الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/11/24

بسم الله الرحمن الرحيم

التوازن والنسبية في إدارة الأئمة في المواقف السياسية

الثلاثاء (24) ذي القعدة 1447 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

01:00 مرونة أو تناقض في مواقف أمير المؤمنين(ع) مع الخوارج كجماعة مسلحة

03:20 مواقف سيد الشهداء السياسية والعسكرية والاجتماعية عشرين عاماً

04:04 عجز الفقهاء عن تفسير مواقف سيد الشهداء في عاشوراء

07:42 عجز الخوارج عن تفسير إدارة أمير المؤمنين السياسية والامنية

09:00 شجاعة وإدارة أمير المؤمنين في معركة صفين

09:01 الإدارة الأمنية العسكرية لأمير المؤمنين في فتح خيبر

12:00 الإدارة الأمنية العسكرية لأمير المؤمنين في معركة ذات السلاسل

12:01 الهدف وراء المعارك كالأحزاب وذات السلاسل اغتيال سيد الرسل وأمير المؤمنين

17:00 تفوق القدرة الادارية لأمير المؤمنين البشرية على الجميع

17:01 عماد الحرب تخطيط وإدارة خطيرة وخدعة

23:21 تعدد أدوار كل إمام المعلنة والمخفية

24:10 هدف السقيفة طمس الدعوة النبوية لا مجرد غصب الخلافة

25:00 الخلط بين مرونة التدبير السياسي والحكم التشريعي الثابت

29:45 مرونة الإدارة السياسية لأمير المؤمنين(ع) مع الخوارج كجماعة مسلحة

33:00 التوازن في الإدارة السياسية وأعظم المنكر في الحقل السياسي عند الخوارج

35:00 الادارة الاستراتيجية والتدبير والإمامة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

🌐 دروس المرجع الديني سماحة الشيخ محمّد السند دام ظلّه

الفقه السياسي والتدبير الإداري في سيرة أهل البيت

استعرضنا مواقف من سيرة أمير المؤمنين، وسيرة الإمام الحسن، وسيرة الإمام الحسين عليهم السلام؛ وهي مواقف سياسية وعسكرية وتدبيرية، ومناط البحث هنا هو فقه هذه المواقف وفهمها.

إشكالية فهم مواقف الأئمة

وقد يُطرح تساؤل عن محور البحث في الأيام الماضية، والجواب أنَّ المحور هو هذا المطلب بعينه؛ فبيت القصيد أنَّ مواقف الأئمة عليهم السلام، بدءاً بأمير المؤمنين والإمام الحسن والإمام الحسين، فضلاً عن سائر الأئمة، كانت محل اعتراض من معاصريهم، حتى من الخوارج، فضلاً عن الطرف الآخر أو حتى عن عموم المحبين والموالين.

وكذلك كانت مواقف الإمام الحسين (عليه السلام) محل اعتراض، إلا أنَّ تركيزنا لن يكون على الاعتراض بحد ذاته، بل على أمر آخر هو محور البحث. إنَّ هذه المواقف السياسية لسيد الشهداء (عليه السلام) لا تقل خطورةً وعظمةً عن يوم عاشوراء، وفيها ملاحظات مهمة في البعد المعرفي للفقه السياسي والاجتماعي والعسكري.

ولكن البحوث كلّها تركّز على يوم عاشوراء، وأعظِم بيوم عاشوراء، فلا كلام في عظمته. بيد أنَّ يوم عاشوراء لا يمكن فهمه إلا بالنظر إلى العشرين سنة التي سبقت، والتي كان للإمام الحسين (عليه السلام) فيها مواقف سياسية وعسكرية وتدبيرات ومناورات سياسية. فكيف يمكن فهم عاشوراء في بعدها الاجتماعي بمعزل عن ذلك؟

وهذا أمر نقله صاحب الجواهر[1] وكثير من الفقهاء الكبار، إذ يقولون: إنَّ موقف سيد الشهداء في عاشوراء لا يمكن لفقيه أن يدّعي القدرة على تفسيره بكل أبعاده. ونفس هؤلاء الفقهاء في حيرة وبحث مستمر في التفسير الفقهي لمواقف سيد الشهداء في ملحمة كربلاء، سواء في يوم عاشوراء نفسه أم في الأحداث التي سبقته.

فقد يُطرح التساؤل: هل كانت حركته من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أم من باب الجهاد؟ أم من باب محاربة البغاة؟ أم من باب الدفاع عن النفس؟ وذلك لأنَّ سيد الشهداء (عليه السلام) يستدل في بياناته وخطبه بعدة قواعد. فمواقفه، كتغيير وجهته من اليمن إلى العراق في ذي الحجة أو ذي القعدة، كيف يمكن تخريجها فقهياً على ضوء الفقه المدوّن عندنا؟

وهم يعترفون بأنَّ جملة من مواقف سيد الشهداء في التدبير السياسي والعسكري والتنظيمي والأمني، لا يزال ما دُوِّن من الفقه قاصراً عن تفسيرها، وهذا كلام الكبار الذين نقلنا عنهم بالمصدر في بحوثنا عن المقاتل في العامين الماضيين.

ومن باب المثال: الخوارج، الذين كانوا ثوريين متطرفين، قد ألجأوا أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى التحكيم، ثم لما أدركوا فشله، اعترضوا عليه قائلين: لماذا استجبت لنا؟ لقد كانت استجابته مناورة فقهية وسياسية وتدبيرية وإدارية، ولكنهم لبلاهتهم وعدم وعيهم وقلة إدراكهم لم يفقهوا ذلك.

العبقرية الإدارية لأمير المؤمنين

وفي سياق فهم مواقفه الأخرى في صفين، أذكر ما كان ينقله أستاذنا المدرس محمد علي الأفغاني[2] (رحمه الله) في درس المطول، وقد كان يكرر هذه الواقعة مراراً، ورغم أنني لم أراجع مصادرها شخصياً، إلا أنَّ ناقلها عالم ثقة. يروي أنه قبل أن يلتحم الجيشان في صفين، وبعد أن بدأ جيش معاوية بالقتال، أوقف أمير المؤمنين (عليه السلام) جيشه وذهب بمفرده واخترق جيش معاوية بأسره، فزحزحه من طرف إلى آخر حتى تقهقر.

فكيف استطاع ذلك؟ إنَّ هذا يذكّر بما جرى في خيبر، حيث إنَّ التدبير العسكري والإداري والتنظيمي عند أمير المؤمنين (عليه السلام) يبعث على الدهشة. فليست القصة قصة شجاعة فحسب، بل هي قصة إدارة. لقد فشل أبو بكر في فتح خيبر، وفشل عمر، ورجعا يجبّنان الناس والناس يجبّنونهما. وكان جيش رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم قد اتخذ حيطة أمنية، فابتعد عن قلعة خيبر مسافة خمسة كيلومترات لشدة الغوائل العسكرية والأمنية لليهود وخبرتهم الحربية.

لقد كان الأمر صعباً من الناحية الإدارية والتنظيمية والأمنية، ولكن كيف كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) هذا الحس العجيب في الأمن العسكري؟ إنَّه حس أمني إداري تنظيمي عسكري، وليس مجرد شجاعة. لقد افتقر الآخرون إلى هذه الإدارة الأمنية والعسكرية والإعلامية، بينما تميّز أمير المؤمنين بالذكاء الإداري.

ومثال آخر يتجلى في وقعة ذات السلاسل، وأنا أتعمد ذكرها لأننا نريد أن نفهم الفقه السياسي والعسكري والإداري للأئمة عليهم السلام، وهذا مهم لتصحيح الخطأ الذي نقع فيه حتى في التدوين الفقهي. فليس الأمر إما هذا وإما ذاك، بل هي منظومة مركّبة، وهنا تكمن عظمة الأئمة عليهم السلام.

إنَّ بيت القصيد هو كيف يمزجون بين القواعد؟ وكيف ينسّقون بينها؟ وسنشرح ذلك لكي لا يقع الاشتباه، وهو أمر ضروري. ففي مقابل المؤمنين الذين قد يميلون إلى الدعة والسلامة من المخاطر، يقول تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]. فذات الشوكة صعبة وفيها مرارة، ولكن قد يكون الخير فيها.

كذلك في وقعة ذات السلاسل، [3] ذهب أبو بكر ففشل أمنياً وعسكرياً، وفيها نزلت سورة العاديات. ثم ذهب عمر بن الخطاب ففشل أمنياً أيضاً. كانت هناك قوة مسلحة جبارة تريد استهداف المدينة المنورة وقتل شخصين فقط: محمد وعلي، إذ كانوا يعتبرون أنَّ رأس الدعوة النبوية هما هذان الاثنان. وهذا ما تشير إليه الروايات من الفريقين، فكما في حرب الأحزاب كان الهدف قتل النبي وأمير المؤمنين، كذلك كان الأمر في وقعة ذات السلاسل. ثم ذهب عمرو بن العاص الداهية ففشل هو الآخر.

نفس هذا الجيش أعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم لأمير المؤمنين، فأداره أمنياً، وهو ما يفوق القوة العسكرية أهميةً، كما يقول (عليه السلام): «لِيَكُنْ فِي الْحَرْبِ وُثُوقُكَ بِحَذَرِكَ أَشَدَّ مِنْ وُثُوقِكَ بِنَجْدَتِكَ».[4]

فليست القصة قصة شجاعة، بل قصة ذكاء وإدارة ومخطط أمني رهيب. وهذا ليس من باب المعجزة، فلم ينزل وحي على أمير المؤمنين، بل هو تفوقه البشري. وقد كان أبو بكر وعمر وعمرو بن العاص تحت إمرته في تلك السرية، ولمسوا أنَّ النجاح سيكون حليف هذه الإدارة، فأمرهم بالبقاء في أماكنهم حتى فتح الله على يديه. إنها الإدارة، الإدارة، الإدارة الأمنية.

المقصود أن نلاحظ هذه التدابير، وسياسة التدبير وإدارة الشأن العام الموجودة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعند الإمام الحسين، والتي لم يعِها المعاصرون لهما من المحبين أو الخوارج، فكيف بغيرهم؟

وفي صفين، كما نقل المرحوم المدرس الأفغاني، أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قام بمفرده مراراً بمثل هذه المبادرات، بقدرته الفروسية وتفوقه البشري، لا بإعجاز ولا براية رسول الله ولا بالملائكة، فقهقر جيش معاوية ورجع بمفرده.

فإن قيل: إذا كانت لديك هذه القوة بمفردك أمام جيش جرار، فأين كانت في يوم السقيفة؟ قلنا: أجاب (عليه السلام) بأنَّ الله لم يأذن له في السقيفة لأنهم لم يكونوا باذلين له النصرة.

وبتفوقه البشري، جعل أمير المؤمنين معاوية تحت سيفه مرتين، وقد صنع معاوية ما هو معروف من سوءته لينجو بنفسه. كان بإمكان أمير المؤمنين أن يضربه بسيفه ويخلّص الأمة منه، لكنه لم يؤذن له بذلك. إنَّ هذا الجهد وهذا التفوق لأمير المؤمنين لم يكن من حظ الأمة. فمرتين كان معاوية تحت سيفه، بينما لم يتمكن مالك الأشتر بجيشه من الوصول إليه. لقد كان ذلك بتفوق أمير المؤمنين البشري العسكري والإداري والتنظيمي، لأنَّ الحرب إدارة وليست عنترية. حتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم يؤكد على خطورة الإدارة الأمنية في الحرب فيقول: «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ».[5]

فالحرب ليست مبنية على العنتريات. يقول الاستراتيجيون اليوم إنَّه ربما تتمكن دولة لا تملك آليات حربية تكتيكية متطورة من أن تهزم دولة تملك أسلحة استراتيجية. فما هي الحرب؟ هل هي حرب عنترية؟ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) إنَّ النصر في الحرب ليس بالعنترية والشجاعة والقوة، بل بالحذر. وهو عين قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم: «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ»، أي أنها نوع من التخطيط الأمني الخفي الذي يباغت الطرف الآخر. الحرب نفسية، حرب خداع وتهويل، وما أكثر المرجفين والمنهزمين والجبناء والمهزوزين والمتشائمين والمُيَئِّسين في كل زمان ومكان.

فما هي الحرب أصلاً؟ ليست قصة قوة، بل هي كما قال سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم، وكما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّ خَسَارَةَ الْحَرْبِ وَتَلَفَهَا عَلَى الْمُتَهَوِّرِ، وَغَنِيمَتَهَا لِلْمُتَحَذِّرِ».[6] فالمتحذر ليس جباناً ولا مُيَئِّساً.

والحاصل: إذا أردنا أن نفهم هذه الأمور، علينا أن نرى كيف أنَّ مواقف إدارة الأحداث من قبل أمير المؤمنين، ومن قبل الإمام الحسن، والإمام زين العابدين، ثم الباقر والصادق عليهم السلام، كانت تدور حول إدارة الوضع العام والشأن العام.

الشأن العام على وتيرة واحدة، وهذا من أكبر موارد الاشتباه سواء في التدوين الفقهي أم الاجتماعي أم الكلامي أم التاريخي؛ فإنَّ الأئمة عليهم السلام يديرون ملفات متعددة غير متناقضة، وإنما يراه المراقب متناقضاً لأنه يأخذ يميناً فقط، أو يساراً فقط، أو وسطاً فقط، وليس الأمر كذلك.

فهم عليهم السلام يجمعون بين الأدوار، فلا تنحصر أدوارهم في هدف واحد، بل لكل إمام أدوار متعددة. وعند التدقيق والبحث، يظهر أن لكل إمام أدواراً، وليس دوراً واحداً كما يُظن؛ فما نراه دوراً معلناً واحداً أو دورين، إنما هو غيض من فيض أدوارهم الخفية الكثيرة.

ومن ثمَّ ورد الاعتراض على أمير المؤمنين (عليه السلام) في موارد عديدة، كأن يُقال: إذا كانت لديك تلك القوة فلمَ لم تستخدمها في السقيفة؟

والجواب: أنَّ لكل مقام مقالاً، ولكل وقت تدبيره. وإنَّما لم يؤذن له باستعمال القوة؛ لأنَّ هدف السقيفة لم يكن مجرد غصب الخلافة، بل كان أمراً أعظم من ذلك، وهو طمس اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتشكيك في أصل دعوته ونبوته. هذا هو الهدف الحقيقي الذي يغفل عنه الكثيرون، ولو اشتبك أمير المؤمنين (عليه السلام) معهم عسكرياً وانتصر، لشكّك الناس في نبوة النبي (صلى الله عليه وآله)، ولقالوا: إنَّ بني هاشم يتصارعون على الرئاسة والكرسي، ولتذرعوا بذلك لقتل من يناصر علياً، فيضيع أصل الدين.

وبهذا يتضح كيف يمكن تفسير هذه الملفات المتشابكة في مواقف أهل البيت عليهم السلام، فهي ليست ملفاً واحداً. إنَّ مشكلتنا تكمن في النظرة الأحادية للأمور، كالأبيض والأسود، في حين أنَّ الموقف الواحد قد يحتمل تلاوين متعددة، فضلاً عن المواقف المختلفة. وهذا هو الفهم الأهم الذي يُمكّننا من الاقتداء بهم في مسيرتنا وحالنا الراهن.

ومثال ذلك: الفرق بين حركة السيارة وحركة القطار. فالقطار يسير على وتيرة واحدة في مسار ثابت، وإن كانت له درجات في السرعة وتفرعات في السكك. أما السيارة، فطبيعة حركتها تقتضي المرونة والتغيير المستمر؛ فتارة تتقدم بأقصى سرعة، وتارة تبطئ، وتارة تتوسط، وتارة ترجع إلى الخلف، وتميل يميناً ويساراً. وهكذا هو عالم السياسة والتدبير العسكري والأمني؛ لا يمكن أن يدار على درجة واحدة ثابتة، بل لا بد من التبديل والتكيّف مع مقتضيات الحال.

قاعدة مهمة: من الاشتباهات الكبرى الخلط بين عالم التدبير والحكم السياسي التنفيذي، وبين الحكم التشريعي الثابت. فمن الخطأ أن نفسّر كل تصرف صادر من الأئمة عليهم السلام على أنه حكم تشريعي ثابت.

فتدابير الأئمة عليهم السلام السياسية والأمنية والاجتماعية هي غير الحكم التشريعي الثابت. فالحكم التشريعي يسير على وتيرة واحدة، أما حكم التدبير السياسي فيأخذ مزيجاً من التشريعات، وهنا يكمن بيت القصيد. فهو تلوّن من التشريعات، ومنظومة مركّبة منها. وإنما نخطئ الفهم حين نفكر، سواء ببعد فقهي مقدس أم ببعد آخر، أنَّ الوتيرة يجب أن تكون واحدة، وإلا فهي نفاق أو تناقض. والحال أنَّ من لا يفهم هذا التعدد إنما هو الذي لم يفهم طبيعة بيئة تدبير الشأن العام، سواء السياسي أم الاجتماعي أم الأمني، التي تقتضي بطبيعتها التعامل مع ملفات مختلفة وأداء أدوار متعددة من شخص واحد.

وهذا هو ما لم يفهمه الخوارج، فانقلبوا على أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ إذ لم يستوعبوا اختلاف الملفات وتعدد الوجوه في الفعل الواحد.

ولننظر في كيفية إدارة أمير المؤمنين (عليه السلام) للأمور بحنكة سياسية فائقة. فمع أنه يعلم أنَّ قاتله سيكون من الخوارج، وهو ابن ملجم، إلا أنه أوصى الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام بألا يصطدموا مع الخوارج كحركة، رغم ما فيها من تخبط. وزيادة على ذلك، نجد أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يعيش لهاجس واحد هو مشروع الله ورسوله، وهذا المشروع لا يقوم على ردود الأفعال، بل على إدارة ذكية منظومية.

وهذا ليس تناقضاً؛ فأمير المؤمنين (عليه السلام) يركّز على أنَّ الخطر الأكبر على الإسلام هو فساد النظام الأموي. ولكن من جانب آخر، يقول هو نفسه إنَّ أصل النظام، ولو كان فاسداً، تُحفظ به سبل الأمن. فهل هذا تناقض؟ لا، بل هي نظرة مركّبة؛ فمن جهة، يجب المحافظة على أصل النظام لما فيه من إيجابيات كحفظ الأمن، ومن جهة أخرى، يجب عدم الغفلة عن سلبياته وفساده. وهكذا الحال مع كل طرف، كالنظام الأموي أو الخوارج، فلكل منهما إيجابيات وسلبيات لا يُغفل عنها.

فالفكرة المحورية هي أنَّ إدارة الأمور السياسية والشأن العام، سواء أكانت اجتماعية أم أمنية أم عسكرية، لا تسير على وتيرة واحدة، بل على وتائر متعددة. والذكاء كل الذكاء في كيفية الملاءمة بينها. وليس في الأمر نسبية توصل إلى بطلان مطلق.

منهج الموازنة والتعامل مع الواقع المركب

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة، الذي هو بحق منظومة من الأسرار الإدارية المعجزة، في وصف الفتن: «يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ»[7] ، أي إنَّ الفتن دائماً يختلط فيها الحق بالباطل، فليست باطلاً محضاً ولا حقاً محضاً. وعليه، يجب في إدارتك العسكرية أو السياسية أو الاجتماعية أن تفرز بين الملفات. وهذا ليس تناقضاً. فلماذا يُظن أنه إذا حُكم بوجود فساد في نظام ما، فإنَّ هذا النظام باطل من أصله؟ هذا خطأ. أو إذا قيل إنَّ في هذا النظام إيجابيات، فإنَّه إيجابي بكليته؟ هذا أيضاً خطأ.

والحاصل: أنَّ الأمور نسبية، ويجب تعلم كيفية التعامل معها. فالخوارج مثلاً كانوا جماعة مسلحة، فيهم إيجابيات وفيهم سلبيات. وهنا تبرز قاعدة “التوازن” في التدبير السياسي أو العسكري، وهي قاعدة تتعامل مع الأمور النسبية، لا مع العموميات المطلقة. فليست القضية إما شرعية مطلقة أو عدم شرعية مطلقة؛ فالشرعية المطلقة لله وحده، كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام). فهذه الأمور توزن بميزانها النسبي، وتُفكك المساحة الصحيحة عن المساحة الخاطئة؛ فوجود الصحة في جانب لا ينفي وجود الفساد في جانب آخر، ووجود الفساد لا ينفي وجود الصحة. وهذا المنهج يفسر لنا عدة مواقف لأهل البيت عليهم السلام، ويبيّن أنَّ التوازن هو المنهج الصحيح.

فائدة: يمكن تعريف الإمام تعريفاً عصرياً بأنه: لولب ديناميكي مرن يجمع بين كل الملفات والفرص، ويشكل منظومة مبهرة تجعل كل الطاقات تنشط وتتفجر لتصل إلى كمالاتها. هذه هي لولبية الإمام وإدارته. فعلم الإدارة والتدبير هو علم موحد مع حقيقة الإمامة، وهو من أخطر العلوم الاستراتيجية وعلوم السيطرة.

وهنا نكتة مهمة؛ فأمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو على وشك الشهادة على يد الخوارج، لا يغفل عن إيجابياتهم، وهي إيمانهم بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جانبه السياسي، لا الاقتصار على الفقه الفردي. فهم يؤمنون أنَّ أصل المنكر سياسي، وأنَّ أصل المعروف سياسي أولاً. هذا جانب مهم يحفظه أمير المؤمنين (عليه السلام) فيهم، رغم أنهم اغتالوه؛ لأنه قائد لا يستفزه الحدث، بل يراعي مسيرة الأمة وتكاملها، ويديرها بإدارة ذكية رائدة. وهذا بعدٌ قلّ من يركز عليه من كتّاب الفريقين، مع أنَّ مؤشراته موجودة.

كذلك نجد نموذجاً منفرداً في سيرة الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، لا نجده في بقية الأئمة، حتى في سيرة الإمام الرضا (عليه السلام). وهو الدخول الاختراقي في بنية الدولة الأموية، وأخذ حصة من الإدارة والسلطة كإقليم أو ما يشبه الفدرالية. هذا النموذج نجده عند الحسنين عليهما السلام، ولا نجده عند أمير المؤمنين أو الإمام الرضا عليهما السلام بنفس الصورة. هكذا يجب أن نقرأ السيرة بعمق، وألا نركز على محور واحد، بل ندرس مواقف أهل البيت وسننهم وسيرتهم من خلال هذه المنظومة المتعددة القواعد.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.

تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.

تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط فيديو المحاضرة:

https://youtu.be/pOEIRbPvYpo?si=7b77yWaUP5hY4uIx

 


[1] هو الشيخ محمد حسن النجفي (ت. 1266هـ)، صاحب الموسوعة الفقهية الشهيرة جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام.
[2] هو الملا محمد علي المدرس الأفغاني (ت. 1407هـ)، من علماء الحوزة العلمية في النجف الأشرف، عُرِف بتدريسه لكتاب المطول. في البلاغة
[3] سُميت بذلك لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد أن انتصر فيها، أمر بأن يُكتَّف الأسرى ويُقرَن بعضهم إلى بعض في الحبال كأنهم في السلاسل. يُراجع: الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى.. مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1417هـ، ج1، ص207
[4] الآمدي، عبد الواحد بن محمد. غرر الحكم ودرر الكلم.. تحقيق السيد مهدي الرجائي، ط2، دار الكتاب الإسلامي، 1410هـ، ص538، ح1269
[5] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج5، ص29، باب “المكر والخديعة في الحرب”، ح1
[6] المصدر نفسه، ص538، ح1270، مع اختلاف يسير في اللفظ.
[7] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة.. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1414 هـ، ص93، الخطبة 50