47/11/10
قواعد شواهد على تأويل النهي عن الخروج
الثلاثاء (10) ذي القعدة 1447 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
03:25 محدودية فهم البشر للكتاب نقص القابل لا الفاعل
03:26 فهم الدين من منظومة كل الأدلة لا من دليل واحد
03:24 ضرورة الأخذ بسيرة النبي والآل معاً لنقص قابلية فهم البشر
11:14 دول الرجعة تمهيد لدولة النبي العظمى
13:17 نظام الواسطة لنقص قابلية البشر لا الخالق
18:08 سيد الانبياء واسطة إنباء للأنبياء النورية والروحية قبل الجسمانية
18:09 بيان القرآن لتعدد أكوان النبي
24:00 وجوب اختراق أنظمة الجور الفاسدة
24:01 استراتيجية التغلغل في الانظمة للإصلاح والنبي يوسف
26:22 اشتباهات الزيدية
26:22 سيرة الامام الرضا في التغلغل في نظام الجور
26:23 سيرة الامام الحسن في التفوق البشري بالتدبير
26:21 الفرق بين موقف الامام الحسن والامام الرضا
34:47 وجوب اختراق الانظمة الفاسدة لنصرة الدين
34:48 التقية قمة النشاط في قمة الخفاء
34:47 الاصلاح الديني في النظام السياسي والاجتماعي والنبي يوسف
37:16 مسؤولية الامة في الاعداد لتمكين الظهور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌐 دروس المرجع الديني سماحة الشيخ محمّد السند دام ظلّه
فقه التمكين: استراتيجية التغلغل والإصلاح في الأنظمة الجائرة
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وأشرف السفراء المبعوثين محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء أئمة الدين، وعجّل فرجهم وفرجنا بهم.
ما دمنا مع تأويل السيد الخوئي[1] ، فقد ذكر قواعد متعددة في كتاب الجهاد، وسنتعرض لها تباعاً إن شاء الله، والعمدة هي القواعد وليست التفاصيل. وحيث إننا ما زلنا في هذه القاعدة، وهي المتعلقة بروايات الخروج، من قبيل: «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»[2] ، وما ورد في معنى أن الخارج قبل الأوان يكون «زِيَادَةً فِي مَكْرُوهِنَا وَبَالًا فِي أَذِيَّتِنَا وَأَذِيَّةِ شِيعَتِنَا»[3] ، أو التشبيه بأنه «كَفَرْخٍ لَمْ يَسْتَوِ جَنَاحُهُ فَتَخَاطَفَهُ الصِّبْيَانُ»[4] . إنَّ الروايات من هذا القبيل كثيرة جداً، ولا نبالغ إن قلنا إنها متواترة.
تأويل السيد الخوئي لروايات النهي عن الخروج
ومع كونها متواترة، يرى السيد الخوئي أن هذه الروايات لا تفيد نهياً مطلقاً، وإنما هي نهي مقيّد بعلل وظروف وأوقات معينة. فلا يريد أن يقول إنَّ هذه النواهي قضايا في واقعات شخصية، بل هي أحكام كلية لها عموم، إلا أنَّ مفاد هذا العموم ليس النهي المطلق عن كل خروج.
وقبل الانتقال إلى قاعدة أخرى، من الأفضل أن نستوفي هذا البحث أولاً؛ ابتعاداً عن التشتت.
والجدير بالذكر:
ضرورة النظرة الكلية للمنظومة الدينية
أنَّ هناك فتاوى متفقاً عليها عند علماء الإمامية، تقابل هذه النصوص المتواترة ظاهراً، فيحصل ما يشبه التعارض بين تواتر وتواتر. وهذا ما يدلل على أنَّ منظومة الدين لا يمكن فهمها بحديث متواتر واحد أو حديثين أو ثلاثة، بل لا بد من جمع منظومة الأدلة برمتها، وهذا هو المنهج الصناعي الدقيق. ومن أخطر ما يقع فيه الباحث أو المؤمن أو الفقيه أو المجتهد، أياً كانت رتبته، هو أن يعتمد في تصوير منهج أهل البيت عليهم السلام أو منهاج الدين على حديث متواتر واحد أو اثنين أو ثلاثة، فضلاً عن حديث مستفيض، وفضلاً عن خبر الواحد؛ وهذا الخطر يعظم أثره في رسم منهاج الفروع، ويتعاظم أكثر في تأسيس العقائد.
إنَّ للمنظومة برمتها موضوعية في الفهم، ومقتضى ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]. وهذا المنهج التجزيئي كارثة علمية وعقائدية، ومانع يصد عن الاستقامة في الدين والبصيرة والهداية.
ومن ثم، فمع أنَّ كل إمام معصوم صلوات الله عليهم هو بنفسه كتاب ناطق، إلا أنه لا يسوغ لنا الاقتصار على إمام واحد، وليس ذلك لنقص في الإمام حاشاهم. فرسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم هو أعظم المعصومين من الأنبياء والرسل والأئمة، وهو إمام الأئمة، وقد حاز كل المقامات، وهذا أمر بديهي لا ريب فيه. فالنقص ليس في رسول الله، وإنما النقص في الأمة؛ فالأمة لا يمكنها أن تتلقى كل ما عند الرسول (صلى الله عليه وآله). وهل القرآن ناقص؟ حاشا لله، فالقرآن فيه كل شيء، ولكن الأمة لا يمكنها أن تستوعب كل ما في القرآن، لا العلماء والطوائف بإمكانهم ذلك، ولا مثل السيد القاضي[5] ، ولا أي شخص يُفرض.
فابن عربي[6] حين أراد أن يستفيد من القرآن ومن الغيب من دون الاستعانة بالله ورسوله والأئمة، ضل ضلالاً بعيداً، وفعلاً كان كذلك؛ لأنه يوالي جهات أخرى. ويتحصل من ذلك أنَّ النقص ليس في الكتاب، وإنما في المتلقي.
يقول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7]. ومقتضى الآية هو وجوب إرجاع المتشابهات إلى المحكمات التي سماها الله تعالى “أم الكتاب”. ثم يقول تعالى في تتمة الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]. فمن الذي يتمكن من هذا العلم؟ لا يتمكن من الاغتراف من علم تأويل الكتاب إلا الله والراسخون في العلم، وغيرهم لا يتمكن. وسواء قرئت الواو في “والراسخون” استئنافية أم عاطفة، فإنَّ النتيجة هي إمكان علم التأويل لغير الله تعالى، وهم الراسخون في العلم. فحتى على قراءة الواو استئنافية، فإنها تكون حجة على لزوم الوحي من الله للراسخين في العلم.
فلاحظ أنَّ الكتاب ليس فيه نقص، ولكن القدرة على الاغتراف منه محدودة. إذن، النقص ليس في الكتاب، وليس في سيد الرسل، وليس في أمير المؤمنين، وليس في فاطمة، وليس في الإمامين الحسن والحسين، ولا في أي إمام من الأئمة؛ ولكننا نحن من لا يمكننا أن نقتصر على الأخذ من إمام واحد. وليس ذلك لعدم حجية الإمام الواحد، بل النقص فينا نحن. فلو تمسك أحدنا بسيرة إمام واحد، وترك سيرة الإمام الحسين مثلاً، فهذا غير ممكن؛ فهم نور واحد، لا تتدافع سيرتهم ولا تتناقض، ولكن لا بد من الأخذ بسيرة مجموع الأئمة عليهم السلام. فالنقص فينا، وليس فيهم.
وقد يُقال: إنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله) يغني عنهم كلهم لأنه مهيمن عليهم وأعلم منهم. والجواب: أنَّ هذا صحيح، ولكن الحاجة إليهم تظل قائمة. وهذا كمثل الأستاذ في مرحلة الدكتوراه أو البروفيسورية، فهو أعلى رتبة من أساتذة المراحل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، ولكن تلك الطواقم من الأساتذة ضرورية؛ لأن المتلقي لا يستوعب العلم دفعة واحدة، بل لا بد أن يتدرج معه شيئاً فشيئاً، ليتشكل لديه مجموع العلم. حتى إنَّ دولة الرجعة للأئمة عليهم السلام هي تمهيد لأعظم دولة، وهي دولة الرسول (صلى الله عليه وآله) في الرجعة. فكما مُهِّد للرسول تنظيراً من قبل جميع الأنبياء وآبائه الأوصياء، من عبد الله إلى عبد المطلب إلى أبي طالب فهاشم فعبد مناف إلى إسماعيل عليهم السلام، كذلك يمهد له الأئمة تطبيقاً وتنفيذاً. فدولة الظهور لصاحب العصر والزمان، ودول الرجعة للأئمة الاثني عشر أنفسهم، كلها تمهد للدولة العظمى لسيد الرسل تطبيقاً كما مُهِّد له تنظيراً. فالأئمة هم الذين يمهدون لدولة الرسول العظمى، وهذه هي إحدى فلسفات الرجعة. والحاصل: أنَّ النقص فينا وليس في الرسول (صلى الله عليه وآله).
فلسفة الوساطة وحتميتها في الفيض الإلهي
بل نترقى في البحث فنقول: دع عنك الرسول والأنبياء والأئمة، هل في الله عز وجل نقص؟ حاشاه. فلماذا نحتاج نحن إلى وساطة الرسل بيننا وبين الله؟ أفيكون النقص في الله أم فينا؟ إنما النقص فينا؛ فالرسل بإمكانهم أن يستوعبوا من الله ما لا نستطيع نحن أن نستوعبه.
وهذا رد على الوهابية، وعلى بعض الصوفية والعرفاء الذين يزعمون عدم الحاجة إلى الوسائط، وإمكانية الاتصال المباشر بالله تعالى بحجة أنه الأعظم والأغنى. ولكن، لماذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]؟ لم يقل “جاؤوني أنا”، بل قال “جاءوك أنت”. فعلى منطق الوهابية، أو من تأثر بهم من الشيعة والسنة، فإنَّ هذه الآية تدعو إلى الشرك الخفي. فهم يقولون إنَّ المجيء يجب أن يكون إلى الله لا إليك يا رسول الله، فأنت بشر. بينما صريح الآية هو: ﴿جَاءُوكَ﴾ أنت، ثم ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾، ثم ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾، وعندها فقط ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾.
فهل في الله نقص؟ حاشاه. فلماذا إذن يستخدم الله الملائكة؟ أهو عاجز؟ ولماذا يقول: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح: 4]؟ فهل الله عاجز فيحتاج إلى جنود من مخلوقاته؟ إنَّ هذه الآيات تكون آيات شركية على منطق الوهابية هذا. والحق أنَّ الفيض الإلهي لا بد أن ينزل في المخلوقات بالتدريج وعبر الوسائط، وهذا هو معنى جريان النظام بالأسباب.
فالنتيجة: أنَّ للباري تعالى وسائط بينه وبين خلقه تكويناً وتشريعاً، وهم عباده المكرمون. فالقضية إذن ترتبط بمنظومة متكاملة. فإذا أردت أن تدعو الله من دون أن تتوسل أو تستشفع بسيد الرسل والأنبياء والأئمة وأهل البيت والملائكة، فإنَّ الفيض الإلهي لن يصلك؛ وذلك لعدم وجود القابلية التامة لديك أيها البشر لاستيعاب فيض الله مباشرة، فلا بد من جريانه عبر الوسائط. وهذه هي فلسفة الشفاعة والتوسل والوسيلة.
فليس فقط البشر العادي من ليست له القابلية، بل حتى الأنبياء الكرام كإبراهيم وموسى وعيسى ونوح عليهم السلام، لولا وساطة روح سيد الأنبياء ونوره في عالم الأنوار، لما استطاع النبي إبراهيم أن يُنبّأ، كما تشير إلى ذلك بعض الآيات القرآنية بحسب بعض القراءات العرفانية. فالقرآن يدلل في آيات عديدة على أنَّ الواسطة في الإنباء هي روح النبي ونوره. وهنا يأتي معنى كونه شهيداً؛ فهو شهيد حاضر في المسؤوليات التي حمّلها الله عز وجل لإبراهيم، فضلاً عن كونه واسطة. فالشهيد هنا يعني المهيمن والمشرف، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ [الحج: 78].
إذن، القرآن يثبت للرسول (صلى الله عليه وآله) وجوداً غير وجوده البدني، سواء آمن المرء بذلك أم لم يؤمن. فلا ينبغي تأويل هذه الآية، فإنَّ دلالتها على هذا الوجود واضحة. ففي موارد ينفي القرآن عن الرسول الحضور بقوله ﴿مَا كُنتَ﴾، والمراد ما كنت حاضراً ببدنك، وفي موارد أخرى يثبت له الشهادة على الأمم السابقة، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]. فله (صلى الله عليه وآله) وجود ونور وروح تشهد على إبراهيم وموسى، كما تدل على ذلك آيات كثيرة. فهم يؤمنون بوجود خارج عن قدرتهم وإحاطتهم، وهو وجود نور سيد الرسل وروحه. على أي حال، إذا ثبت هذا المقام لسيد الرسل (صلى الله عليه وآله)، فإنَّ البوابة الأولى في هذا النظام هي سيد الرسل، وهذا ما لا ننفيه. ولكننا نقول: لا ينبغي الجمود على ظاهر بعض الألفاظ لنفي هذا المقام عن غيره، فثبوته لسيد الرسل (صلى الله عليه وآله) لا ينفي ثبوته أيضاً لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، بل هناك قرائن وشواهد عديدة على ثبوته له تابعاً للرسول (صلى الله عليه وآله) وسلم.
والمقصود من كل هذا هو أنَّ هناك آيات عديدة تدل على هذا المقام لسيد الرسل (صلى الله عليه وآله)، وهو ما ينسجم مع قاعدة «خلق الأرواح قبل الأجساد». وهذه القاعدة قد استشكل في فهمها بعض الأعلام كالشيخ المفيد[7] ، فأوّلها بتأويل معين في بحث آخر، كما أنَّ للشريف المرتضى[8] والشيخ الطوسي[9] رحمهم الله تأويلهما الخاص في المسألة. مع أنَّ بيان القاعدة صحيح ولا إشكال فيه. وقد أوّلها أيضاً صدر المتألهين[10] ، وأوّلها العلامة الطباطبائي[11] ، وغيرهم. فتصوير المسألة في الحقيقة سهل جداً ولا تعقيد فيه. على كل حال، فالمقصود من هذا الاستطراد هو التأكيد على أنَّ النقص ليس في الحجة، وإنما النقص في البشرية. وإذا تقرر ذلك، نرجع إلى صلب المطلب.
نرجع إلى المطلب والبحث نفسه، وهو أنّه لا يمكن حينئذٍ الأخذ بحديث متواتر واحد أو اثنين أو ثلاثة، بل لا بد من النظر في منظومة الدين برمّتها. هذا منهج ليس أمراً عبثياً، بل هو ضروري جداً؛ فلا يمكن أن نأخذ شيئاً ونغفل عن أشياء، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]. وليس الأمر مقتصراً على الكتاب، بل يتعداه إلى: أتؤمنون بالكتاب وتكفرون بالمعلّم الإلهي للكتاب؟ وهو المآل عينه. ولذلك يؤكد القرآن الكريم بشدة: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]، وذلك في غير الناسخ والمنسوخ المتفق عليه.
استراتيجية التغلغل في الأنظمة: ولاية الجور
إذا كان الأمر كذلك، إذن لا يمكن أن أقرأ الدين قراءة استراتيجية سياسية من خلال طائفة أو طائفتين أو ثلاث من الروايات. إنَّ هذا لا يجوز ولا يحل، بل لا بد من جمع كل طوائف الروايات وكل أحكام الدين، ومنها ما نذكره الآن، وهو قضية تغلغل المؤمنين ونفوذهم في كل الأنظمة، سواء أكانت مسلمة أم كافرة، مؤمنة أم غير مؤمنة. فكل نظام يجب على المؤمن—مع إحراز قدرته على الإصلاح وإقامة الصلاح وأحكام الله—يجب عليه، وعلى عباد الله المؤمنين لا سيما، التغلغل والاختراق وجوباً لا استحباباً. وهذا ما يعبّر عنه فقهاء الإمامية بـ “ولاية الجور”.[12] . وهذه الولاية ليست خاصة بالنظم الإسلامية، بل تشمل حتى النظم الكافرة.
وقد استشهد الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) على هذه القاعدة—قاعدة استراتيجية التغلغل والنفوذ في الأنظمة—بما فعله النبي يوسف (عليه السلام)، وأنَّ الحكم واحد في شريعته وشريعة سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله)، مع أنَّ ملك مصر وعزيزها كان كافراً. فالإصلاح النسبي، ولو كان اقتصادياً أو أخلاقياً، وجب على النبي يوسف أن يتغلغل فيه. والشاهد على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55].
وانظر في مقابل ذلك إلى تطرف الزيدية، [13] . ففي زمانهم انتقدوا الإمام الرضا (عليه السلام)، وربما استحل بعضهم قتله. هذه من اشتباهات الزيدية، لكنَّ اشتباهاتهم لا تعني أنَّ ثوريتهم خطأ محض، فلا بد من تمييز الجانب السلبي في الزيدية عن جانبها الإيجابي، خلافاً لمن يرى أنهم خطأ في خطأ.
فمن إيجابياتهم مثلاً: اعتقادهم بستة من المعصومين، فهم يعتقدون بالنبي (صلى الله عليه وآله)، وبعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام—وهم الخمسة أصحاب الكساء—ويعتقدون بزيد بن علي (عليه السلام)، وهذا اعتقاد صحيح وقوي في أصله. كما أنَّ أصل مناهضة حكام الجور لا يخطّئه الأئمة، فالضغط على حكام الجور لمنع طغيانهم الزائد أمر مطلوب، ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾ [طه: 24]. وقد ذكرنا في التفسير أنَّ الباري تعالى يعتبر الطغيان صرح الكفر بالله.
والحاصل: أنَّ الإصلاح الذي قام به النبي يوسف (عليه السلام)، أو الذي يقوم به الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، يدل على مشروعية هذا المسلك. فمقتضى ذلك أنَّ لدينا إماماً من الأئمة تقلّد في نظام الجور منصباً، لكن من دون أن يلوّث الإمام الرضا (عليه السلام) نفسه بفساد النظام العباسي، وما أدراك ما الفساد الذي كان يقوم به ذلك النظام من سفك للدماء واستباحة للأموال والأعراض وغير ذلك. لكنَّ هذا لم يمنع الإمام الرضا (عليه السلام)، ولو تحت الإكراه، من أن يتقلّد هذا المنصب ويزاول إصلاح ما أمكنه، من دون أن يُنسب إليه أي فعل فاسد آثم أبداً، أو أن يشارك فيه، وهي عصمة المعصوم بلا شك.
دراسة مقارنة: موقف الإمام الرضا والإمام الحسن
فإذا كان لدينا أحد من الأئمة قد تقلّد منصباً في نظام الجور، وهو الإمام الرضا (عليه السلام)، واستشهد (عليه السلام) بفعل النبي يوسف (عليه السلام) لدفع اشتباه تطرف الزيدية، يتضح لنا عمق هذه القاعدة. ولاحظ أنَّ موقف الإمام الرضا (عليه السلام) يختلف عن موقف الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، وهنا تكمن دقة هذه المسائل.[14] . فالإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) دخل في هدنة وصلح، من دون أن يُتحكّم فيه، فلم يذعن للنظام الأموي، بل حافظ على السلاح والقوة والقدرة، بحيث إنَّ معاوية نفسه استنجد به عسكرياً عدة مرات.
وهي نكتة دامغة: أنَّ الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، في حين دخل في صلح وهدنة، إلا أنّه لم ينزع السلاح من نفسه ومن شيعته، فالقول بنزع سلاحه غير صحيح، بل أبقى السلاح والقوة عنده. حتى إنّه اشترط على معاوية نسبة من الميزانية، وكان يأخذها سنوياً ليصرفها على كيان المؤمنين، بما يشبه الدويلة أو المحافظة المستقلة. والأهم من ذلك، وهو أمر قلّما يُقرأ أو يُتدبّر فيه للأسف، أنَّ أول بند وشرط اشترطه الإمام الحسن (عليه السلام) على معاوية هو أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) غير ملزم بهذه الهدنة، فله الحق أن يضع إصبعه على الزناد في أي ساعة وأي وقت. ورغم أنَّ معاوية لم يقبل في البداية، إلا أنّه وجد نفسه مضطراً للقبول، حيث كان جيش الإمام الحسين (عليه السلام) في الكوفة مستعداً للالتحام ولم يبرموا العهد. إنَّ هذا التدبير يكشف عن تفوق الإمام الحسن (عليه السلام) في التدبير على كل البشر، وعلى دهاء معاوية وعمرو بن العاص.
فالخلاصة: أنَّ هناك فرقاً بين الموقفين؛ فالإمام الحسن (عليه السلام) لم ينزع السلاح من نفسه، وكان صلحه هدنة ووقف إطلاق نار بتعبيرنا المعاصر، مع استثناء الإمام الحسين (عليه السلام) الذي بقي على حاله. وهذه نكتة مهمة جداً: الذي التزم بوقف إطلاق النار هو الإمام الحسن فقط، مع احتفاظه بسلاحه ونسبة من الميزانية. إذ لا تبتلع هذه الأنظمة الجائرة كل الأموال، بل يجب أن تُصب الضرائب الشرعية وغيرها عند راية أهل البيت عليهم السلام. أمّا الإمام الرضا (عليه السلام)، فإنّه تقلّد منصباً ولو تحت الإكراه، وهو منصب ولاية العهد، الذي يشبه رئاسة الوزراء في الاصطلاح الحديث، حيث يكون المأمون العباسي الخائن بمثابة رئيس الجمهورية، وولي العهد هو رئيس الوزراء. فكان موقف الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أكثر توغلاً في الأنظمة الجائرة من موقف الإمام الحسن (عليه السلام) الذي وقف عند خط وقف إطلاق النار.
إذن، هذه فتوى متفق عليها بين كل علماء الإمامية. وهذه القاعدة، إذا قرأناها قراءة استراتيجية، تحدد رؤية ومنهجاً لوظيفة المؤمنين في عصر الغيبة الكبرى وعصر عدم بسط الأئمة عليهم السلام لسلطتهم في العلن. ومقتضى ذلك أنَّ العلم والقرآن والدين يؤسسون لهذه السنة، التي كما قال الإمام الرضا (عليه السلام) قد حصلت مع النبي يوسف (عليه السلام)، ومع مؤمن آل فرعون، ومع كثيرين اخترقوا الأنظمة الفاسدة.
حتى لو كانت كتلة ما منتسبة للمؤمنين لكنها غارقة في الفساد، فلا بأس من اختراقها. بشرط الإصلاح: لا أن تزيد في الفساد أو تقرّه، بل أن تحاول الإصلاح، وإلا صرت معهم في العذاب وسوء العاقبة. وبشرط أن توقف نفسك على المسؤوليات العامة، لا أن تهتم بأمر نفسك فحسب. وبشرط أن تهتم بالصالح العام والحق العام، بل وفوق ذلك كله، أن تهتم ببيضة الإيمان والدين، فهذا أعظم من الصالح العام.
أنت أيها النبي يوسف، كان يجب عليك أن تكابد من صغرك إلى كبرك ما تكابد، لكي تصل إلى الاختراق والإصلاح. فما معنى ﴿فَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: 10]؟ كان ذلك لأجل غاية ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]. فانظر إلى أي مدى تصل ضرورة الإصلاح وأهميته. إنَّ قصة النبي يوسف (عليه السلام) ليست مجرد قصة تداعب العواطف والخيال، بل تبيّن مرتكزات إلهية؛ فلأجل الإصلاح الاقتصادي أو الأخلاقي في نظام كافر فاسد، يجب على نبي من أنبياء الله أن يكابد ما يكابد، من غيابة الجب إلى الغربة والنزوح. ولذلك يُقال إنَّ بين الإمام الثاني عشر (عليه السلام) والنبي يوسف (عليه السلام) شبهاً، فهو النازح عن الأوطان، البعيد، المكابد.
فالغاية هي الإصلاح في الأنظمة الفاسدة، مهما كانت الكلفة، ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف: 56]. وهذا التمكين هو معنى قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. فالإعداد يبيّن كيف أنَّ الله عز وجل بهندسة إلهية مكّن النبي يوسف، وهي يد أعدّها الله له، حتى أبعد عنه أباه النبي يعقوب (عليه السلام)، لا لمعارضة من النبي يعقوب حاشاه، ولكن لكي يتجرد النبي يوسف ويتفرد في القيام بهذه المهمة العظيمة، وهي الإصلاح في النظام السياسي الاجتماعي بقدر المستطاع. هذا شيء عظيم، وهو من ضروريات الدين والقرآن، ومن المشتركات بين كل الأنبياء والرسل.
إذن، ليس معنى التقية جموداً وعدم نشاط سياسي، فالنبي يوسف (عليه السلام) قام بنشاط أمني واقتصادي وعسكري وسياسي وثقافي، وكان نشطاً على كل الأصعدة، ومن ثم كان مقامه أسمى من مقام أبيه النبي يعقوب (عليه السلام). لقد عاش النبي يوسف (عليه السلام) قمة النشاط، مع أنّه كان يعيش تقية وخفاء، لكنه قلب الأمور رأساً على عقب بمد الجذور والأيدي والنفوذ. وذلك ما عبّر عنه القرآن بقوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف: 56]، وهو شبيه بقوله تعالى في شأن ذي القرنين: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: 84].
فالتمكين هدف استراتيجي إلهي لدعاة الإصلاح والصلاح والحق، كما في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55]. فالتمكين لا يعني ظهوراً مفاجئاً أو بغتة، بل هو إعداد دؤوب يمتد لسنوات طويلة. فمسؤوليتنا هي الإعداد للظهور، كما تدل عليه آية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا…﴾.
ومصداق ذلك ما ورد في معنى التمكين في قوله تعالى: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: 6][15] ؛ فإنَّ هذا التمكين الإلهي يحتاج إلى إعداد دؤوب، وهو ما يترجمه الدعاء المأثور في حق الإمام المنتظر (عجل الله فرجه): «اللهم كثّر أعوانه وأنصاره». فلا بد من الإعداد، وإن كان الظهور يقع بغتةً.
وهذه القاعدة –أعني ضرورة الإعداد للتمكين– هي من المسلّمات في سنن الأنبياء وبعثاتهم جميعاً، بيد أننا نتناساها، والعياذ بالله. وهذا الفهم هو ما يدعم تأويل السيد الخوئي (قدس سره) لتلك الطائفة من الروايات.
[16] أشار المحاضر إلى سورة القصص، ولكنه استهل كلامه بقوله: «وعد الله الذين آمنوا»، وهي بداية الآية (55) من سورة النور. والظاهر أن مراده هو آية التمكين في سورة القصص التي تتناسب مع سياق كلامه.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة:
https://youtu.be/82f8y8fr6Zk?si=v8D8YxqzvsKPpLNx