47/11/22
الخوارج الجماعات المسلحة والنظام الأموي
الأحد (22) ذي القعدة 1447 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01:00 مواقف أمير المؤمنين(ع) مع الخوارج كجماعة مسلحة
10:01 الحركة السلمية للخوارج معارضة لنظام السقيفة وبني أمية
10:02 العدالة والثورة على حكام الجور مبدأ عند الخوارج
04:00 الفارق بين الدولة الرسمية لبني أمية والجماعة المسلحة للخوارج
04:01 مبدأ العدالة عند الخوارج والتفريط والإفراط في آلية التطبيق
12:03 موقف الامام الصادق(ع) من الزيدية كحركة مسلحة
14:47 الامام الهادي (ع) وعبد العظيم الحسني وتأسيس الدولة الزيدية
18:48 مشاركة الامام السجاد(ع) في واقعة كربلاء
20:55 استراتيجية تدريجية اقامة الحق عند النبي والآل(ص)
23:25 الامام الحسن(ع) والجماعة المسلحة للخوارج والتوازن مع النظام الاموي
23:26 موقف الائمة(ع) والزيدية وتوازن مع الدولة العباسية
26:51 لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق والحاكم السياسي
27:42 أهل البيت(ع) وخلق التوازن قبال الانظمة الفاسدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌐 دروس المرجع الديني سماحة الشيخ محمّد السند دام ظلّه
استراتيجية الأئمة في التعامل مع الحركات الثورية المسلحة
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وأعظم السفراء المبعوثين محمد الطاهر المطهر الأمين، وعلى آله الطهر الطاهرين المطهرين، وعجل فرجهم.
هذه مسألة الاعتراض الذي استعرضناه أمس، وهي شبهةٌ تُثار حول موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) من الخوارج كجماعةٍ مسلحةٍ منفلتةٍ عن النظام العام.
وقد يُصوَّر الأمر بأنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) تارةً يستعين بهم في حرب الجمل، ويستعين بهم قطعاً ويقيناً في حرب صفين، وقُتل منهم من قُتل، وفي حرب النهروان يحاربهم. وقبل الحروب، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) إنَّ لهم حق المواطنة والحقوق، مع أنَّهم منفلتون في السلاح؛ فما داموا لم يقوموا بخرقٍ أمني، فحقوقهم في المواطنة محفوظة، ومجرد الخوف منهم لا يبرر سلب حقوق المواطنة عنهم. وهذا نص كلام أمير المؤمنين في الخوارج.
الخوارج حركةٌ ثوريةٌ تطلب العدالة. وإذا أردنا النظر إليها كظاهرةٍ بلغةٍ عصرية، فالخوارج حركةٌ مسلحةٌ ثوريةٌ تغييريةٌ تأثرت بأمير المؤمنين (عليه السلام) صراحةً في طلبه للعدالة، وإنَّما وُصفوا بالمارقين لقول النبي (صلى الله عليه وآله): «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».[1] ولكن في بداياتهم كانوا يظهرون تقديساً لأمير المؤمنين (عليه السلام).
وهنا نكتةٌ مهمةٌ جداً: إنَّ ظاهرة الخوارج حركةٌ ثوريةٌ متطرفةٌ مسلحة، وهذا أمرٌ معلومٌ ومهم، فما هي سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) معهم؟ وما هي سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) معهم؟
اثنان من الأئمة تعاملا سياسياً وعسكرياً وتنظيمياً مع الخوارج، تارةً معهم وتارةً ضدهم، على نحوٍ قد يبدو فيه تناقضٌ في موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) والإمام الحسن (عليه السلام)، وحاشاهما، إنَّما هي نكتةٌ لا بد من استيضاحها. فأصل الخوارج هم طلاب عدالة، كشعارٍ ومبدأ وابتداء. نعم، لديهم خروقاتٌ أمنية، وخروقاتٌ مدنية، وانفلاتٌ مدني، وانفلاتٌ أمني، وانفلاتٌ في السلاح، هذا كله صحيح.
لكنَّ أصل شعارهم هو «لا حكم إلا لله»، أي لا طبقية، فالقرشي وغير القرشي، والعربي وغير العربي، لا فرق بينهم، والكل سواسية. وهذا بخلاف منطق السقيفة القائم على الطبقية بين الأول والثاني والثالث. ولذلك نلاحظ أنَّ مذاهب الخوارج الموجودة في زماننا ليست على وفاقٍ مع الأزهر، وليست على وفاقٍ مع الوهابية، فهم يتمسكون بمبدأ الثورية والعدالة عندهم، وهي نكتةٌ مهمةٌ جداً في تاريخ الدين.
صحيحٌ أنَّه صار عندهم إفراطٌ وانفلات، ومع ذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه».[2] ومن ثم كانوا في اصطفافٍ مع أمير المؤمنين (عليه السلام) ضد معاوية، ثم انقلبوا عليه بعد ذلك، أو كانوا سبباً في عدم تحقق النصر الحاسم في صفين، لكنَّهم مع ذلك كانوا في اصطفافٍ ضد معاوية، ولم يكونوا مع معاوية، ولا مع خط السقيفة حتى.
وهذا ما يعترف به ابن أبي الحديد، [3] ولاحظوا كلامه في التفريق بين نهج بني أمية ونهج الخوارج، فالحركة الخوارجية حركةٌ ثوريةٌ مسلحة، شعارها المبدئية وعدم المساومة.
وليس هو فقط، بل حتى المرحوم الميرزا أبو الحسن الشعراني (رحمة الله عليه)، [4] وهو من أجلاء الأعلام في عصرنا، يذكر هذا المطلب في تعليقاته على الوافي، من أنَّ مبدأ الثورة على حكام الجور هو مبدأٌ قويمٌ عند الخوارج، وهذا ما لا تقبله السقيفة ولا بنو أمية. فهذا مبدأٌ من مبادئ الخوارج: الثورة على حكام الجور، والثورة على الفساد. لكنَّ مشكلتهم أنَّ لهم شبهاً بالزيدية من حيث تبني الأسلوب المسلح والتغيير المسلح، إلا أنَّ مشكلتهم الكبرى كانت مع أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه. وهذه مشاكل متعددة في ظاهرة الخوارج.
وإذا أردنا التدقيق، فهي ظاهرةٌ أسبق من الزيدية، وأول حركةٍ ثوريةٍ تطالب بالعدالة في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) هي في حقيقتها حركة الخوارج. ولذلك تعامل معهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بأسلوبٍ حسّاسٍ وخاص، لا يستفزهم ولا ينصاع لهم، بل يحاول إرشادهم وترشيدهم، ويجيبهم بأجوبةٍ علمية، حتى إنَّهم كانوا يقولون من فرط تطرفهم وإعجابهم ببلاغته: “قاتله الله كافراً ما أفقهه!”.[5] فهم كانوا يتعاملون معه بأسلوبٍ معين، ليس كالأسلوب الذي يتعاملون به مع معاوية. ولماذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يرغب في مبدأ العدالة عندهم؟ لأنَّها كلمة حق، وروحيةٌ جيدة، لكنَّ الجوانب الأخرى عندهم كانت خطأً.
والمقصود أنَّ مذاهبهم التي لا تزال موجودةً الآن، كالإباضية وغيرها، ليست على وفاقٍ مع خط السقيفة، وإن كانوا قد يتقاربون أو يصطفون معه في ظل حكم بني أمية وبني العباس.
إذن، ظاهرة الخوارج التي ندقق فيها هي ظاهرةٌ ثوريةٌ وتطالب بالمبدئية والعدالة، لذلك لا تتعامل بالرشوة في منطقهم، ولا بالعمالة لليهود أو النصارى أبداً، فهم مبدئيون، وهذا أمرٌ لافتٌ للنظر. ولذلك تلاحظ أنَّ مواقف بعض البلدان الإسلامية تختلف عن البعض الآخر إلى يومنا هذا، وهذا هو سببه. فبقية الدول الإسلامية العمالة فيها على قدمٍ وساق، وتطبيع العمالة، أما هؤلاء فلا. لماذا؟ لأنَّ مبدأ هذا الاتجاه هو مبدأٌ ثوريٌ مبدئيٌ يطالب بالعدالة، وإن كانت آلياتهم خاطئة، فهذا بحثٌ آخر.
وبالدقة، يختلف تعامل الإمام الصادق (عليه السلام) مع الزيدية عن تعامله مع بني أمية وبني العباس. لماذا؟ لأنَّ أصل مبادئهم ثوريةٌ للعدالة ومناهضةٌ للحاكم الجائر. وهو أمرٌ قد يخفى على الكثيرين في فهم سيرة الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث يظنون أنَّ موقفه كان سلبياً مطلقاً من الزيدية، وهذا خطأٌ فادح.
ونفس الكلام ينطبق على كيفية مواقف أمير المؤمنين والإمام الحسن (عليهما السلام) من الخوارج، فهم حركةٌ ثوريةٌ مسلحةٌ في زمنهما. وهو نفس موقف الباقر والصادق والكاظم والرضا وبقية الأئمة (عليهم السلام) من الزيدية، ليس موقفاً سلبياً مطلقاً أبداً.
والشاهد على ذلك نصوصٌ عندنا في كتاب غيبة النعماني، منها: «لا تزال الزيدية وقاءً لكم».[6] فما معنى هذا؟ هل معناهم أنَّهم كبني أمية؟ لا. هل هم فرقةٌ خارجةٌ بالكامل؟ لا. بل يبين لك النسبية الموجودة في هذه المسألة.
وهذه نكتةٌ مهمةٌ جداً: ظاهرة الخوارج كجماعةٍ مسلحة، لكنَّها ليست قطاع طرق. لا أريد أن أقول إنَّهم منزهون، فهناك بياناتٌ من الأئمة (عليهم السلام) تسجل عليهم حب الدنيا وحب الرئاسة، وهم ليسوا معصومين. لكن إجمالاً، الجو العام لهم هو جوٌ ثوريٌ يطالب بالعدالة، مع ما عليهم من مؤاخذاتٍ لا تحصى في الأسلوب والبرنامج وغير ذلك. ولذلك نلاحظ أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) يفرق، ونفس الكلام ينطبق على الزيدية، فهي أيضاً حركةٌ ثوريةٌ لا تقبل العمالة، ولا تطبّع معها، ولا تتعامل بالرشوة، وهي حركةٌ مبدئيةٌ ومسلحة.
لذلك يختلف تعامل الإمام الصادق والكاظم والرضا والهادي (عليهم السلام) معهم فقهياً وسياسياً وعسكرياً. وهناك بصماتٌ قويةٌ جداً على أنَّه كان بين الإمام الهادي (عليه السلام) والسيد عبد العظيم الحسني[7] - الذي لم يختلف علماء الإمامية في جلالته - علاقةٌ خاصة. وهناك بصماتٌ كثيرةٌ تشير إلى أنَّ نشاط السيد عبد العظيم الحسني كان نشاطاً سياسياً عسكرياً خطيراً على دولة بني العباس. وبعبارةٍ أخرى، هناك أنشطةٌ يمكن أن تُسند إلى الإمام الهادي (عليه السلام) بالوكالة، وكالة السيد عبد العظيم الحسني الذي يعتبر من المؤسسين.
قد يكون هذا الكلام صعباً، ولكنَّ له معنى، فالتاريخ فيه حقائق قد يصعب هضمها. فما هو موقف الأئمة؟ يعني إذا دار الأمر بين دولةٍ زيديةٍ أو دولةٍ عباسية، فالدولة الزيدية تختلف عن الدولة العباسية، وهي أقرب لمرام أهل البيت (عليهم السلام). كما لدينا في الروايات عن دولة الظهور، أنَّه قُبيل ظهور صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، تكون راية الحسني أو الخراساني فيهم زيدية، لكنَّهم قريبون لا بعيدون، وليسوا كلهم زيديةً على الإطلاق.
وعلى كل حال، إنَّ هناك بصماتٍ على أنَّ السيد عبد العظيم الحسني هو من أسس ودفع جملةً من رموز الهاشميين ذوي المرام الزيدي ليؤسسوا الدولة الزيدية في شمال إيران. وظلت تلك الدولة التي أُسست في زمن الإمام الهادي (عليه السلام) منفصلةً عن بني العباس، وبقيت إلى مجيء المغول، ربما قريباً من ثلاثة أو أربعة قرون. ولماذا؟ لأنَّ هذه الدول الزيدية، على أقل تقدير، تقبل اعتقاداً بإمامة الإمام زين العابدين (عليه السلام)، بينما كان العباسيون في شقاقٍ تام مع هذا الخط.
وقد ورد في غيبة النعماني، تلميذ الكليني، أنَّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) شارك في بدايات القتال فارتُثَّ بالجراح. وورد في أصول الكافي أنه شارك في الحرب باعتراف عبد الله بن عباس والإمام نفسه.[8] هذه أمورٌ لم يقترب منها التحقيق التاريخي كما ينبغي، فالواقع شيءٌ والبحث الرائج شيءٌ آخر. ونفس حضور الإمام السجاد (عليه السلام)، حتى لو افترضنا أنَّه لم يشارك مباشرةً في القتال، فإنَّ تبنيه لخط أبيه وحضوره معه في عاشوراء هو بحد ذاته تبنٍّ للمسؤولية، وتحملٌ لتبعات ما قام به الإمام الحسين (عليه السلام)، واصطفافٌ معه في كل شيء.
وخلاصة القول: إنَّ الظواهر التاريخية فيها كواليس كثيرة، وتعامل الأئمة (عليهم السلام) معها لم يكن بسيطاً. وهذا ليس فقط في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) مع الخوارج، من حيث إنَّهم حركةٌ ثوريةٌ تطالب بالعدالة المبدئية ولكنَّها ليست معصومة وفيها انحرافات وانفلاتات. هذا الموقف بالضبط هو موقف الإمام الصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والحسن العسكري (عليهم السلام) من الزيدية. فالكلام كذلك، ليس سلبياً مطلقاً. فنحن نميل إلى التصنيف الحاد بين أبيض وأسود، ولكنَّ الواقع فيه درجات.
فائدة: كما أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استعان بالمنافقين بلا شك، ففي قراءة أهل البيت (عليهم السلام) للآية الكريمة: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ﴾، [9] أنَّها تُقرأ: «جاهد الكفار بالمنافقين».[10] فنحن لدينا إما بياضٌ مطلقٌ أو سوادٌ مطلق، ولكنَّ الأمور تدريجية. وكما أنَّها تدريجيةٌ في البيان، فهي كذلك في إقامة النظام الديني. وما هو مبدأ ضرورة التغلغل في الأنظمة الفاسدة الجائرة في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) إلا دليلٌ على أنَّ الأمور تدريجيةٌ في البناء، وليست دفعية. فليس الأمر إما ملكاً من الملائكة أو إبليساً من الأبالسة، بل بينهما درجات.
لذلك، هذا التساؤل الذي يُعترض به على أمير المؤمنين (عليه السلام)، كيف يكون موقفه من الخوارج؟ وكيف يقاتلهم ثم يقول مراراً وتكراراً: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي»؟ فما هو مقتضى هذا النهي؟
ينزع السلاح منهم، وقد يُقال: إنَّ هؤلاء سلاحهم منفلت عن الدولة الأموية، وليست هذه دولة نبوية حتى يُظن أن الخارج عنها مارق من الدين، بل هي دولة أموية أو عباسية فيها ما فيها. وصحيح أنَّها تحفظ الأمن العام ونسبة من الوضع العام، لكنَّها ليست دولة نبوية ولا دولة علوية، فينبغي أن توزن الأمور بأوزانها.
وعليه يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي»[11] ؛ أي لا تُضعِفوا هذه الجماعة المسلحة، فهي توجب توازناً مع الفساد الموجود في النظام الأموي.
أو كما يقول الإمام الصادق (عليه السلام): إنَّ هذه الجماعة المسلحة الثورية الزيدية توجب توازناً مع الفساد العباسي في النظام العباسي؛ فالنظام العباسي ليس نظام ملائكة، وليس نظاماً نبوياً، بل نظام فيه فساد وجور ومكر ودماء، فكيف يمكن إصلاح هذا الوضع؟ لا يقتصر الأمر على الاختراق، بل بالتوازن نفسه.
فانظر إلى هذه الآلية؛ إذ يُقال لعلي بن يقطين: اخترق النظام العباسي، ولعبد الله بن سنان الفقيه: اخترق، ولمحمد بن إسماعيل بن بزيع الفقيه المرجع: اخترق وكن وزيراً، وله القصر الأخضر. فهؤلاء وستة عشر من فقهاء تلاميذ العلم كانت لديهم سياسة الاختراق، ولكن تارةً يوازن هذا الاختراق ما ورد في الرواية: «لَا تَزَالُ الزَّيْدِيَّةُ وِقَاءً لَكُمْ»[12] ، فيحدث توازن لا سلبية مطلقة.
أو تلك الرواية التي رواها ابن إدريس الحلي في مستطرفات السرائر: «لَوَدِدْتُ أَنَّ الْخَارِجِيَّ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ خَرَجَ وَعَلَيَّ نَفَقَتُهُ»[13] .
إنَّ مجموع مواقف الإمام الصادق (عليه السلام) وتصريحاته يعطي صورة واضحة عن استراتيجيته الكاملة. وكذلك فإنَّ مجموع ما صدر من كلمات الأئمة عليهم السلام حول الخوارج، وطريقة تعاملهم معهم، ومجموع مواقفهم، يُستوضح منه استراتيجيتهم مع الخوارج بوصفهم فرقة مسلحة وجماعة مسلحة. ومن مجموع ما صدر عن الإمام الحسن (عليه السلام) يمكن استظهار استراتيجيته مع الخوارج، مع أنَّه استعان بهم. ومع ذلك، رفض الإمام الحسن (عليه السلام) أن يمكّن الدولة الرسمية الأموية، مع أنَّه دخل في وفاق معها -أي وفاق نسبي وهدنة- لكنه امتنع عن نزع السلاح من الخوارج في مقابل النظام الأموي. وبالفعل لم ينزع السلاح، بل رفض أصلاً إضعاف الخوارج في مقابل الدولة الأموية.
والوجه في ذلك واضح؛ لأنَّ الدولة الأموية ليست دولة ملائكية، بل دولة فيها ما فيها، وهل توجد دولة نزيهة طاهرة مطهّرة عادلة معتدلة كنظير للدولة النبوية؟ بل حتى في الدولة النبوية نفسها، ما أعظم ما قام به خالد بن الوليد من خروقات، حتى تبرأ النبي (صلى الله عليه وآله)، سيد الأنبياء، مما قام به خالد بن الوليد في فتح مكة.[14] فماذا تقول؟ فلو كان إنسان جندياً الآن في فرقة عسكرية يقودها قائد، ويرى خروقات قائده تحت ذريعة أنَّ هذه الدولة دولة نبوية، فهل يستجيب لقائده؟
إنَّ فقهاءنا كلهم متفقون على أنَّه حتى لو كان الحاكم الشرعي، أو هذا المدير، أو هذا الوزير فاسداً، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.[15]
فإذا كنت ضمن مجموعة أو تكتل، وكان موقف هذا التكتل ضد المصلحة الدينية، فهل يسوغ لك ذلك؟ وهل أنت مأمور به؟ لا، لا يسوغ لك؛ فلا طاعة لمخلوق بلغ ما بلغ. طبعاً القضية لها حدود، وهذه نكتة أخرى سنتعرض لها حتى في التقية، ولكن نشير لها إشارة فقط، ولا نريد أن نفصّل فيها كثيراً.
والحاصل: أنَّ موقف أمير المؤمنين (عليه السلام)، وموقف الإمام الحسن (عليه السلام)، وموقف الإمام الصادق والكاظم والأئمة عليهم السلام عموماً من الحركات الثورية المسلحة التي يسميها النظام الرسمي الأموي أو العباسي جماعات مسلحة منفلتة -وهو يسميها كذلك لأنَّها منفلتة عن فساده- هو موقف مركب. فأمير المؤمنين (عليه السلام) من جهة يقر بوجود فساد فيهم، ومن جهة أخرى يقول بضرورة حفظ النظام، ويُخطّئ الخوارج في ذلك.
ولو قرأنا عبارته (عليه السلام) رداً على شعارهم: «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ! وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الْأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ»[16] ، لوجدنا أن مبدأهم في الحركة الثورية صحيح، لكن الآلية والمنهجية باطلة.
ومع أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يسجل هذه المؤاخذات على الخوارج، لكنه في حين آخر يرى أنَّ الفساد الموجود في النظام الأموي أو العباسي يقتضي وجود توازن، وأنَّ هؤلاء إذا وقفوا مواقف صحيحة في الجمل وصفين، يُستعان بهم. وقد عاشوا عيشة مدنية مع وجود السلاح، فانظر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) كيف أنَّه لم ينزع منهم السلاح في دولته، وهو يعلم أنَّهم مجموعة مسلحة وتكتل، ومع ذلك لم ينزع منهم السلاح، بل تعامل معهم بعدالة.
وقال لهم ما مضمونه: لكم حقوقكم ما دمتم لم تسلّوا علينا سيفاً في مواجهة مسلحة. هذه نكات يجب الالتفات إليها.
إذن، قضية نزع السلاح، وقضية الدولة الرسمية وما إلى ذلك، ما هي رؤية أئمة أهل البيت عليهم السلام فيها؟ وصية أمير المؤمنين بخصوص الخوارج هي ألّا يُنزع السلاح منهم، ليكونوا في مقابل فساد النظام الأموي توازناً. وإلا فإنَّ الأمويين يلعبون لعبتهم بلا حد في الفساد، فمن يقوّمهم؟ ومن يمسكهم؟ لا يمسكهم أحد. والعباسيون يفعلون كل ما يريدون، فمن يقوّمهم غير الفرق الثورية الزيدية؟ «لَا تَزَالُ الزَّيْدِيَّةُ وِقَاءً لَكُمْ»، كما ذكرها النعماني تلميذ الكليني في روايته. فموقف الأئمة من الزيدية ليس سلباً مطلقاً، بل هو موقف يرى فيهم عنصراً للتوازن؛ فهي فرقة مسلحة ثورية، ودائماً في صدام مع النظام العباسي، لكنَّها توجب توازناً.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة:
https://youtu.be/v6wexYEPTyc?si=k2XDuzzz9VcZLCTl