47/11/18
القواعد وتأويل الروايات الواردة الناهية قبل القائم
الأربعاء (18) ذي القعدة 1447 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01:00 تعدد تأويلات الأئمة في الروايات الناهية قبل القائم
02:25 حذاقة الفقيه في دلالة جمع منظومة الأدلة لا الاقتصار على ظهور دليل واحد
02:26 الوهابية والعزوف عن محصل منظومة الأدلة
05:17 قواعد الأئمة في مدح ثورة زيد الشهيد
05:16 ولاية الحاكم الجائر زعزعة لتوحيد الله
10:05 الطوسي وعلماء الإمامية: وجوب إقامة القضاء بحكم الله والنبي والأل في عصر الغيبة
13:03 المنكر والمعروف السياسي الاجتماعي في منطق الوحي
15:44 إقامة السلطة القضائية الشرعية فرض جمعي مجموعي
18:55 ذم الاستعجال في إقامة السلطة والنظام الديني
18:56 الإمام الحسن بقاء استمرار بقية الحروب مع معاوية
18:54 سيرة الأئمة واستمرار الحروب الناعمة والباردة
25:36 عدة أركان للتقية في زيارة الهادي والعسكري (ع)
25:35 شدة الضغط البوليسي الأمني على الهادي والعسكري(ع)
23:10 أمير المؤمنين والشجاعة في الإدارة والتدبير في خيبر
32:11 (كرار غير فرار) حديث الراية المتواتر النبوي وصفات القائد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌐 دروس المرجع الديني سماحة الشيخ محمّد السند دام ظلّه
فقه مواجهة الحاكم الجائر: تأويل روايات النهي عن الثورة
مرّ بنا أنَّ الفقهاء قد حملوا الروايات الناهية عن الثورة أو القيام المسلّح على وجوهٍ وتأويلاتٍ عديدة، وذلك لأنَّ ألسنة هذه الروايات وإن كانت مستفيضةً أو متواترة، إلا أنَّ لها تفسيرات متعددة مستقاة من سائر الأدلة.
وزيادةً على ما سبق، فإنَّ لهذه التأويلات مناهج؛ فمنها ما هو تأويل للنصوص بالنصوص، ومنها ما هو تأويل للأمة بالأمة. وهذا يرجع إلى أنَّ الفقيه الحاذق هو الذي يجمع منظومة الأدلة ولا يجتزئ، وليس كبعض السطحيين من الوهابية أو الإخباريين أو حتى بعض الأصوليين، الذين من شأنهم أنهم إذا رأوا دليلاً معتبراً في نفسه -سواء أكان آيةً أم رواية- عملوا به كيفما اتفق.
وذلك لأنَّ الدليل لا يمكن فهمه بمعزلٍ عن سائر الأدلة؛ فمع أنَّ له ظهوراً في نفسه، إلا أنَّ ظهوره الذاتي شيء، وظهوره ضمن المنظومة القرائنية شيءٌ آخر. فلا يمكن للمجتهد أن يتدين في الفتوى والاستنباط بالاعتماد على ظهور الدليل في نفسه فحسب، بل يجب عليه أن يجمع منظومة الأدلة، لأنَّ الدليل يفسّر الدليل.
وتأسيسًا على ما سبق، فإنَّ من جملة التأويلات هو تأويل الأدلة بالأدلة، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 85)، فإنَّ من آمن بالقرآن وترك السنة -سنة النبي وسنة المعصومين- فقد ترك القرآن نفسه، لأنَّ القرآن يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (آل عمران: 7)، وهم المفسرون المجتهدون.
ومن الشواهد على ذلك الروايات المادحة لزيد الشهيد[1] والمادحة للمختار، فإنَّ مدح الأئمة لهما لم يكن لمجرد شخصيهما، وإن كان لزيدٍ عظمةٌ لخصوصيته لا ريب فيها، بل كان المدح منصبّاً على القواعد التي انطلقا منها.
ومن القواعد التي ذكرها الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا السياق أنَّ زيداً شاهد حاكماً جائراً فجاهده. وهذه قاعدةٌ متقررةٌ في الرواية المادحة لزيد.
إذن، أصل قضية مواجهة النظام الجائر الذي يمثل جاثوماً على المسلمين هو حكمٌ أولي. فالحكم الأولي في كل حكمٍ جائر هو وجوب زعزعته، أما كيفية ذلك -سواء أكانت بشكلٍ ناعم أم ساخن- فهذا بحثٌ آخر.
وحكم الجور يتشدّد فيه القرآن الكريم إلى درجة أنَّه يجعله في آية الكرسي مخلّاً بتوحيد الله، وهو بحثٌ طويلٌ مبسوطٌ في محله عند بيان ولاية الله وولاية الطاغوت. بل أكثر من ذلك، فإنَّ القرآن الكريم يرى أنَّ الحاكم الجائر، كنمرود في الأرض، هو إلهٌ يُعبد من دون الله، فإلى هذه الدرجة تبلغ حساسية القرآن من هذه القضية. فالألوهية المذمومة هي دعوى الحاكمية من دون الله، حيث يضع الحاكم حكم الله جانبًا وهو يشرّع.
وعليه، فإنَّ القرآن يفسّر “لا إله إلا الله” بنفي الحاكم الجائر، وإثبات الحاكم من قِبَل الله. فآية الكرسي، كما نبّه أهل البيت (عليهم السلام)، تفسّر التوحيد بمعنى: لا حاكم جائر، لا نمرود يُطاع، ولا فرعون يُطاع، إلا من نصّبه الله لطاعته.
وعليه، فإنَّ القاعدة الأولية في الفقه الإسلامي تجاه الحكم الجائر هي وجوب إزالته وزعزعته، إذ هو أكبر منكرٍ في الدين بتسالم علماء الإمامية، فهو أعظم من الزنا واللواط وغيرهما من الكبائر، لأنَّ الله عز وجل جعله مزعزعاً للتوحيد.
وقد نصَّ على ذلك الشيخ الطوسي[2] في كتابه المبسوط، حيث يقرّر أنَّ القضاء بحكم الله ورسوله والأئمة واجبٌ وفريضة، وأنَّ أي بلدٍ يمتنع أهله عن إقامة القضاء الشرعي تجب مقاومتهم. والشيخ الطوسي نفسه يرى أنَّ أكبر منكر هو السلطة القضائية الجائرة أو السلطة السياسية الجائرة، وأنَّ النظام الجائر أكبر منكر يجب النهي عنه وزعزعته وإزالته.[3]
وهذا هو عين كلام المحقق الحلي[4] في الشرائع، وكلام ابن إدريس[5] في السرائر، وكلام ابن البراج[6] ، وكلام صاحب الجواهر[7] ، بل هو كلام كل فقهاء الإمامية في أوائل كتاب القضاء، حيث أجمعوا على أنَّ إقامة النظام القضائي القائم على قضاء الله ورسوله والأئمة واجبة، وأنَّ النظام القضائي الجائر أكبر منكر يجب إزالته.
ومن اللطائف أنَّ طوائف الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في المعروف والمنكر، تُحمل على هذا المعنى، كما نبّه على ذلك السيد محسن الحكيم[8] ، حيث يرى أنَّ أكبر منكر هو المنكر الاجتماعي السياسي، وأنَّ أكبر معروف هو المعروف الاجتماعي السياسي، لا المنكر والمعروف في دائرة الفرد.[9] ثم يأتي بعد ذلك المنكر والمعروف العقائدي وهو أعظم.
والحاصل: أنَّه في منطق أهل البيت (عليهم السلام) والفقه الإسلامي، يُعد أكبر معروف هو إقامة النظام القائم على حكم الله ورسوله وأهل بيته، سواء في السلطة القضائية أو التنفيذية أو التشريعية، حكماً وحاكماً. وفي المقابل، فإنَّ الحكم الجائر والحاكم الجائر هما أكبر منكر. ويشهد لذلك آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: 36)، فهدف كل الرسل هو إقامة النظام السماوي في المجتمع وزعزعة الأنظمة الجائرة، وعبادة الله هنا جاءت في مقابل اجتناب الطاغوت، الذي استُعمل في القرآن حصرًا في الحاكم الجائر.
وهكذا يرفع القرآن الكريم أفق البحث والتشريع والتقنين فيما يتعلق بالحاكم الجائر. وعلى هذه القاعدة الأولية، يقول الأئمة (صلوات الله عليهم) إنَّ زيد بن علي الشهيد (رضوان الله عليه) قام في وجه حاكمٍ جائر وجاهد ليناهضه، وهذا هو التأييد الذي ورد عن الإمام الرضا عن الإمام الصادق (عليهما السلام) في مدحه.
إذًا، هذه القواعد لا يُرفع اليد عنها، فكل فقهاء الإمامية يقولون إنَّ إقامة القضاء الشرعي فرض كفاية في الغيبة الكبرى، ولم يختلف في ذلك أحد منهم. وقد نبّه صاحب الجواهر على أنَّ هذا الفرض هو من نوع الفرض المجموعي، لا الفردي ولا الجميعي (الاستغراقي).[10] ومعنى فتوى علماء الإمامية بفرضية إقامة القضاء الشرعي -الذي يصل في مراتبه إلى المحكمة الدستورية- أنَّه فريضة لا تُعطّل، ويجب على المؤمنين مساعدة الفقيه في إقامتها، لأنَّ أكبر معروف هو النظام الديني وأكبر منكر هو النظام الجائر.
ويتفرّع على ما سبق تأويلٌ آخر للروايات الناهية، وهو أنها ليست مانعةً على نحو الإطلاق.
والوجه في ذلك: أنَّ النهي فيها منصرفٌ إلى ذمّ الاستعجال والقيام قبل أوانه، أي حين تكون الأرضية غير مؤاتية بالكامل، فيكون استخدام الأسلوب الساخن فجأةً خطأً استراتيجياً. فحتى في الحرب العسكرية، لا تكون وتيرة المواجهة واحدة، بل تتذبذب صعوداً وهبوطاً.
والشاهد على ذلك ما مرّ بنا من سيرة الإمام الحسن (عليه السلام)، فإنَّه وإن هادن في وقف إطلاق النار (الحرب الساخنة)، إلا أنَّه لم يهادن قط في الحرب الإعلامية، بل قال إنَّه ليس فيها وقف لإطلاق النار. وهذه نكتة استراتيجية دقيقة قد تغيب عن الكثيرين، ولكن يدركها المتخصصون في الشؤون العسكرية والسياسية عند تحليل سيرته (عليه السلام). فقد أوقف (عليه السلام) الحرب الساخنة فقط، بينما استمرت الحرب الناعمة، والحرب الباردة، والحرب الأمنية، بل إنَّه هو نفسه (عليه السلام) كان من أشدّ الأئمة خوضاً للحرب الإعلامية بلا هوادة ضد خط السقيفة وبني أمية، منذ صغره إلى حين استشهاده.
والنتيجة: أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) لم يوقف كل أشكال المواجهة. فمن الخطأ الظن بأنَّ وقف نوعٍ من الحرب يقتضي إيقاف جميع أنواعها، فالمواجهة مع العدو فكرية وقلبية أيضاً. ويؤيد هذا المعنى تشديد القرآن الكريم على المفاصلة القلبية مع الأعداء، كما في قوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (المجادلة: 22).
فهل عُهد عن الأئمة (عليهم السلام) أنهم تودّدوا إلى حكّام الجور؟ وهل تركوا الحرب الإعلامية؟ قد يقال إنَّهم خفّفوا من وتيرتها أحياناً، وهذا بحثٌ آخر، ولكنهم لم يوقفوها بالكلية. وكذلك الحال في الحرب الباردة والحرب الناعمة، فإنَّها لم تتوقف أبداً مع خط السقيفة وبني أمية وبني العباس.
وبني العباس أبداً؟ وهل أوقفوا الحرب الناعمة أبداً؟ غاية ما في الأمر أنَّ الإمام قد يخففها أو يعطيها لوناً آخر، وهذا بحث آخر.
تنبيه: وهنا مدخل إلى أبواب التقية التي هي وجه من وجوه تفسير هذه الروايات. فهل وُجد أنهم أوقفوا الحرب الناعمة أبداً؟ أو أوقفوا الحرب الباردة؟ إنَّ تحديد ماهية الحرب الباردة والساخنة والناعمة يقتضي مراجعة المتخصصين فيها، كما مر بنا سابقاً.
فإن قيل: إنَّ الفقيه إذا أراد أن ينظر في أمر، فضلاً عن أن يتخذ موقفاً إجرائياً، من دون أن يستعين بأهل التخصص، فإنَّ ذلك لا يسوغ له. قلنا: نعم، فالتخصص في الموضوعات الخارجية كالعسكر والأمن والسياسة أمر، والتخصص في الفقه أمر آخر. وليس لفريق واحد من الخبراء أن يحيط بكل شيء، فقد انشعبت هذه العلوم نفسها إلى تخصصات دقيقة، كما هو الحال في أي رئيس جمهورية أو رئيس وزراء، فإنه لا يلم بالعلوم الأولين والآخرين، ولا يمكنه أن يعتمد على خبراء عسكريين دون خبراء أمنيين، أو يعتمد على خبراء عسكريين في الجو دون خبراء عسكريين من البَرّ مثلاً؛ فإدارة الأمور المتشعبة كلها مبنية على أصول علمية.
لذلك لاحظ في سيرة أهل البيت صلوات الله عليهم، هل تركوها الحرب الفكرية أبداً؟ هل تركوها الحرب القلبية أبداً؟
والشاهد على ذلك ما ورد في زيارة الإمامين الهادي والحسن العسكري عليهما السلام، التي أوردها صاحب الوسائل في أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، [11] وهي إشارة واضحة إلى أنَّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبط أولاً وبالذات بالشأن العام السياسي الاجتماعي قبل أن يكون بالشأن الخاص. وهذه الرواية موجودة في المزار الكبير لابن المشهدي، وأوردها أيضاً السيد ابن طاووس في مصباح الزائر.[12] وهي زيارة عظيمة للإمامين الهادي والحسن العسكري، وفيها هذا المقطع: “اَلسَّلَامُ عَلَيْكُمَا أَيُّهَا الْإِمَامَانِ الطَّاهِرَانِ الصِّدِّيقَانِ اللَّذَانِ اسْتَنْقَذَا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُخَالَطَةِ الْفَاسِقِينَ، وَحَقَنَا دِمَاءَ الْمُحِبِّينَ بِمُدَارَاةِ الْمُبْغِضِينَ”.
ولكن بقالب غير الموجود، فإنَّ السيد محسن الحكيم[13] يعترف بأنَّ ما دُوِّن في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه التقية، قد تناول التقية كقالب فقهي فردي، فلا يمثل واقع كل التشريع.
بل إنَّ التشريع الأهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتقية في الشأن الاجتماعي السياسي والعسكري والأمني. ولدينا الآن محاولة لجمع كلمات الأعلام التي ذكروها بشكل متناثر، لنرسم ما هو باب التقية في الشأن الاجتماعي السياسي العام، وفي الشأن العقائدي، وما ينعكس بالتالي على قالب وهيكل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السياسي الاجتماعي. وهذا استعراض ملخص لكلمات الأعلام والنصوص، وهو منبه علمي صناعي.
ونعيد العبارة في الزيارة، وسنعرض نصوصاً كثيرة تبين نكات لم تتبلور في التدوين الفقهي، لا في باب التقية ولا في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشأن العام، وهي: “اَلسَّلَامُ عَلَيْكُمَا أَيُّهَا الْإِمَامَانِ الطَّاهِرَانِ الصِّدِّيقَانِ اللَّذَانِ اسْتَنْقَذَا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُخَالَطَةِ الْفَاسِقِينَ”.
ومعنى ذلك أنَّ للتقية خطاً أحمر، وهو عدم تماهي المؤمنين في هوية الباطل، على قاعدة “كن في الناس ولا تكن معهم”.[14] فلا يجوز أن يُترك المؤمنون يتماهون، سواء في النظام العقائدي، أم في النظام السياسي، أم في النظام الفكري.
فعلي بن يقطين كان في جهاز الدولة العباسية الشرس، ولكنه لم يتماهَ أبداً.[15]
إذًا، ليس معنى التقية التماهي؛ لا التماهي السياسي، ولا التماهي العسكري، ولا التماهي الفكري، ولا التماهي العقائدي. وهذا ركن مهم في التقية يجب الالتفات إليه.
إنَّ أشرس الممارسات البوليسية ضد الأئمة مورست بحق الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام، لأنهما لم يكونا سجينين سياسيين ولا مدنيين، بل كانا سجينين عسكريين. وإذا قرأنا في مصطلح علم السياسة، نجد فرقاً بين السجين العسكري والسجين السياسي؛ فالإمام الكاظم (عليه السلام) كان سجيناً سياسياً مدنياً، أما الإمامان الهادي والعسكري عليهما السلام فكانا سجينين عسكريين. فما معنى السجن العسكري؟ إذا كان المؤرخ لم يمر على فكره هذا الاصطلاح العلمي، فكيف سيحلل سيرة الإمام الهادي (عليه السلام)؟
والحاصل: أنَّ الاستعانة بالتخصصات ضرورية، بل هي أوجب من الاستعانة باللغوي، وهي الاستعانة بأهل الاختصاص في شرح الموضوعات، سواء للخطيب أم للمؤرخ. فلا يمكن أن تعرف الجو الأمني الذي عاشه أئمة أهل البيت من عصر السقيفة إلى الغيبة الصغرى دون ذلك. وهذه مشكلة دهياء في قراءة سيرة النبي وسيرة الأئمة، حيث لا تُقرأ بالتخصصات، وكأن المؤرخ هو الكل في الكل. فأنت مؤرخ على العين والرأس، لكن لا حظ لك من العلوم الأخرى، فيجب أن تستعين بمتخصصين.
كيف حصلت هذه الحادثة؟ هل لديك خبرة أمنية؟ أو خبرة عسكرية؟ إنَّ إدارة قلعة خيبر، فأبو بكر قد ذهب -بنصوص متواترة عند الفريقين- ورجع وقد فشل في إدارة المعركة، فكان يُجبِّن الناس ويُجبِّنونه، [16] ولهذه العبارة تفسيرات عدة، منها تواطؤه على الجبن، ومنها أنَّ الجيش والقيادة قالوا لنتراجع. ثم ذهب عمر بن الخطاب ورجع يُجبِّن الناس ويُجبِّنونه. وهذه نصوص موجودة عند الفريقين. ثم ذهب عمرو بن العاص ورجع يُجبِّن الناس ويُجبِّنونه. فماذا قال النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم؟ قال قولته في الحديث المتواتر: “لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، كَرَّارٌ غَيْرُ فَرَّارٍ”.
إنَّ راية إدارة الأزمات لا تُعطى لرجل مهزوز. فمصير أمة في مواطن عديدة كيف يُعطى لأي كان؟ إذا أردت أن تفكر في نفسك، فكف عن الأمة. ولذلك لاحظ عند أمير المؤمنين (عليه السلام)، عندما أمره الرسول (صلى الله عليه وآله) وسلم أن يبيت مكانه، هل أخذه الوجل؟ لا. بل بات وهو يعلم أنَّ من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله. فأنت إذا تصدرت سدة المسؤولية، لست ملك نفسك، بل أنت ملك مصير الشأن العام، وإلا فلا تتصدر، وإذا تصدرت فيجب أن تتحمل المسؤولية.
فائدة: كلمة “كرار غير فرار” ليست مديحة لأمير المؤمنين (عليه السلام) فقط، بل هي تبين أسس اصطفائه وعلى أي شيء ابتنى، فلم يكن ذلك مجاناً. فالله أعطى أمير المؤمنين هذه الخصائص لقواعد وضوابط، منها أن يكون كراراً غير فرار؛ كراراً في الإدارة، وكراراً في القرار العسكري والأمني. وفي قضية مؤتة، كان جعفر كراراً ولم يكن فراراً، بينما كان خالد بن الوليد في صف الفرار. ولما رجعوا إلى المدينة المنورة، استقبلتهم نساء المدينة وصبيانها وهم يهتفون: “يا فُرَّار، يا فُرَّار”، في إشارة إلى فرار الهزيمة والنكسة النفسية قبل أن تكون عسكرية. وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ¤ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 15-16]. فالمنهاج واحد: كرار وليس فرار.
فإذا رأينا هذه الصفة التي ذكرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم لأمير المؤمنين (عليه السلام)، نفهم أنَّ القيادة يجب أن تكون هكذا، ذات شجاعة في القرار. فالكرار غير الفرار يحب الله ورسوله، لا يحب نفسه ولا حياته، بل يحب المصير العام، ويحبه الله ورسوله، إذ يقدم مصلحة الله ورسوله على نفسه.
وهاتان الصفتان ضروريتان في أي قيادة، في أي مستوى، وفي أي بقعة، كما دل عليه حديث الراية المتواتر. فهل ندري ما نفهم من الراية؟ إنَّ فيها فقهاً سياسياً وإدارياً، وليس فقط شأناً نترنم به عاطفياً أو نعتقده اعتقاداً مبهماً. لا يا أخي، فيها فقه سياسي وإداري حول كيفية انتخاب القيادة.
لذلك لاحظ في ركن التقية عند الإمامين الهادي والحسن العسكري، أنهما استنقذا المؤمنين من مخالطة الفاسقين، وحقنا دماء المحبين. فهل يصح تحت ذريعة حقن دماء المؤمنين أن أتركهم يتماهون في الباطل؟ هذه معادلة ليست صحيحة. وهل يصح تحت ذريعة عدم التماهي أن أخاطر بدمائهم؟ لا. انظر لماذا ذكرت الزيارة أولاً عدم التماهي في الهوية ثم ذكرت الدم؛ لأن العقيدة أعظم من الدم. ولكن مع ذلك، لم يفرط الإمامان في العقيدة والهوية، ولم يفرطا أيضاً في الدماء.
وعلى أي حال، فإنَّ البحث في نظام التقية في النظامين السياسي والاجتماعي الذي لم يُدوَّن في الكتب الفقهية، ولكن يمكن اصطياده من كلمات الأعلام والأدلة البيّنة، هو بحث مؤجل.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة:
https://youtu.be/Bj6oM5kQi3k