الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/12/01

بسم الله الرحمن الرحيم

سنخ أنواع قواعد التقية

الاثنين (1) ذي الحجة 1447 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

01:00 الخطأ في تعميم الحكم في روايات المسؤوليات العامة في الغيبة الكبرى

04:44 ارتباط مبحث التقية بالشأن العام الاجتماعي والسياسي

06:22 تطابق تبويب كتاب الوسائل مع كتاب الشرايع للمحقق

07:38 تطابق تبويب العروة لليزدي مع تفاصيل فروع كتاب الجواهر

08:31 الإلتباس في مواضع أنواع قواعد التقية

12:00 أحد أسباب الانحراف الخلط بين أنواع قواعد التقية

12:01 نصوص فاضحة التعلل للتخاذل عن المسؤوليات بذريعة التقية

15:00 التقية العسكرية والسياسية لسيد الرسل (ص) في العهد المكي

17:02 الخوف من غير الله شرك قلبي في ممارسات التقية

23:00 وحدة العنوان في القواعد لا تعني وحدة القاعدة

29:04 أصالة الطهارة عنوان واحد وقواعد متباينة

32:00 تعدد المرجعيات لفقهاء الشيعة في عهد الصادق(ع)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

🌐 دروس المرجع الديني سماحة الشيخ محمّد السند دام ظلّه

منهجية فهم قواعد التقية: وحدة الاسم وتعدد الحقائق

كان الكلام فيما ذكره السيد الخُميني، وعلى نحو ما ذهب إليه السيد محسن الحكيم في فتوى، والمرحوم السيد عبد الهادي الشيرازي، [1] وكثير من العلماء، سواء علماء النجف أم علماء قم، من أنَّ الروايات الواردة في باب الوظيفة السياسية والمسؤولية السياسية أو العسكرية في الغيبة الكبرى، يُعَدُّ تعميمها من أكبر الأخطاء الصناعية. ومعنى تعميمها أن يُقال إنَّ مفادها عامٌ لا قيد فيه، وعامٌ لكل الحالات، وعامٌ مهيمن على كل دليل.

وهكذا يُفهَم من الروايات الواردة في باب المسؤوليات العامة عموماً، كالروايات المرتبطة بالوظيفة السياسية، والمسؤولية العسكرية، والمسؤولية الأمنية، والمسؤولية الاجتماعية، والمسؤولية في الشأن العام. فإنَّ طائفة من الروايات الواردة في هذا الباب إذا عُمِل بها على نحو التعميم، كان هذا التعميم خطأً.

وخلاصة كلام الأعلام في هذا الصدد، أنَّ لدينا قاعدة في باب المسؤوليات العامة والشأن العام الاجتماعي والسياسي، مؤداها أنَّ المسؤولية والوظيفة في الغيبة الكبرى يجب أن تُستخلَص من منظومة قواعد عديدة متفق عليها، فلا بد من ملائمتها واتساقها ومواءمتها لبعضها البعض؛ كي نخرج بمنهج فقهي تنظيري شامل وعام. وهذه هي، بعبارة عصرية، خلاصة كلمات الأعلام طيلة المدة التي خضنا فيها في كلام السيد الخوئي في كتاب الجهاد من “منهاج الصالحين”، وغيره من الأعلام الكبار.

التقية كقاعدة مرتبطة بالمسؤولية العامة

ومما يعزز كلام الأعلام مبحث التقية. ومبحث التقية كقاعدة أو قواعد سيأتي بيانه، وكلامنا فيه ليس تفصيلياً، بل هو فهرسيٌّ وأساسيٌّ فقط. وكما هي رويّتنا في هذا البحث، فإننا لا ندخل في التفاصيل، بل في الأسس والأصول التشريعية الفوقية، والفهرسة الإجمالية؛ لأنَّ هذه الصناعة غامضة وصعبة.

فالتقية، كما يقول السيد محسن الحكيم في الفتوى التي نقلناها مراراً، [2] أنَّ ما كُتب في بابها يندرج ضمن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبالتالية، فبينما توجد تقية في العبادات وبعض المسائل والقواعد الخاصة، فإنَّ هناك تقية عامة يذكرها الأعلام - كما هو الحال في كتاب الوسائل - في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولماذا؟ لأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأصل وظيفة اجتماعية وشأن عام، وليس ذا بُعد فردي. والأصل في المعروف والمنكر أنَّه عامٌّ وليس فردياً.

وهنا نكتة علمية لطيفة معهودة عند الأعلام، وهي أنَّ صاحب الوسائل[3] في تبويبه وترتيبه لكتابه يحذو حذو “شرائع الإسلام” للمحقق الحلي[4] قذةً بقذة. كما أنَّ “العروة الوثقى” للسيد اليزدي[5] هي بالدقة متابعة لفروع وتفاصيل كتاب “جواهر الكلام”.[6] فصاحب الوسائل عندما يضع روايات التقية العامة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن الواضح إذن أنَّ مبحث التقية مرتبط بالشأن العام، لا بالشأن الخاص.

وهذه نكتة يجب الالتفات إليها. وليس هذا استنباطاً أو استظهاراً فيه غلوٌّ من صاحب الوسائل، بل هي حقيقة، إذ إنَّ جُلَّ الفقهاء حين ذكروا الضوابط العامة للتقية، أشاروا إليها في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

نعم، قد يُقال بوجود وضوء التقية، وغسل التقية، وصلاة التقية؛ وهذه تطبيقات صحيحة، ولكنَّ عمدة متأخري العصور وطبقات الفقهاء الذين كتبوا في المسألة، أثاروا الضوابط العامة للتقية في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لمعرفتهم بصلتها بهذا الباب.

فما الصلة إذن؟ من الواضح أنَّ التقية مرتبطة بالمسؤولية العامة والوظائف العامة.

وقد ورد في الحديث: «التَّقِيَّةُ دِينِي وَدِينُ آبَائِي، وَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ».[7] ومستفاد من روايات صحيحة أنَّه كلما قَرُبَ هذا الأمر اشتدت التقية. فبالتالي، يُعَدُّ مبحث التقية مبحثاً مرتبطاً بالوظيفة والمسؤولية العامة، سواء كانت سياسية أم عسكرية أم أمنية أم إدارية أم مجتمعية.

وهنا بيت القصيد كما يقول القائل: إنَّ هناك التباساً في أبواب التقية وأنواعها، وفي سنخ أنواع التقية خلط علمي كبير، فضلاً عن عوام المكلفين.

فأول خطوة في هذا الباب هي إدراك أنَّ التقية مرتبطة بالمسؤولية العامة والوظيفة العامة، سواء كانت المسؤولية السياسية والأمنية في الغيبة الكبرى، أم العسكرية والاجتماعية. والوجه في ذلك أنَّه إذا كانت لدينا قواعد متعددة يجمعها الاسم كاشتراك لفظي، أو اشتراك معنوي طفيف، ولكنها في حقيقتها قواعد مختلفة لها ضوابط وقيود وشروط ومواطن مختلفة، فكيف يصح الخلط بينها؟

وقد نبه أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، كالإمام الرضا (عليه السلام) وغيره، إلى أنَّ أحد مسارات العصيان أو الانحراف هو الخلط بين مواطن التقية. فقد حجب (عليه السلام) جماعة من مواليه من قم عن لقائه مدة مديدة، ذُكر في الرواية أنها ستة أشهر، وأسانيد هذه الرواية ممتازة جداً.[8] وكان سبب حجبه لهم هو الخلط بين مواطن وأبواب التقية.

فما هو الأمر الحساس عند الإمام الرضا (عليه السلام) بحيث يحجب مواليه القادمين في أسفار طويلة من قم إلى مرو، وهي أبعد من مشهد، لهذه المدة الطويلة؟ لقد وبّخهم قائلاً: «تَتَّقُونَ حَيْثُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَّقُوا، وَلَا تَتَّقُونَ حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ تَتَّقُوا».

وهذا الأمر لم يقتصر على الإمام الرضا (عليه السلام)، بل ورد عن جده الإمام الصادق (عليه السلام) الذي هو أكثر من وردت عنه روايات التقية. إذ ينبئ (عليه السلام) بأنَّ كثيراً من الشيعة والمؤمنين سيتعللون ويتعذرون عن أداء مسؤولياتهم، لا سيما في آخر الزمان وقبيل الظهور، وسيتخذون من التقية ذريعة لتخاذلهم عن نصرة أهل البيت (عليهم السلام).[9]

فالحاصل أنَّ الإمام الصادق والإمام الرضا وجملة من الأئمة (عليهم السلام) يؤكدون على أنَّ عدم البصيرة في قواعد التقية المتباينة يسبب عصياناً في مسؤوليات عظيمة للدين، حتى إنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) يقول ما معناه: تتخذونها ذريعة للهروب من المسؤولية والنصرة، ولربما كانت التقية أحب إليكم من آبائكم.

بل إنَّ للقرآن الكريم لساناً في هذا المقام، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 77]. وهذه الآية عظيمة في بيان المسؤوليات العامة وفي معنى التقية. فمن المعروف أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان مأموراً بالتقية السياسية والعسكرية في العهد المكي، الذي امتد لثلاثة عشر عاماً، أي أكثر من نصف زمن الرسالة النبوية، وذلك وفق الموازنة التي كانت لديه.

فالآية تشير إلى فريقٍ جبن وتخاذل عن المسؤولية العسكرية حين وجبت، فصاروا يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية. وهذا المعنى القرآني هو عين ما أشار إليه الإمام الرضا (عليه السلام) في كيفية تطبيق التقية، وهو ما يؤيده كلام جده الإمام الصادق (عليه السلام).

وهنا نكتة لطيفة في باب التقية، وهي مسألة الشرك في الخوف. فمن محرمات التقية أن يكون منشؤها اهتزازاً قلبياً وخوفاً داخلياً؛ وهذا وإن لم يكن شركاً اصطلاحياً، إلا أنَّه شرك قلبي. فإنَّ أحد منطلقات التوحيد هو قوله تعالى: ﴿…وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ…﴾ [الأحزاب: 39]. وهذا الشرك القلبي يبينه الإمام الهادي (عليه السلام) في الزيارة الغديرية، [10] حيث يصف جده أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنَّه لم يمارس التقية قط من خوف قلبي أو ذعر أو اهتزاز، وحاشاهم (عليهم السلام) من ذلك.

فهذه تقية ممسوخة. أمَّا ممارسة التقية من باب الحذر فبحث آخر. وأمَّا أن لا يتوكل على الله، فتكون خشيته من الظالم في قرارة قلبه أشد من خشيته من الله، فهذا لا يجوز، وهو من ضعف التقية. قال تعالى: ﴿…فَإِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً…﴾ [النساء: 77]، أهذا تساوٍ أم هو الشرك بعينه؟ فإنَّك بذلك تجعل خشية الدولة الظالمة أشد من خشيتك من الله.

والحاصل: أنَّ الحذر غير الخشية، وستأتي هذه المباحث في فصول التقية الفهرسية.

إنَّ أول خطوة في هذه المباحث الفهرسية الصناعية المعقدة هي معرفة قواعد التقية وأنواعها المتباينة المتغايرة، فإذا خلطنا بينها وقعنا في خلط ولبس عظيم.

المنهجية الأصولية: وحدة الاسم لا تعني وحدة القاعدة

وقبل أن أشرع في هذا المبحث، لا بد من ذكر مطلب تمهيدي حول السنخين المختلفين للتقية، وذلك عبر أمثلة من قواعد أخرى.

**

أمثلة من الفقه والأصول (الصحة، الملك، الحرج، الضرر)

المثال الأول: أصالة الصحة.** فالكل يسميها “أصالة الصحة”، ولكن عند التدقيق نجد أنَّ لها معانيَ عديدة، وشروطاً وقيوداً مختلفة. فقد يكون بينها اشتراك لفظي، ولكنها في حقيقتها ليست قاعدة واحدة، بل هي قواعد متعددة.

المثال الثاني: قاعدة الملك. يُقال: “من ملك شيئاً ملك الإقرار به”، وهذه قاعدة. و”قاعدة اليد” أمارة على الملكية، وهي قاعدة ظاهرية. و”قاعدة الملك” بمعنى “من ملك شيئاً ملك التصرف فيه”، كما في قاعدة “الناس مسلطون على أموالهم”، [11] وهذا معنى ثالث. فهذه معانٍ متعددة، بعضها قواعد ثبوتية واقعية، وبعضها ظاهرية، وكلها متباينة عن بعضها البعض. فليس معنى وحدة الاسم وحدة القاعدة، بل الاسم واحد والحقائق متعددة.

ومختلفة في أدلتها وقيودها وشروطها.

ومثال ذلك قاعدة الحرج، فالحرج النوعي شيء، والحرج الفردي شيء آخر، وليس هذا مجرد تمايز في الوصف، بل إن النتيجة الصناعية لقاعدة الحرج النوعي مثبتة للأحكام، بينما قاعدة الحرج الفردي رافعة لها وليست مثبتة، فأين هذه من تلك؟ ولكلٍّ ضابطه الخاص. وهناك قواعد أخرى للحرج في باب الاحتياط، فمع أن اسمها جميعاً “قاعدة الحرج”، إلا أنها في حقيقة الأمر قواعد متباينة. وإنما نؤكد على هذا المطلب الذي تكرر في أبواب فقهية كثيرة؛ لأن باب التقية هو من هذا القبيل، وقد وقعت فيه غفلة عجيبة حتى من بعض الكبار، كما نبه على ذلك السيد محسن الحكيم[12] في فتواه.

مثال آخر: إن قاعدة “لا ضرر” الفردية غير قاعدة “لا ضرر” النوعية، فالضرر النوعي قاعدة مثبتة للأحكام، بينما “لا ضرر” الفردية قاعدة رافعة لها وليست مثبتة. ولو روجعت كلمات الأعلام المؤثرين في المئة سنة الأخيرة لوُجد أن قاعدة “لا ضرر” تنحل إلى خمس أو ست قواعد من سنخ متباين، وقد جمعنا كلماتهم في كتابنا المطبوع حول قاعدة “لا ضرر”، حيث تبيّن وجود قواعد متباينة؛ منها ما هو قاعدة في باب السلطة التنفيذية السياسية، ومنها ما هو قاعدة تشريعية، ومنها ما هو قاعدة فقهية، ومنها ما هو قاعدة أصولية.

وكذلك الحال في الاستصحاب، حيث فرّق الأصوليون بين الاستصحاب في الشبهات الحكمية والاستصحاب في الشبهات الموضوعية؛ فالاستصحاب في الشبهات الموضوعية يُعدّ قاعدة فقهية لا أصولية، وأما الاستصحاب في الشبهات الحكمية، فقد كادت تتفق كلماتهم على أنه قاعدة أصولية. والفارق بينهما أن القاعدة الأصولية تقع في طريق استنباط أحكام كلية متعددة، بينما القاعدة الفقهية لا تطبق إلا على مصداقها لتعيين حكم جزئي واحد.[13]

وكذا “أصالة الحل”، فإن حديث “كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْرِفَ الْحَرَامَ بِعَيْنِهِ”[14] ينحل في حقيقته إلى ثلاث قواعد أو أكثر، تختلف سنخاً بين قاعدة اجتهادية ثبوتية، وقاعدة إثباتية، ووظيفة عملية. وقد أشار إلى هذا التفصيل المحقق النراقي[15] في بحثه عن أصالة الحل، وكذلك فعل صاحب الكفاية[16] والشيخ الأنصاري[17] ، حيث لم يغب عنهم أن قاعدة الحل تنحل إلى قواعد متعددة متباينة. واللطيف في الأمر أن الشارع قد يجمع هذه القواعد المتباينة في جملة واحدة، كما في حديث “لا ضرر”، فتكون العبارة واحدة ولكنها تشير إلى قواعد متعددة ليس بينها جامع معنوي تام، بل قد يكون الاشتراك لفظياً محضاً، وهكذا الحال في “لا حرج” وغيرها.

وينطبق الأمر نفسه على قاعدة “أصالة الطهارة” المستفادة من حديث “كُلُّ شَيْءٍ لَكَ طَاهِرٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ نَجِسٌ بِعَيْنِهِ”[18] . وقد أشار الأعلام إلى انحلال هذه القاعدة إلى قواعد متعددة، ومنهم السيد الشهيد محمد باقر الصدر[19] في كتابه “بحوث في شرح العروة الوثقى”، حيث أشار إلى هذا المبحث المطروح عند الأعلام، وهو أن قاعدة الطهارة هل هي قاعدة واحدة أم أنها تنحل إلى ست أو سبع أو حتى عشر قواعد؟ بل هي في الحقيقة أكثر من ذلك. وهذا ليس مجرد حدس، بل هو أمر له أصل، فإن الأعلام وإن حاولوا الاستدلال بعموم “كل شيء لك طاهر”، إلا أنهم لم يلتفتوا إلى أن موثقة عمار الساباطي[20] نفسها قد فصّلت هذه القواعد المتعددة في متنها المطول. فبعد أن فصّل الإمام (عليه السلام) الأقسام، قال له: “أَلَا أَجْمَعُ لَكَ هَذَا كُلَّهُ؟”، وذلك أن سؤال عمار كان متعدداً، فتارةً سأل عن الطهارة الذاتية، وتارةً عن الطهارة الثبوتية، وأخرى عن الطهارة الطارئة كالجلالة، فكانت أسئلته تكشف عن وجود قواعد متعددة للطهارة لا يجمعها جامع تشريعي واحد.

ومع أن بحثنا ليس في المنهج الأصولي الصناعي الاستنباطي، إلا أن هذا الاستطراد ضروري. والنتيجة: لا ينبغي النظر إلى العنوان الواحد والظن بأنها قاعدة واحدة. إن موثقة عمار الساباطي مذكورة بطولها في كتاب “تهذيب الأحكام” للشيخ الطوسي[21] ، ولكن صاحب الوسائل[22] قد اقتطعها، فلم ينقل منها الأعلام غالباً إلا المقطع الأخير: “كُلُّ شَيْءٍ لَكَ طَاهِرٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ نَجِسٌ بِعَيْنِهِ”. في حين أن الرواية بكاملها تشغل صفحة ونصف تقريباً في التهذيب، وقد فصّل فيها الإمام (عليه السلام) الأجوبة لعمار الذي كان فقيهاً من فقهاء أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، وأحد الذين كانت تتقلدهم طوائف من الشيعة في الكوفة، إلى جانب زرارة وأبي بصير ومحمد بن مسلم، حتى إن أتباعه كانوا يُعرفون بـ”الساباطية”، كما ورد في كتب الرجال.

والحاصل: أن عماراً بوصفه فقيهاً كان يطرح شقوقاً وأقساماً مختلفة السنخ، ومن حقه أن يسأل عن كل قسم، فكانت أسئلته المتعددة تكشف عن إدراكه لتعدد القواعد، فأجابه الإمام (عليه السلام) أولاً بالتفصيل، ثم أعطاه الكلمة الجامعة “كُلُّ شَيْءٍ لَكَ طَاهِرٌ” التي تشمل عشر قواعد وليست قاعدة واحدة.

وعليه: فمن الخطأ البيّن أن يُظن من وحدة العنوان وحدة القاعدة، بل حتى من وحدة الدليل لا ينبغي أن تُفهم وحدة القاعدة؛ لأن هذا الدليل قد يكون مشتركاً بين قواعد متعددة، مع وجود أدلة أخرى تفرز شروط كل قاعدة عن الأخرى. فمع أن بينها جامعاً من جهة، إلا أن بينها مباينات من جهات أخرى، وبسبب ذلك الجامع سُميت بالاسم الواحد. وهذا هو عين ما سنراه في أبواب التقية وأنواعها، حيث نجد قواعد متباينة تماماً؛ واحدة تتجه يميناً وأخرى يساراً، وواحدة شرقاً وأخرى غرباً. فإذا خلطت بين شروط هذه القواعد المتباينة، وقعت في خبط وخلط عظيمين، وأدى ذلك إلى انحراف عجيب في التنظير والتطبيق، كما بيّن القرآن الكريم، وكما بيّن الإمام الصادق والإمام الرضا (عليهما السلام).


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.

تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط فيديو المحاضرة:

https://youtu.be/T5ZVIwYQBoE?si=PoaoiCZscybcQp7u

 


[1] هو السيد عبد الهادي بن ميرزا إسماعيل الشيرازي (1305-1382هـ)، من كبار مراجع الشيعة في النجف الأشرف بعد وفاة السيد أبي الحسن الأصفهاني.
[2] يُراجع ما نُقل عن فتوى السيد الحكيم في مجلة “الأضواء” النجفية، وكذلك ما ذكره الشيخ عبد الهادي الفضلي في كتبه، حيث أشار إلى هذه الرؤية التي كانت سائدة بين فقهاء النجف.
[3] هو الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104هـ)، صاحب كتاب “تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة”.
[4] هو الشيخ جعفر بن الحسن الهذلي، المعروف بالمحقق الحلي (ت 676هـ)، من أعاظم فقهاء الشيعة.
[5] هو السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (ت 1337هـ)، صاحب “العروة الوثقى” التي تعد من أهم المتون الفقهية لدى المتأخرين.
[6] وهو للشيخ محمد حسن النجفي (ت 1266هـ)، ويُعد أضخم موسوعة في الفقه الشيعي الاستدلالي.
[7] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج2، ص219، باب “التقية”، ح12
[8] يُراجع ما رواه الكشي في رجاله عن علي بن محمد القتيبي، قال: “كتب إليَّ أبو محمد الفحام، قال: حدثني أبو العباس أحمد بن إدريس، قال: حدثني محمد بن أحمد بن يحيى، قال: كنت بـ(فائدة) مع علي بن بلال، فأخرج إليَّ كتاباً لأبي الحسن الثالث (عليه السلام) إلى أهل قم… وكان سبب وصول هذا الكتاب أن قوماً من أهل قم والجبال كانوا يزورون الرضا (عليه السلام) فيحجبهم، ويقول: إنكم تتقون حيث لا يجب أن تتقوا، ولا تتقون حيث يجب أن تتقوا”. الكشي، محمد بن عمر. رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال).. تحقيق مهدي الرجائي، ط1، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1404 هـ، ص564
[9] توجد روايات بهذا المضمون في كتب الغيبة، منها ما ورد في غيبة النعماني. النعماني، محمد بن إبراهيم. الغيبة.. تحقيق فارس حسون كريم، ط1، أنوار الهدى، 1422 هـ، ص200، باب11، ح16
[10] وهي الزيارة المروية عن الإمام علي الهادي (عليه السلام) التي زار بها جده أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم الغدير، وهي من أشهر الزيارات وأعلاها سنداً ومضموناً، وتُعد منظومة عقائدية متكاملة.
[11] يُراجع: النوري، حسين. مستدرك الوسائل.. ط1، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1408 هـ، ج17، ص356، باب1 من أبواب إحياء الموات، ح4
[12] هو السيد محسن الطباطبائي الحكيم (ت 1390هـ)، من كبار مراجع الشيعة في النجف الأشرف، وصاحب الموسوعة الفقهية “مستمسك العروة الوثقى”.
[13] يُراجع تفصيل هذا المبحث في كتب أصول الفقه، مبحث الفرق بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية.
[14] الحر العاملي، محمد بن الحسن. تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة.. مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ط2، 1414 هـ، ج17، ص87، أبواب ما يكتسب به، باب4، ح1، مع اختلاف يسير
[15] هو الملا أحمد بن محمد مهدي النراقي (ت 1245هـ)، فقيه ومحدث أصولي، صاحب كتاب “مستند الشيعة في أحكام الشريعة”.
[16] هو الآخوند محمد كاظم الخراساني (ت 1329هـ)، صاحب كتاب “كفاية الأصول”.
[17] هو الشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281هـ)، من كبار فقهاء الإمامية، ويُلقب بـ”خاتم الفقهاء والمجتهدين”.
[18] الطوسي، محمد بن الحسن. تهذيب الأحكام.. تحقيق حسن الموسوي الخرسان، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج1، ص224، ح645
[19] هو السيد محمد باقر الصدر (ت 1400هـ)، فيلسوف ومفكر إسلامي ومن كبار مراجع الشيعة في العراق.
[20] هو عمار بن موسى الساباطي، من أصحاب الإمام الصادق والكاظم عليهما السلام، وهو فطحي المذهب لكنه ثقة، ورواياته معتمدة عند الطائفة وتُعرف بـ”الموثقة”.
[21] هو محمد بن الحسن الطوسي (ت 460هـ)، شيخ الطائفة، ومؤلف كتابي “التهذيب” و”الاستبصار” وهما من الكتب الأربعة.
[22] هو الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104هـ)، صاحب الموسوعة الحديثية “تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة”.