47/11/21
فقه الموازنات السياسية: قراءة في موقف الأئمة من الخوارج
#درس_العقائد_1447هـ
عنوان الدرس : الخوارج الجماعات المسلحة والنظام الأموي
تأريخ الدرس : السبت 21 ذي القعدة 1447هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01:02 النهي عن الثورة و الخروج على حكام الجور مقيَّد بشروط
03:07 خطورة الاعتماد على أحد العمومات وترك المخصصات في الاستنباط
04:06 صحيح يونس : عن الامام الرضا (ع) عن المرابطة والدفاع نموذج التقييد والتأويل في النهي
08:33 النهي عن الحراك العسكري لا يشمل الدفاع عن كيان الإسلام
10:09 عدم الاسترسال بسذاجة في تكوين رؤية دينية لا تستند إلى منظومة كاملة للأدلة
11:18 إشكالية التوفيق بين مواقف أمير المؤمنين (ع) من الخوارج كجماعة مسلحة
18:00 الإمام الحسن (ع) لم ينزع السلاح للدولة من جماعته المسلحة
22:00 سياسة أمير المؤمنين (ع) والإمام الحسن(ع) تجاه الجماعات المسلحة خارج الدولة
23:50 الإمام الرضا (ع) يبين وبيان القسم المحظور من الواجب من المرابطة والدفاع
25:00 الأئمة أصروا على بقاء السلاح بيد الخوارج كجماعة مسلحة خارج الدولة
28:05 الامام الحسن (ع) الحفاظ على الأمن العام بتوازن الدولة الفاسدة والجماعات المسلحة
30:08 توازن بني أمية دولة انتداب رومي نصراني يهودي خفي مع الخوارج جماعة مسلحة
35:00 نزع السلاح وتهديد داعش مخاطرة بالأمن العام والسيادة الوطنية
37:12 شرعية الدولة المسيودة نسبية دستوريا بتوازن مع الجماعات المسلحة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
@alsanaddroos 🔹
جرى الكلام في المبحث الذي أثاره السيد الخوئي (قدس سره)، [1] وكذلك السيد محسن الحكيم (قدس سره)[2] في فتواه التي نقلناها مراراً عن مجلة “أضواء”، [3] وأشار إليها المرحوم الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي في كتابه “في انتظار الإمام”، [4] وغيره من علماء النجف الذين استفتاهم. ومآل قولهم، دلالةً بالالتزام، أن طائفة روايات عدم النهضة والمعارضة والخروج والمواجهة لأنظمة الجور، لا يمكن الأخذ بإطلاقها، بل إن هذه الروايات عند جمعها مع طوائف الروايات الأخرى الكثيرة، يتضح أنها مقيَّدة بغايات ومقيِّدات، فهي ليست مما يغلق الباب بالمرة، وإنما هي روايات تقيِّد. ولا يستوحش الفقيه والمجتهد من ذلك إذا كانت له دُرْبة في الاستنباط؛ فكثير من الأبواب الفقهية تَرِدُ فيها عمومات، ثم تتبعها خصوصات تقيِّدها. وعدُّ هذا غريباً يُعَدُّ سذاجةً في الاستنباط وفي تكوين الرؤية الدينية، بلا ريب.
والشاهد على ذلك: صحيحة يونس بن عبد الرحمن، [5] التي أفتى بمضمونها المشهور في حكم الدفاع، لا الجهاد الابتدائي، واعتمد عليها السيد الخوئي (قدس سره) وذكرها في كتابه “منهاج الصالحين”؛ فإن كتاب الجهاد من المواضع القليلة التي جعلها السيد الخوئي بصيغة استدلالية، هو وبحث الهلال، فجعلهما كتاباً استدلالياً وفتوائياً في آنٍ واحد.[6] وقد استدل بصحيحة يونس بن عبد الرحمن هذه، حيث يسأل فيها الإمام عن المرابطة، وهي من مصاديق الدفاع لا الجهاد الابتدائي، فكان جواب الإمام بالنهي والمنع والزجر. وهذا النهي يتكرر في روايات عديدة في أبواب جهاد العدو، كما في الباب السابع من أبواب جهاد العدو، [7] حيث نجد المنع المتكرر، وحتى في صحيحة يونس هذه كان المبدأ هو المنع.
ولكن لما كان الراوي فقيهاً وهو يونس بن عبد الرحمن، من أصحاب الإجماع، [8] لم يكتفِ بالعموم الذي بيّنه له الإمام الرضا (عليه السلام)، بل أخذ يستفصل في شقوق المسألة وأقسامها. وفي نهاية المطاف، وبعد ذكر الأقسام والقيود، بيّن له الإمام قسماً آخر من المرابطة تكون فيه واجبةً، لا جائزةً فحسب. وهذا القسم ليس استثناءً نادراً، بل هو قسم مهم. ولو لم يُصِرّ يونس بن عبد الرحمن الفقيه على السؤال والتشقيق في الأقسام والقيود، لما بيّنه الإمام.
والسؤال: لماذا لم يبيّن الإمام ذلك ابتداءً؟ والجواب: أن ذلك كان لغرض علمي أو لسياسة شرعية، وهي أن لا ينزلق المؤمنون تحت شعار الدفاع، فيكون دفاعهم في حقيقته خدمةً للسلطان الجائر لا صوناً لكيان الإسلام. إذ إن ظاهر الرواية في بدئها هو المنع البات والتحريم المطلق، كما هو الحال في روايات كثيرة. لكن يونس لكونه فقيهاً وليس راوياً ساذجاً، أخذ يطرح الشقوق والقيود واحداً تلو الآخر، وكان الجواب في أكثرها بالمنع، حتى وصل إلى القيد الأخير الذي بيّن فيه الإمام حكم الوجوب في ظرف معين، وهو ظرف ليس بالنادر. فانكشف من خلال هذا الفرض الأخير أن النهي السابق لم يكن نهياً مطلقاً على إطلاقه، بل كان نهياً مقيداً بحالةٍ خاصة، وهي أن لا يصب الدفاع في خدمة سلطان الجور. أما الدفاع الذي يصون كيان الإسلام، من دون أن يدعم كيان الجور، فهو مشروع من الأصل ولا كلام فيه.
وهذا المنهج في الاستنباط ليس حكراً على صحيحة يونس.
فمثلاً: نجد زرارة بن أعين[9] في موارد وأبواب عديدة يسأل الإمام فيجيبه، ثم يستفصل بشق ثانٍ وثالث ورابع، حتى قد تبلغ شقوقه الخمسة عشر شقاً في المسألة الواحدة. وعندها يتبين له أن الحكم ليس واحداً في جميع الصور، كما في أبواب ركعات الصلاة، أو قواعد الاستصحاب، وغيرها من الأبواب الفقهية الكثيرة. وذلك لأن زرارة فقيه يلم بأطراف الكلام، ولا يكتفي بضابطة واحدة، لعلمه أن الضوابط عند الشرع متعددة. فكل باب فيه عمومات وخصوصات وقيود، فلا ينبغي الاسترسال بسذاجة في الاستنباط وتكوين الرؤية الدينية، بل لا بد من الإلمام المنظومي بالأدلة. ولصاحب الجواهر[10] تعبير لطيف في هذا المعنى، إذ يرى أن الذي ينخدع بالعمومات ولا يلتفت إلى القيود والخصوصات، فإنه لا يفقه منظومة الأدلة والدين.
إشكال: في هذا السياق، قد تُطرح إشكالية تتصل بقضية التأويل واختلاف الوجوه والتدابير، وهي حول كيفية فهم ما صدر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قولاً وعملاً في موقفه من الخوارج وبني أمية. وهو بحث يرتبط بمسائل التقية والدفاع والنهضة والخروج والمواجهة. وذلك باعتبار أن الخوارج كانوا جماعاتٍ مسلحةً لها مواجهات عسكرية مع الأنظمة القائمة، كنظام بني أمية.
فإن قيل: كيف يمكن التوفيق بين كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) ومواقفه العملية تجاه الخوارج؟ إذ قد يُخيَّل للناظر السطحي أن فيها تناقضاً وتدافعاً، والعياذ بالله. إن ما صدر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حول الخوارج، بوصفهم جماعات مسلحة شعبوية، يطرح سؤالاً جدياً.
وكذلك يُطرح التساؤل نفسه حول ما صدر عن ابنه الإمام الحسن (عليه السلام) من أقوال وأفعال قد تبدو للوهلة الأولى متناقضةً. فمن لا يتعمق في وجوه الأدلة يظنها كذلك، والحال أنها مرتبطة ببحوث دقيقة في الفقه السياسي والعسكري والاجتماعي.
فمن جهة، نجد أن مواقف أمير المؤمنين (عليه السلام) تبدو مختلفة: - تارةً: استعان بهم في حرب الجمل وصفين ضد معاوية. - وتارةً أخرى: حاربهم بنفسه في النهروان. - وتارةً ثالثة: أوصى ابنيه الحسن والحسين (عليهما السلام) بعدم محاربة الخوارج من بعده، في وصيته الشهيرة: «لَا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ».[11] وهي وصية عسكرية سياسية مبرمة.
استعانة وحرب ووصية: تفكيك المواقف الثلاثة
فكيف يُجمع بين هذه المواقف التي تبدو متناقضة؟ فهذه جماعات مسلحة توصف بالفوضوية والشعبوية وعدم الالتزام بالنظام، فكيف يستعين بها الإمام تارةً، ويحاربها تارةً، ويوصي بإبقائها تارةً أخرى؟ ما هو تفسير ذلك؟
ومما يؤكد جدية هذا الإشكال أن كتب الخوارج أنفسهم، كلاميةً كانت أم فقهية، تسجل هذه الاعتراضات عينها على أمير المؤمنين (عليه السلام). فهل هذا تناقض حقاً؟ الجواب بالنفي، ولكن الأمر يحتاج إلى فهم دقيق للموازنات.
وينطبق الأمر نفسه على الإمام الحسن (عليه السلام)، الذي سجل عليه الخوارج الاعتراض عينه: - فمن جهة: استعان بهم في حربه ضد معاوية في بداية الأمر، قبل عقد الصلح والهدنة. - ومن جهة أخرى: لم يستجب لهم وميّز كيانه وكيان شيعته عنهم عسكرياً وسياسياً عند عقد الصلح، ولم يواصل معهم الوفاق.
والموقف الثالث للإمام الحسن (عليه السلام) يتمثل في أنه بعد عقد الصلح مع معاوية، لم ينزع السلاح من شيعته. فلم يكن امتلاك السلاح الفردي أمراً مستغرباً، ولكن جمع السلاح على نحو يشكل قوةً كان أمراً ذا دلالة سياسية وعسكرية. وقد كانت تهمة جمع السلاح والمال تُتخذ ذريعةً لاعتقال الأئمة، كما حصل مع الإمام الصادق (عليه السلام) على يد المنصور الدوانيقي، [12] وكما في التقرير الذي رُفع إلى هارون الرشيد ضد الإمام الكاظم (عليه السلام)، وكان سبباً في سجنه، وفيه: «يُجبى له الخراج، وتُحمل إليه الأموال، وله السلاح والرجال، ووراءه سبعون ألف سيف ضارب».[13] فجمع السلاح بهذا المعنى ليس مجرد حيازةٍ فردية عادية. ولهذا السبب استنجد معاوية مراراً بالإمام الحسن (عليه السلام) لحرب الخوارج، فلم يقبل، مما يدل على أن الإمام (عليه السلام) كان يمتلك قوة عسكرية معتبراً بها.
بل زاد على ذلك أن الإمام الحسن (عليه السلام) رفض طلب معاوية بنزع سلاح الخوارج، قائلاً ما مضمونه: لو كنتُ أرى المحاربة، لكنت أقاتلك أنت، فإنك أولى بالقتال من الخوارج. فكيف نفهم هذا الموقف؟ فمع أن سلاح الخوارج كان في نظر بني أمية سلاحاً منفلتاً يهدد الأمن العام، بل إن لأمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه مؤاخذات عليهم، كما في قوله عن شعارهم ﴿لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]: «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ».[14] فمن جهة يسجل الإمام عليهم مؤاخذات جوهرية.
على الخوارج أن سلاحهم منفلت، ومن جهة أخرى يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي»[15] ، فلا تنزعوا السلاح عن هذه الجماعات المسلحة، فهل هذا متناقض؟ وهذا اعتراض يُساق في المقام، وناقل الكفر ليس بكافر.
فيجب أن نفهم ما هي سياسة الأئمة عليهم السلام؟ وما هو الواجب الملقى على عاتق الأمة؟ ولماذا أصرَّ أمير المؤمنين والإمام الحسن عليهما السلام على بقاء الخوارج رغم التداعيات السلبية المترتبة على بقاء السلاح في أيديهم؟
إن الحكم على طرفٍ ما بالشطب المطلق خطأ منهجي. وهذا الاعتراض ناشئ من غياب رؤية تقييد المطلقات بقيودها، والنظر إلى الأمور بمنطق إما (نعم) مطلقة أو (لا) مطلقة، وهذا خطأ كبيرٌ جداً في عالم التدبير الفقهي السياسي والعسكري. فليس في البين (نعم) مطلقة أو (لا) مطلقة، بل هي قيود وظروف وحالات، وإذا لم تُفهم هذه الأمور فإن مصير الأمة وبيضة الدين والإيمان إلى الضياع. فلا بد من فهم القيود مجتمعةً بعضها مع بعض.
وقد مرّ بنا ذكر صحيحة يونس بن عبد الرحمن في الفقه العسكري وفقه الدفاع، حيث يسأل الإمام الرضا (عليه السلام)، فيجيبه الإمام جواباً بأن هذا النشاط العسكري الدفاعي لا يسوغ، ثم يعرض عليه صورة ثانية فيجيبه بعدم الجواز، وثالثة ورابعة وخامسة، حتى يصل إلى الصورة الأخيرة، وهي ليست صورة نادرة، فيقول الإمام: يجب. ولو لم يسأل يونس ويشقّق في المسألة، لما بيّن له الإمام الحكم، وذلك لحكمة ما. ولكن واقع الحكم عند الأئمة عليهم السلام ليس واحداً لجميع الصور، بل هو مختلف باختلاف الصور والحالات.[16]
فكيف يستعين أمير المؤمنين والإمام الحسن عليهما السلام تارةً بهذه الجماعة المسلحة ولا ينزعان السلاح منها، وتارةً أخرى يحاربانها، وتارةً ثالثة يوصيان شيعتهما وامتدادهما في العمق الإسلامي بألّا ينزعوا السلاح منها ولا يواجهوها؟
والجواب: أنه عندما كان لهذه الجماعات المسلحة موقف مسؤول تجاه الدين والقضية الوطنية، استعان بهم أمير المؤمنين (عليه السلام) في حرب الجمل وفي صفين، واستعان بهم الإمام الحسن (عليه السلام) في مواجهة النظام الأموي. فهذا موقف مسؤول منهم، ولذا لم ينزع السلاح منهم، ولم يواجههم، بل استعان بهم وأعطاهم مكتسبات.
ومن جانب آخر، فإن هذه الجماعات المسلحة، أي الخوارج، معروفة بكونها جماعات ثورية، حتى إن أمير المؤمنين (عليه السلام) يصفهم ويميز بينهم وبين النظام الأموي بقوله: «لَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ».[17] فدستور بني أمية قائم على الباطل، فهم الذين طلبوا الباطل فأصابوه، بخلاف الخوارج الذين طلبوا الحق فأخطأوا طريقه.
وهنا بيت القصيد ومفتاح حل هذه المسألة: ما السر في أن الإمام الحسن (عليه السلام) لم يساعد بني أمية في نزع السلاح من هذه الجماعات المسلحة؟ لأن دولة بني أمية لم تكن دولة شرعية بالمعنى التام، وإن كانت قد ركبت موجة الإسلام وتظاهرت بنظامه.
وصحيح أن أمير المؤمنين والإمام الحسن عليهما السلام يقرّان بمقولة: «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[18] ، وأن النظام العام والأمن لا بد من حفظهما، ولكن الفساد المستشري في الدولة الأموية لا يمكن التغافل عنه، وكذا الخيانة لمبادئ الدين والقيم العامة. فإن لم يُجعل توازنٌ بين هذه الجماعات المسلحة التي توصف بالانفلات، وبين الفساد المستشري في الدولة الأموية، فإن الأمر سيؤول إلى خراب أكبر.
إن بني أمية كانوا على ارتباط بالروم، ويُعتبرون بمثابة انتداب رومي ومسيحي ونصراني ويهودي في الدولة الإسلامية. فكيف يمكن معالجة وضع كهذا؟ لم تكن دولة بني أمية دولة نموذجية، بل كانت دولة مسيَّدة من الخارج، مرتبطة بالروم والنصارى واليهود، فكيف يُسلَّم لها الخيط والمخيط لتمارس انقلاباتها على الدين على قدم وساق؟
فالحاصل إذن: أن الموقف لم يكن تناقضاً من أمير المؤمنين أو الإمام الحسن عليهما السلام، بل كان موازنة دقيقة. فهذه الجماعات المسلحة كان لديها شعارات مبدئية على الأقل، أما بنو أمية فكانوا انتداباً نصرانياً. وإن كنت تدري فتلك مصيبة، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم.
والشاهد على ذلك: موقف هند زوجة أبي سفيان في معركة اليرموك، [19] حيث كانت ترفع شعارات الكفر والعداء للإسلام جهاراً نهاراً، وهي نفس الأشعار التي رددتها في أُحُد. وما كان ذهابها وأبي سفيان إلى حرب الروم إلا لأجل الغنائم، وبث الخور والتثبيط في جيش المسلمين.
فالمصادر التاريخية تشير إلى أن بني أمية كانوا على ارتباط بالروم، فهم انتداب رومي ونصراني ويهودي خفي. فكيف يكون الحال حينذاك؟ بينما الخوارج لم يكونوا مجنّدين للروم ولا لليهود، نعم كان عندهم انفراط وانفلات، ولكن كان لديهم مبدأ. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) ما معناه: إن هذه الجماعات المسلحة وإن كان فيها انفراط وقد تُخلّ بالأمن العام، لكنها في نهاية المطاف تقف في صف بيضة الدين وأمن الوطن بدرجة ما، فهي ترفض سيادة الفسّاق على الأمة، فضلاً عن سيادة النصارى واليهود.
فكيف يُقال بنزع السلاح عن هذه الجماعات، في مقابل دولة هي في باطنها انتداب للنصارى، وسيادتها مرهونة للروم؟ إذا نُزع السلاح منهم، فسيستولي النصارى على البلاد، وستتكرر الانقلابات الأجنبية. فلا بد من الموازنة: هل الدولة المقابلة دولة نموذجية، ملائكية، دستورية، سيادية، أم أنها دولة مُسيَّدة؟ إذا كانت مُسيَّدة، فهل من الحكمة نزع السلاح من جماعات لديها على الأقل بعض المبادئ والشرف؟
إلى متى هذا الاستغفال؟ هذه هي حقيقة موقف أمير المؤمنين (عليه السلام). إن ما يسجله الخوارج من تناقض مزعوم ليس تناقضاً، بل هو موازنة دقيقة تختلف فيها الأحكام باختلاف الحالات. فلو كانت المقابلة بين جماعات مسلحة منفلتة ودولة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لكان الأمر مختلفاً. أما والمقابلة مع دولة معاوية التي هي فساد في فساد، ولم تلتزم حتى بحفظ ثغور الإسلام، فالأمر يختلف.
من التاريخ إلى الواقع: دروس في السيادة والأمن
وهذا ينسحب على النوازل المعاصرة، فهل يُعقل أن يُنزع السلاح الذي يمثل السيادة الحقيقية للوطن، تحت شعارات تخدم في النهاية سيادة الروم واليهود والنصارى؟ أين نعيش وأين نصير؟
ألم تكفِنا صفّين والنهروان والجمل؟ ألم تكفِنا قضية الإمام الحسن (عليه السلام)؟ ونحن لا نزال نتعامل بسذاجة ونستغفل، ونتحدث عن سيادة دولة وهي في الحقيقة متحررة من سيادة أبناء البلد وخاضعة لسيادة الأجانب. إن أبناء البلد هم الضمانة أمام “داعش” وأمثالها.
فمن كان سيوفر الحماية للإمام الحسن (عليه السلام) لو أنه تخلى عن سلاحه؟ ولماذا لم يستطع معاوية أن يغتاله جهاراً نهاراً؟ لأن الإمام الحسن (عليه السلام) كانت لديه قوة ضاربة. ولماذا لم يجرؤ معاوية على قتل أحد من أصحاب الإمام الحسن (عليه السلام)؟ لأنه كان يمتلك قوة عسكرية. لقد أبقى الإمام قوته العسكرية ولم ينزع السلاح عن نفسه، رغم قيام الدولة الأموية.
كانت هناك بنود في الميزانية تُخصّص له، وإن كانت الميزانية تُمنع عنه لكونه خارجاً عن الشرعية الأموية بنظرهم. فكان يقال: هؤلاء جماعة مسلحة ليس لهم ميزانية، لأن الانتداب الأجنبي لا يسمح بذلك. والسؤال هو: لماذا يُترك الانتداب الأجنبي ليسيطر على النفط والمجال السيبراني وكل شيء من الأساس؟ عالج نفسك أولاً، ثم طالب الآخرين. ما هذه المعادلة العجيبة؟
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.