الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/12/02

بسم الله الرحمن الرحيم

قواعد التقية المتعددة: تحليل معمق لمفهوم السرية والأمن

#درس_العقائد_1447هـ

عنوان الدرس : نسخ أنواع قواعد التقية

تأريخ الدرس : الثلاثاء 2 ذي الحجة 1447هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

01:15 الفرق بين الحكم التدبيري و التشريعي الثابت

03:00 التمييز بين الوظيفة السياسية والعسكرية والأمنية والعامة

04:44 القاعدة النوعية الأولى في التقية هي الكتمان والسرية

09:00 السرية والإخفاء البعد الأمني في الاصطلاحي العصري

10:11 التقية بمعنى السرية سلاح قوة لا تكريسا لا للضعف

13:00 التقية بمعنى الإخفاء والكتمان من صفات الله الفعلية العظيمة

18:15 غيبة الإمام المهدي من النظام الأمني الإلهي و اعجاز استراتيجي

19:29 غيبة المهدي (عج) قمة النشاط لا جمودًا ولا انعزالًا عن المسؤوليات

20:55 البراهين الامنية عند الغرب على وجود الامام المهدي (ع)

24:20 الأمن قوة ناعمة و أشد القوى والقدرات

26:00 الحرب الأمنية لا سقف لها و لا حدود

28:20 السكون والاستكانة عن القوة الناعمة لا عذر لهما في مواجهة الأعداء

29:15 النبي (ص) الصفات الاستراتيجية للمؤمن الكياسة والفطنة والحذر

31:35 المؤمنون وتفريط بالغ في الأمن بمفهومه الواسع

33:10 تأخر ظهور المهدي (عج) لتخلف المؤمنين في المنظومة الأمنية

35:55 الخفاء والسرية والكتمان آلية قوة آلية ضعف

39:00 التقية ماهيات قواعدية متعددة ومتغيرة

43:00 سيرة سيد الشهداء (ع) في عاشوراء و ثمان قواعد في التقية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

@alsanaddroos 🔹

مرّ بنا أن جملةً من الأعلام، وكثيراً منهم، كالسيد الخوئي (ت ١٤١٣هـ)، والسيد الخميني (ت ١٤٠٩هـ)، والسيد محسن الحكيم (ت ١٣٩٠هـ)، والميرزا عبد الهادي الشيرازي (ت ١٣٨٢هـ) من علماء النجف، وكثيرين غيرهم، ذكروا هذا المطلب، وهو أن الروايات الواردة في النهي عن الخروج قبل قيام القائم، والتي تتحدث عن كل راية، ليس مفادها عاماً ولا مطلقاً، بل هو مقيد ومؤول، ويمكن القول إنَّه حكم تدبيري وليس حكماً تشريعياً ثابتاً.

وعلى كل حال، ذكر الأعلام شواهد عديدة في ذلك. وصناعياً: يجب التدقيق في الفرق بين الحكم التدبيري، أو سمه السياسي، أو سمه الولائي الصادر من الأئمة (عليهم السلام)، أو سمه التطبيقي؛ فهذه التسميات المتعددة تفرقه عن الحكم التشريعي الثابت. وفي الأبواب السياسية، يحتاج التمييز بين الوظيفة السياسية والوظيفة العسكرية إلى دقة وعمق، وذلك بالجمع بين مجموع القواعد والأدلة كافة.

ويدخل في هذا البحث مبحث التقية. وقد مرّ بنا أمس أن من الالتباسات الكبيرة جداً الموجودة في هذا البحث هو مبحث التقية، حتى إنَّ الكبار، لا نقول كلهم، ربما تحصل عندهم غفلات، وذلك لما جرى عليه العمل من جعل باب التقية كأنَّما هو باب واحد، أو أن قاعدة التقية هي قاعدة واحدة، وهذا خطأ وغفلة كبيرة جداً.

فإذا انتبهنا واستيقظنا علمياً إلى أن قاعدة التقية، كما هو الحال في القواعد التي ذكرناها أمس في الأبواب الفقهية، هي قواعد متعددة وأنواع متعددة، وإن اشتركت في اسم واحد، مثل قواعد الحرج، أو قاعدة الطهارة، أو قاعدة الحل (أصالة الحل)، أو قاعدة أصالة الصحة، أو قاعدة اليد؛ لكنها في الأصل قواعد متباينة متغيرة مشتركة في الاسم. وهذا النمط من التعدد والاشتباه موجود في أبواب الفقه كثيراً، ويسجل الأعلام اعتراضاً على بعضهم البعض إذا حصلت هذه الغفلة، بالقول إنَّها قاعدة واحدة.

فلنلاحظ ما هي القواعد الواردة، فإذن أدلة التقية ليست أدلةً واحدة، ولا طائفة واحدة، بل طوائف. القاعدة الأولى في قواعد التقية، والتي يمكن اعتبارها أم قواعد التقية، هي أن التقية ليست قاعدةً واحدة، وليست نوعاً واحداً من القواعد، ولا صنفاً واحداً منها أبداً.

قد يُقال: كيف يمارس الله التقية؟ إنَّ التقية بالمعاني الأخرى الله منزه عنها، أما التقية بمعنى الإخفاء والكتمان والسر، فهذه من الصفات الفعلية العظيمة الكمالية لله. حتى إنَّه ورد في الروايات أن المؤمن لا يستكمل إيمانه حتى تكون فيه خصلة من ربه، وخصلة من نبيه، وخصلة من إمامه؛ فخصلة ربه هي الكتمان والسر.[1]

وهذا المعنى من التقية أصل أصيل في صفات الله الفعلية، فضلاً عن أن سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) يمارس التقية بمعنى السر والإخفاء إلى ما شاء الله. وهذه السرية أو الإخفاء هي أحد معاني البعد الأمني في المفهوم العقلي العصري الحديث: الأمن، الإخفاء، والخفاء. ويبين الإمام الصادق (عليه السلام) مفاد الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: 83]، فيقول إنَّ هذا تعيير من الله للمذيع الذي لم يقدر أن يكتم، فما إن يخطر بقلبه أو فكره شيء حتى يجريه على لسانه، وهذا خطأ؛ فالمؤمن لسانه وراء قلبه، أما المنافق فكأنَّ لسانه أمام قلبه.

وهذا المعنى من التقية هو سلاح قوة وليس ضعفاً، بل سلاح قوة رهيب جداً، وبه تغلّب اليهود، كتجربة في البشرية، على النظام العالمي وتسلقوه، مع أن اليهود فئة أقل من المؤمنين، وأقل من المسلمين، وأقل من النصارى، وأقل من البوذيين، وأقل من غيرهم. فهذا الباب من التقية لا يكرّس الضعف والاستضعاف، بل يفسح المجال للاستقواء، وتنامي القدرة، وتعظيمها، وتضخيمها.

فليس لأحد العذر في ترك وظيفة من الوظائف، لذلك يقول الأئمة (عليهم السلام): «التَّقِيَّةُ تُرْسُ الْمُؤْمِنِ»[2] ، والترس يعني الحماية، وهذا هو المراد بالتقية هنا، أي الخفاء والسرية. فهذا النمط، أي هذه القاعدة من التقية، يزيل عنك كل عراقيل الظالمين أو الأعداء؛ لأنك تمارس نشاطك واستقواءك وتناميك وتنميتك في خفاء عن معوقاتهم.

وهذه القاعدة لا ربط لها بالتقية التي في أذهاننا، أي التقية الاضطرارية، فهذه شيء وتلك شيء آخر أصلاً. هذه حكم أولي وليست حكماً ثانوياً، فالكتمان والسرية والخفاء حكم أولي دائم، حتى في الجنة موجود، نعم، حتى في الجنة وفي الملكوت الأعلى. هذه صفة عظيمة، فهي من صفات الله الفعلية، وصفات الله فوق الجنة. فانظر إلى عظمة هذه النعمة، التقية، هي من صفات الله التي يمارسها، فكم هي عظيمة! هذا النمط يجب ألّا نخلط بينه وبين غيره، قاعدة السرية والخفاء، فما أعظمها!

نعم، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]، فقد أخفاه. وانظر إلى طبقات القرآن التي يخفيها الله ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ¤ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 78-79]، فهو لوح محفوظ مخفي، كله سرية وأمن. ومثال ذلك: ما جرى بين موسى والخضر (عليهما السلام)، حين قال له موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66]، فأجابه الخضر بشرط السرية وعدم السؤال: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: 70]. فلما خالف موسى الشرط، ذكّره الخضر: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: 72]، فاعتذر موسى ووضع شرطاً على نفسه: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: 76]. فلما وقعت المخالفة الثالثة، قال الخضر: ﴿هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78]. فهل كان الخضر يزهد في النبي موسى منذ البداية؟ ليست القصة قصة زهد وتكبر، ولا استكبار من الخضر على النبي موسى، بل هي قصة نظام إلهي، ودولة، ووظائف، ومسؤوليات. معنى ذلك أن الخضر يخفي عن النبي موسى سراً، فمن يخفي على من؟ إخفاء الخضر عن النبي موسى (عليه السلام)! قد يقول قائل: هذا نبي من أولي العزم، فكيف تخفي عنه؟ هل لا تثق به؟ إنَّ نظام السرية والخفاء لا يقوم على الثقة الشخصية أو المفاضلة في الرتب، بل هو نظام له مقتضياته.

حتى إنَّ سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لَوْ صَبَرَ مُوسَى لَأَرَاهُ الْعَالِمُ مِنَ الْأَعَاجِيبِ مَا لَمْ يَرَ»[3] ، فلم يره إلا يسيراً من الأعاجيب. فلو صبر، لانكشف له من قضايا الحراسة الأمنية الإلهية ما هو أعجب وأعجب.

وغيبة صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه) هي ضمن هذا النظام الأمني الإلهي. فهو أول رجل أمني في العالم كله، وأشد من الخضر، هو صاحب العصر والزمان. وهذه عظمة استمرت قروناً، كانت المدارس الإسلامية الأخرى تعيّر بها الشيعة، بينما هي الآن قد ثبت في العقل البشري أنها تمثل عظمة التشيع، وعظمة الإمامة، وإعجازها؛ فالأمن أولاً، والسرية أولاً، مع أداء الوظائف والنشاط.

فغيبته ليست جموداً، وليست انعزالاً عن المسؤوليات، وهذا مفهوم خاطئ ربما ورد في كلمات بعض الأعلام من حيث لا يريدون أو يشعرون. الغيبة تعني قمة النشاط في خفاء وسرية، لا يعيقه عن النشاط والمسؤولية والحراك شيء من عراقيل الظالمين والدول العظمى والصغرى والطواغيت والجبابرة. هذا هو معنى الغيبة.

وهذا معنى لا ربط له بالاضطرار والعجز والخوف وما شابه ذلك. فالله لا يخاف من شيء عندما يمارس السرية. أما الخوف بمعنى الحكمة فهو بحث آخر، وليس الخوف الذي هو ضد الأمن. فهذه ليست هي التقية الخوفية.

فالأمن، حتى كعلم حديث، قد أرشد العقل البشري إليه، وعرفوا أن معتقد الغيبة معجزة من معاجز مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وليس محل طعن وعيب، بل هو معجزة وبرهان. وقد أشار إلى ذلك مفكر غربي في كتابه عن الشيعة عام ١٩٩٣م، وهو صاحب مركز دراسات كبير عن التشيع، حيث خصص كتابه للحديث عن الإمام الثاني عشر (عجل الله تعالى فرجه)، وكتبه قبل عشر سنوات من سقوط النظام في العراق.[4] فهو يقدم براهين أمنية على وجود شخص الإمام الثاني عشر منذ قرون، لا منذ عقود، بل برهان وجود يمتد لألف سنة. وهذا المؤلف ليس من عامة الناس، بل من النخبة. وفي كتابه الذي انتشر بعد أن تُرجم، ينص على وجود هذا الرجل، الإمام الثاني عشر، عبر القرون، مستنداً إلى برهان أمني حضاري لا يعتمد على قول الشيعة فحسب.

الأمن كعلم حديث وقوة ناعمة

فانظر ما هو الأمن؟ إنَّ علم الأمن اليوم هو علم الخفاء والسرية، وهو يشمل أمن الطاقة، والأمن الصحي، والأمن التعليمي، والأمن الأخلاقي، والزراعي، والصناعي، والتجاري. لقد أصبح هذا المفهوم كالأخطبوط، ولم يعد يقتصر على الاستخبارات والمخابرات. فكل حقل وتخصص يديره علمان عظيمان: علم الإدارة، وعلم الأمن. فالإدارة علم شرياني حيوي، وكذلك الأمن علم منتشر في كل العلوم: أمن الاقتصاد، أمن الزراعة، الأمن الإلكتروني، الأمن الصحي، والأمن الأخلاقي.

وهي قوة، ربما تسميها الحرب الناعمة، أو القوة الناعمة، فالأمن قوة ناعمة وهي من أشد القوى والقدرات. الدول العظمى اليوم إذا فشلت عسكرياً ودبلوماسياً، وكثيراً ما تفشل، فقد تنهزم أو تتوقف، كما نشاهد، لكنها لا توقف الحرب الأمنية. فالحرب الأمنية لا سقف لها، وتمتد إلى كل مجال: أمن النفط، وأمن النقل، وأمن الاقتصاد.

فالأمن الصناعي، والأمن المالي، والأمن الإداري، والاختراق، هي علوم ذات شأن خطير، فالخفاء والسرية لا هوادة فيهما، ولا سقف ينتهي لهما، عملاً دؤوباً ليلاً ونهاراً، وقد برع الأعداء في هذا الباب أكثر منا بكثير، فلا يأس عندهم فيه، إذ هو قائم كله على الخفاء، فكيف يصح معه اليأس أو التشاؤم؟ وهو لا يقبل السكون والاستكانة، إذ لا معنى للسكون في عالمه.

بل هو على الدوام نشاط وتدبير وتحديث للتدبير وللخطط، وتغذية للمعلومات في كل بيئة؛ سواء أكانت بيئة نفطية، أم عسكرية، أم مدنية، أم صحية، أم تكنولوجية، أم بيولوجية، أم نووية، وغير ذلك من الحقول العديدة.

ومن الصفات التي يؤكد عليها النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم في المؤمن، أنَّ ما يصدر عنه يمثل أصلاً استراتيجياً، فهو دائماً يتوخى أصول المعرفة وأصول التشريع، لا جزئياتها وتفاصيلها، فعمل النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم إنَّما هو في الأصول الكلية الفوقانية، فدائماً ما يكون حديثه استراتيجياً، فالأصل في حديث النبي أنه ليس تشريعاً برلمانياً أو وزارياً، بل هو استراتيجية للعلوم كلها، سواء أكانت قانوناً أم غيره.

ولهذا يقول سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم، وهذه نكتة مهمة جداً في العلوم الدينية والوحيانية، إنَّ كلماته (صلى الله عليه وآله) وسلم في حقل الأخلاق، أو في حقل التفسير، أو في حقل التنمية والإنماء، أو في حقل الاقتصاد، وفي أي علم من العلوم يخوض فيه، إنَّما يراعي فيها الاستراتيجيات الفوقية، ولا يعنى بالتفاصيل، فإنَّ التفاصيل يوكلها إلى الأئمة عليهم السلام، كل إمام بحسب رتبته، فأمير المؤمنين (عليه السلام) يتلو حذو النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم، ثم بقية الأئمة، وهذا هو الفرق بين الإمام الصادق (عليه السلام) وسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم، وإن كانا نوراً واحداً.

وقد ورد عن سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم قوله: «الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ»[5] ، وهذا يصلح مدخلاً للذكاء الصناعي والعلوم الاستراتيجية؛ فـ”الكَيْس” في العلوم السياسية وغيرها هو التدبير، و”الفَطِن” في الإدارة، و”الحَذِر” في الأمن.

فسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم يقرر أنَّ مسؤولية الأمن ضرورية، وكذلك العقل الأمني والحس الأمني. وقد ورد في بيانات أهل البيت عليهم السلام أنَّ المؤمنين من زمنهم إلى يومنا هذا مقصرون في علم الأمن، وليس المراد بالأمن معناه الضيق المتمثل في الاستخبارات والمخابرات، بل المقصود مطلق العلوم؛ كالأمن الصحي، والأمن الأخلاقي، والأمن الاقتصادي، والأمن الصناعي، فحتى الثقافة فيها أمن، بمعنى كيف لا ينمسخ المجتمع في ثقافته؟ وما هي الحصون الثقافية للمجتمع؟ وهذا ما يسمى أمناً ثقافياً. وكيف تحافظ على استقرارك الأخلاقي فلا تأتيك جيوش من شياطين الجن أو الإنس ذوات اتجاهات أخلاقية ساقطة؟ وهذا ما يسمى أمناً أخلاقياً. والبحث في ذلك واسع عندهم.

والحاصل: أنَّ سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم يركز على جانب الأمن، وقد ورد في بيانات أهل البيت عليهم السلام أنَّ المؤمنين غالباً ما يكونون متخلفين في العلوم الأمنية، بينما عدوهم أشرس منهم.

وقد ذكرنا مراراً وتكراراً أنَّ من أسباب تأخر الظهور والفرج، بعد أن تقرر تأخيره، هو تخلف المؤمنين في العلوم الأمنية، وفي الذكاء الأمني، بسبب السذاجة الأمنية. فالذكاء الأمني وخفاء الأمن وسريته هو من معالم هذا الأمر، وهو بحث طويل لا ارتباط له بالخوف والاضطرار والعجز، بل هو المعنى الأصيل الأُم لقواعد التقية؛ أي السرية والخفاء والكتمان والأمن.

وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «وَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي افْتَدَيْتُ خَصْلَتَيْنِ فِي الشِّيعَةِ لَنَا بِبَعْضِ لَحْمِ سَاعِدِي: النَّزَقَ وَقِلَّةَ الْكِتْمَانِ»[6] ، فالنزق هو التهور بدون تدبير وإدارة، وقلة الكتمان هي انعدام العقل والذكاء الأمني. إنَّ من عوامل هذا الأمن أنه ليس فيه خمول ولا خمود ولا بطء ولا توقف، بل هو دؤوب ودائم، وليس فيه معنى اليأس والتشاؤم، فإنَّما هذه روحية وعقلية العجزة، لأن الخفاء والسرية والكتمان آلية قوة، وليست آلية ضعف.

ويذكر القرآن الكريم أموراً عجيبة عظيمة في هذا النظام، نظام الخفاء والأمن، كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [سورة إبراهيم - 46]، فمن الضروري أن تكون معلومات العدو كلها لديك. ويذكر القرآن الكريم ربما أربع عشرة ضابطة أو أكثر في هذا الباب، وهي كلها من صفات الله الفعلية.

وهذا الباب لا يجمد النشاط ولا العمل، بل يقطع العذر عمن يتخلى عن المسؤولية.

فهذا معنى من معاني قواعد التقية، وهو لا صلة له سنخاً ببقية القواعد، وإن ارتبط بها، لكنه يختلف عنها سنخاً وماهية. ودعونا نذكر أسماء القواعد فهرسياً لنلتفت إلى تعددها.

ففي مقابل التقية بمعنى الأمن والخفاء، توجد التقية الخوفية والاضطرارية والعجزية المعروفة، ولكن لا صلة بين هذه وتلك سنخاً وماهية وشرائط وقيوداً وموضوعاً أبداً، والكثير يخلط بينهما، وهذا خطأ.

ويمكن فهرسة قواعد التقية على النحو التالي:

القاعدة الأولى: تقية الأمن والخفاء والسرية والكتمان، ولها أسماء عديدة.

القاعدة الثانية: التقية الخوفية أو الاضطرارية أو العجزية، وما شئت فعبر.

القاعدة الثالثة: التقية المداراتية، وهي سنخاً وماهية ونوعاً لا صلة لها بالأولى ولا بالثانية.

القاعدة الرابعة: الصبر والمصابرة والتصبر، وقد عُبِّر عنه في البيانات الوحيانية بالتقية، وسنبين وجه الربط.

القاعدة الخامسة: التوازن المتغير، أي الموازنة والتوازن بين الثابت والمتغير، وهذا فهرس موجز وليس شرحاً تفصيلياً.

القاعدة السادسة: المواساة، ومنه جهاد المواساة. وقد استُعمل هذا المعنى في الروايات والبيانات. وجهاد المواساة، كما يقول السيد محسن الحكيم[7] ، لم يبحثه الفقهاء قط، وإن بحثوا الجهاد الابتدائي والدفاعي وغيرهما بشكل مجمل مختصر متناثر. وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما يربط بين التقية والجهاد. فالمواساة شيء أعظم يشمل جهاد المواساة وتقية المواساة. ولعل هذا هو أحد الأسباب التي دعت صاحب الجواهر[8] والفقهاء الكبار للقول بأنَّ أفعال سيد الشهداء (عليه السلام) في عاشوراء لا يمكن تفسيرها بالقواعد الفقهية المتداولة، لأنهم لم يتناولوا بحث جهاد المواساة، فهو بحث مطمور لم ينقحه الفقهاء بعد، وهو يفيد في بحث تقية المواساة.

القاعدة السابعة: المراتبية. وهذه المراتبية لها خمسة أبعاد في التقية: موضوعاً، وقيوداً، وملاكاً، وموضعاً، وغايات. وهي لا ارتباط لها بالتوازن ولا بالمعايير الأخرى. وقد أشار إليها السيد محسن الحكيم (رحمه الله) في فتواه التي نستشهد بها دائماً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السياسي والعقائدي.

القاعدة الثامنة: عدم تحول الحكم الثانوي إلى أولي، ولا الأولي إلى ثانوي، وهو بحث الثانوية والأولية وكيفيتهما في الشريعة.

فهذا ما استطعنا أن نقف عليه بسرعة من ثماني قواعد في التقية، لكل منها أدلتها ونتائجها المختلفة.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.


[1] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج2، ص241، باب “الكتمان”، ح14. ونص الرواية: «لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً حَتَّى يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ سُنَّةٌ مِنْ رَبِّهِ وَ سُنَّةٌ مِنْ نَبِيِّهِ وَ سُنَّةٌ مِنْ وَلِيِّهِ فَأَمَّا السُّنَّةُ مِنْ رَبِّهِ فَكِتْمَانُ سِرِّهِ»
[2] م. س.، ج2، ص221، باب “التقية”، ح17.
[3] العياشي، محمد بن مسعود. تفسير العياشي.. تحقيق هاشم الرسولي المحلاتي، المطبعة العلمية، 1380 هـ، ج2، ص336، ح68
[4] يشير المتحدث إلى كتاب صدر عام 1993م لمؤلف يصفه بأنه “عضو مجلس الشيوخ الفرنسي” وصاحب أكبر مركز دراسات عن التشيع. والأرجح أنه يقصد البروفيسور الفرنسي “يان ريشار” (Yann Richard)، وكتابه “الإسلام الشيعي: معتقدات وأيديولوجيات” (L’islam chi’ite: Croyances et idéologies)، الذي صدر بالفعل في تلك الفترة. مع التنبيه إلى أن ريشار أكاديمي متخصص وليس عضواً في مجلس الشيوخ، وأن اسم الكتاب الذي ذكره المتحدث “الجغرافيا السياسية للشيعة” هو عنوان لكتاب آخر للمفكر “فرانسوا توال” (François Thual).
[5] الحراني، الحسن بن شعبة. تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وعليهم.. تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، ط2، مؤسسة النشر الإسلامي، 1404هـ، ص58
[6] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج2، ص224، باب “الكتمان”، ح1
[7] هو السيد محسن الطباطبائي الحكيم (ت 1390هـ)، من كبار مراجع الشيعة في النجف الأشرف وصاحب موسوعة “مستمسك العروة الوثقى”.
[8] هو الشيخ محمد حسن النجفي (ت 1266هـ)، صاحب كتاب “جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام”.