47/11/11
السنن السياسية والاستراتيجية في سيرة الإمامين الحسن والرضا
#درس_العقائد_1447هـ
عنوان الدرس : سنن الحسن(ع) والرضا (ع) السياسية الاستراتيجية
تأريخ الدرس : الأربعاء 11 ذي القعدة 1447هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
00:50 المواقف السياسية بين الامام الحسن والامام الرضا(ع)
05:00 اقامة الدولة الدينية مع اختلاف الادلة والآيات
08:55 التقية السياسية والعسكرية في العراق وايران عند الاعلام
12:05 ضرورة أخذ الفقيه بآراء الخبراء التخصيص المختلفة السياسية
14:55 كلمات الفقهاء في قيام الدولة الدنية وادوار اهل البيت (ع) السياسية
18:40 المقارنة السياسية بين الامام الرضا و الحسن (ع) مع الحكم الجائر
21:50 تفكيك الملفات بين القوة الناعمة والساخنة و الاعلامية عند الامام الحسن (ع)
24:37 تفكيك الامام الحسن (ع) في الملفات و إستدراج التفاوض
28:40 النهج السياسية للامام الرضا (ع) في الدولة العباسية
مر بنا أمس الفرق بين موقف الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) وموقف الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام). أما السنن في الفقه السياسي والإداري والعسكري التي نشاهدها في سيرة الإمام الحسن (عليه السلام)، فإنها لم تُدوَّن بعد. وهذا كما أشار إليه السيد محسن الحكيم[1] ، من أنه يُراد منا استدراك تدوين على ما دونه الأعلام طيلة ألف سنة في باب الفقه الاجتماعي والفقه السياسي. فبصريح كلام الأعلام، إنَّ ما يُدوَّن في الفقه الفردي لا يغطي ما هي الفرائض والمسؤوليات في الجانب الاجتماعي والسياسي.
أهمية الفقه السياسي والمسؤولية تجاه الإمامة
وهي بنص كلام الأعلام، مثل السيد محسن الحكيم وغيره، والسيد البروجردي[2] وغيره، واجبات وفرائض، وهي واللهِ أعظم وجوباً وفريضةً وأهميةً ومسؤوليةً مما نُسأل عنه في القبر من الصلاة والصيام. وقد ورد متواتراً عن المعصومين أن أول ما يُسأل عنه العبد هو التوحيد والنبوة والإمامة. ونحن نغفل عن حقيقة الإمامة، إذ نعتقد أن الإمامة هي مجرد الاعتقاد بأن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) والمعصومين من بعده هم أئمة، فهذه ليست الإمامة في تمام حقيقتها، بل هي ولاية فكرية. إنَّ المسؤولية تجاه الإمام تعني المسؤولية تجاه قيادة أهل البيت عليهم السلام. فما هو الدور الذي قدمناه لهذه المسؤولية؟ هل توليناهم حقاً أم لم نتولهم؟ فليست هي مجرد وصف فكري، بل هي التزامنا بهذه الولاية في طبقاتها ودرجاتها.
تنبيه: إنَّ أول ما يُسأل عنه العبد - كما تواتر عندنا في الأخبار - يُسأل عن ربه، وعن نبيه، وعن أهل الولاية.[3] والولاية ليست مجرد وصف فكري، كما يؤكد أئمة أهل البيت عليهم السلام، بل هي موقف عملي. هي اتجاه المسؤولية، مسؤولية مشروع أهل البيت عليهم السلام، فهل نحن متخاذلون متقاعسون، أم أننا قائمون بالمسؤولية؟ فالذي سنسأل عنه في القبر هو هذا الأمر.
والحاصل: أنه كما يصرح السيد محسن الحكيم، فإن الدفاع عن بيضة الدين، وبيضة الإيمان، وراية أهل البيت عليهم السلام، أعظم من الصلاة. فالصلاة والصيام نُسأل عنهما في القبر بعد السؤال عن مسؤوليتنا تجاه أهل البيت عليهم السلام، وهل قمنا بها أم لا. إذن، هذه نكتة يجب أن نلتفت إليها.
فالسنن الموجودة في سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) أو سيرة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، للأسف لم يُدوَّن هذا البحث فيها.
فائدة:
استراتيجية أهل البيت: وحدة الهدف واختلاف الآليات
لا بأس بذكر هذا المطلب، ما دمنا في هذا المجال، وهو أن استراتيجية أهل البيت عليهم السلام - كما مر بنا أمس دعماً لتأويل السيد الخوئي[4] - لم تكن نهياً عن أصل النشاط، ولا عن أصل بناء القوة، وإنما هو اختلاف في الآليات. اختلاف في الآليات. ولو ابتعدنا عن البحث الأصلي عن سنن الإمام الحسن والإمام الرضا عليهما السلام في الفقه السياسي والعسكري، فإن هذين الموضوعين يقعان في خضم هذا البحث.
والقاعدة أن الآليات تختلف؛ فتارة تكون بالتغلغل، وتارة بكذا، وتارة بإقامة دولة، وكلها صور لبناء القوة. وبعد البحث في صلاحية الفقيه - وما يقال عن ولاية الفقيه هو صلاحية الفقيه - يصل الإنسان بعد تتبع آراء الأعلام إلى أنهم كلهم يقولون بولاية الفقيه ونيابة الفقيه، ولكن ليس بمعنى كونه عين المعصوم طبعاً، بل كذراع للمعصوم، ونائب عام عنه، يقيم الدولة، ويقوم بسائر المهام في كل المجالات.
والتحقيق أن الاختلاف في الحقيقة هو اختلاف في الآليات أو في الأدلة، وإلا فالمُدَّعى النهائي عند الكل واحد. وحتى من ينكر ذلك من الأعلام بلسانه، تجده يتبنى نفس المبنى في أبواب عديدة بطريقة أو بأخرى. فالخلاف في الآليات والأدلة، من قبيل إقامة حكومة دينية مشروطة بالدستور، أو إقامة حكومة دينية بصيغة أخرى. وبغض النظر عن موافقتنا له أو عدمها، فإنه يرى لزومها. ونفس فكرة المشروطة قبل مئة سنة كانت تتناسب مع تلك الظروف، أما الآن فظروف إقامة البناء متقدمة، وليست كالبناء السابق. فالآن بعد أن أصبحت لديك القوة، لا يجب أن تقبل بما كان سابقاً، فمثلاً مضيق هرمز اليوم غير ما كان عليه سابقاً.
ومثال ذلك: ما يُنقل عن السيد محمد الروحاني[5] ، وعن السيد أحمد الخونساري[6] ، وهما ممن لم يُعرف بالاتجاه الثوري أو السياسي، فإن لهما نظرية في باب التقية، مع أنهما مشهوران بالمنهج التقليدي، رحمهما الله وقدس سرهما، وهما يُعظَّمان ويُترحَّم عليهما ويُستفاد من نتاجاتهما العلمية وإن اختلفت الآراء. كان السيدان محمد الروحاني وأحمد الخونساري يريان أن التقية في أرض إيران وأرض العراق لا معنى لها. وهذا على عكس رأي السيد البروجردي وتلامذته. وطبعاً لم يكن السيد أحمد الخونساري وحده، بل السيد صدر الدين الصدر[7] ، والسيد محمد تقي الخونساري[8] ، ومراجع عدة في قم، كانت رؤيتهم في التطبيق الموضوعي مخالفة لرؤية السيد البروجردي. وتفصيل أن أي الرأيين هو الصحيح، أو أن الصحيح شيء ثالث، هو بحث آخر ليس هذا محله. إنما كلامنا في أن اختلاف الأعلام قد يكون في الآليات وفي تشخيص الظروف.
دور الفقيه وضرورة الاستعانة بأهل الخبرة
وقد نقل السيد الخوئي قاعدة لطيفة في كتاب الجهاد، حيث يقول إنه لا يمكن للفقيه أن يستغني ويستبد برأيه دون خبراء في العسكر، وخبراء في الأمن، وخبراء في السياسة. فلا يسوغ للفقيه ذلك، بل لا بد أن يستعين بحجية قول خبراء العسكر، فقول الخبراء العسكريين حجة في البعد العسكري. والعسكرية اليوم تخصصات متعددة. وسيأتي كلام السيد الخوئي في كتاب الجهاد من “منهاج الصالحين”، حيث يرى أن قول خبراء العسكر حجة ويلزم الفقيه بذلك. وهذه الحجية لا تجري في التقليد فحسب، بل تجري في كل مجال يكون فيه قول أهل الخبرة حجة. وقد أجمع علماء الإمامية على ما يدخل في هذا البحث، كما سيأتي في كلام السيد الخوئي عند تعرضه لهذه القاعدة في بحث مفصل يرتبط بولاية الفقيه ورعايته وإشرافه، سواء للمرجع الأعلى أم لغيره.
ومقتضى ذلك أن لهؤلاء الخبراء دوراً لا يمكن إلغاؤه؛ فخبراء العسكريين يتوزعون على: عسكر أرضي، وعسكر جوي، وعسكر بحري، فضلاً عن العسكر المختص بالأسلحة المتقدمة، والعسكر الإلكتروني. فآليات القوة ليست واحدة أو اثنتين، إنها منظومة متكاملة. فلا يمكن الاعتماد على العسكر البري دون الجوي، ولا على الجوي دون الأمن السيبراني، ولا على خبراء الأمن دون خبراء العسكر، ولا على هؤلاء دون خبراء السياسة؛ لأن للسياسة قوة ناعمة وليست قوة خشنة. وهذه التعابير العصرية تعكس حقيقة مفادها أن السياسي يعتمد على القوة الناعمة، فإذا اعتمد على القوة الخشنة المتمثلة في العسكريين فقط، فقد يقع في متاهات.
فيجب على الفقيه أن يوازن بين خبراء في مجالات شتى، وأن يعتمد على خبراء سياسيين دهاة في حقول مختلفة، لا على السذج أو البسطاء. فكما أن للطب تخصصات دقيقة كطبيب العيون والمعدة والأعصاب، فكذلك عالم السياسة. فكيف يمكن إيجاد حصيلة مؤلفة من هذه الخبرات؟ هذا نظام إداري صعب، يقتضي أن يكون الفقيه ذا دربة إدارية في هذا الجانب، أو أن يستعين بمن له دربة إدارية، ليعرف كيف يؤلف بين الخبرات المتعددة ويوازن بينها، فإن مصير الأمة والدين منوط بذلك. وهذا بنفسه دليل وبرهان على ضرورة الإمام المعصوم، وبيان للفرق بينه وبين غير المعصوم، ولكن ما لا يُدرك كله لا يُترك جله.[9]
ونفس الكلام يجري في خبراء الأمن، فالقضية صعبة ومعقدة. فكيف ينفرد الفقيه بنفسه؟ لا يقدر، ولا يصير، ولا يصح. وهذا هو كلام السيد الخوئي الذي سنقرأه في كتاب الجهاد، من أنه لا بد أن يستعين بهم؛ لأن قول أهل الخبرة حجة عند كافة علماء الإمامية. وإذا كان حجة، فلا بد من الأخذ به، وإلا صار حكم الفقيه غير مشروع وغير مستند إلى موازينه. وكيفية إدارة هذه المنظومة من الخبراء تحتاج إلى إدارة علمية وإرادية، وهو أمر ليس بالسهل.
والخلاصة: أن الاختلاف بين الفقهاء في صياغاتهم لمشروع الدولة، كإقامة حكومة دينية، أو جمهورية دينية، أو مشروطة بالدستور، أو رقابة الفقهاء، هو اختلاف في الآليات لا في الهدف. ففي زمن الآخوند الخراساني[10] قبل مئة سنة، وصل هو وصاحب الكفاية، والميرزا النائيني[11] ، والسيد أبو الحسن الأصفهاني[12] ، والشيخ محمد حسين الكمباني[13] ، إلى قناعة بأن القالب المناسب لإيران والعراق معاً هو حكم دستوري يشرف عليه الفقهاء. وحسب المستندات والمواثيق التي نُشرت، كان سبب تسفير وإبعاد السيد أبي الحسن الأصفهاني، والنائيني، والكمباني، والشيخ مهدي الخالصي[14] ، وسبعة من الأعلام تقريباً إلى قم، هو مطالبتهم بإقامة نظام دستوري في العراق، وهو ما عمل الانتداب البريطاني على إفشاله.
فالمقصود من هذا المطلب هو أن الاختلاف في صياغات الأعلام لا يمس الهدف الاستراتيجي الواحد، وهو إقامة القوة وتنميتها. فسواء كانت حكومة محضة، أم غير محضة، أم تغلغلاً ونفوذاً، فهي كلها درجات في بناء ما يسمى بالتمكين. وليس ذلك اختلافاً في أصل الاستراتيجية أو في أصل المسير، فالمسير واحد.
وقاعدة بيع السلاح المتفق عليها بين الفقهاء الأولين والآخرين، هي نفسها دليل على هذا الأصل.[15] فأصل الفكرة هو أن القوة يجب أن يُحافظ عليها، فلا تُعطى للعدو، ولا يبتزك العدو بأخذها، بل يجب حراستها. والكلام في السلاح هو كلام في القوة العسكرية. وليس الأمر مقتصراً على القوة العسكرية، فكيف تُحرس القوة العسكرية بدون قوة أمنية؟ وكيف تُحرس القوة العسكرية والأمنية بدون قوة اقتصادية؟
إذن، هي قوى متعددة، وكما صرح شراح المكاسب، فإن المراد بـ”السلاح” ليس خصوص الآلة، بل كل قوة يحرم التفريط بها في مجتمع المؤمنين ودارهم، ويحرم تسليمها للعدو. إذن، هناك قواعد عديدة تبين لنا وظائف سياسية واجتماعية للمذهب وللدين بحسب الظروف. وهذه الوظيفة ليست ثابتة على شكل واحد، بل تختلف باختلاف الظرف. والعلة في ذلك أن المطلوب هو التصاعد وتنمية القوة.
إذا فهمنا هذه القواعد، وأنها تمثل خارطة واحدة واستراتيجية واحدة تعتمد على مراتب في بناء القوة، فسنفهم حينئذٍ بيانات أهل البيت عليهم السلام وكيفية أدوارهم. فهي أدوار تهدف إلى تنمية القوة، وترسيخها، وتجديدها، وغاية الأمر أن ذلك يكون في كل ظرف بحسبه.
تحليل هدنة الإمام الحسن: تفكيك ملفات الصراع
ولذلك، فإن الإمام الحسن (عليه السلام) أوقف الحرب العسكرية فقط مع معاوية، لكنه لم يوقف الحرب الباردة. ويجب التدقيق في هذه المصطلحات، ففي العلم العصري، هذه حقائق اجتماعية وسياسية وعسكرية يجب أن تُفهم، وأن يُقرأ التاريخ على ضوئها. فالإمام الحسن (عليه السلام) لم يوقف الحرب الباردة مع معاوية.
مع معاوية، ولم يوقف الحرب الناعمة معه، وهو شخصياً لم يوقف الحرب الباردة مع معاوية.
تنبيه: إنَّ مصطلح الحرب الباردة له أصوله وموازينه التي لا بد من دراستها لفهم أبعادها، وهي تختلف عن الحرب الناعمة التي لها ملفاتها وموازينها الخاصة، والضروري أن تقدّر كل واحدة بقدرها. فالإمام الحسن (عليه السلام) لم يعلن وقف إطلاق الحرب الباردة مع معاوية أبداً، بل كان يشدّد فيها، وذلك ما أدى بمعاوية إلى اغتياله؛ إذ كان الإمام (عليه السلام)، بحسب شهادة عمرو بن العاص وغيره، متفوقاً على معاوية في هذا الميدان. ولن يصح القول بتفوقه في الحرب الأمنية؛ فإنَّ الأئمة عليهم السلام لا يأذن الله لهم أن يديروا الأمور بحسب تفوقهم الشخصي، بل وفق السنن الإلهية لا بحسب المعجزة.
والحاصل: أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) لم يهادن في الحرب النهائية، وهذا التفصيل والتفكيك بين الملفات هو ما يغيب عن كثير من النخب السياسية اليوم.
إنَّ المسؤولية تقع علينا في الوسط العلمي الديني، في بيان أنَّه إذا عُقدت هدنة عسكرية، فليس مقتضى ذلك عقد هدنة في الحرب الباردة مع العدو.
والإشكال: ما هو هذا الملف وما هو ذاك؟ ولماذا تذوب هذه الملفات مع بعضها البعض؟ والجواب: أنه لا بد من التفكيك بينها؛ فلا يسوغ الخلط. فإذا اضطررت إلى هدنة في الحرب الساخنة، فما الذي يوجب عليك إيقاف الحرب الباردة مع العدو؟ إنَّ للحرب الباردة أصولها وموازينها التي تُفهم بالاستعانة بالخبراء العارفين بها، فلا يصح إيقافها ما لم يكن هناك ضعف أو وهم، بل يجب الاستمرار فيها.
وما هي الحرب الناعمة؟ وما الفرق بينها وبين غيرها؟ إنَّ القوة الناعمة غير القوة في الحرب الباردة، والقوة في الحرب الباردة غير القوة في الحرب الساخنة، وهذه منظومة قوى في الكيان الواحد يجب الالتفات إليها والتفكيك بين ملفاتها.
يضاف إلى ذلك الحرب الإعلامية، التي كان الإمام الحسن (عليه السلام) فيها أشد ضراوة من كل الأئمة، وهذا يظهر جلياً بملاحظة خطبه في كتاب الاحتجاج.[16]
فالنتيجة: أنَّ وقف إطلاق النار لا يعني إزالة الحرب الإعلامية، ولا الحرب الناعمة، ولا الحرب الأمنية؛ فهذه كلها حروب قائمة وملفات منفصلة.
وهذه هي سُنّة الإمام الحسن (عليه السلام) التي يجب أن نتعلمها، فإننا إما أن نفرّط وإما أن نُفرِط، وهذا يذكّر باشتباه الزيدية من جهة، أو نقيضهم من جهة أخرى؛ فإما أن نذوب تماماً أو نرفض كلياً. من الذي قال بالذوبان التام؟ إنَّ أمامك ملفات متعددة مع عدوك: حرب ناعمة، وحرب باردة، وحرب أمنية، وحرب اقتصادية؛ فلماذا تخلط بين هذه الميادين؟
ويكفي شاهداً على ذلك أنه لو أقيم مشروع علمي لجمع كلمات الإمام الحسن (عليه السلام) وخطبه، لرأى الباحثون أنَّ الإمام في خطبه وحواراته مع بني أمية، بل ومع رموز السقيفة، كان نارياً في كشف الملفات بشدة وقوة، وكأنما أُتيحت له فرصة الهدنة العسكرية، كما أُتيحت للإمام الصادق (عليه السلام) فرصة لنشر علوم أهل البيت عليهم السلام، ليكشف الملفات جهاراً من السقيفة إلى عهد معاوية. وما أتذكر أحداً من المعصومين عليهم السلام كان بمثل هذه الشدة في الحرب الإعلامية، فلم تكن عنده أي مواربة أو مداهنة أبداً.
بل إنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) في بنود الصلح أوقف الحرب الساخنة بينه وبين معاوية، ولكنه قال: “لكن أخي الحسين لا يدخل في وقف إطلاق النار”. فاعترض معاوية قائلاً: “ما فعلت شيئاً، الحسن والحسين وجهان لحقيقة واحدة، أرفض الصلح”. فقال له الإمام: “إذن هي الحرب”. ولم يكن معاوية يقدر على الحرب؛ لاشتباك الجيشين ووقوع قياداته في قبضة الإمام الحسن (عليه السلام) في الكوفة. فاستدرج الإمامُ معاويةَ في التفاوض وضغط عليه، وما يقال من أنَّ معاوية نكث العهود كان تحت ضغط الإمام الحسن (عليه السلام). وفي عهد الإمام الحسن (عليه السلام)، طوال عشر سنين، ما استطاع معاوية أن يقتل حوارياً واحداً من حواريي أمير المؤمنين (عليه السلام)، فما كان يجرؤ على ذلك أبداً.
فائدة: إذا نظرت إلى هذا الملف الآخر، تجد أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) قد فكك بين ملفات عديدة، ولكن للأسف هذه القراءة غائبة. والصواب أن يأتي خبراء متخصصون ليقرؤوا هذه الواقعة وكيف أدارها الإمام الحسن صلوات الله عليه.
وسنصل إلى عهد الإمام الرضا (عليه السلام).
وقد يُشكل: بأن امتلاك السلاح كان أمراً شائعاً في تلك العصور، فليس في جمعه شيء جديد. قلنا: إنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) اتهمه المنصور الدوانيقي العباسي بأنك تجمع السلاح والمال، وكذلك الإمام الكاظم (عليه السلام) طعن عليه هارون العباسي بأنه يجمع المال والسلاح. فدل ذلك على أنَّ جمع السلاح كان يُعدّ بناءً لقوة عسكرية متكاملة من خيول ودروع وسيوف. وهذه القوة بقيت عند الإمام الحسن (عليه السلام) وجماعته، فكانت له جيوش عسكرية، ولم ينزع السلاح من نفسه، وإنما أوقف إطلاق النار، دون أن يسلّم قوته العسكرية لمعاوية.
والشاهد على ذلك: أنَّ معاوية استعان به وطلب منه أن يحارب الخوارج معه، فقال له الإمام: “لو كنت أريد أن أنشّط القوى العسكرية لجمعي وعُدّتي وعددِي الموجود لدي، لكنت أول من أحارب أنت”. وهذا يعني أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان يرى معاوية رأس الشر، وليس الخوارج. فلننظر إلى هذا التفكير الاستراتيجي والمنطق الرفيع عند الإمام الحسن (عليه السلام).
إذن، الإمام الحسن فكك بين ملفات عديدة، بينما نحن نتصوره، والعياذ بالله، ذائباً مداهناً عديم الموقف. إنَّ هذا تجنٍّ على المعصوم، بل تجنٍّ على عقيدتنا ومعرفتنا به.
سنة الإمام الرضا: استثمار جهاز الحكم من الداخل
ثم نأتي إلى الإمام الرضا صلوات الله عليه، فإنَّ سنته تمثلت في أنه دخل في جهاز الحكم، وإن كان تحت الإجبار، وتقلد منصب ولاية العهد، ولكنه لم يجعل المأمون الخائن العباسي يستثمره، بل هو استثمر طاقات الدولة وجهازها، بدل أن تُستثمر في الفساد والإفساد، فوظفها في إغاثة المحرومين، وأصر على برامج لذلك، حتى هتف أهل مرو وخراسان باسمه لما نالوه من إغاثة وإعانة، فكان في زمانه كيوسف (عليه السلام) في آل فرعون.
وأيضاً في جانب الحرب الناعمة والإعلامية، لم يفتأ الإمام الرضا (عليه السلام) يستثمر الفرص ويوظف طاقات الدولة، بما يحرج المأمون، في نشر نور أهل البيت وحقانيتهم ومذهبهم، لزيادة أتباعهم. ولذلك وجد المأمون نفسه في مفترق طرق، وأنه إن لم يصفِّ الإمام الرضا، سينقلب عليه الوضع. وهذا يدلل على أنَّ الحرب الإعلامية كانت باقية عند الإمام الرضا (عليه السلام).
فحتى عندما دخل الإمام الرضا في الجهاز العباسي، لم يذب فيه. ويُنقل أنه قال له المأمون: “إننا كنا في مسير معاً”، فأجابه الإمام: “لم نكن في مسير معاً قط، ولم أكن معك في خطوة قط، أنا مسيري غير مسيرك، ولم نشترك في مسير أصلاً، أنت الوزر عليك، وأنا في جانب آخر”.[17]
وهذا هو معنى إصرار الإمام الرضا (عليه السلام) في جوابه ليونس بن عبد الرحمن[18] عندما سأله عن المشاركة في الحرب العسكرية، فقال له: “لا تشارك، ما لم يكن النشاط العسكري يصب في ذاك الجانب”.
إنَّ الميزان الحقيقي هو المبادئ والقيم، لا مجرد الانخراط في جهاز الدولة. فكون الإنسان يتغلغل في جهاز أو نشاط عسكري أو أمني، فإنه بالعكس يستطيع أن يشلّ يد الظالمين عن المؤمنين بطريقة أو بأخرى، فيفشل مخططاتهم ويجمّد أجهزتهم بشكل خفي.
فإذا كان لديك مجال في ملف معين، إعلامي أو أمني، أو في حرب باردة أو ناعمة، أو في القوة الاقتصادية، فلا يسوغ لك أن تقوي العدو وشركاته، بل عليك من الداخل أن تضعف طرف العدو وتقوي جانب الإيمان. ولا تكترث بالأنانية والاكتناز، فلا تكن سيرتك سيرة قارون، بل لتكن سيرتك عوناً لراية الإيمان والحق، وإلا فالهلاك على كل حال.
فهذه أمور في السنن جداً مهمة يجب أن يُلتفت إليها. وإن شاء الله نواصل البحث في شرح كتاب الجهاد للسيد الخوئي قدس سره. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.