47/11/16
صناعة الاستنباط في الفقه السياسي
الاثنين (16) ذي القعدة 1447 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01:04 ضرورة الرجوع لأهل الاختصاص في الأبواب موضوعات الفقهية
01:05 الفرق بين البنك الحكومي والأهلي والمشترك
04:15 أطروحة الشهيد الصدر في البنوك الإيرانية والربا المحض
08:15 الشركات الهرمية والنصب والاحتيال والقمار
08:48 الاصفهاني تنقيح الموضوع العرفي في الاستفتاءات
11:07 الحروب الاستباقية حروب دفاعية والمدونة الفقهية
13:01 أنواع الحكومات والامام الصادق في منطق العلوم السياسية
13:00 سيرة النبي والآل في الانتقال السلمي للسلطة
14:00 أمير المؤمنين وسحب البساط من حكومة السقيفة
18:47 الفرق بين العلوم الاستراتيجية والعلوم التخصصية
20:00 الفرق بين الدولة الرسمية والدولة العميقة
23:42 التقية نظام أمني
23:43 نظرية الانتقال السلمي للسلطة عند النبي والآل
25:05 عالم الادارة السياسية بين السذاجة وقمة الحذر والمعلومات
27:14 استغلال العباسيين تعاطف جمهور المسلمين مع أهل البيت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌐 دروس المرجع الديني سماحة الشيخ محمّد السند دام ظلّه
أهمية الرجوع إلى أهل الخبرة في الاستنباط الفقهي والسياسي
كنا قد أشرنا فيما سلف إلى أنَّ كل باب فقهي كما يحتاج إلى الرجوع إلى اللغة وعلومها، كذلك يحتاج إلى الرجوع إلى أهل التخصص والموسوعات العلمية التي تتناول موضوع ذلك الباب الفقهي، سواء كان موضوعاً طبيّاً، أم فلكيّاً، أم ماليّاً، أم صيرفيّاً.
فهم الموضوعات التخصصية: قضية البنوك
وفي هذه الموضوعات، ذهب السيد الخوئي[1] (رحمه الله) وتلامذته إلى أنَّ هناك فرقاً بين البنك الحكومي والبنك الأهلي، فالبنوك على أقسام: مشتركة، وحكومية محضة، وأهلية محضة.
فبنى السيد (رحمه الله) على أنَّ البنك الأهلي ماله مال خاص، بينما المال العام مخلوط بالمال الخاص، أما البنك الأهلي فماله خاص. وهذا بحث موضوعي محض، وهو: هل أموال البنك الأهلي تعدّ مالاً خاصّاً، أم أنَّ أمواله مختلطة مع المال الدولي؟
لقد بنى السيد الخوئي على هذا، بينما يذهب الخبراء المتخصصون في عالم المال إلى عدم وجود بنك أهلي يتمحض ماله في كونه خاصّاً، بل هو دوماً مشترك؛ فهذا البنك الأهلي الخاص هو كالأواني المستطرقة المتصلة مع البنك المركزي للدولة.
في السيولة لا فرق، أما في الذمم فبحث آخر، والذمم تعني المملوكات التي في الذمة. وهذا بحث لا يمكن لغير المتخصص في عالم المال أن يشخصه بمراجعة الموسوعات الفقهية المالية فحسب.
ومثال ذلك: أطروحة الشهيد الصدر[2] (رحمه الله) في كتابه (البنك اللاربوي)[3] ، وهو من الكتب التي هي مَفخرة، لكن الملاحظة الموجودة على أطروحة الشهيد الصدر (رحمه الله) هي افتقارها إلى الصلة الواقعية بالبنوك.
وقد تبنت الجمهورية الإسلامية في إيران نظرية الشهيد الصدر في البنك اللاربوي منذ أكثر من ثلاثين سنة. وقد حدث أنَّ السيد محمود الهاشمي[4] (رحمه الله)، وهو تلميذ الشهيد الصدر، بعث إليّ حين كنت أبحث في موضوع البنوك في مدينة قم لثلاث سنوات (1413-1415هـ) مع جماعة من الفضلاء، فسألني: سمعت أنَّ لديك بحثاً حول البنوك، فإلى ماذا توصلت حول تطبيق نظرية الشهيد الصدر (رحمه الله) في البنوك الإيرانية التي يتبنونها الآن؟ ما رأيك؟
فذكرت له، قلت: جهدتُ جهداً جهيداً لتلتئم نظرية الشهيد الصدر مع واقع البنوك، ولكن لا صلة لها بالبنوك، وهذه الطريقة تضع طبقة شكلية على البنوك، بينما الربا لم يرتفع، فقال: أنا أتفق معك في هذا الرأي.
وسبب ذلك أنَّ نظرية الشهيد الصدر (رحمه الله) نظرية عظيمة، ولكنها تفترض أنَّ البنوك تتعامل بالسيولة النقدية، فلو كانت البنوك تتعامل في جل معاملاتها بالسيولة، لكانت نظرية الشهيد الصدر واقية من الربا. لكن في الواقع، تتعامل البنوك بالذمم في كل شيء، والسيولة قليلة، وعندما تكون المعاملات بالذمم، فإنَّ الحلول التي ذكرها الشهيد الصدر لا تمنع من وقوع الربا المحض. وعليه، فإنَّ تشخيص الموضوع في غاية الأهمية.
شاهد آخر: هذه الشركات الهرمية[5] التي هي شركات نصب واحتيال وربا وقمار. قبل أكثر من ثلاثين سنة، بدأت شركة أجنبية في محافظة الأهواز، وحين استُفتيتُ في شأنها، قلت: هذه إما نصب واحتيال، أو قمار، أو ربا. بينما أفتى الأعلام في النجف وقم بالحلية. وبعد أشهر، أخذت هذه الشركة المحتالة أموالاً ضخمة من محافظة خوزستان وهربت.
والسبب في ذلك: أنَّ من دأب الأعلام المحققين، كالسيد أبي الحسن الأصفهاني (رحمه الله)، أنه إذا استُفتي لا يلاحظ ظاهر السؤال فحسب، بل يلاحظ الموضوع العرفي للسؤال وخلفياته. وإنَّ معرفة الواقع العرفي، أو الواقع التخصصي في كل باب، ضرورية جدّاً في تشخيص حكم ذلك الباب، وهذا ليس في الشبهة الموضوعية فقط، بل الأخطر من ذلك في الشبهة الحكمية وفي تنظير الأبواب. فمن آليات الاستنباط الضرورية، كما نراجع اللغويين، أن نرجع إلى قول الخبراء المتخصصين في موضوعات الأبواب، فإنَّ قولهم يؤثر جدّاً على رؤية الفقيه في الاستنباط.
فمثلاً: ما معنى الحرب الاستباقية؟ هذه الكلمة لم يذكرها الفقهاء أصلاً في كتب الفقه، مع أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ذكرها في نهج البلاغة، إذ قال: «فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا»[6] ، أي لا تصبر حتى يغزوك عدوك، بل إذا رأيته يستعد لك، فوجه له الضربة قبل أن يضربك. هذه الاستباقية موجودة في العلم العسكري وفي نهج البلاغة، لكن الفقهاء (رضوان الله تعالى عليهم) لم يفترضوها، وهي ليست من الحروب الابتدائية، بل يصفها العسكريون بأنها حرب دفاعية.
فلاحظ أنَّ العلم العسكري المعاصر يرى أنَّ الحرب الاستباقية حرب دفاعية. فإذا أقررت بشرعية الدفاع في الغيبة الكبرى، وضرورة أن يدافع المؤمنون عن أنفسهم، فهل تصبر حتى تُستضعَف وتُنهَب وتُسلَب؟ أم لا بد من إعداد العدة قبل ذلك؟ طبعاً لا بد من إعداد العدة، بل ومبادرة هذا العدو الغاشم قبل أن يبادرك.
والحاصل: أنَّ وجوب الدفاع مسلم، ولكن أين إعداد القوة العسكرية والأمنية عند المؤمنين؟ إنَّ معناه أنَّ الدفاع واجب على نحو الاستمرار.
تنبيه: لو أردتُ أن أقرأ أدلة باب الجهاد من دون الاستعانة بالعلوم العسكرية، فلن أقرأها بشكل دقيق وواضح وصحيح وسديد أبداً.
وعلى هذا المنوال: إذا أردتُ أن ألاحظ حال الأئمة (عليهم السلام) ورؤيتهم في الغيبة الكبرى وإقامة الدولة، فهل فهمنا حقيقة الدولة؟ إنَّ في العلوم السياسية الآن، الحكومة طبقات ودرجات وألوان وأنواع.
في منطق العلوم السياسية، كان الإمام الصادق (عليه السلام) ذا حكومة، وكان الإمام زين العابدين (عليه السلام) ذا حكومة، كان يمارس حكومة، يسمونها حكومة الظل[7] ، أو حكومة اجتماعية، أو حكومة فدرالية. نعم، كان يمارس. ومن ثم كان هناك قلق لدى الدولة العباسية والدولة الأموية تجاه أهل البيت (عليهم السلام)؛ قلقهم من جهة تنامي قوة الأئمة.
وهذا موجود في روايات أهل البيت (عليهم السلام)، حتى في زيارة أئمة المؤمنين التي ذكرها الشيخ عباس القمي[8] ، وهي زيارة جامعة، لكنها ليست الجامعة الكبيرة، مذكور فيها أنَّه كلما بزغ نجم من الأئمة وصار ينمو، أقدمت الدولة الأموية أو العباسية على اغتياله، لأنهم لا يقدرون عليه. أي إنهم مارسوا حرباً باردة ناعمة مع دولة بني أمية وبني العباس، فكان الخليفة الأموي أو السلطان العباسي يحس أنه لو لم يبادر هذا الإمام الذي يشبه جَدَّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لسحب البساط من الدولة بالناعمة، بالحرب الباردة.
والسؤال: هل كان الأئمة (عليهم السلام) لا يمارسون مقاومة؟ كانوا يمارسون، لكنها مقاومة باردة، ناعمة، خفية، وكان سعيهم لجمع السلطة يتم بشكل ناعم وبارد.
إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقي في مكة ثلاث عشرة سنة، وفي المدينة عشر سنوات. في تلك السنوات الثلاث عشرة في مكة، ما الذي كان يقلق بيوتات قريش الفراعنة كآل أبي سفيان وآل مروان وآل أبي العاص؟ هو ما ذكروه بأنفسهم من أنه سيسحب البساط منهم بشكل ناعم، وهو ما يسمى اليوم في بحوث العلوم السياسية بـ “الانتقال السلمي الناعم للحكم”.
وأمير المؤمنين (عليه السلام) في السنوات الخمس والعشرين التي أعقبت السقيفة، ماذا كان يصنع؟ كان يسعى لانتقال سلمي للسلطة من السقيفة إليه. صحيح أنه لم يكن يعلن ذلك لضعف الظاهر، ولم يكن بأسلوب الانقلاب العسكري الذي قاموا به هم في السقيفة، والذي كان فلتة باعترافهم، وتفاصيل القضية مذكورة في مصادر الفريقين.
فهل كان أمير المؤمنين (عليه السلام) طوال خمس وعشرين سنة جليساً، جامداً، واضعاً يداً على يد، يائساً، متشائماً، منهاراً؟ أبداً. بل كان في نشاط على قَدَم وساق، وسعي على قَدَم وساق، كما يصفه الإمام الهادي (عليه السلام) في الزيارة الغديرية[9] . ومن ثم سحب البساط من حكام السقيفة إلى نفسه، وهذا موجود في نهج البلاغة، حتى إنَّ الخليفة الثالث قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): والله ما حيج الأمة ضد مشروع السقيفة إلا أنت يا علي بن أبي طالب. فأمير المؤمنين الذي كان وحيداً في السقيفة، كيف صار بعد خمس وعشرين سنة؟ لقد سحب البساط من تحت قدرة حكام السقيفة، فتقوضت السقيفة تماماً.
والنتيجة: أنَّ قراءة سيرة الأئمة (عليهم السلام)، مع كامل احترامنا للخطباء والفقهاء والحوزات العلمية، لا يمكن أن تكون دقيقة ما لم نستعن بالاستراتيجيين السياسيين وعلوم الاستراتيجية السياسية. هل تريد أن تتعلم الإدارة؟ أم استراتيجية الإدارة؟ هل تريد أن تتعلم علوم المال؟ أم استراتيجية علوم المال؟ إذا كان الأستاذ الجامعي لا يدري الفرق بين علوم المال واستراتيجية المال، وإذا كان ربان الجامعة مولعاً بالسطحية، فماذا يُرتجى من الطلاب؟ إذا كان أساتذة الجامعة لا يدرون الفرق بين العلوم الإدارية والعلوم الاستراتيجية الإدارية، فإنَّ العدو يدري ونحن لا ندري. وهذه هي النقطة الأخيرة التي انتهينا إليها في الجلسة السابقة.
العلوم الاستراتيجية والدولة العميقة
للعلوم الاستراتيجية اسم آخر في اللغة العربية هو “علوم السيطرة”، أي الفقرات المتحكمة. فأنت حين تأخذ تخصص العلوم الإلكترونية أو الأمن السيبراني، تجد أن هناك علوماً استراتيجية في الأمن السيبراني.
والسؤال: ما الفرق بينهما؟
والجواب: أن هناك فرقاً؛ فالأول سطح عام، والثاني سطح قمّة تقع في يده كل مراكز التحكم. ولذلك نلاحظ أن تدريس العلوم الاستراتيجية في كل تخصص ليس مبذولاً في الجامعات العامة في كل دولة، إنَّما هي مخصّصة للجامعات السرية في كل دولة.
فالعلوم الاستراتيجية، أو علوم السيطرة، هل هي للدولة العميقة أم للدولة التي لا تملك صلاحيات؟ ففي عالم السياسة، هناك دولة عميقة أو دول عميقة، وفي المقابل دولة سطحية، دمية، كرتونية. وكيف أن الدولة -وهو مصطلح متداول الآن في العلوم السياسية الاستراتيجية- طبقات؟ فهناك دولة دمية كرتونية، فيها انتخابات وصعود ونزول وتقاسم للوزارات، وكلها أمور كرتونية.
بل هناك دولة تدير البلد، وهي الدولة الحقيقية، والسيطرة الحقيقية في البنوك والأمن والنفط. بل قد تأخذ دولة عظمى وراء المحيطات ثروة نفط بلد ما، ثم تقطّر عليهم نفطهم ليبيعوه، وتجعلهم مجرد أداة، وتفرض عليهم وتملي عليهم ما تريد.
فمن الذي يحكم حقيقة؟ هل هي العاصمة أم من وراء المحيطات؟ وكيف يمكن أن نعرف ما يدور وما يُدبَّر؟
وفوق كل سلطان سلطان، وفوق كل دولة دولة، وفي عمق كل دولة دولة.
فالمقصود: أننا إذا أردنا أن نبحث في “علم الدولة” لنرى هل كان عند الأئمة عليهم السلام مشروع دولة في الغيبة الكبرى، فكيف لا نستعين بالمتخصّصين في قراءة النصوص المختلفة؟ كيف أستعين باللغويين، ولا أستعين بهؤلاء المتخصّصين؟ ليس المطلوب منهم أن يستنبطوا، بل هم على الأقل يعطوننا المفردات الموضوعية. فعلم الأمن موجود، فهل يوجد مشروع أمني في علم أهل البيت أم لا؟ سيأتي إن شاء الله بحث التقية.
والسؤال: ما هي ماهية هذه التقية؟
رحم الله الشيخ هاشم الرفسنجاني[10] ، فقد جاءني في حوار على إحدى الفضائيات وقال: إنَّ هذا علم أمني، نظام أمني، فكيف لا تعقلون؟ فإذا كانت التقية هي نظام أمني، فكيف لا نستعين بعلماء الأمن وعلوم الأمن؟ وهي علوم واقعية تكوينية وليست اعتبارية، فكيف لا نستعين بها في قراءة مراد أهل البيت عليهم السلام من أبواب التقية؟
إنَّ أهل البيت عليهم السلام هم خبراء الأمن الدوليون، بل الملكوتيون. فأصل غيبة صاحب الأمر (عليه السلام) تدبير أمني، فهو أكبر رجل أمني على وجه الأرض.
لماذا قتل المنصور الدوانيقي الإمام الصادق (عليه السلام)؟ لأنه كان يشاهد تدبيره الأمني يتّسع.
ولماذا قتل هارون الرشيد الإمام الكاظم (عليه السلام)؟ لأنه لم يستطع مجاراته في الحرب الباردة والحرب الناعمة؛ لم يستطع على موسى بن جعفر (عليه السلام).
وهذا هو حال فراعنة قريش مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم، إذ قالوا: إذا تركناه هكذا يخوض حربه الناعمة والباردة، فإنه سيسحب البساط من تحتنا. والسبب هو تفوقه في التدبير والإدارة الأمنية والحرب الباردة المتجددة التي لا يستطيعون عليها. وهكذا الحال في أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ ففي خلال خمس وعشرين سنة، سحب البساط منهم، سحب نصفه. ولو لم يغتالوا أمير المؤمنين، ولو لم يغتالوا الإمام الحسن، ولو لم يغتالوا الإمام الحسين عليهم السلام، لسحبوا البساط منهم بالقوة الناعمة الباردة.
فكل إمام من الأئمة صلوات الله عليهم، لو لم يُغتل من قبل السلطة وتُرك وشأنه، لسحب البساط من تحتها رغماً عن أنفها بالطريقة الناعمة.
فكيف أفهم كلامهم وبياناتهم دون الاستعانة بالمتخصّصين في تفسير ألفاظهم؟ أنا لا أنكر الأبعاد الفقهية والأصولية، ولكن أتحدث عن المفردات الموضوعية في الشبهة الحكمية وفي التنظير، والتي لا يمكنني ألّا أستعين فيها بالمتخصّصين، فهي موضوع من الموضوعات.
فهذه الروايات الناهية عن كذا وكذا، لو أعطيتها لخبير استراتيجي في الأمن، لفهم منها ما قد لا يفهمه كثير من طبقات الفقهاء رحمهم الله بسبب الجمود والسكون.
والحاصل: أن القضايا لها عدة تفسيرات ووجوه، فلا ينبغي أن يكون المرء ساذجاً في العمل السياسي؛ فالعمل السياسي هو أخطر الأعمال والمسؤوليات، ولا يمكنك أن تكون فيه متوسط الفهم، ولا يمكنك أن تبني على الظاهر. إنَّ عالم السياسة ليس مبنياً على الظاهر أبداً؛ فقاعدة حجية الظاهر وأصالة الصحة تُرفعان تماماً في العالم السياسي والعسكري. فعالم الإدارة السياسية ليس مبنياً على الظاهر ولا على أصالة الصحة، بل هو مبني على قمة الاحتياط، وقمة الحذر، وقمة الاحترافية، وقمة المعلومات، والتمييز بين هذا الباب وذاك.
ولذلك يحاول الأئمة، كما يذكر السيد الخوئي[11] قدس سره وهو كلام صحيح، أن ينبهوا شيعتهم في رواياتهم لئلا يكونوا سذجاً فيركب كل أحد الموجة على رؤوسهم. وهذا هو مراد الروايات الكثيرة.
فكيف استغل العباسيون، كما مر بنا، موجة “الرضا من آل محمد”؟ وماذا صنع الفاطميون وغيرهم؟ فلا يكون الظهور حتى يوجد من يستغل موجة التعاطف في المسلمين مع أهل البيت عليهم السلام، لكنه لا يريد أهل البيت، بل يريد كرسياً ورياسة. وهذا معنى أن الظهور لا يكون إلا والعباسية موجودة؛ أي هناك من يركب الموجة، وهدفه ليس راية أهل البيت ولا قيمهم، بل هدفه الوصول إلى الكرسي ولو على حساب كل مبادئ أهل البيت عليهم السلام. هناك من يستغل تعاطف الجمهور الإسلامي مع أهل البيت، ودققوا هنا، ليس فقط تعاطف الشيعة، بل تعاطف جمهور المسلمين مع أهل البيت، فالعباسيون استغلوا هذا البحر الجماهيري كله. فمعنى “لا يكون ظهور حتى تكون عباسية قائمة” هو أنه سيوجد من يستغل هذا التعاطف ويركب الموجة ليقود مسيرتها ضد أهل البيت تماماً.
فالخلاصة: أن القراءة السياسية والعسكرية، كما في باب القضاء وهلم جراً، تحتاج إلى تخصصات. ولا تتم الاستعانة بالمتخصّصين ليستنبطوا لنا، بل ليشرحوا لنا المصطلحات الموضوعية، تماماً كاللغوي. بل إنَّ هذا المتخصّص أهم من اللغوي؛ فاللغوي يقف عند حدود اللفظ، أما المتخصّص فيذهب بك إلى “مدينة المعنى” ويبيّن لك تفاصيلها. فكيف لنا أن نفهم بيانات أهل البيت عليهم السلام وبيانات القرآن من دون هذه الأدوات؟ وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة:
https://youtu.be/fNYjB70FEwY?si=yhl82eitH8pY-2fb