الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

47/11/14

بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة علماء الإمامية في إقامة النظام السياسي

السبت (14) ذي القعدة 1447 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

01:00 حقيقة مفاد الروايات الناهية عن القيام قبل الظهور

02:00 فتاوى الاعلام في إقامة النظام السياسي في الغيبة

03:43 الصدوق المفتي الشرعي للدولة البويهية

05:58 الدولة البويهية وإيعاز الصدوق بإعلان الشهادة الثالثة

08:02 أنشطة العلامة الحلي السياسية العملاقة

05:59 سيرة علماء الإمامية في إقامة النظام السياسي

12:00 الشهيد الأول : كتاب اللمعة قانون دستوري لدولة خراسان الشيعية

09:42 المحقق الكركي مهيمن على الدولة الصفوية

13:00 الثورة الدستورية لعلماء النجف لإيران والعراق

14:33 تلاميذ الأئمة الجمع بين المرجعية الفقهية والموقعية السياسية

14:34 علي بن يقطين : الجمع بين المرجعية الفقهية والموقعية السياسية

17:00 سلمان المحمدي : الجمع بين المرجعية العقائدية والموقعية السياسية

19:39 ضرورة اختراق أنظمة الجور في فتاوى الفقهاء

19:40 سيرة الأئمة في اختراق انظمة الجور

23:08 عشرة وجوه لقواعد التقية كنظام أمني

24:10 استغلال العباسيين لعاطفة الناس تجاه أهل البيت(ع)

27:55 مشروع المختار تكريس لمبادئ أهل البيت(ع)

29:45 الدولة الفاطمية في المغرب والجزائر ومصر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

🌐 دروس المرجع الديني سماحة الشيخ محمّد السند دام ظلّه

مشروعية إقامة الدولة في الغيبة الكبرى وتأويل الروايات الناهية

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء، أمناء وحي رب العالمين.

تأويل الفقهاء للروايات الناهية عن القيام

محل البحث في هذه المباحثة هو الروايات الناهية عن القيام أو النهوض أو الخروج أو الثورة. وقد مر بنا أن السيد الخوئي[1] (رحمه الله) يحملها على تقدير خاص وليس على النهي المطلق، ويوافقه على ذلك السيد محسن الحكيم[2] في فتويين له منشورتين. وقد أفتى بذلك أغلب أعلام النجف الأشرف آنذاك، كما في استفتاءين وجّههما الشيخ عبد الهادي الفضلي[3] (رحمه الله)، وهما موجودان في مجلة «دار الأضواء». وهذا التأويل نفسه قد صيغ بلغة أخرى، وربما نكرره لما فيه من دقة صناعية تقتضي الالتفات إليها.

وقد ذكرنا سابقاً فتوى السيد البروجردي[4] ، وفتوى الشيخ لطف الله الصافي، وما نقله الشيخ محمد مهدي شمس الدين[5] عن الشيخ المفيد[6] والمرتضى[7] والطوسي[8] ، ويتضح من ذلك أن إقامة النظام السياسي الديني في الغيبة الكبرى هو مبدأ مقرر عند الأعلام.

السيرة العملية للعلماء كدليل على المشروعية

ومن الشواهد التاريخية على ذلك الدولة البويهية، فآل بويه هم من الفرس الذين حكموا إيران والعراق مدة تقارب مئة وخمسين سنة. ويُذكر أن آل بويه هم أخوال الصدوق[9] ، وذلك لأن والدة الصدوق من جيلان، وهم في الأصل من مدينة رشت القريبة منها. وأياً كان الأمر، فإن ما أثبته السيد محسن الأمين في «أعيان الشيعة»[10] وغيره من المصادر، سواء في ترجمة البويهيين أم في ترجمة الصدوق الابن، هو أن المفتي الشرعي للدولة البويهية منذ بدايتها كان هو الشيخ الصدوق نفسه، وقد انتقل من قم إلى الري (طهران حالياً) باستدعاء من مؤسس الدولة البويهية. وهذا الموقف من الصدوق يكشف عن طبيعة تعامله مع الدولة الاثني عشرية التي امتد نفوذها على إيران وبغداد وصولاً إلى الموصل. وقد فُتحت بغداد على أيدي البويهيين بعد نحو عشرين سنة من بداية الغيبة الكبرى، أي في خمسينيات القرن الرابع الهجري.

والمهم أن هذه الدولة الاثني عشرية التي بسطت نفوذها كان الشيخ الصدوق هو السند والمرجع لمسارها الشرعي، ويتبعه في هذا الموقف سائر العلماء. كما أن البويهيين هم من أعلنوا الشهادة الثالثة في الأذان وتشهد الصلاة، لا سيما في بغداد، فالصدوق لم يكن ممن يعارض إدراج الشهادة الثالثة، بل كان هو المفتي الشرعي للدولة التي أقرتها.

والشاهد على ذلك أيضاً هو موقف أعلام آخرين؛ فالعلامة الحلي[11] والخواجة نصير الدين الطوسي[12] ، كما هو ثابت قطعاً في التاريخ، كانت لهما مشاركة فاعلة في الدولة المغولية المسلمة، لا لأسلمتها فحسب، بل ولتشييعها أيضاً. ويخطئ من يتوهم أن العلامة الحلي استطاع في مجلس واحد أن يقلب دولة بأكملها من اتجاه إلى آخر؛ فإن هذا كلام فارغ لا يقبله العقل، فلولا أن العلامة كانت له جسور ممتدة وأنشطة سياسية وعلاقات دولية واسعة، لما تحقق له ذلك. فموقفه من الدولة المغولية التترية بعد تشيعها، هو أيضاً رمز عظيم في تاريخ التشيع. وكذلك كان موقف الشيخ المفيد والشريف المرتضى والشيخ الطوسي من الدولة البويهية كموقف الصدوق تماماً، لمن يراجع طبيعة علاقتهم بالدولة في بغداد.

فالحاصل أن سيرة علمائنا كانت سنداً لهذا التوجه، فهم بأجمعهم قائمون على فكرة إقامة النظام.

نعم، سيأتي أن حصر مصير المذهب في سلة النظام السياسي ليس صحيحاً، فإقامة الدولة هي أحد الخيارات والأنشطة المتاحة، ولدى العلماء خيارات متعددة، لكنه يبقى أحد الخيارات المهمة.

وكذلك الحال مع الدولة الحمدانية، التي عاصرت الدولة البويهية بدءاً وانتهاءً، وامتدت من الموصل إلى قرب تركيا. والحمدانيون معروفون بكونهم اثني عشرية، وكانوا أيضاً يقيمون الشهادة الثالثة في الأذان وتشهد الصلاة، وقد ساندهم في ذلك جملة من فقهاء الشيعة، كما يظهر لمن يراجع المصادر القديمة. ونادراً ما نرى دولة شيعية اثني عشرية تقوم دون أن يساندها جملة من الأعلام البارزين. وصولاً إلى الدولة الصفوية ومروراً بها، فإنها قامت على أكتاف نجوم من علماء الإمامية.

فنحن إذن بصدد بيان أن سيرة علمائنا العملية تكاد تكون مجمعة على مشروعية إقامة النظام السياسي في الغيبة الكبرى، وهذه السيرة المتصلة بالمعصومين (صلوات الله عليهم) تعد بحد ذاتها دليلاً شرعياً.

ومثال ذلك الشهيد الأول[13] (رحمه الله)، فقد كان بينه وبين الدولة الشيعية الاثني عشرية في خراسان تواصل علمي وشرعي، حتى إنه كتب لهم كتاب «اللمعة الدمشقية» ليكون بمثابة قانون دستوري للدولة. وقد اعتذر عن الانتقال إليهم قائلاً: “إنَّ لدي أيتاماً هنا في بلاد الشام، لا أريد أن أتركهم، لكنني على تواصل معكم من جهة السلطة التشريعية”.

فإذا تأملت ترى أن سلسلة علمائنا، وهم نجوم التشيع، كلها تسير على هذا المنوال. وإن اعترض بعض الفقهاء، كالشيخ إبراهيم القطيفي[14] (رحمه الله)، فقد رد عليه العلماء كافة، حتى الذين لم يكن لهم توجه سياسي، وذلك بسبب مناكفته العلمية مع المحقق الكركي[15] . وقد أجمعوا على أن الحق مع الكركي في بحوثه، فكان موقف القطيفي أشبه بالشاذ الذي لا يُعتد به في مقابل سيرة الأعلام.

والمقصود أن هذه السيرة متصلة، وصولاً إلى الثورة الدستورية (المشروطة) التي أقامها علماء النجف، بتدخل من صاحب الكفاية[16] والميرزا النائيني[17] والسيد أبو الحسن الأصفهاني[18] . والثورة الدستورية، كما ذكرنا استناداً إلى الوثائق، لم يدعُ لها علماء النجف في إيران فقط، بل كانوا يدعون لها في العراق أيضاً بنفس الهندسة والطراز. وهذا أمر بالغ الأهمية، ومن الداعين إليها في العراق الشيخ محمد مهدي الخالصي الجد (رحمه الله) وكثير من علماء النجف.

فتكون هذه السيرة الممتدة من بداية الغيبة إلى يومنا، فضلاً عن سيرة الفقهاء والمراجع في زمن الأئمة، دليلاً واضحاً.

سيرة أصحاب الأئمة: الجمع بين الفقه والوزارة

فنجد شخصيات مثل عبد الله بن سنان، ومحمد بن إسماعيل بن بزيع، وعلي بن يقطين، وهم من خواص أصحاب الأئمة، قد تولوا مناصب رفيعة كالوزارة. - فعبد الله بن سنان، من تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام)، كان وزيراً. - وعلي بن يقطين، في عهد الإمام الكاظم (عليه السلام)، كان وزيراً ذا منزلة. - ومحمد بن إسماعيل بن بزيع، كان وزيراً ومرجعاً وثرياً، حتى كان له قصر يُعرف بالقصر الأخضر، وكان مع ذلك كله محل ثقة المؤمنين.

وهنا يُطرح التساؤل: كيف جمع هؤلاء الفقهاء، وهم تلاميذ الأئمة، بين كونهم مراجع وفقهاء معتبرين، وبين كونهم وزراء في السلطة؟ فعلي بن يقطين لم يكن مجرد وزير، بل كان فقيهاً يُرجع إليه، فكيف جمع في زمن الإمام الكاظم (عليه السلام) بين المرجعية والفقه والوزارة والمكانة الرفيعة؟ وسبحان الله، دخلوا في عمق السياسة ولم يخدش ذلك في مكانتهم عند الشيعة ولا عند العلماء. مع أن الشيعة شديدة التحسس ممن يدخل في المعترك السياسي، ولذلك نجد أن كثيراً من أرباب الجرح والتعديل يتحفظون على من كان كاتباً في دواوين بني العباس أو بني أمية.

ولكن قيمة هؤلاء الفقهاء أنهم كانوا وزراء ومراجع في آن واحد. وقد ذكر الشيخ الطوسي في «الفهرست» وغيره نحو ستة عشر فقيهاً من أصحاب الأئمة، من عصر الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى الإمام الهادي (عليه السلام)، كانوا وزراء وفقهاء ومراجع في نفس الوقت، ومع ذلك لم يُذكر في علم الرجال أي خدشة في عدالتهم أو وثاقتهم.

والملحوظ أن علياً بن يقطين لم يكن مجرد راوٍ، بل كان فقيهاً مرجعاً يُقلَّد في زمن الإمام الكاظم (عليه السلام) وهو وزير، فكيف يُتصور الجمع؟ وكذلك عبد الله بن سنان، ومحمد بن إسماعيل بن بزيع، فهؤلاء الثلاثة قطعيون في كونهم فقهاء ومراجع ووزراء.

وإذا نظرنا إلى سيرة سلمان المحمدي الفارسي، نجده كان والياً على المدائن في عهد الخليفة الثاني، وكذلك كان حذيفة بن اليمان والياً، وكثير ممن حول أمير المؤمنين (عليه السلام) تولوا مناصب سياسية. فسلمان لم يكن شخصاً عادياً، بل كان مرجعاً عقائدياً وروائياً وفقهياً، فوجوده بحد ذاته يمثل عقيدة منذ عهد أمير المؤمنين (عليه السلام).

فإن سيرة أصحاب الأئمة، فضلاً عن الفقهاء والعلماء، قائمة على إقامة النظام السياسي حتى في الغيبة الكبرى، فهذه استراتيجية أصلية لديهم. أما الآليات، سواء أكانت عبر إقامة دولة مستقلة أم بالتغلغل في دول قائمة، فهي مما تحكمه الظروف. وهذا هو أحد وجوه تفسير تلك الروايات الناهية. وإلا فكيف نفهم أن عبد الله بن سنان كان وزيراً مقرباً؟ إن المشاركة في نظام كالنظام العباسي قد تستلزم بعض المكاسب، ولكن المشاركة في نظام اثني عشري، وإن كان مرقعاً، أهون في إقامة الصلاح والإصلاح. ومع ذلك، أوجب الأئمة، وأوجب الفقهاء تبعاً لهم، ذلك، ولم يشذ عن هذا الحكم أحد من الفقهاء.

استراتيجية الاختراق والنفوذ كواجب شرعي

بل إنّ بعض الصور تكون واجبة، فإذا استطاع المكلف وقدر عند التمكن، وجب عليه الاختراق والنفوذ، ولا يقتصر الوجوب على المجال السياسي، بل يشمل المجال الأمني والعسكري وجميع المجالات.

تنبيه: هناك قائمة أخرى، يا ليت أحدهم يكتب فيها، وهي قائمة أصحاب العمائم في عسكر بني العباس أو أمنهم، فما شاء الله ممن مُدحوا كانوا عناصر اختراق في دولة بني العباس أو في دولة بني أمية.

فائدة: حتى إنّ أحد المحققين، وقد ذكرت لكم أنّ لديه شواهد في كتابه ولكنه يرفض طبعه، يذهب إلى أنّ الحر بن يزيد الرياحي كان عنصراً عسكرياً أمنياً اختراقياً من قِبَل الإمام الحسين (عليه السلام) في جيش عبيد الله بن زياد، وأنّه قُتل واغتيل على يد عبيد الله بن زياد نفسه، ولم تقع معركة في عاشوراء، بل كان ذلك قبل يوم العاشر، في اليوم التاسع أو السابع.[19]

وعليه، فإنّ سياسة الاختراق هذه، سواء كانت عسكرية أم أمنية أم سياسية أم مالية، موجودة في سيرة أهل البيت عليهم السلام جميعهم. فالمسؤولية هي أن يتحمل المرء مسؤولية الإصلاح لا الإفساد، فإنّ الإفساد هو أن يكون المرء عدواً لأهل البيت عليهم السلام، وأن يشوّه هذا المسار وهذا المنهاج.

والحاصل: أن هذه السيرة قطعية وموجودة ضمن ألوان وأنواع كثيرة جداً، كما ذكر ذلك في محله جملة من الأعلام، ولا يعترض في ذلك أحد.

بمناسبة هذا البحث: هناك وجوه أخرى لهذه الروايات، ربما تزيد على عشرة وجوه، وهي معاضدة لدعوى السيد الخوئي[20] والسيد محسن الحكيم[21] في تأويل هذه الروايات. وسيقودنا هذا البحث، قبل أن ننتقل إلى قاعدة أخرى ذكرها السيد الخوئي (رحمه الله) في كتاب الجهاد من منهاج الصالحين، [22] إلى بحث قواعد التقية على الأقل.

إنّ روايات النهي عن القيام هذه، تقودنا إلى بحث التقية أو ما يمكن تسميته بالنظام الأمني. وسنركز على عشرة محاور أو قواعد أو أكثر بشكل مختصر وموجز ومكثف في باب التقية، [23] كي نرى كيفية تفسير هذه الوجوه العشرة لهذه الروايات المستفيضة والمتواترة، وأنّ في مقابلها طوائف وروايات عديدة تفسرها وتحكم عليها، وتلك الطوائف قطعية ومُفتى بها حتى من غير الفقهاء ذوي الاتجاه التاريخي أو السياسي أو النهضوي.

وسنذكر عشر قواعد في النظام الأمني في الفقه، أو ما نسميه نظام التقية وقواعدها إن شاء الله، ولكن دعونا ننتهي الآن من ذكر تعداد الوجوه العشرة لتأويل هذه الروايات بطوائف متواترة قطعية أخرى.

فمنها: ما ذكرناه سابقاً أيضاً، وهو توجيه يعضد تأويل السيد الخوئي (رحمه الله)، ومفاده أنّ هذه الروايات تنبه المؤمن قائلة: لا تكن ساذجاً في العمل السياسي. ولماذا؟ لأنّ العباسيين أخذوا جماهير المسلمين المتعاطفين مع هذا البيت وغشوهم، وهذه القضية معروفة، فقد كانت رايتهم “الرضا من آل محمد”.[24] فكيف نجح العباسيون وهم لا يملكون رصيداً شعبياً؟

ومع ذلك، كان أول من استهدفوه هو بنيان أهل البيت عليهم السلام. فهذه ملحمة في التاريخ شديدة المرارة، حيث إنّ كل الجماهير المسلمة، حتى التي ليست بالاصطلاح اثنا عشرية أو شيعية، بل هي مُحبة لأهل البيت عليهم السلام ومتعاطفة معهم، هذا المخزون العاطفي استغله العباسيون والانتهازيون للوصول إلى الحكم ثم لضرب أهل البيت عليهم السلام أنفسهم.

أفتريد من الأئمة عليهم السلام ألّا يحذروا والمصداق ماثل أمامهم؟ أفتريد منهم ألّا يحذروا المؤمنين وعموم المسلمين من أن يستغلهم الانتهازيون والوصوليون والغشاشون والابتزازيون؟ إنّ التحذير لازم جداً، والروايات في ذلك كثيرة. فما محصل هذه الطوائف؟ إنها تقول لك: إلى أين تذهب؟ ليس كل من رفع راية “الرضا من آل محمد” تتبعه.

وتأسيساً على ذلك: يلاحظ لسان الروايات المادحة لشخصيات مثل زيد والمختار وأمثالهم أو التوابين، وإن كان هذا وجهاً آخر، ذلك أنّ هؤلاء كانوا صادقين، وقد وصفتهم الروايات بصدق النية. فالمختار كان رمزاً للوفاء، ولو كان همّه الرئاسة لما بقي حتى يُستشهد، بل لكان خرج من الكوفة ورجع إلى إبراهيم الأشتر وجمع جيشاً. إذاً، القضية ليست قضية سمسار سياسي.

من الواضح أنّ المختار كان رجلاً مبدئياً، ومشروعه هو قيم ومبادئ أهل البيت عليهم السلام، لا يبالي بالكرسي والرئاسة، بل كان مستعداً لدعم مبدأ أهل البيت عليهم السلام وأن يُستشهد في سبيل تكريس مبادئهم، فلم يكن هدفه الرئاسة. ولو كان هدفه الرئاسة لخرج من الكوفة حتى يتبدل الوضع، ويستعين بجيش من الشمال ثم يعاود الكرّة. لقد عُرض عليه ذلك، ولكنه أبى، ليعرف الجميع أنّ هدفه ليس الرئاسة والكرسي. فالمختار رجل مبدئي، فدائي لمبادئ أهل البيت عليهم السلام.

والشاهد فيه: ما ورد في الرواية من أنّ هؤلاء صادقون، [25] وذلك في مقابل الانتهازيين مثل بني العباس. إذاً، بتعبير السيد الخوئي (رحمه الله)، لاحظ الوسط والبيئة التي صدرت فيها هذه الروايات الناهية، فقد كان هناك سماسرة سياسة إلى ما شاء الله.

ومثال آخر: الدولة الفاطمية، فهي دولة انتهازية بالقياس إلينا نحن الاثنا عشرية، فقد قامت على أكتاف الشيعة الاثنا عشرية في مصر والمغرب، مع أنّ أول تأسيسها كان في الجزائر التي كانت مملوءة بالاثني عشرية في الغيبة الصغرى. لقد تأسست الدولة الفاطمية في نهاية الغيبة الصغرى وبداية الغيبة الكبرى على يد فلول الخطّابية والإسماعيلية، [26] الذين انتهزوا تعاطف الناس وركبوا الموجة تحت شعار “الرضا من آل محمد”. فبالدقة، كان الفاطميون شبيهين بالعباسيين، ولكنهم أهون قليلاً من جهة أنهم بقوا على مبادئ أهل البيت، لكنهم إسماعيلية.

وسيأتي إن شاء الله بحث عن منهج العباسيين، فهذا رمز في بيانات أهل البيت عليهم السلام. فما معنى قولهم: “لا والله لا يقوم الظهور إلا وملك بني العباس موجود”؟[27] ليس المقصود سلالة العباس، لا. وكما أنّ كلمة “الزيدية” في بيانات أهل البيت ليست مراداً بها مذهب زيد، بل لها معنى آخر، وإن كان لا قياس بين الزيدية والعباسيين، فالزيدية لهم مدح وذم في روايات أهل البيت، بخلاف العباسيين الذين لحقهم الذم المطلق.

فالمقصود إذاً: بتعبير السيد الخوئي (رحمه الله)، انظر إلى الظروف التي صدرت فيها هذه الروايات، فالظروف واضحة. إنها تحذير من أهل البيت عليهم السلام من هذه الرايات وهذه الحركات الوصولية التي ترفع اسم أهل البيت والانتساب إليهم وشعار “الرضا من آل محمد”، بينما قد يكون القائم بها غربياً تماماً أو يهودياً تماماً، لا يملك شيئاً، والمهم عنده مآرب أخرى.

ويتحصل من ذلك: أنّ هذه الروايات، على العكس، تدعو إلى أن يكون المرء فطناً في السياسة، كيّساً، لا يُغلب. فهل من يقوم بذلك علمانيون أم بعثيون؟ وهل هو مجرد حشر مع الناس؟ وهل كنت أبله؟ انتبه لمن يقوم بها، فقد يكونون من أصحاب الصافرات، في تعبير العصر الدارج. إذاً، هذه الروايات بالعكس، تؤكد على الكياسة في عالم السياسة، لا على البلادة والبكم، فذاك كلام المرضى.

وهناك وجوه أخرى إن شاء الله نتعرض لها، ثم ننتهي بعد هذه الوجوه العشرة أو الأكثر، والطوائف الرئيسية الدالة عليها، لندخل في بحث التقية بلغة مستحدثة، أي النظام الأمني، لا على وجه التفصيل، بل بذكر القواعد والفتاوى والتفاسير في عشرة محاور أو أكثر. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.

تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط فيديو المحاضرة:

https://youtu.be/8pdbscheudg?si=M616s9jFzD12uMjs

 


[1] هو السيد أبو القاسم بن علي أكبر الموسوي الخوئي (ت 1413هـ)، من أبرز مراجع الشيعة في القرن الرابع عشر الهجري، وصاحب تفسير «البيان في تفسير القرآن» وموسوعة «معجم رجال الحديث».
[2] هو السيد محسن بن مهدي الطباطبائي الحكيم (ت 1390هـ)، مرجع ديني كبير وزعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف في وقته.
[3] هو الشيخ عبد الهادي بن محسن الفضلي (ت 1434هـ)، عالم ومفكر سعودي، من تلامذة السيد الخوئي، له مؤلفات عديدة في علوم اللغة والفقه والأصول.
[4] هو السيد حسين بن علي الطباطبائي البروجردي (ت 1380هـ)، المرجع الأعلى للشيعة في عصره، وصاحب الموسوعة الرجالية «جامع أحاديث الشيعة».
[5] هو الشيخ محمد مهدي شمس الدين (ت 1421هـ)، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان سابقاً، وصاحب دراسات معمقة حول شرعية الدولة في عصر الغيبة.
[6] هو محمد بن محمد بن النعمان، المعروف بالشيخ المفيد (ت 413هـ)، من أبرز متكلمي وفقهاء الإمامية في القرن الرابع والخامس الهجري.
[7] هو علي بن الحسين الموسوي، المعروف بالشريف المرتضى أو علم الهدى (ت 436هـ)، من كبار علماء الإمامية، تولى نقابة الطالبيين في بغداد.
[8] هو محمد بن الحسن الطوسي، المعروف بشيخ الطائفة (ت 460هـ)، مؤسس حوزة النجف، ومؤلف كتابي «التهذيب» و«الاستبصار» وهما من الكتب الأربعة.
[9] هو محمد بن علي بن بابويه القمي، المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381هـ)، من أعظم محدثي الشيعة ومؤلف كتاب «من لا يحضره الفقيه» أحد الكتب الأربعة.
[10] الأمين، محسن. أعيان الشيعة.. تحقيق حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، 1983م. يُنظر ترجمة الصدوق في المصدر
[11] هو الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي (ت 726هـ)، من كبار فقهاء الإمامية ومتكلميهم، وصاحب التصانيف الكثيرة كـ«تذكرة الفقهاء» و«مختلف الشيعة».
[12] هو محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (ت 672هـ)، فيلسوف ومتكلم ورياضي وفلكي شهير، كان وزيراً لهولاكو خان.
[13] هو محمد بن مكي العاملي الجزيني، المعروف بالشهيد الأول (استشهد 786هـ)، من كبار فقهاء الإمامية ومؤلف كتاب «اللمعة الدمشقية».
[14] هو إبراهيم بن سليمان القطيفي البحراني، من فقهاء القرن العاشر الهجري، كانت له مناظرات ومناكفات علمية مع المحقق الكركي.
[15] هو علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي العاملي، المعروف بالمحقق الثاني أو المحقق الكركي (ت 940هـ)، فقيه كبير كان له دور محوري في الدولة الصفوية.
[16] هو الآخوند محمد كاظم الخراساني (ت 1329هـ)، صاحب كتاب «كفاية الأصول» وأحد قادة الثورة الدستورية في إيران.
[17] هو الميرزا محمد حسين الغروي النائيني (ت 1355هـ)، من أبرز فقهاء الأصول في عصره، ومؤلف كتاب «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» في دعم المشروطة.
[18] هو السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني (ت 1365هـ)، مرجع شيعي كبير خلف الميرزا النائيني في زعامة الحوزة.
[19] يشير المحاضر هنا إلى قراءة خاصة لأحد المحققين لم تُنشر، وهي تخالف المشهور من أن توبة الحر بن يزيد الرياحي ورجوعه إلى معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) كانت في يوم عاشوراء نفسه. والمشهور مدون في كتب السيرة والمقاتل المعتبرة. يُنظر: الشيخ المفيد، محمد بن محمد. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد.. تحقيق مؤسسة آل البيت، ط2، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، 1413 هـ، ج2، ص99
[20] هو السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت 1413هـ). وقد فصّل رأيه في هذه المسألة في مواضع متفرقة من تقريرات دروسه، حيث يرى أن النهي في هذه الروايات ليس نهياً مولوياً مطلقاً، بل هو إرشاد إلى شرط الظفر والتمكن. يُنظر: الخوئي، أبو القاسم. مصباح الفقاهة.. تقريرات محمد علي التوحيدي، ج5، ص334
[21] هو السيد محسن الطباطبائي الحكيم (ت 1390هـ)، وقد أفتى بوجوب الدفاع عن كيان الإسلام، وهو ما يتضمن الموقف من إقامة الدولة. يُنظر: فتواه المنشورة في مجلة الأضواء.
[22] يُنظر: الخوئي، أبو القاسم. منهاج الصالحين.. ط28، مدينة العلم، 1410 هـ، ج1، ص365، كتاب الجهاد
[23] تُعد التقية من المباحث المهمة في الفقه والأصول، ولها قواعد وأقسام مفصلة في مظانّها، ككتب القواعد الفقهية وباب تعارض الأدلة من علم الأصول.
[24] شعار “الرضا من آل محمد” كان يعني في ظاهره الدعوة إلى تسليم الحكم إلى شخص مرضيٍّ من أهل البيت (عليهم السلام) دون تحديد اسمه، وهو ما استغله العباسيون لكسب تأييد الجماهير المتعاطفة مع العلويين، ثم استأثروا بالحكم لأنفسهم.
[25] وردت روايات تصف نية المختار بالصدق، منها ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: “لَا تَسُبُّوا الْمُخْتَارَ، فَإِنَّهُ قَتَلَ قَتَلَتَنَا، وَطَلَبَ بِثَأْرِنَا، وَزَوَّجَ أَرَامِلَنَا، وَقَسَمَ فِينَا الْمَالَ عَلَى الْعُسْرَةِ”. الطوسي، محمد بن الحسن. اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي).. تحقيق مهدي الرجائي، ط1، مؤسسة آل البيت، 1404 هـ، ص125، ح201
[26] الإسماعيلية فرقة من الشيعة ترى أن الإمامة بعد جعفر الصادق (عليه السلام) انتقلت إلى ابنه الأكبر إسماعيل، بينما تعتقد الإمامية الاثنا عشرية أنها انتقلت إلى ابنه موسى الكاظم (عليه السلام). وقد أسس الإسماعيلية الدولة الفاطمية.
[27] يشير إلى روايات مفادها استمرار شكل من أشكال حكم بني العباس إلى زمن الظهور، وهي تُفسَّر رمزياً على أنها تعني استمرار الخط والمنهج العباسي القائم على الظلم والانتهازية. يُنظر: النعماني، محمد بن إبراهيم. الغيبة.. تحقيق فارس حسون كريم، ط1، أنوار الهدى، 1422 هـ، ص303، باب18، ح10