمن الخطأ أن نحسبها قاعدة واحدة.
القاعدة الأولى: أهم ماهية للتقية هي الكتمان، والخفاء، والسرية، وكلها بمعنى واحد. هذه هي أم ماهيات التقية: الأمن، والسرية، والخفاء، والكتمان، والحذر، فعبّر بما شئت. وهي قواعد مستقلة لها حدود وضوابط إلى ما شاء الله.
القاعدة الثانية: هي الاضطرار، أو ما يسمّى بالقاعدة الخوفية، أي التقية الخوفية الاضطرارية. وقد سبق بسط الحديث عن القاعدة الأولى في مباحث المسؤوليات العامة.[20] وهذه القاعدة الثانية لها أيضاً ضوابط عجيبة وغريبة، وهي ضوابط خطيرة وحساسة، وسيأتي تفصيلها إن شاء الله عند استعراض أبواب بحوث التقية.
ويشير السيد محسن الحكيم[21] قدس سره إلى أنّه حتى داخل هذه القاعدة الثانية، التي هي قاعدة الاضطرار أو الخوفية أو العجز، طبقات من الضوابط. وبتعبيره، قد حدث خلط في الذهن العام الثقافي وغيره بين طبقات هذه القاعدة الواحدة، وهي التقية الخوفية والاضطرارية. فمثلاً: الخوف على بيضة الدين نحو، والخوف على الأموال والدماء والأعراض طبقة أخرى، ولكن هذا المعنى لا يُنتفع به إذا لم ينقّحه الفقيه. وللسيد الخوئي قدس سره تعبير آخر، حيث يفرّق بين عموم الدماء أو عموم الأموال وعموم الأعراض، وبين ما يخصّ فئة من المؤمنين قليلة أو واحدة، فالتوازنات تختلف.
إذاً، حتى هذه القاعدة نفسها لا بد من تحريرها، فما هي شرائطها؟ يقول تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (سورة البقرة: 173). لقد قيّد القرآن الكريم في غير موضع هذه القاعدة بقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾، لكي لا يُفتح باب الاضطرار كيفما اتفق. فهناك ضوابط عجيبة وغريبة وعديدة جداً لهذه القاعدة، وهي مغفول عنها للأسف.
القاعدة الثالثة: المداراة. وقد مرّت بنا إشارة إليها. وهذه قاعدة خطيرة، إذ يخلط البعض بين قاعدة التقية المداراتية والتقية الاضطرارية، ولا ربط لهذه بتلك، فلكلٍّ ضوابطها، فكيف يُدمج ويُمزج بينهما؟ إنّ القرآن الكريم لا يمنع من المداراة، لكنه ينهى عن موالاة الأعداء والذوبان فيهم. فما الفرق بين موالاة الأعداء ومداراتهم؟ هذا هو مبحث القاعدة الثالثة. وكثيراً ما يقع الخلط بين المداراة والذوبان، أو التطبيع الذوباني، أو ما يعبّر عنه بموالاة الأعداء، وهو خلط عجيب غريب سيأتي بحثه ولو فهرسياً.
القاعدة الرابعة: الصبر. فما هو فرق التقية القائمة على الصبر والتصبّر والمصابرة عن تقية الحذر واليقظة؟ ومع وجود الحذر، ما الحاجة إلى الصبر؟ أو مع وجود الصبر، ما الحاجة إلى الحذر؟ إنه لخلط عجيب ودائم بين القواعد. ومع وجود الصبر، ما الحاجة إلى الكتمان والسرية؟ انظر كيف يشتبه الأمر. لقد مرّ بنا أنّ القاعدة الأولى للتقية، وهي الكتمان والخفاء، لا حدّ لها ولا سقف، فكلما كان العمل أكثر سرية، كانت قوته أعظم، وهذا من خواص القاعدة الأولى. بخلاف قاعدة الصبر هذه، فما حاجتنا إليها؟ إنّها التقية بمعنى الصبر والمصابرة. فمثلاً: إذا استفزك العدو فلا تستفز، وحينها تكون التقية بكظم الغيظ؛ فهو يغيظك، لكنك تكظم. إنّ الإيمان يأمرنا بكظم الغيظ، وليس بعدم الغيظ. لا يقول لك اجعل المرّ حلواً، بل المرّ مرّ، ولكن اصبر عليه. لا تقل المرّ حلواً، فالمرّ يبقى مرّاً، ولكن الصبر عليه هو المطلوب. فهناك فرق بين الصبر وبين ألا تغتاظ، بل لا بد أن يكون لديك غيظ، ثم غيرة على الدين وعلى المسؤولية. ومن صبر ظفر. فالصبر مع العدو تقية، وهو برنامج وتخطيط. واللطيف أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان في السقيفة هائج الغضب، لكنه كاظم الغيظ. وكيف يجمع بين الغضب وكظم الغيظ؟ إنّه لا يجمع بين متناقضين، بل يجمع بينهما، وهذه نكتة عجيبة. فإذا تحولت التقية في كظم الغيظ إلى عدم الغيظ، يصبح المؤمن أو القائد منسوخاً. لا بد أن يكون هائج الغضب، لكنه كاظم للغيظ، وهذا هو التوازن. وهذه بحوث في قواعد نخلط فيها بين كظم الغيظ وعدم الغيظ. فعدم الغيظ كأنك لا تنكر المنكر حتى بقلبك، فهل يسوغ هذا؟ لا يسوغ.
القاعدة الخامسة: التوازن بين المتغيرات. وهو بحث طويل عريض.
القاعدة السادسة: المواساة. فما هو باب المواساة؟ وما ربطه بالتقية؟ إنّها قاعدة مستقلة. ومن بحوث المواساة “جهاد المواساة” و”منطق المواساة”، كما يقول الفقهاء في “أربعين رسالة” لعالم نجفي في الشعائر الحسينية.[22] فبعد أن فرغنا من المداراة، كلامنا الآن في المواساة، وهي قواعد لا ينبغي الخلط بينها. ففي تلك الرسائل، تعرّض هؤلاء الأعلام لبحث أنّ جهاد أبي عبد الله (عليه السلام) هل كان تقية أم مواساة أم جهاداً من نوع آخر. ففي المواساة، تختلف برمجة العمل عن النشاط الآخر، سواء كان جهاداً أم تقية أخرى. وهو بحث معقد سيأتي بيانه.
القاعدة السابعة: مراتب القيود والموضوعات والملاكات. وكيفية تحقيق التوازن والتناسب بين هذه القيود بنحو متغير هو من قواعد التقية. ولهذا، فإنّ سيرة الإمام الصادق (عليه السلام) في التقية تختلف عن سيرة الإمام الكاظم (عليه السلام). بل إنّ سيرة الإمام الصادق نفسه تختلف بين زمان والده وزمانه هو، وبين بداية إمامته ووسطها وآخرها. فالتقية ليست على شاكلة واحدة عند الإمام الواحد، فضلاً عن الأئمة المختلفين. وهذا أمر كثيراً ما يغفله الباحثون في روايات “كل راية”. فقد علّمنا الأئمة أن سيرتهم في كل حال تختلف، ولكل مقام مقال، وهذا يرتبط أيضاً بهذه القاعدة السابعة.
وعلى كل حال، فإنّ سلسلة هذا البحث في تعدد ماهيات قواعد التقية سنواصلها إن شاء الله حسب كلمات الأعلام، بحثاً فهرسياً لا تفصيلياً.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة:
https://youtu.be/L3bACLYLIcE?si=CLxw-cTUGO0-JgAw