الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/11/28

بسم الله الرحمن الرحيم

بين الحكم السياسي والتشريعي والتقية

السبت (28) ذي القعدة 1447 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

01:00 بين الحكم السياسي والحكم التشريعي الثابت في روايات الفقه السياسي

02:51 التمييز بين أحكام النبي والآل(ص) الثابتة والمتغيرة السياسية

07:50 حوزة النجف وقم الفرق بين الحكم الفتوائي الثابت والقضائي والسياسي

10:22 حرمة بيع السلاح على الأعداء ووجوب تنامي القوة

14:52 سيرة الامام الحسن والحسين(ع) في تقاسم السلطة مع معاوية

18:00 بدايات الدولة النبوية وتقاسم السلطة مع المكونات الاخرى

18:01 ضرورة الاستعانة بالنخب التخصصية في حقيقة موضوعات أبواب الفقه

20:33 حق حضانة الأُم مع ولاية الأب وقرائن علوم الاسرة

22:37 حق المرأة في المقاربة والعلم الاسري الاجتماعي

25:00 الاستعانة بالعلوم الفلكية في تحديد حقيقة الشهر الهلالي

29:43 ارتباط روايات التقية بأبواب الفقه السياسي الاجتماعي

31:20 تعدد ماهيات وسنخ أنواع التقية

33:34 اختلاف سيرة التقية بين المعصومين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

🌐 دروس المرجع الديني سماحة الشيخ محمّد السند دام ظلّه

التمييز بين الحكم التشريعي الثابت والحكم السياسي التدبيري

ومن أجل ذلك ذهب السيد الخوئي، [1] وبنى على ذلك جملة من علماء النجف، بل الكثير من العلماء. وأصل هذه القاعدة، كما مر، يمكن أن يصاغ ويبين بعدة صياغات وبيانات.

**

الفرق بين الحكم السياسي والحكم التشريعي

والقالب المركزي لها:** هو الفرق بين الحكم السياسي التدبيري لأهل البيت عليهم السلام والحكم التشريعي الثابت. فثمة فرق بين الحكم السياسي والحكم التشريعي الثابت.

ونفس هذا المبحث غامض وصعب، وليس بالسهل. فعندنا الحكم القضائي الذي يختلف عن الحكم الفتوائي التشريعي، وهناك حكم ثالث يسمى الحكم التنفيذي للسلطة التنفيذية، أو الحكم التدبيري، أو الولائي، أو السياسي.

فالنبي (صلى الله عليه وآله)، أو أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو فاطمة، أو الحسن، أو الحسين، أو بقية المعصومين الأربعة عشر، كيف نميز بين أحكامهم التشريعية الثابتة التي لا تتغير؟ فهذا ليس تشريعاً ثابتاً، بل هو عمل تنفيذي من أمير المؤمنين (عليه السلام). أو أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أُمِرَ بأن يستعين في دولته بالمنافقين، لا من جهة رقابته لهم، ولكن للاستفادة منهم في الأنشطة العسكرية أو غيرها، كما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) في سياق حديثه عن عدم قتل بعض المنافقين: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ».[2] حتى في الدعوة إلى الله بكل سعتها، في الدولة وغير الدولة، قد يستعين النبي بمن لا خلاق لهم في الآخرة.

فهذا تدبير من الرسول (صلى الله عليه وآله)، لا يدل على حكم ثابت أو تشريع ثابت. ولكنه لا بد أن ينطلق من تشريع ثابت، لأنه لا يمكن أن يكون التدبير السياسي منقطعاً عن التقنين تماماً؛ فدائماً تأخذ السلطة التنفيذية شرعيتها من السلطة التشريعية، بل إن كل خطوات السلطة السياسية والحكم السياسي تنطلق من الحكم التشريعي.

إذن: ثمة علاقة بين الأمرين، كما بحثوا ذلك في باب القضاء، فالحكم القضائي لا يمكن ألا ينطلق من الحكم الفتوائي، فالحكم القضائي هو فتوى وزيادة. وهكذا الحكم السياسي هو حكم تشريعي فتوائي وزيادة.

وهنا بيت القصيد: ما هي هذه الزيادة في الحكم القضائي على الحكم التشريعي الفتوائي الثابت؟

والغاية من بحث هذا المطلب: أن جملة من روايات أهل البيت، كما يذهب السيد الخميني، [3] والسيد البروجردي، [4] والسيد الميرزا عبد الهادي الشيرازي، [5] والسيد محسن الحكيم، [6] والشيخ لطف الله الصافي، وغيرهم، ليست في مقام بيان التشريع الثابت، وإنما هي في مقام التدبير أو الحكم السياسي. ومعنى الحكم السياسي ليس أنه ليس تشريعاً ثابتاً، وإنما هو معجون من تشريعات ثابتة. وهذا بحث طويل الذيل لسنا في صدد الخوض فيه، وإنما هي إشارة قواعدية.

سياق تاريخي للنقاش بين الحوزات العلمية

وقد اجتمع القميون والنجفيون في حوزة قم، بعد أن هاجر إليها كثير من علماء النجف. ومع أنه كان ينبغي أن يبقى الأعاظم في النجف، إلا أن الظروف في ظل النظام السابق أدت إلى هجرة أكثر عمالقة النجف، وبقي منهم قليل، فصارت قم آنذاك، قبل الثورة الإسلامية في إيران وبعدها، منتدىً علمياً زاخراً. ومن البحوث التي دارت بين النجفيين والقميين، وبين كل فريق فيما بينه، بحوث الفقه السياسي، ومنها الفرق بين الحكم الفتوائي والحكم القضائي. وقد استغرقت هذه القضية ما يربو على ستين أو سبعين عاماً، لأن هجرتهم من النجف كانت قبل الثورة.

بل إن هذا البحث تعرض له الميرزا النائيني[7] في كتابه تنبيه الأمة وتنزيه الملة.[8] وتعرض له كذلك صاحب الكفاية الآخوند الخراساني[9] في كثير من رسائله التي بعثها إبان الثورة الدستورية في إيران. وعلى أي حال، لسنا في صدد تفاصيل هذا المطلب، وإنما هي إشارة إلى فهرسته.

والحاصل: أن السيد الخوئي وغيره من الأعلام الذين ذكرنا أسماءهم يقولون إن هذه الروايات الناهية عن القيام والظهور وإقامة الدولة والثورة، ليست حكماً تشريعياً ثابتاً، بل هي حكم تدبيري من الأئمة لظروف وقيود وبيئة معينة، وللوجوه التي سبق أن ذكرناها كثيراً. فهو ليس حكماً مطلقاً، وهذا ليس مجرد كلام هؤلاء الأعلام، لأن هناك فتاوى متفقاً عليها عند كافة علماء الإمامية لا يستطيع أحد أن يرفع اليد عنها، لوجود نصوص خاصة فيها.

ومثال ذلك: قضية بيع السلاح للأعداء، وهي مسألة وإن بدت سهلة المأخذ في الظاهر، ومتفق عليها بين العلماء، إلا أننا مكثنا في بحثها قرابة ثلاثين جلسة.

ومع ذلك، قال كل علماء الإمامية إن من استراتيجية أهل البيت عليهم السلام، وهي استراتيجية واحدة لمن أراد أن يقرأها قراءة سياسية، أو قراءة استراتيجية أعمق، أن يبني على مخطط كامل ومسار واضح. ولا بد للفقيه أن يستعين بخبراء هذه العلوم، لأنه تخصصهم، كما يستعين باللغوي. فهذه الاستراتيجية تعطينا القواعد المهيمنة في الفقه السياسي، ويجب أن نميز في الفقه بين ما هو ركن استراتيجي في الفقه السياسي، وما هو ليس بركن.

فالمقصود أياً كان أن قضية بيع السلاح، كما يقول شراح المكاسب الكبار، تفيد أن تنامي القوة وازديادها في كل أنواعها، المجتمعية والمدنية والاقتصادية والمالية، هو واجب، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال - ٦٠]، وعملاً بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون - ٨]. فحفظ العزة وحراستها يقتضي القوة، والضعيف ليس بعزيز بل هو ذليل.

ويحرم على الإنسان أن يستضعف نفسه، والقرآن يهدد من يرضى بالاستضعاف مع قدرته على الخروج منه إلى القوة، حتى إنه قد يحمل وزر الظالم. فالظالم ظالم وعليه وزره، والمظلوم الذي يمكّن من نفسه، في منطق القرآن، عليه وزر لأنه مكن من نفسه وأعان الظالم على السيطرة، فله وزران. وهذه المسألة في المكاسب المحرمة، كما يذكرون، متفق عليها بين كل الفقهاء، وهي منصوصة، وتدل عليها القواعد العامة الخطيرة في الدين، كقاعدة أن ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة - ٤٠].

وقد استدل الأعلام بقواعد عديدة، وتلك القواعد التي استدلوا بها في تلك المسألة كلها قواعد استراتيجية، وليست خاصة بالسلاح العسكري، بل يجري هذا المبحث في كل سلاح وكل قوة. وهذا يعني أن الدين يرى أنه حتى في ظل غياب المعصوم، أي في غيبته، لا يسقط هذا التكليف عن المؤمنين والمسلمين.

المقصود إذن أن هناك قواعد ومسائل من قبيل تولي ولاية الجائر، واستلام السلطة القضائية منه، والتغلغل في نظامه واختراقه، وهي أمور لها شواهدها من سيرة النبي يوسف والإمام الرضا عليهما السلام. أو تقاسم السلطة مع الجائر، كسيرة الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام؛ فهدنة الإمام الحسن (عليه السلام) كانت في حقيقتها تقاسماً للسلطة بينه وبين معاوية. وهذا يختلف عن تغلغل النبي يوسف أو الإمام الرضا في النظام الحاكم، فهما لم يتقاسما السلطة. وهذا باب لم يطرقه الفقهاء بما يستحق، حيث ركزوا على باب فعل النبي يوسف والإمام الرضا عليهما السلام، وهو باب التغلغل في نظام الجائر.

وهذا الباب أيضاً مهم، كسيرة الإمام الحسن والإمام الحسين في العشر السنين الأولى من الهدنة، أو العشرة الثانية من سيرة الإمام الحسين. فهذه السيرة تمثل تقاسم السلطة مع معاوية، وليس تغلغلاً من الإمام الحسن في النظام الأموي، بل هو جعل للنظام العلوي بقية باقية، ولو على نحو فدرالية إقليمية. وهذه نكتة يقرؤها الاستراتيجيون بهذه القراءة، فلا يصح القول بانعزال الإمام الحسن، فهذا من ترويج الأقلام الأموية، وخطأ منا أن نجري على ما أجرَوه.

فما كان من الإمام الحسن (عليه السلام) هو تقاسم للسلطة. نعم، السلطة المركزية أعطيت لمعاوية بدرجات، وهذا بحث آخر، ولكن بقيت مساحة من السلطة للإمام الحسن، سواء في الوزارة المالية، أو بعض الوزارات، أو بعض المحافظات، لم تكن بيد معاوية، بل بيد الإمام الحسن. فهذا يسمى تقاسم السلطة، لا التغلغل. وعليه، يختلف دور الإمام الحسن والحسين مع نظام معاوية عن دور الإمام الرضا مع النظام العباسي، أو دور النبي يوسف مع النظام الفرعوني.

تنبيه: إن هذه الأمور إذا لم تنقح تظل على إبهامها وإجمالها، فيقع الخلط في البحوث، مما يعني ضرورة تنقيح الفروض الفقهية في موضوعات أبواب الفقه السياسي. فماذا عن تقاسم السلطة؟ هل هو جائز أم غير جائز؟ وكيف يكون؟ إن من يسميه تغلغلاً يفترض نظاماً مستفرداً بالقوة، أما في تقاسم السلطة فالأمر مختلف.

إن النبي (صلى الله عليه وآله) عندما شكل الدولة النبوية في المدينة، لم تكن سلطته في البداية مئة بالمئة، بل كانت سلطة تقاسمية؛ فالسلطة المركزية كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولكنه أعطى مساحة للقبائل المشركة، ومساحة لليهود، عبر أحلاف وأنواع من النظم الشبيهة بالكونفدرالية والفدرالية. فكانت هناك مساحة للقبائل والأعراب وغيرهم.

إن قراءة سيرة النبي (صلى الله عليه وآله)، وسيرة أمير المؤمنين والحسنين وبقية الأئمة عليهم السلام، بالاستعانة بالعلوم السياسية والاستراتيجية الحديثة أمر مؤثر، ولا بد للفقهاء أن يستعينوا بأهلها. ولماذا؟ لأنه كما استعان الفقهاء بالعلوم التخصصية في أبواب فقهية عديدة، كمسألة المسح في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة - ٦]، [10] حيث استعان علماء الإمامية بعلماء التشريح، وهذه الاستعانة ليس فيها نسف لفقاهة الفقيه، كما أن استعانة الفقيه باللغويين لا تنافي فقاهته، بل هو نوع من التفكير الجمعي المنظم.

وهذا أمر مهم، فكما أن الحقيقة اللغوية في علم الأصول يجب الرجوع فيها إلى علوم اللغة، والحقيقة الشرعية إلى الأدلة الشرعية، فكذلك الحقيقة التكوينية العلمية يجب الرجوع فيها إلى المتخصصين وأهل الخبرة.

والقاعدة هنا: أن قول أهل الخبرة حجة.

وعلى كل حال، ففي باب الفقه السياسي بأبوابه، والاجتماعي، والقضائي، والجنائي، وهلم جرا، وفي كل هذه الأبواب الاجتماعية الكثيرة، حتى الباب الأسري، من الضروري جداً مساهمة أهل التخصص أو الاستعانة بهم، كما في العلوم الأسرية والأحوال الشخصية. وليس القصد من ذلك تحوير الأدلة أو ليّ عنق دلالتها لتوافق قناعات عصرية، كلا، بل إن فهم الموضوع من خلال أهل التخصص أمر ملازم للاستنباط الصحيح. فيجب أن نفهم ما معنى الحضانة وما معنى ولاية الأب.

فمثلاً، المشهور بين الفقهاء أن حضانة الأم تنتهي عند سنتين أو سبع سنين، بينما ذهب الشيخ الصدوق[11] إلى امتدادها إلى البلوغ. وما ورد من تحديدها بسنتين،

والحق في المسألة ما ذهب إليه الصدوق[12] ، خلافا للمشهور، من أنَّ الحضانة تمتد إلى البلوغ في البنت والابن. وأما ما ورد من تحديدها بسنتين أو سبع، فبالدقة إذا قرأنا المسألة قراءة مستعينة بعلوم الأسرة، نجد أنَّ الأمر يدور حول تنازع حق حضانة الأم مع ولاية الأب؛ فعند عدم الوصول إلى معالجة تدبيرية منصفة بين الطرفين ومع امتناعهما، تصل النوبة إلى ترجيح أحد الحقين، فيُرجح حق الحضانة للأم إلى سنتين أو سبع، ثم تُرجح ولاية الأب. لا أنَّ أصل مدة السنتين أو السبع هي حدٌّ أصلي للحضانة. فلمَ لا تُعتمد مثل هذه القراءة المستنيرة بعلوم الاجتماع الإنساني في فهم موضوعات الأحكام؟

وقد سبق أن ذكرنا أمثلة كثيرة. ومثال آخر: حق المرأة في المقاربة مرة كل أربعة أشهر. إنَّ هذا الحق يُقرأ بحسب الأعراف والظروف، فقد يكون الشاب ذا شبق أو الكبير في السن كذلك، وقد يكون الرجل قوي البنية أو ضعيفاً لا حيلة له، فلا بد من إيجاد توازن بين الطرفين، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿…وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ…﴾[13] ، وقوله: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ…﴾[14] . وليس الأمر لطرف دون آخر، بل قد تكون المداعبة ونحوها من البدائل المنصوصة في الروايات. إذاً: ما الذي يترتب على الأربعة أشهر؟ إنَّ الذي يترتب هو أنه إذا عطّل الزوج هذا الحق للزوجة، فلها بعد انقضاء هذه المدة حق رفع الشكاية إلى القاضي، لا أنَّ حقها يسقط. والنكتة في فهم هذا التحديد مرتبطة بقرينة من علم اجتماع الأسرة.

وحاصل القول: إنَّ الاستعانة بالعلوم التخصصية في قراءة الموضوعات الكلية وتنظيرها من شأنه أن يغيّر وجه الاستنباط. كما أنَّ السيد الخوئي[15] (رحمه الله) قد استعان في باب الهلال بخبراء فلكيين لاستظهار مبنى فقهي، بل إنَّ كل الأعلام في باب الهلال، سواء من اختار مبنى السيد الخوئي أم غيره، يستعينون بالمعطيات الفلكية؛ لأنَّ الشهر بطبيعته تقويم فلكي، حتى الشهر الهلالي القمري، فهو مرتبط بضبط فلكي. ولا يعني ذلك تمحض الاعتماد على الفلك وإلغاء الحدود الشرعية، بل إنَّ هذه الحدود تبقى هي المهذِّبة والمشذِّبة للمسار.

وعليه: يتضح أنَّ دور أهل التخصص في كل الأبواب ضروري، كما هو دور اللغويين، فدورهم في تفسير الموضوع وتفسير الأدلة المرتبطة به ضروري. وإنَّ سبب تحميل الأمة والنخب والمسؤولين ما لا يطاق أحياناً هو عدم قراءة الأدلة قراءة خبروية تخصصية. فلو عُرضت منظومة الأدلة في الفقه السياسي والنشاط العسكري والأمني على خبير استراتيجي، حتى لو كان ذكاءً صناعياً، وسُئل: ما هي الاستراتيجية التي تفهمها من هذه القواعد التي يشرّعها الشارع؟

إنَّ معاني الألفاظ في الموضوعات الكلية للأبواب الفقهية، سواء في الفقه السياسي أو غيره، ليست في تفاصيلها العلمية الدقيقة من شأن علماء اللغة وحدهم، بل هي من شؤون أصحاب تخصص ذلك العلم؛ فالطب للطبيب، والمال للمالي، والعسكر للعسكري، والاجتماع للاجتماعي، والبيئة للبيئي، وهلم جرا. وذلك لأنَّ أبواب الفقه موضوعاتها شاملة لكل البيئات المحيطة بنا، وهذا يوجب الاستعانة فيها بالمتخصصين.

حينئذٍ: يتضح الوجه الذي بنى عليه الأعلام حملهم لطائفة من الروايات على التدبير السياسي. ومثال ذلك ما يرد في مفاد معين فيحمله الأعلام على باب التزاحم، فهل باب التزاحم كغيره؟ لا. وهل باب الترجيح كغيره؟ لا. وهل باب التعارض كغيره؟ لا. فلا يمكن إذن تعميم الأدلة في طائفة معينة إذا كانت لدينا طوائف أخرى، بل لا بد من الجمع بين الطوائف، لا سيما بالاستعانة بالمتخصصين والنخب.

**

إعادة قراءة مفهوم التقية وأنواعها

ومن جملة ما يدخل في هذا السياق** قضية باب التقية. وقد أورد صاحب الوسائل[16] أبواب التقية في سياق أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونعم ما فعل؛ إذ إنَّ الأمر بالمعروف باب اجتماعي وسياسي بامتياز، وليس باباً فردياً محضاً أو أسرياً فقط، بل هو أوسع من الأسرة، يشمل الفرد والجماعة.

إذاً: ماذا يفهم صاحب الوسائل من روايات التقية؟ يفهم أنَّها مرتبطة بالفقه الاجتماعي والسياسي. وليس هو وحده، بل كذلك فعله أصحاب الكتب الأربعة[17] وغيرهم. ومع أنَّ لدينا تقية في أبواب العبادات كالوضوء، إلا أنَّ عمدة قواعد باب التقية ورواياته مرتبطة بالفقه الاجتماعي والسياسي. وهذه الروايات الناهية عن القيام لم تبتعد عن كونها صادرة في سياق التقية.

وكأنَّ التقية مشترك لفظي، فإذا كِيلت أدلة وروايات التقية المرتبطة بالفقه الاجتماعي والسياسي بكيل واحد، وقُيّمت بمقياس واحد، تسبب ذلك في أزمة استنباطية وفكرية. فهل التقية سنخ ماهوي واحد؟ أم ماهيتان؟ أم ثلاث أو أربع أو أكثر؟ سنلاحظ أنَّ التقية ليست ماهية واحدة، ولا اثنتين، ولا ثلاثاً، بل قد تكون خمسة أنواع أو سبعة أو أكثر.

ومن ثم يجرنا البحث انجراراً إلى ضرورة فهرسة أنواع التقية، وإن كان دورنا في هذا البحث فهرسياً لا تفصيلياً، لكنها فهرسة مهمة لتبيين أسس البحث. فكم نوعاً من التقية لدينا؟ وهل تختلف أسناخها؟ ولأجل تقريب المطلب أختم بهذا السؤال: لاحظ لماذا اختلفت سيرة التقية عند الإمام الصادق (عليه السلام) عنها عند الإمام الكاظم (عليه السلام)؟ وبمعنى آخر، لماذا اختلفت طريقة التقية في بدايات عهد الإمام الباقر (عليه السلام) عن نهاياته؟ أو بين الباقر والصادق (عليهما السلام)؟ أو بين زين العابدين والباقر (عليهما السلام)؟ أو حتى بين الإمام الرضا (عليه السلام) والإمام الباقر (عليه السلام)؟ فالإمام الرضا أعلن صراحةً وبيّن أحقية أهل البيت (عليهم السلام) بالإمامة والحكم جهاراً، وهو ما لم يكن عليه الإمام الصادق (عليه السلام)، فهل في هذا تناقض؟ حاشا وكلا. ثم إنَّ الإمام الجواد (عليه السلام) سار في بيانه لإمامة أهل البيت وأحقيتهم على سيرة أبيه الإمام الرضا (عليه السلام)، بينما اختلف وضع الإمام الهادي والإمام الحسن العسكري (عليهما السلام) عنهما. فكيف نفهم اختلاف هذه الحالات والبيئات؟ هذا بحث ضروري لا بد من الالتفات إليه لفهم أنواع التقية وقواعدها وضوابطها؛ لكي لا يقع الخلط في البين.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.

تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط فيديو المحاضرة:

https://youtu.be/cChPRb29vpA?si=uSOZFvg47JrojMVq

 


[1] هو السيد أبو القاسم بن علي أكبر الموسوي الخوئي (ت ١٤١٣هـ)، مرجع ديني شيعي، ومن أبرز فقهاء القرن العشرين.
[2] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار.. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج21، ص293. والنص بلفظه في مصادر العامة كصحيح البخاري ومسلم
[3] هو السيد روح الله بن مصطفى الموسوي الخميني (ت ١٤٠٩هـ)، قائد الثورة الإسلامية في إيران ومؤسس الجمهورية الإسلامية.
[4] هو السيد حسين بن علي الطباطبائي البروجردي (ت ١٣٨٠هـ)، من كبار مراجع الشيعة في القرن الرابع عشر الهجري.
[5] هو السيد عبد الهادي بن إسماعيل الحسيني الشيرازي (ت ١٣٨٢هـ)، من مراجع التقليد في النجف الأشرف.
[6] هو السيد محسن بن مهدي الطباطبائي الحكيم (ت ١٣٩٠هـ)، من أبرز مراجع الشيعة في عصره.
[7] هو الميرزا محمد حسين بن عبد الرحيم الغروي النائيني (ت ١٣٥٥هـ)، من أبرز فقهاء الأصول في القرن الرابع عشر الهجري.
[8] النائيني، محمد حسين. تنبيه الأمة وتنزيه الملة.. تحقيق سيد جواد الورعي، ط1، دفتر تبليغات إسلامي، 1382 هـ.ش
[9] هو الشيخ محمد كاظم بن حسين الخراساني (ت ١٣٢٩هـ)، المعروف بالآخوند، صاحب كتاب كفاية الأصول. وأحد قادة الثورة الدستورية في إيران
[10] يشير إلى الخلاف الفقهي حول قراءة كلمة (أرجلَكم) بالنصب عطفاً على (وجوهَكم) فتكون مغسولة، أو بالجر عطفاً على (رؤوسِكم) فتكون ممسوحة. وقد استعان بعض الفقهاء بعلم التشريح لفهم طبيعة القدم وما يناسبها من طهارة، وإن كان المدار في الاستدلال على الظهور اللغوي والروايات الشريفة.
[11] هو الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، المعروف بالشيخ الصدوق (ت ٣٨١هـ)، من أبرز محدثي وفقهاء الشيعة.
[12] هو الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي (ت 381هـ)، من كبار المحدثين والفقهاء الإمامية، صاحب كتاب “من لا يحضره الفقيه”.
[13] النساء/السورة4، الآية19.
[14] الطلاق/السورة65، الآية7.
[15] هو السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت 1413هـ)، مرجع ديني شيعي ومن كبار فقهاء العصر الحديث.
[16] هو الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104هـ)، صاحب كتاب “تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة”.
[17] هي: الكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، والتهذيب والاستبصار للطوسي.