الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/11/25

بسم الله الرحمن الرحيم

التمييز بين الحكم التدبيري السياسي والحكم التشريعي الثابت في الفقه الشيعي

#درس_العقائد_1447هـ

عنوان الدرس : الفوارق بين الحكم السياسي والتشريعي الثابت

تأريخ الدرس : الأربعاء 25 ذي القعدة 1447هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

01:00 الحكم التدبيري والتشريعي الثابت في مفاد روايات النهي عن الخروج قبل القائم (عج)

05:00 الفقه السياسي والعسكري في مبحث المكاسب المحرمة

07:17 الروايات المتواترة وتأويل مشهور الامامية لها بروايات أخرى

10:00 الأعتماد على بعض الآيات أوبعض المتواتر زيغ وفتنة

11:50 الخوئي :والحكم التدبيري السياسي عند أهل البيت (ع) في الروايات

13:03 التحريم في الحكم التشريعي الثابت والتدبيري المؤقت عند أهل البيت (ع)

14:40 الموازنة بين القواعد في الفقه السياسي عند الاعلام ليس حكماً تشريعيا ثابتاً

16:50 حرمة بيع السلاح على العدو وكل آليات القوة في ادارة الدولة

19:50 التمييز بين الحكم التشريعي الثابت والحكم التدبيري المتغير

22:00 الاحكام التشريعية والتدبيرية والثابت والمتغير في الدين

24:00 ضوابط وفروق بين الحكم التشريعي الثابت والتدبير المتغير

26:00 روايات رايات الطاغوت والتدبير السياسي حكم متغير غير ثابت

28:16 الخميني : وضوابط الزمان والمكان في تغيير الحكم

30:25 التدبير المتغير لأميرالمؤمنين(ع)السياسي مع الخوارج لحلات عديدة

33:30 الثانوي والاولي في حكم الشرعي في التدبير السياسي على اربعة اقسام

35:42 الحكم الثابت والمتغير في الشريعة والغفلات في حكم التدبيري (التقية)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

@alsanaddroos 🔹

 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وأشرف السفراء المبعوثين، محمد الطاهر الأمين، وعلى آله ساسة العباد، وحكام البلاد، وأمناء الله على وحيه، وعجل فرجهم.

أصل المبحث الذي كنا فيه هو قاعدة ذكرها السيد الخوئي[1] (رحمه الله) في كتاب الجهاد من “منهاج الصالحين”[2] ، ومفادها أنَّ الروايات الناهية عن النهوض والخروج قبل قيام القائم (عجل الله فرجه) ليست حكماً تشريعياً ثابتاً، وإنما هي حكم تدبيري سياسي صادر من الأئمة (عليهم السلام). وعليه، يجب التفريق بين الحكم التدبيري السياسي، أو ما يعبر عنه بالحكم الولائي التنفيذي، وبين الحكم التشريعي الثابت.

**

رأي السيد الخوئي في روايات النهي عن الخروج

وخلاصة كلام السيد الخوئي:** أنَّ ما ورد في مثل رواية «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ»[3] ، أو ما جاء بمضمون أنَّ كل خروج لا يكون إلا وبالاً، ونحو هذه التعبيرات، كل هذه البيانات الصادرة منهم (صلوات الله عليهم) ليست أحكاماً تشريعية ثابتة إطلاقية عمومية، وإنما هي أحكام تدبيرية.

وهذا المبحث شبيه بكلام السيد الخميني[4] (رحمه الله) في “المكاسب المحرمة”[5] ، فهو مبحث مملوء بالفقه الاستراتيجي السياسي، ويتّسم بالصعوبة والغموض. وقد التقينا بالعديد من طبقات الأعلام، بدءاً من تلاميذ صاحب الكفاية[6] ، مروراً بتلاميذ الميرزا النائيني[7] والعراقي والكمباني، وصولاً إلى تلاميذ السيد البروجردي والشيخ عبد الكريم الحائري[8] ، وجمعنا من كلماتهم ما يتعلق ببحث “ملكية الدولة”، حتى تعجب أحدهم من اجتماع هذه البحوث.

والمقصود: أنَّ عمدة هذه المباحث المتعلقة بملكية الدولة موجودة في بحث “المكاسب المحرمة”. فمع أنَّ عنوان البحث هو المكاسب المحرمة، فإنَّ التدقيق فيه يكشف عن بنيات مهمة في الفقه السياسي والعسكري والأمني والمالي. فالسياسة المالية لأهل البيت (عليهم السلام) وملكية الدولة هي من جوهر هذا البحث. وعليه، يجب على المتنبه ألا ينخدع بالتدوين التقليدي القديم أو بالعنوان الظاهر، إذ قد يكون لبُّ المسألة أعمق وأوسع منه بكثير، فيشتمل على نظام سياسي ومالي واقتصادي وأمني وعسكري. وهي مسألة ترتكز على روايات متواترة في واقعها، مع أنَّ المشهور لم يعمل بها.

نعم، يلتفت إلى أنَّ أكثر علماء الإمامية عبر القرون المتعددة لم يسقطوا هذه الروايات المتواترة، بل فسروها على ضوء قرينة روايات متواترة أخرى. فهذه الروايات العددية المتواترة، لو انساق إليها الباحث أو انخدع بظاهرها، لضلّ عن جادة الصواب. ولكن مشهور طبقات علماء الإمامية لم ينخدعوا بالفهم السطحي لها. وليس الشأن في الرواية أنها تخدع، حاشاها، بل فهم الإنسان القاصر للروايات هو الذي يكون خادعاً.

قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: 7]، فهل ما تشابه من القرآن هو زيغ في نفسه؟ حاشا للقرآن. إنما تأتي الفتنة من الفهم القاصر للآيات، فهو الذي يسبب الزيغ. ففهم الإنسان للأدلة قد يكون خادعاً، ولا تقع المسؤولية على عاتق الآيات والروايات. وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]. فالتشابه في الحقيقة ليس صفة للآية، بل هو صفة لفهم الإنسان لها، وإلا فالقرآن كله ﴿كِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [يوسف: 1].

فائدة: إنَّ مجرد كون الروايات متواترة لا يعني وجوب الأخذ بظاهرها الساذج. فإذا تتبعت الأبواب الفقهية، لوجدت روايات متواترة عديدة لم ينخدع الفقهاء بفهمها الظاهري، بل جمعوا بينها وبين دلالات طوائف أخرى من الروايات.

والمحصل: أنَّ السيد الخوئي (رحمه الله) يحمل هذه الروايات على أنها تدبير سياسي ولائي، وليست حكماً تشريعياً ثابتاً. وهنا يكمن بيت القصيد في هذا البحث، وهو كيفية التمييز بين التدابير السياسية الصادرة عن الأئمة (عليهم السلام) وبين الأحكام التشريعية الثابتة؛ فإنَّ الخلط بين هذين الصنفين يوقع الإنسان في مزالق خطيرة.

وقد ذهبت بعض مذاهب العامة إلى أنَّ بعض أحكام رسول الله (صلى الله عليه وآله) هي أحكام تشريعية ثابتة، بينما نبّه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على أنها لم تكن كذلك، بل كانت حكماً سياسياً تدبيرياً منه (صلى الله عليه وآله)، فجرى الخلط برفع الحكم من مقامه السياسي إلى مقام التشريع الثابت.

ومثال ذلك: أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حرم أكل الخيل أو ذبحها في ظرف معين. فحملته العامة على أنه تحريم تشريعي ثابت، بينما نُبِّهوا على أنَّ هذا ليس تحريماً تشريعياً، بل هو تدبير لمقصد ومصلحة معينة.

والسؤال هنا: ما هي ضابطة الحكم السياسي التدبيري؟ قد يقال إنها المصلحة، ولكن هذا عنوان فضفاض. وعندما يقال إنَّ الحكم تدبيري سياسي، فما هو ضابطه الدقيق؟ لقد تعرض السيد الخميني (رحمه الله) لهذا المبحث في سياق النصوص الواردة في حرمة بيع السلاح على الأعداء، وهي نصوص متفق على الفتوى بها، وقد أطال الأعلام فيها البحث وأتوا بقواعد في الفقه السياسي بالغة الأهمية تفيد في فقه النظام السياسي.

لذلك قال السيد الخميني: إنَّ هذه النصوص الواردة في حرمة بيع السلاح ليست تشريعاً ثابتاً كما تخيل ذلك المشهور. بل هي في قناعته حكم تدبيري سياسي مرهون بظروف وقيود بيئية معينة، كبيئة سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو اجتماعية أو زمنية أو جغرافية معينة.

وهذا أحد الفوارق الجوهرية بين الحكم السياسي والتشريع الثابت؛ فالحكم السياسي مقيد بظروفه. وهذا هو الذي عبر عنه السيد الخوئي في كتاب الجهاد في تفسيره لروايات “كل راية”. فكيف نجمع بين هذا وبين قاعدة حرمة بيع السلاح؟ إنَّ مناط حرمة بيع السلاح هو تقوية العدو، وتشمل القوة العسكرية والأمنية والمالية، سواء كانت حرباً ساخنة أم باردة أم ناعمة. فيحرم إعطاء القوة لغيرك.

ويعتبر نزع السلاح من مكون وطني مصداقاً لتقوية جهة أخرى قد لا تكون ملائكية، وهذه المنازلة الدستورية قائمة في مواقع عدة، ويجب على النخب وعيها بعيداً عن المجاملات، فإنه مصير. إنَّ بيع السلاح في زماننا له مصاديق واسعة، فإعطاء القدرات السيبرانية وشركات الاتصالات والإنترنت لدول أجنبية هو بيع للسلاح، لأنها قوة هادمة تدار بها الحروب العسكرية اليوم. فكيف يُقدَّم شأن البلد ومصيره للغير، ليصبح مُسبىً منتهك السيادة؟ وكأن المطلوب أن يكون أبناء البلد مجبوبين أو مخصيين، مسلوبي الإرادة والقدرة.

وهذا ينسحب على بيع النفط، فهو نحو من بيع السلاح. فلماذا يُباع النفط بالدولار حصراً؟ لمَ لا يباع بالين أو بعملة أخرى؟ الأرض أرضك والثروة ثروتك، فمن الذي يلزمك؟ قد يقال إننا نقع في ورطة لسنة أو سنتين، فليكن، لكن بعد ذلك تمشي الأمور بسلام. إننا نقرأ قواعد ونتدين بأحكام، ولكن لا تطبيق لها، والسبب أننا نُخصى سياسياً واقتصادياً.

فالحاصل: أنَّ جملة من الأحكام والنصوص التي أثارها الأعلام، يقرؤها محققون كالسيد الخوئي على أنها حكم سياسي تدبيري وليست تشريعاً ثابتاً.

إذاً، كيف نميز بين الحكم التشريعي الثابت والحكم السياسي التدبيري؟ وهذا أمر في غاية الأهمية والخطورة. يقول هذان العلمان، السيد الخوئي والسيد الخميني، إنَّ الحكم السياسي التدبيري هو حكم مقيد ببيئة وبظرف وبموضوع معين. فنصوصه قد تكون متواترة، لكنها ليست حكماً تشريعياً ثابتاً. ويجب الالتفات إلى هذا الفارق الجوهري، فإنَّ له أثراً كبيراً في كيفية تلقي الحكم.

وهذا البحث جد مهم، لا سيما في عالم الفقه السياسي. فإنَّ من أعظم المعضلات والتدقيقات العلمية التي تواجه المجتهد في باب الاستنباط السياسي، هو تمييز النصوص والأحكام الواردة عن الأئمة (عليهم السلام). فهناك أحكام تشريعية ثابتة كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]، وقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]. هذه أحكام ثابتة لا تُرفع اليد عنها إلا في الحالات الاستثنائية القصوى، وهو بحث آخر. فما هي الأحكام التشريعية الثابتة؟ وما هي الأحكام التدبيرية؟ هذه من الصناعة الفقهية التي يجب أن يؤصل لها، وقد بدأ علماء الإمامية منذ قرن أو قرنين في بلورة هذا المنهج.

إنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ربما حرم نكاح المتعة في بعض الغزوات أو المناطق، لكنه كان تحريماً مؤقتاً زماناً وجغرافيا، ثم أمر بها هو نفسه. فأخذت مذاهب العامة هذا النهي على أنه تشريع ثابت ناسخ لما قبله، وهذا اشتباه.

اشتباه؛ فأولاً ليس هذا تحريماً ثابتاً ناسخاً.

**

أمثلة تطبيقية: المتعة والنشاط السياسي

فما هو الفرق بين الحكم الناسخ والتشريع الثابت؟** إن الحرمة التدبيرية المؤقتة إذا لم تُميّز عن غيرها أدى ذلك إلى الاشتباه، فالإمام الصادق (عليه السلام) حرّم على بعض خواص أصحابه ممارسة المتعة في المدينة المنورة لظروف معينة[9] ، وهذا ليس تحريماً تشريعياً ثابتاً، بل هو تحريم سياسي تدبيري ولائي. وهذا الجانب يختلف.

والسؤال المركزي هنا: كيف نميّز بين الأحكام التي صدرت عن أهل البيت عليهم السلام؟ يذهب السيد الخوئي[10] ، وكذلك السيد الخميني[11] ، وغيرهما من الأعلام، كما قرأنا كلام السيد البروجردي[12] ، وكلام السيد محسن الحكيم[13] ، وكلام الميرزا عبد الهادي الشيرازي[14] ، والشيخ لطف الله الصافي[15] ، إلى أن هذه الروايات الناهية عن النشاط السياسي، أو عن الحراك السياسي أو الأمني أو العسكري، إنما هي من باب التدبير السياسي.

فهي ليست حكماً تشريعياً ثابتاً، بل هي ضابطة تُميّز بين الحركات السياسية الانتهازية التي تركب الموجة وتستغل العواطف الشعبية للمؤمنين، وتحذّر من الانسياق معها. فمآل الأمر إذن إلى وجود تفصيل وتقييد، ومقتضى هذا التقييد أن الحكم لا يكون تشريعاً ثابتاً، بل يكون متغيراً.

وهذه هي الجدلية المعروفة ببحث “الثابت والمتغير في الشريعة”، وهو بحث معقد.

ومن خصائص الحكم السياسي التي بيّناها أنه حكم ليس ثابتاً، بل هو حكم متغير بحسب الموضوع، وبحسب القيود، وبحسب الظروف، وبحسب البيئة. وليس معنى ذلك أن تشريعات الدين غير ثابتة، بل هي ثابتة في أصلها، وإنما انطباقها هو المتغير. والبصير بالسياسة هو الذي ينتبه ويتفطن إلى التغيرات في الانطباق، زماناً وجغرافيةً.

وقد اشتهر عن السيد الخميني قوله إن الحكم تابع للزمان والمكان، وقد فسّر الشيخ جوادي الآملي[16] هذا القول بتفسير رفضه السيد الخميني نفسه قائلاً: ليس هذا ما أريده. كما فسّره السيد علي الخامنئي[17] في صلاة الجمعة بتفسير، فقال السيد الخميني: ما فهمتم ما أقول. وكثير من تلاميذه لم يأتوا بمراده.

**

تفسير السيد الخميني لمقولة الزمان والمكان

فأين يكمن تفسيره؟** إن التفسير الذي أراده قد ذكره بنفسه في كتابه المكاسب المحرمة، وذلك في مبحثي بيع الخمر على من يصنعه خمراً، وفي بيع السلاح لأعداء الدين[18] . فالسيد الخميني لا يريد حصر الأمر في باب التزاحم، ولا في باب الحكم الثانوي. فمثلاً، فسّر الشيخ جوادي الآملي كلام السيد الخميني بأن هذا الحكم السياسي من باب الحكم الثانوي أو من باب التزاحم، فردّ عليه السيد الخميني بقوله: أصلاً ما فهمتم ما أريد أن أقول. إن الذي ذكره السيد الخميني في المكاسب المحرمة، وهو مدوّن بقلمه، هو أن الموضوع نفسه متغير، وليس أن المسألة تدور حول مقصد المصلحة والتزاحم ونحو ذلك. فالموضوعات المقيّدة طبيعتها زئبقية، أي أنها مرنة، ونسبة التغير فيها كبيرة جداً.

إن جدلية الثابت والمتغير في الشريعة تكون في باب الحكم السياسي على أشدها وأعظمها.

والشاهد على ذلك: كيفية تعامل أمير المؤمنين (عليه السلام) مع الوقائع، لا على نحو القياس، بل على سبيل الاقتداء. فأمير المؤمنين (عليه السلام) من جهة يستعين بالخوارج في حربي الجمل وصفين، ومن جهة أخرى يحاربهم في النهروان؛ فهل هذا إلا لاختلاف الموضوع؟

بل إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم ينزع سلاح الخوارج، وهم حركة معارضة مسلحة، منذ البداية، ومع ذلك قال ما معناه: إن لهم حقوق المواطنة ما لم يبدأوا هم بالنزاع المسلح، فإذا بدأوا به حاربناهم.

فإذاً، بيئة النهروان تختلف عن بيئة الجمل، وعن بيئة صفين، وعن بيئة ما بعد شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولذلك قال (عليه السلام) فيما بعد: «لَا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ»[19] . فالسياسي الكيّس الفطن الحذر هو الذي يلتفت إلى طبيعة المتغيرات، وكيفية انطباق القواعد الكلية عليها.

وهذا هو معنى التدبير والمرونة الذي مرّ بيانه؛ فليست المرونة تساهلاً أو تسامحاً في التمسك بالضوابط الشرعية، بل تعني أن انطباق موضوعاتها ذو طبيعة متغيرة، فلا يكون انطباق الموضوع ثابتاً، فالموضوع نفسه زئبقي، يوجد وينعدم، وينعدم ويوجد، وهذا في حكم معين، فكيف بمجموعة أحكام؟ فكأننا أمام منظومة من الأحكام تتسم بحركية عالية في انطباق موضوعاتها.

والكيّس هو الذي يلاحظ مجموع حالة المرونة في الموضوعات، في انطباقها وزوالها، وترابطها. ومن هنا يتضح أن تفسير الشيخ جوادي الآملي أو غيره من تلاميذ السيد الخميني لكلامه لم يكن دقيقاً؛ فالتزاحم أحد الزوايا، والحكم الثانوي زاوية أخرى، ولكن الزاوية الأهم هي طبيعة وجود الموضوع نفسه، وهو ما بيّنه السيد الخميني في بحثه المذكور، وذكره أيضاً في باب الجهاد.

ويمكن تفصيل هذه الأبعاد كالتالي: - أولاً: تغير الموضوع نفسه، وهو الأصل. - ثانياً: التزاحم. - ثالثاً: الحكم الثانوي. - رابعاً: أقسام الثانوية، وقد ذكرنا في كتابنا الشعائر الحسينية أنها أربعة أقسام، وهي مستقاة من كلمات الأعلام وإن لم يبلوروها في مكان واحد. وهذه الأقسام هي: ثانوية في الحكم، وثانوية في الموضوع، وأولية في الحكم مع ثانوية في الموضوع، وأولية في الموضوع مع ثانوية في الحكم. ولكل قسم من هذه الأقسام الأربعة ضوابطه المختلفة.

والحاصل: أن عالم السياسة هو فن التعامل مع المتغير، والإلمام بالبيئات المختلفة. وجملة من النصوص الواردة في الفقه السياسي، والنشاط السياسي والعسكري، وإقامة الدولة، تندرج في باب المتغير والبيئة السياسية، وهي تختلف عن الأحكام التشريعية الثابتة. ولا يمكن للفقيه أو المجتهد أن يتعامل مع النصوص الواردة في الحكم السياسي كما يتعامل مع الحكم التشريعي الثابت. وهذه بحوث إن لم يراعها الفقيه أو المفسر أو المتكلم من علماء العلوم الدينية، فلن يخرج بنتيجة سديدة.

هذا محصل كلام السيد الخوئي في بحثه حول روايات “كل راية قبل قيام القائم”.

ومن هنا يبرز التساؤل حول بحوث التقية: هل التقية حكم تشريعي ثابت، أم حكم تدبيري؟ إن قراءة أحكام التقية دون هذا التمييز تسبب كثيراً من اللغط، كما يذكر هؤلاء الأعلام. وقد ذكر السيد محسن الحكيم هذا المطلب في فتوى نقلناها مراراً، وكذلك ذكره فقهاء النجف في فتاواهم المنشورة في مجلة الأضواء.

والخلاصة: أن الخلط بين هذين النوعين من الأحكام هو مسخٌ للحقيقة؛ فإذا جعلت الحكم التشريعي الثابت تدبيرياً وقع الخلط، وإذا جعلت الحكم التدبيري حكماً تشريعياً ثابتاً وقع المسخ وقلبٌ لهويته.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.


[1] هو السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت 1413هـ)، من أبرز مراجع الشيعة في القرن العشرين، وصاحب التصانيف الكثيرة في الفقه والأصول والتفسير.
[2] يراجع: الخوئي، أبو القاسم. منهاج الصالحين.. ط28، مدينة العلم، 1410 هـ، ج1، ص365، المسألة 1، حيث يناقش شروط الجهاد وما يرتبط به من حركات النهوض
[3] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج8، ص295، ح452
[4] هو السيد روح الله الموسوي الخميني (ت 1409هـ)، قائد الثورة الإسلامية في إيران ومؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
[5] كتاب المكاسب المحرمة. للشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281هـ)، وللسيد الخميني تعليقات وشروح عليه، ضمنها آراءه في الفقه السياسي والاقتصادي
[6] المقصود هو الآخوند محمد كاظم الخراساني (ت 1329هـ)، صاحب كتاب كفاية الأصول.
[7] هو الميرزا محمد حسين الغروي النائيني (ت 1355هـ)، من أبرز فقهاء الأصول في القرن الرابع عشر الهجري.
[8] هو الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (ت 1355هـ)، مؤسس الحوزة العلمية في قم.
[9] يُراجع في هذا الشأن الروايات التي تنهى بعض الأصحاب عن المتعة في المدينة صوناً لهم من أذى السلطة وأعينها، لا على نحو التحريم المطلق. الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407هـ، ج5، ص453، باب “أن مؤمنين ومؤمنات يحرم عليهم المتعة”
[10] هو السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت 1413هـ)، من أبرز مراجع الشيعة في القرن العشرين.
[11] هو السيد روح الله الموسوي الخميني (ت 1409هـ)، قائد الثورة الإسلامية في إيران.
[12] هو السيد حسين الطباطبائي البروجردي (ت 1380هـ)، المرجع الأعلى للشيعة في عصره.
[13] هو السيد محسن الطباطبائي الحكيم (ت 1390هـ)، من كبار مراجع النجف الأشرف.
[14] هو الميرزا عبد الهادي الحسيني الشيرازي (ت 1382هـ)، من مراجع النجف الأشرف.
[15] هو الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني (ت 1443هـ)، من مراجع قم المقدسة.
[16] هو الشيخ عبد الله جوادي الآملي (و 1351هـ)، من أبرز الفلاسفة والمفسرين المعاصرين.
[17] هو السيد علي الحسيني الخامنئي (و 1358هـ)، قائد الثورة الإسلامية في إيران.
[18] يُراجع تفصيل هذا المبحث في: الخميني، روح الله. المكاسب المحرمة.. تحقيق مجتبى الطهراني، ط1، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1415هـ، ج1، ص159-180
[19] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة.. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1414هـ، ص95، الخطبة 61