47/11/09
النشاط السياسي الخفي في سيرة الأئمة: قراءة جديدة في روايات النهي عن الخروج
#درس_العقائد_1447هـ
عنوان الدرس : شواهد على تأويل النهي عن الخروج
تأريخ الدرس : الأثنين 9 ذي القعدة 1447هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
00:55 الروايات الناهية عن القيام والثورة قبل القائم (عج)
03:15 بيانات أمنية سياسية من الصادق والكاظم (ع)
05:00 بيانات أمنية سياسية من الكاظم (ع)
08:10 الروايات الناهية عن علانية النشاط السياسي والأمني
09:15 الأنشطة الخفية للصادق في شمال أفريقيا
12:50 التفوق البشري عند أهل البيت (ع)
17:29 التفوق البشري لدى الأنبياء والمعصومين
19:00 اشتداد امتحان رسول الله (ص) على باقي المعصومين (ع)
20:45 منطق و موقف أهل البيت (ع) من منهج الزيدي و العباسي
28:00 مدح البراعة السياسية والإدارية و الأمنية في بيانات أهل البيت (ع)
إنَّ الروايات الناهية عن القيام أو النهضة أو الثورة أو النشاط السياسي أو العسكري قبل قيام القائم (عليه السلام)، هي في حقيقتها ناهيةٌ عن النشاط المعلن. ولو أردنا أن نكون جامدين في فهم هذه الروايات، لوجدنا أنَّها تنهى عن “الخروج”، والخروج في لسان العرب يعني البروز والظهور.
وهذه نكتةٌ دقيقةٌ ينبغي الوقوف عندها وتدبرها ملياً؛ فإنَّ هذه الروايات ناهيةٌ عن بروز النشاط وإعلانه، لا عن أصل النشاط. هذه نقطةٌ جوهريةٌ جداً، فلو أردنا أن نكون حرفيين في فهمها، فلنجمد على ظاهر اللفظ حرفياً، وسنجد أنَّها ليست ناهيةً عن مطلق النشاط.
فالقيام المعلن البارز الساخن هو مصداق “الخروج” المنهي عنه، ومفهوم “الراية” في قولهم عليهم السلام: «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ»[1] ، إنما يركز على معنى الإعلان والجهر، فالراية رمزٌ للشيء المعلن والمنشور، لا للعمل الذي يُراد به خدعة العدو أو التغلغل في صفوفه خفيةً.
والشاهد على ذلك: سيرة أصحاب الأئمة أنفسهم، فهذا علي بن يقطين[2] يتغلغل في أعلى مراتب السلطة العباسية، وكذا ما يُنقل عن ستة عشر فقيهاً من تلاميذ الأئمة عليهم السلام. ومن أبرز الأمثلة محمد بن إسماعيل بن بزيع[3] ، وهو فقيهٌ جليلٌ من تلاميذ الإمام الرضا (عليه السلام)، ومن أصحاب الإجماع على قولٍ، كان وزيراً في الدولة العباسية وصاحب نفوذ، فكان مرجعاً فقهياً ووزيراً في آنٍ واحد. فكيف جمع بين هذين الأمرين في ذلك الزمن العصيب؟ إنَّها لقدرةٌ عجيبةٌ تكشف عن عمق المنهج الذي كانوا يسيرون عليه، وكيف كان يتقبله المؤمنون، مع محافظته على ورعه ونزاهته.
لقد كان فقيهاً ومرجعاً ووزيراً في دولةٍ وصفها الإمام الكاظم (عليه السلام) بما يؤول إلى كونها دولة عصابات، حتى ورد في بيانه (عليه السلام) أنَّ الخداع والمكر الموجود في بني العباس أشد من بني أمية. وقد كان الإمام الكاظم (عليه السلام) يطلب من بعض أصحابه أن يقدموا له تقارير سياسية وأمنية وتنظيمية عن الدولة العباسية، وهذا يكشف عن مدى اهتمامه بتلقين المؤمنين هذه المعارف، وتثقيفهم على فهم الوضع القائم. واللطيف أنَّ هذا البيان عن طبيعة الدولة العباسية القائمة على المكر والخداع والغدر والفتك، يصفه الإمام بأنه طابعٌ سيستمر فيها إلى آخر أيامها.
والسؤال: لماذا يبين الإمام الكاظم (عليه السلام) كل هذا؟ هل كان مجرد محلل سياسي أو استراتيجي؟ الجواب: أنَّ هذا من صميم اهتمامات الأئمة عليهم السلام، فقد كانوا يثقفون شيعتهم ويربونهم على الوعي السياسي والإداري والاستراتيجي، ولعلنا نجد عشرات الروايات عن الإمام الصادق والباقر والرضا والكاظم عليهم السلام في هذا المجال، والتي كانت تهدف إلى بناء قدرة التحليل والتعامل لدى شيعتهم.
والحاصل: أننا لو جمدنا على هذه الروايات الناهية جموداً حرفياً، لوجدنا أنَّها إنما تنهى عن النشاط المعلن البارز أمام العدو، ولا تنهى عن أصل النشاط السياسي أو العسكري أو الأمني. ومما لا شك فيه عند أهل الخبرة في الشأن الأمني أنَّ للأئمة صلوات الله عليهم شبكة أمنية ناعمة مع أصحابهم ووكلائهم، وهو نظامٌ أمنيٌّ محكمٌ لا يستطيع العدو اختراقه.
الشبكات الخفية للأئمة وامتدادهم العالمي
ويتجلى هذا البعد في سيرة الأئمة عليهم السلام مع الأقوام المختلفة، فقد كانت أربعٌ من أمهات الأئمة من قبائل البربر (الأمازيغ) في شمال إفريقيا، وهنَّ والدة الإمام الكاظم، ووالدة الإمام الرضا، ووالدة الإمام الهادي، ووالدة الإمام الحسن العسكري عليهم السلام. كما كانت والدة الإمام الجواد (عليه السلام) نوبية من جنوب السودان، ووالدة الإمام زين العابدين (عليه السلام) من أصول فارسية، وهذا يدل على الامتداد العالمي لأهل البيت.
والكتب القديمة المعتمدة في تاريخ البربر تثبت بشكل قاطع أنَّ الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) كانت لديه رسلٌ بالخفاء ينشرون مذهب أهل البيت عليهم السلام في الجزائر والمغرب وتونس منذ ذلك الزمن، وهو الذي أسس الأرضية الأولى للتشيع في دول المغرب العربي. وهذا نمطٌ من النشاط ظل خفياً حتى على كثير من علماء الإمامية والسنة إلى هذا القرن.[4] وقد اعترف بمثل هذه النشاطات مستشارٌ سابقٌ للرئيس المصري في مقالة له، وهي مقالةٌ تحفةٌ لم يقف عليها أحدٌ من علماء الإمامية صراحةً.
إنَّنا كثيراً ما نبني على أنَّ علماء الإمامية يعرفون كل الحقائق عن الأئمة، والحق أنَّ أنشطة أئمة أهل البيت عليهم السلام أوسع من أن يحيط بها محبوهم أو حتى علماؤهم، فقد كان لديهم جهازٌ أمنيٌّ فظيعٌ في إدارة أنشطتهم. ومن الخطأ الكبير والساذج أن نظن أنَّ نشاط الأئمة عليهم السلام محصورٌ فيما برز وظهر وأُعلن، وأن ندرس سيرتهم من خلال السيرة البارزة المعلنة فقط.
والشاهد على ذلك: أنَّ كل إمام من الأئمة كان يمارس كل الأدوار، إلا أنَّ بعضها كان بارزاً والأغلب كان مخفياً. فكل إمام يمارس كل الأدوار، ولكن من يطلع على ذلك؟ إنَّ هذه القراءة الفقهية العقائدية لسيرة أهل البيت وبياناتهم ضروريةٌ لفهم حقيقة أدوارهم.
التفوق البشري كأساس للاصطفاء الإلهي
وقد أُثير إشكالٌ حول معنى التفوق البشري لدى الأنبياء والأوصياء، وهل هو مجرد عبقرية؟ وماذا يعني أن يكون لديهم تفوقٌ بشريٌّ لا يستند إلى الوحي أو الملائكة أو المعجزة؟ والجواب: أنَّ هذا مبحثٌ جديدٌ خطيرٌ لم يتعرض له علماء الكلام والمفسرون بما يكفي، وهو أنَّ سبب اصطفاء الله لهم، لجميع الأنبياء والرسل والأوصياء، ولا سيما أهل البيت الذين لهم أعلى درجات الاصطفاء، إنما هو لجدارتهم البشرية المتفوقة. لقد رآهم الله جديرين بذلك، بغض النظر عن المعجزة والوحي والغيبيات، فهم بشرياً في مرتبةٍ الفاصل بينها وبين بقية البشر شاسعٌ. هم في قمة حسن الاختيار، بينما البشر في متوسطات الاختيار أو حضيضه. ومن ثم يجعلهم الله في “مدرسة المتفوقين”، أي مدرسة الاصطفاء، فالاصطفاء مجازاةٌ وجزاءٌ على تفوقهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124]، فلا يصح القول بأنَّ إبراهيم (عليه السلام) أتم الكلمات بالمعجزة أو بالملائكة، بل أتمهن بتفوقه البشري وحسن اختياره. وهذا التفوق يكون في كل مجال. وبعض المصطفين من الأنبياء والرسل هم أئمة، والإمامة درجات، فإمامة النبي إبراهيم ليست كإمامة أئمة أهل البيت عليهم السلام. وقد يكون هناك صفيٌّ آخر له تفوق بشري واصطفائي أعلى من نبيٍّ في مجال معين، كما في قصة موسى والخضر عليهما السلام، حيث تفوق الخضر على النبي موسى في علمٍ خاص، وإن كان موسى (عليه السلام) هو المقدم في الإجمال لكونه من أولي العزم. لكن في المادة التي تفوق فيها الخضر، لم يتفوق فيها موسى عليه.
إنَّ الاصطفاء أمرٌ خاص، والله تعالى لا يهب المقامات مجاناً، بل هذا هو مقتضى عدله. فلماذا لم يعطِ الله عز وجل النبي إبراهيم الإمامة من أول أمره؟ لأنَّه لا يعطيها مجاناً، بل يعطيها بعد مكابدة وامتحان.
إنَّ الامتحان الذي ابتُلي به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، سيد الرسل، لم يبتلَ به أمير المؤمنين (عليه السلام). والامتحان الذي ابتُلي به أمير المؤمنين لم يبتلَ به الحسنان والتسعة من ولد الحسين عليهم السلام. وإنَّ معقد الامتحان الذي يبتلى به أمير المؤمنين لا يتحمله غيره. والامتحان الذي يبتلى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يتحمله أحدٌ في المخلوقات إلا هو.
إنَّ الله عادلٌ لا يجور، ولا يجعل سيد الرسل فوق إبراهيم وموسى وعيسى مجاناً، ولا يأمر الملائكة بالسجود لآدم مجاناً، بل يبتليه ابتلاءات ليجعله سيداً على جبرائيل وميكائيل وإسرافيل. فهذا البعد، أي التفوق البشري، هو الذي يؤهل للاصطفاء. فالاصطفاء فعل الله، لكن الأرضية يهيئها النبي أو الوصي. والأنبياء والرسل والأئمة مختلفون في درجات الاصطفاء، ومن هنا يأتي الفرق بين آل سيد الأنبياء وبقية المصطفين، نتيجة هذه المكابدة.
وبالعودة إلى صلب البحث: يتضح أنَّ أدوار أئمة أهل البيت عليهم السلام كثيرةٌ ومتشعبة، ومن الخطأ الفادح أن نحصرها في الأدوار المعلنة فقط. وهنا يجب أن نتساءل أمنياً: ما هي طبيعة العلاقة بين الإمام الهادي (عليه السلام) والسيد عبد العظيم الحسني؟[5] ولماذا كان السيد عبد العظيم مطارداً من قبل الدولة العباسية، حتى ورد في قولٍ أنه دُفن حياً من شدة المطاردة؟ وما هي العلاقة بين السيد عبد العظيم الحسني وقيام الدولة الزيدية في شمال إيران على يد السادة الحسنيين؟
الدولة الزيدية في شمال إيران من قِبَل السادة؟ فإذا تمت هذه المعادلة، فالفحص والتنقيب الأمني لا ينبغي أن يكون تنقيباً ساذجاً، بل تحقيقاً أمنياً. إذا أردنا أن ندرس سيرة الأئمة، فعلينا أن ندرك أنَّ الإمام دولة عظمى، والدولة العظمى لا تُكتشف بالتحقيقات الساذجة، وهذا خطأ. فالإمام الحسين (عليه السلام) لا يمكن اكتشاف دوره في عاشوراء بالتحقيقات الساذجة الباهتة التافهة، فهذا راجعٌ إلى قصور المحقق، وليس إلى الإمام الحسين.
فإذا تمت التحقيقات، لاحَ للناظر أنَّ منطق الإمام الهادي (عليه السلام) في التعامل مع الدولة الزيدية يختلف عن تعامله مع الدولة العباسية؛ فموقف الأئمة من الدولة الزيدية غير موقفهم من الدولة العباسية.
ومثال ذلك: أنَّه في الدول الزيدية، لم يرد عن الأئمة ما يتعارض معها بشكل جذري، وهذا طبعاً يندرج ضمن المحطات التي تخدم السيرة الخفية. فموقف الأئمة في الدول الزيدية غير موقفهم مع العباسيين.
والسر في ذلك: أنَّ الدول الزيدية ليس لديها استئثار صنمي ذاتي دنيوي، بل لديها ثورية مطلقة ساخنة غير مفرطة، ولكنهم لا يكتنزون الثروة كالعباسيين.
إنَّ منطق أهل البيت عليهم السلام في تفسير المنهج العباسي يغاير تفسيرهم للمنهج الزيدي، بل بالعكس، المنهج الزيدي يقول عنه الإمام الصادق (عليه السلام) إنَّه وإن كانت فيه سلبيات، إلا أنَّ فيه وقاءً لكم. فالمنهج الثوري الصاخب هذا وقاءٌ لكم من العدوان والطغاة، لأنَّ لديهم ثورية مسلحة، فيخففون الضغط عنكم. وقد ورد في روايات عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما يفيد معنى: “لو وجدت أنَّ الخارجي من آل محمد خرج وعليَّ نفقته”، فانظر إلى دقة الموازنة عند الإمام الصادق (عليه السلام). فالخط الصاخب ليس خطاً باطلاً بالمطلق، بل له إيجابياته، فلتلتفت. إنَّ راية الخراساني فيها زيدية، نعم، لكنها مناصرة إجمالاً لأهل البيت عليهم السلام، فلا يقال إنَّها كراية أموية من السفياني، فأين راية السفياني من راية الخراساني؟ لا قياس بينهما، وإن كان فيها زيدية.
وموقف الأئمة عليهم السلام من الخوارج يغاير موقفهم من بني أمية؛ فبنو أمية أهل دعارة وعهر وخمر وبطر وسرقة وغير ذلك، في حين أنَّ للخوارج شعاراً مبدئياً، وإن كانوا منحرفين. فلمَ يفرّق الأئمة عليهم السلام بين الخوارج وبني أمية؟ إنَّ الفرق كبير، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين. وكذلك الحال بين العباسية والزيدية، فإنَّ موقف الأئمة فقهياً وسياسياً وعقائدياً يختلف.
فالعباسيون أصلاً لا يؤمنون بإمامة الأئمة عليهم السلام بعد انقلابهم، فقد كانوا في بدايتهم على التشيّع الاثني عشري، ثم صاروا عباسيين، فزعزعوا عقيدة الإمامة، واستأثروا بالأمر لأنفسهم، فاختلف الموقف منهم. إذاً، يتضح الفرق في موقف الأئمة من العباسية. ويمكن صياغة منهجهم على النحو التالي: أن يكون المرء في البداية مع أهل البيت عليهم السلام، ثم ينقلب على منهجهم، فيكون الكرسي والرئاسة هما الأساس لديه، مهما بلغ الأمر، وكل ذلك تحت غطاء الاضطرار والتقية. فالمبدأ الأولي عندهم -لا الثانوي- هو الباطل في الصميم. هذا هو المنهج العباسي.
أمَّا الزيدية فيتمسكون بالمبدأ الأولي دون الثانوي، وهذا أحد توجيهات الروايات، فعندهم مبدئية مطلقة لا تقبل الرخص، ويفتقرون إلى المرونة في تطبيق القواعد الثانوية. فخطؤهم ليس في التمسك بالمبدئيات، بل في عدم توظيف المرونة التي تتيحها القواعد الثانوية، ولكنهم في المحصلة مبدئيون، بخلاف العباسيين الذين مسخوا المبدأ والقيام تحت طائلة العذر والمداراة.
والحاصل: أنَّ هذه مناهج في الفقه السياسي والعقائدي يجب فهمها، فكل رواية واردة عن الأئمة عليهم السلام في العباسيين لم يُرد بها نسلهم، كما أنَّ بني أمية لم يُراد بهم نسلهم، بل المراد هو المنهج الأموي، والمنهج العباسي، والمنهج الزيدي. وليس المقصود بذلك المذهب الزيدي بما هو مذهب فقهي أيضاً، وإنما المقصود هو المنهج الثوري ذو المبدئية المطلقة التي لا تقبل الرخص، وهذا المنهج مهما تمسكت به جماعة، تبقى لديها فراغات أخرى. ومن ثمَّ اختلف تعامل الأئمة عليهم السلام مع الزيدية تماماً عن تعاملهم مع العباسيين والأمويين والخوارج. وهذا هو سر تصنيف الأدوار الذي يجب استيعابه.
المبدئية والكياسة السياسية: قراءة في سيرة زيد وميثم
ويتفرّع على ما سبق، أنَّ الوجوه المتعددة التي ذكرناها لهذه الروايات تفيد أنَّها إنَّما تنهى عن العلن المفرط والسخونة المفرطة، لا عن أصل العمل أو حتى عن إبرازه، فلا يُفهم منها النهي المطلق. وعليه، إذا ضحّى أحدهم، فلا يقال إنَّ هذا ليس مبدئياً. فالأئمة عليهم السلام لم يقولوا إنَّ زيداً[6] ليس مبدئياً، مع أنَّ مؤاخذات الأئمة عليهم السلام على زيد إن وُجدت، فإنَّما هي بلحاظ بعض هذه الجهات. وليس معنى ذلك أنَّ زيداً ليس مبدئياً؛ بل زيد مبدئيٌ ونص، وقيميٌ ونص، وشهيدٌ ونص، ولكن كان يمكنه القيام بمناورة أخرى ربما تحقق نتائج أكبر، وهذا هو مقتضى كلام الإمامين الصادق والباقر عليهما السلام مع زيد الشهيد.
إذ إنَّهم لا يذمّون أصل مبدئيته ولا يرفضونها، ولكنَّ البحث في كيفية القيام بالمناورة. فالإمام الصادق (عليه السلام)، ألم يمدح ميثماً؟[7] بلى، لقد مدحه بلا شك. ألم يعلّمه علم المنايا والبلايا؟ بلى. ومع ذلك، يقول الإمام الصادق (عليه السلام) بما معناه: إنَّ ميثماً لو كان عنده من الدهاء السياسي أكثر، لنفع مذهب أهل البيت أكثر. وليس معنى ذلك أنَّ ميثماً ليس مبدئياً أو قيمياً أو فدائياً، بل كان في أعلى درجات الخدمة والنصرة. فالمؤمن كيّس فطن، [8] ولم يعلّق الأئمة عليهم السلام على أمثال زيد وميثم بأنَّهم ليسوا من أهل المبدأ، بل بأنَّهم لم يبلغوا الغاية في الكياسة السياسية والإدارية.
فالمؤمن مطلوبٌ منه أن يكون فطناً في الإدارة، مدبّراً في علمها، حذراً في النظام الأمني، داهيةً في السياسة والإدارة والأمن. وفوق كل ذي علم عليم. فميثم ممدوح، ولكنَّه كان يمثل الخط الصاخب البارز المعلن، فكان المدح لأصل مبدئيته، بيد أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) يرى أنَّه لو أضاف إلى تلك المبدئية لمسات أخرى، لنفع أكثر وأكثر. وإن كان ميثم اليوم صرحاً شامخاً، وزيد الشهيد صرحاً شامخاً، وكلٌ منهما مدرسة، ولكن فوق كل مدرسةٍ مدرسة. وهذا هو المنطق الذي يجب أن نفهمه في بيانات أهل البيت عليهم السلام؛ إنَّها منظومة دولة عظمى إلهية، وليست دولة صغيرة.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.