47/11/23
إعادة قراءة الدور السياسي للإمامين الحسن والحسين عليهما السلام
#درس_العقائد_1447هـ
عنوان الدرس : سيرة الحسن والحسين (ع) والحركات المسلحة
تأريخ الدرس : الأثنين 23 ذي القعدة 1447هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01:00 الروايات الناهية على السن مختلفة عن الثورة واقامة الدولة
03:45 نمط التدوين الفقهي و تقاعس الامة في القدرات والنشاط العسكري والامني
06:35 فرق الحروب العسكرية و عن الاعلامية والناعمة والباردة عند الامام الحسن (ع)
09:00 عدم تنازل الامام الحسن (ع)عن المشاركة ادارة الدولة في هدنته مع معاوية
12:00 رفض الامام الحسن (ع) نزع السلاح من الخوارج والقتال مع معاوية
16:00 دخول الامام الحسن (ع) بالهدنة العسكرية فقط وعدم دخول الامام الحسين (ع) غيها
18:00 الامام الحسن (ع) و خلق التوازن بين الدولة الفاسدة والجماعات المسلحة
20:00 مشاركة و صلاحيات الامام الحسن (ع) في إدارة الدولة مع معاوية
22:48 مشاركة الحسين (ع) بعد الحسن (ع) في صلاحيات و ادارة الدولة مع معاوية
25:55 سلطة الامام الحسن والحسين (ع) بعد استشهاد أمير المؤمنين (ع)في إدارة الدولة
28:05 تقصير البحوث في قراءة سيرة الامام الحسين (ع) السياسية والاجتماعية عشرين عاما
31:00 ضرورة القراءة الاستراتيجية في سيرة الحسن والحسن (ع) في الاستنباط الفقهي السياسي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
@alsanaddroos 🔹
منهجية الفهم وواجب عدم التقاعس
وقد ذهب إلى هذا القول عينه علماء آخرون كالسيد محسن الحكيم، [1] والسيد البروجردي، [2] وسائر سادة علماء الإمامية الذين نُقل عنهم الكلام نفسه؛ إذ يُقيّدون منظومة الأدلة ويوجبون جمعها. وإنَّ بعض من لا حصيلة علمية له يظن أنَّ التمسك بطائفة من الروايات هو التدين، وأنَّ رفع اليد عنها ليس من التدين، والحال أنَّ حقيقة التدين تقتضي جمع كل طوائف الأدلة.
ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث الشريف: «حَدِيثٌ تَدْرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ تَرْوِيهِ»؛ [3] فما معنى الدراية؟ إنَّما أقدار الرجال ليست بالتزمت، بل بدرايتهم للروايات. ولذلك قال سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ»؛ [4] فهو حافظ للروايات لكن لا فهم استنباطي له. أو كما ورد عنه (صلى الله عليه وآله) وسلم في الحديث المروي عند الفريقين: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»؛ [5] فالحامل فقيه، لكن يوجد من هو أفقه منه، وهو الذي يضع الفقه في مجراه الصحيح. فبدرجات الفقاهة والدراية والوعي بمنظومة الدين يرتقي الرجال.
وتأسيسًا على ذلك، فإنَّه بقدر ما يتوفر من أسباب القدرة، لا يسوغ لمن يتدين بدين الله التقاعس. فعدم النشاط في أي مجال كان، سواء أكان عسكرياً أم أمنياً أم سياسياً أم اقتصادياً، وسواء أكانت المواجهة ناعمة أم باردة أم ساخنة، مع وجود القدرة المقرونة بالتدبير الموزون، هو تقاعس لا ريب في كونه مذموماً.
وفي هذا السياق، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) بما معناه: إنَّ الذي يملك قدرةً ما ويفرّط فيها أو يتقاعس عن استخدامها، فهو غير معذور.
والشاهد على ذلك ما ورد في كتاب سُليم بن قيس الهلالي، [6] حيث يروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: «وَاللَّهِ إِنَّ امْرَأً مُكِّنَ عَدُوُّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَجُزُّ لَحْمَهُ وَيَهْشِمُ عَظْمَهُ وَيَفْرِي جِلْدَهُ لَمُعَظَّمٌ تَضْيِيعُهُ».[7] وهذا المبدأ لا يختص بنوع معين من المواجهة، سواء أكانت ساخنة أم ناعمة أم باردة. ونحن نرى الآن في العقل البشري أنواعاً وألواناً من المواجهة والمقاومة والتجاذب والتصادم، فليست الوتيرة واحدة. فهل يُعقل أنَّه لمجرد عدم توفر الجانب الساخن في البعثة النبوية، تتعطل كل الجوانب الأخرى؟ من قال بهذا؟
حقيقة صلح الإمام الحسن: احتفاظ بالسلطة لا تسليم
وعندما ننظر في سيرة الإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليه، نجد أنَّه إنَّما أوقف إطلاق النار الساخن مع معاوية، أمَّا الحرب الإعلامية والباردة والناعمة، فقد زاد الإمام الحسن من شعلتها، إلى درجة أنَّ معاوية أحسَّ بالاستفزاز منه. وفي عدة مواطن كاد معاوية أن يبطش غدراً بالإمام الحسن علانيةً، لأنَّه لم يستطع أن يرى كيف استغل الإمام الهدنة ليضغط عليه ناعماً.
فكان الإمام الحسن (عليه السلام) يرعى شؤون المؤمنين وجموع المقاتلين الذين كانوا في جيش أمير المؤمنين، من ذوي السوابق القتالية وعوائلهم، ويغطي أمور الفقراء منهم، خصوصاً وأنَّ معاوية كان يتخذ موقفاً معادياً من الساحة الجماهيرية لأمير المؤمنين. فمن الذي تولى رعاية هؤلاء؟ إنَّه الإمام الحسن (عليه السلام)، في نظام شبيه بالفدرالية أو الكونفدرالية مع معاوية، لو أردنا الدقة في التحليل. وهذا ما ذكرناه في بحوث سنين سابقة، لأنَّ الظن السائد أنَّ الإمام الحسن ترك النظام السياسي وسلم كل المفاتيح لمعاوية، وهذا غير صحيح أبداً؛ بل كان يفرض على معاوية مقداراً من ميزانية مال الكوفة وغيرها، ليس من نصيب معاوية، بل هو نصيب الإمام، وكان يتقاضاه إلى آخر حياته الشريفة.
وفي مجالات عديدة أخرى، لم يسلم الإمام الحسن كل الأمور لمعاوية بالدقة. فجزء من النظام بقي بيده (عليه السلام)، وهي نكتة مهمة جداً يغفل عنها الكثير. لقد غيّر الإمام أنواع الحروب مع معاوية، لكنَّه لم يسلم مقاليد الحكم نفسها. أولاً: السلاح؛ فقد أبقى الإمام الحسن (عليه السلام) سلاح جماعته وشيعته من أهل البيت في أيديهم ولم يسلمه. وحين أراد معاوية أن يستعين به، لم يكن نزع السلاح قد تم، فمع أنَّ الهدنة كانت تقضي بأنَّ الدولة الرسمية هي الدولة الأموية، لكن لم يكن من مقتضى ذلك نزع السلاح، بل كانت هناك توازنات. بل إنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) رفض أن ينزع السلاح من الخوارج، وهناك فرق بين الضبط والانضباط، فحتى هذه الدرجة من الموازنات كانت عند الإمام الحسن، فضلاً عن أنَّ مقاليد الدولة أيضاً كانت بيده.
**
نقد القراءة السطحية لسيرة الإمام الحسن
وللأسف، ** إنَّ القراءة السائدة لسيرة الإمام الحسن (عليه السلام) هي قراءة سطحية، مع كل الاحترام للأعلام. وهي قراءة سطحية جداً، وخطيرة في تأثيرها على مسيرة أتباع أهل البيت. هذه القراءات السطحية الخاطئة تصوّر لك أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) جمد وتقاعس وهجّن أصحابه، حاشاه عن ذلك. إنَّما المسألة مسألة توازنات، فهو لم يفِ ببعض الموارد التي كان معاوية قادراً على نكثها، فلم يكن الأمر استسلاماً.
ولذلك، فإنَّ النسبة التي اتفق عليها الإمام الحسن من بيت مال الكوفة وغيرها، بقي يتقاضاها إلى آخر حياته (عليه السلام). وهذا مؤشر على قوته. مؤشر ثانٍ وثالث: أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان بمثابة إقليم داخل دولة بني أمية، له سلطة خاصة، وإدارة مالية خاصة، وإدارة عسكرية خاصة. لذلك، هناك مؤشر آخر ذكرناه سابقاً، يجب أن يُجمع ويُقرأ قراءة استراتيجية لفهم سلطة الإمام الحسن في عهد معاوية، وهو أنَّ معاوية استنجد بالإمام الحسن ليحارب الخوارج. فلو لم يكن للإمام الحسن لواء أو ألوية تحت إمرته، لما استنجد به معاوية.
وقد رفض الإمام الحسن أن يقاتل الخوارج، ورفض أن ينزع السلاح منهم، فرغم أنَّهم جماعة مسلحة منفلتة، إلا أنَّها في نظره حركة ثورية لها أخطاؤها وانحرافاتها. لم يشرعن الإمام الحسن نزع سلاح الخوارج، لماذا؟ لأنَّها حركة ثورية إصلاحية، وإن كانت فيها أخطاء. ونحن نعلم أنَّ الدولة الأموية كانت دولة فاسدة كما مر بنا. فهل كانت هناك دولة ملائكية أو نبوية أو إلهية بديلة؟ لا. فكيف يُنزع السلاح من الخوارج؟ لقد نظر إليهم الإمام على أنَّهم حركة ثورية، لديها أخطاء وانحرافات وخروقات وتجاوزات، ولكن في المقابل، كان أمير المؤمنين (عليه السلام) من قبله، وكذلك الإمامان الحسن والحسين، يوصون وصية سياسية بألا يُسَاوى بين الخوارج كحركة ثورية ذات أخطاء، وبين النظام الأموي الرسمي الفاسد. فلا بد من إيجاد توازن في البين.
فالإمام الحسن لم ينزع السلاح من جماعته، ولم يقبل أن ينزع السلاح من جماعة الخوارج أو يواجهها أو يستأصلها، مع أنَّها لم تلتزم بقانون بني أمية. لماذا؟ لأنَّ لديها نهجاً إصلاحياً وثورياً، قد يكون خاطئاً أو صحيحاً، ولكن بالتالي هناك فرق بين من عنده بعض المبادئ، وبين بني أمية الذين لا مبدأ لهم إلا الكيد.
هذه الأمور هي توازنات القواعد، لكن للأسف لم تُدرس سيرة الإمام الحسن جيداً. فأصلاً، لم يتنحَّ الإمام الحسن عن الحكم تماماً، بل بقي في الحكم. ونستطيع القول إنَّ بقاءه في نظام بني أمية كان أعمق من بقاء الإمام الرضا (عليه السلام)، حيث كان يتدخل في أمور كثيرة. ولم يكن وجوده كوجود أمير المؤمنين (عليه السلام) في ظل حكومات السقيفة، ولو أنَّ لأمير المؤمنين مداخلاته، لكنَّ الأمر هنا مختلف؛ فالإمام الحسن كان له نصيب من بيت المال تلقائياً، ولم يكن والياً أو وزيراً كعلي بن يقطين. لا، بل هو نفسه كان يملك ما يشبه الإقليم داخل الدولة. قد لا نسميه إقليماً جغرافياً، بل إقليماً ديموغرافياً في العراق والحجاز، حيث إنَّ جماعة أتباع أمير المؤمنين الذين كان يلاحقهم معاوية، أمّن لهم الإمام الحسن ميزانية من الدولة، وكان أمرهم وشأنهم يرجع إليه، وهم بمثابة فيلق وألوية عسكرية وسياسية.
فإذن، بقي حكم الإمام الحسن (عليه السلام) قائماً حتى في ظل معاوية. وهذا النوع من الدخول في النظام يجعل كل طرف منهما يلهم ساحة مختلفة. وهذه نكتة في القراءة يجب الالتفات إليها بعمق. فالمشهور أنَّ هناك حركة ثورية سياسية مسلحة وغير مسلحة لا تخضع للدولة الرسمية، وهذا معناه أنَّ الحسين يبقى… ماذا يعني؟ إنَّ الإمام الحسين ليس فرداً، بل هو تيار من تيارات أتباع أهل البيت يقوده.
نقطة مهمة: أين إذن سلّم الإمام الحسن كل الأمور لمعاوية؟ أبدًا ما سلّمها، فلم يعطّل بقية أشكال الحرب، ولم يعطّل سلطته في ميزانية الدولة، ولا في الوزارة العسكرية، ولا في وزارة الأمن. لم يعطّل الإمام الحسن سلطته بقول مطلق أبداً، ولم ينزع السلاح من جماعته.
بل إنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان بموقفه يضغط على دولة بني أمية الرسمية ألا تدخل في حروب داخلية مع الخوارج كحركة مسلحة، وألا تقع فتنة داخلية، وأن تدعهم وتبقي السلاح عندهم. أي إنَّ الإمام الحسن كان يخلق توازناً بين الدولة الرسمية الفاسدة وبين الحركات المسلحة الثورية الأخرى، سواء من أتباع أهل البيت أم من الخوارج.
وأصلاً، شعارات الخوارج في أساسها هي شعارات علوية. ويشرح ابن أبي الحديد[8] وصية أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي»، [9] شرحاً ممتازاً جداً، فيقول ما معناه: إنَّ أمير المؤمنين يعرف أنَّ هؤلاء من رعاة مسؤولية الإصلاح الاجتماعي، فمبدأ العدالة عندهم قوي، بغض النظر عن انحرافاتهم وتخبطهم. بل هم الذين قتلوا أمير المؤمنين، وصاروا أداة لبني أمية لقتله. ورغم ذلك، يوصي بهم ألا يُستأصلوا وألا يُنزع السلاح عنهم. فيا لعظمة أمير المؤمنين (عليه السلام)! وهذه الوصية لم يقلها قبل إصابته فقط، بل حتى بعد أن أُصيب سلام الله عليه، فلا تأخذ أمير المؤمنين العواطف ولا الاعتبارات الفردية.
فالمقصود من هذا المطلب أنَّه إذا لم تُدرس سيرة الإمام الحسن دراسة فقهية سياسية معمقة، فإنَّ كثيراً من الحقائق ستغيب. لقد بقي الحكم بيد الإمام الحسن نسبياً، حيث كان له ما نسميه إقليماً ديموغرافياً وجغرافياً، وكانت له صلاحيات في الوزارة العسكرية والأمنية والمالية، وكان يضغط كما تضغط بعض المكونات في الدولة على المكون الأعلى منها من جانب معين. هكذا كان الإمام الحسن، فلم يسمح لمعاوية أن ينزع السلاح من الخوارج كحركة مسلحة ثورية، لكي لا تحدث فتنة.
والآن، نلاحظ مثلاً أنَّ بعض الدول تريد أن تحدث فتنة داخلية، لماذا؟ لأنَّ مكوناً لديه سلاح ومكوناً آخر ليس لديه. ويريدون أن يضعفوا هذا السلاح الذي يدافع عن الوطن كله، بزعم أنَّه قد يُستخدم ضد المكونات الداخلية، ويريدون أن يساووا بين العدو الأجنبي والخصم الداخلي.
الموجود عند مكوّن داخلي، فيريدون أن يبرّروا أن هذا السلاح يستخدم في فتنة داخلية، وهنا تتجلّى اللعبة والخداع بإيعاز من العدو الأجنبي، والإمام الحسن (عليه السلام) لم يسمح بهذا الشيء، وهذا ما كان يجب الالتفات إليه.
وعلى أي حال، إنَّ من المظالم واقعاً أن دور الإمام الحسن (عليه السلام) لم يُفهم على وجهه الصحيح. ويمكن القول في الفقه الإمامي والجعفري: إنَّه يمثل حالة فريدة بين الأئمة، فلم يكن كعلي بن يقطين[10] الذي كان وزيراً واحداً، ولا كدخول الإمام الرضا (عليه السلام) الذي كان أشبه بدخول يوسف (عليه السلام)، ولكن بمحدودية أقل.
استمرارية الدور السياسي مع الإمام الحسين
بل بقيت مفاوضات بين معاوية وحتى الإمام الحسين (عليه السلام)، لأنَّه أيضاً أمسك بجزء مما استطاع أن يبقيه في يده مما كان بيد أخيه الإمام الحسن (عليه السلام). ومما يؤسف له أن هذا الجانب لا يُدرس، فلا يُعرف من سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) إلا يوم عاشوراء. فالإمام الحسين (عليه السلام) مع أخيه الإمام الحسن (عليه السلام) عندما عُقد الصلح، بقي كقائد حركة سياسية معارضة مسلحة، ولم يدخل في الهدنة، وهذا واقع في العشر سنين من حياة أخيه، وفي العشر سنين الثانية من حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، وهي فترة من حياته الشريفة لا تُدرس للأسف، مع أنَّها في غاية الأهمية.
فقد بقيت مقاليد الأمور التي كانت بيد أخيه الإمام الحسن (عليه السلام) في يد الإمام الحسين (عليه السلام)، فكان الإمام الحسين (عليه السلام) ممسكاً بجملة من صلاحيات وملفات الدولة، سواء من جهة الوزارة العسكرية والسلاح، أو من جهة ميزانية بيت المال وغيرها. وكان معاوية دوماً يراسله للتفاوض في شؤون الدولة، ولو جُمعت هذه الرسائل لَعُرفت حقيقة سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) وموقعيته. فلا ينبغي أن تُقرأ سيرته قراءة مؤرخ فردي، بل قراءة سياسية استراتيجية؛ فالإمام الحسين (عليه السلام) ليس فرداً، بل هو أمة، وهو كيان دين، وهكذا يجب أن يُقرأ، ومن المؤسف أن هذه الوثائق لا تُجمع.
إنَّ الرسائل التي كانت تدور بينهما تدل على مدى وجود الصلاحيات وقبضة اليد لدى الإمام الحسين (عليه السلام) بعد أخيه الإمام الحسن (عليه السلام) في شؤون الدولة، وهذه الموقعية تختلف عن موقعية الإمام زين العابدين والإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الكاظم عليهم السلام. فموقعية الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام في الدولة لم يرفعا اليد عنها.
وهذه نكتة مهمة جداً يجب الالتفات إليها في البعد العسكري، والبعد المالي، والبعد الإداري، وحتى في البعد الأمني. والشاهد على ذلك: أنَّه في أخطر ما كان يحيق بالدولة الأموية، كان معاوية يستشير الإمام الحسن (عليه السلام) ويتفاوض معه، وذلك في قضية الخوارج، الذين كانوا يمثلون ثورة مسلحة تريد تبديل نظام الحكم الأموي. فلماذا كان يتفاوض مع الإمام الحسن (عليه السلام)؟ لأنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان يمثل القوة الثانية بعد بني أمية. فهذا البعد من حياة الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام لم يُقرأ بعمق.
إنَّ وجود سلطة للإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام منذ رحيل أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى استشهاد الإمام الحسن ثم استشهاد الإمام الحسين عليهما السلام، هي نقطة جوهرية جداً، لكنَّها للأسف لم تُقرأ بعمق فقهي سياسي. فسيرة الإمام الحسن (عليه السلام) في العشر سنين الأخيرة، وسيرة الإمام الحسين (عليه السلام) طيلة عشرين سنة، لا تتلخص في عاشوراء أبداً، ولكن للأسف نحن نلخصها هكذا فقط.
خطورة القراءات الخاطئة لنهضة عاشوراء
ويُضاف إلى ذلك أن قضية عاشوراء تُقرأ على أنَّها ليست سنَّة دائمة، ويزيد الطين بلّةً القول بأن ما قام به الإمام الحسين (عليه السلام) هو فعلٌ خاص به، فهو إمام لنفسه وليس إماماً لنا، فهو إمام لنا عاطفةً وقلباً وعقيدةً فكريةً كلية، أما كإمام يُقتدى به في الفقه السياسي فليس كذلك، فقضية الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعها نُسخت. والإشكال: أن هذه القراءات الخاطئة تدعو إلى عدم الاقتداء بالإمام الحسين (عليه السلام)، بحجة أنَّ له حكماً خاصاً، بمعنى أنَّه ليس إماماً يُقتدى به في السياسة والعمل السياسي والعسكري والأمني، وهذا معناه، والعياذ بالله.
ومآل هذا القول، نستغفر الله، هو نسخ إمامة الإمام الحسين (عليه السلام). لم تُدرس سيرته قبل عاشوراء، ولا حتى موقفه في عاشوراء دُرس دراسة عادلة، في حين أنَّ الأئمة كلّهم يركّزون على مركزية مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام). فقد دُرس الفقه السياسي للإمام الحسين، والفقه العسكري الأمني للإمام الحسين، وفقه النسيج الاجتماعي للإمام الحسين. فالانتماءات السياسية والاجتماعية، وقضايا عاشوراء، كلها عبارة عن قوانين في العمل الاجتماعي السياسي، وليست مجرد عقيدة، بل هي قوانين اجتماعية سياسية في الانتماءات الاجتماعية والسياسية، ولكننا لا نفعّل هذه البنود أبداً، بل نرددها لقلقة لسان فقط. فهل هذا هو الاعتقاد بإمامة الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وهل هذا هو الاعتقاد بعصمته؟ نعوذ بالله من ذلك.
والحاصل: أنَّ ثمّة مشكلة، كما صرّح السيد محسن الحكيم[11] ، في تدوين الفقه السياسي. وهي أزمة موجودة، أزمة تمثلت في انحصار عن القراءة السياسية الفقهية الأصيلة، العسكرية والأمنية والاجتماعية، لسيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام. فلا يمكن أن نحكّم الإمام الحسين (عليه السلام) في المسيرة الاجتماعية السياسية، ثم نأخذ ببعض طوائف الروايات التي صدرت عن الإمام الصادق والباقر عليهما السلام، ونهمل طوائف أخرى أهم منها. وهذه انتقائية عجيبة في الاستنباط، وفي تحديد مصير مسيرة المؤمنين ورؤيتهم، فترى لذلك نوعاً من الإخفاقات والغفلات القاتلة في تدوين الفقه السياسي.
وقد صرّح بذلك جملة من علماء النجف، منهم السيد محسن الحكيم الذي قرأنا فتواه، والسيد عبد الهادي الشيرازي[12] وغيرهم. والمقصود من هذا المطلب أن إعادة القراءة وإعادة الاستنباط أمر ضروري. نريد أن نعرف ما هو العمل السياسي والاجتماعي للإمام الحسن (عليه السلام) في تلك العشر سنين؟ وكيف كانت مناكفته مع الدولة الأموية؟ وهل كان الإمامان الحسن والحسين عليهما السلام جليسي البيت؟ حاشاهما، وهل كانا لا يخصهما شيء وليس لهما أي تدخل أو قوة أو نفوذ في وضع الدولة وشؤون المؤمنين والمسلمين في دولة بني أمية؟ بل كان لهما كل المجال.
إجمالاً، نرجع إلى هذا المطلب المهم، وهو أن القراءة لسيرة الإمام الحسن (عليه السلام) في العشر سنين الأخيرة من عمره الشريف قراءة خاطئة جداً، وهي تسبب انعكاسات خاطئة جداً على مسيرة المؤمنين ومسيرة الطائفة. كما أن دور الإمام الحسين (عليه السلام) في العشرين سنة لم يُقرأ قراءة عادلة، حيث اشترط الإمام الحسن (عليه السلام) على معاوية أن يبقى الإمام الحسين (عليه السلام) حركة معارضة سياسية عسكرية مسلحة، ولا يعنيه هذا الاتفاق، فلا يُلزم الإمام الحسين (عليه السلام) بهذا الاتفاق أصلاً، لا من قريب ولا من بعيد. وهذا ما تذكره مصادر الفريقين.
فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يرد أن يستسلم. وعلى سبيل المثال، في السنوات العشر التي تلت شهادة الإمام الحسن (عليه السلام) حتى هلاك معاوية، كان الإمام الحسين (عليه السلام) يدير أمور الدولة التي اشترط أن تكون بيد آل البيت عليهم السلام. فالشروط نفسها التي اشترطها الإمام الحسن (عليه السلام) بقيت بيد الإمام الحسين (عليه السلام)، من الإشراف على قسم من الميزانية والقضايا العسكرية. وهو شبيه بما هو موجود اليوم في بعض الدول التي يمتلك فيها إقليم صلاحيات عسكرية مختلفة عن الدولة المركزية. هذا ما صنعه الإمام الحسن (عليه السلام)، وبقي بيد الإمام الحسين (عليه السلام). إذن، لم تقتصر قضية الإمام الحسين (عليه السلام) ونهضته على يوم عاشوراء، ولم يكن دوره كدور وزير.
وإنَّما كان بمثابة مكوّن فدرالي أو كونفدرالي ضمن الدولة الأموية. وهذه نكتة مهمة جداً، ونصرّ على أنَّها نوع من الفدرالية، على غرار الحكومات الاتحادية التي تضم حكومات إقليمية. فالقول بأن الإمام الحسين (عليه السلام) رفع اليد تماماً هو قول خاطئ، بل كان يضغط على معاوية، يضغط عسكرياً، ويفاوض، ويجاذب، ويساوم، بل كان يبتزّ معاوية ابتزازاً بحقٍّ لا بباطل. نعم، كان يضغط عسكرياً، ومالياً، واجتماعياً، وإعلامياً. كل هذه الأمور كانت بيد الإمام الحسن (عليه السلام) رسمياً بموجب العقد، الذي كان بمثابة دستور ائتلافي بين دولة الإمام الحسن ودولة بني أمية. وبقيت هذه الصلاحيات بيد الإمام الحسين من بعده.
فهذه نكات مهمة في قراءة سيرة الحسنين عليهما السلام، لكنَّها للأسف مغيّبة.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.