47/11/08
تأويل النهي عن الخروج وإقامة الدولة
الأحد (8) ذي القعدة 1447 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
10:00 الفهم الخاطئ للروايات الناهية عن الخروج قبل الظهور
02:00 الحفاظ على القوة وتناميها من ضروريات استراتيجيات المذهب
03:00 المظلومية مع التقاعس ذنب لا يغفر
08:11 عزل الدين عن السياسة اخطر إنحرافات الصوفية
10:51 وجوب تمكين الفقيه لإقامة أحكام الله
13:00 فتاوى علماء النجف الاسلام نظام شامل متكامل
15:00 بركة إقامة أحكام الله وازدهار الطبيعة
17:00 شيخ الشريعة الاصفهاني وضرورة وجوب إعلاء كلمة الله
19:11 السيادة الوطنية وإعلاء كلمة الحق
19:07 مشروع أمير المؤمنين إعلاء لكلمة الله ودحض كلمة الباطل
24:12 ضرورة الإعداد المستمر للمؤمنين على جميع الأصعدة
25:00 تعدد ساحات الحروب والمواجهات مع الاعداء
25:00 تثقيف المؤمنين والوصول الى المواقع السيادية بالتخصصات الكفوءة
28:00 ضرورة زج المؤمنين في العمل السياسي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌐 دروس المرجع الديني سماحة الشيخ محمّد السند دام ظلّه
واجب إعداد القوة وجعل كلمة الله هي العليا: رد على منطق التقاعس
قرأنا على إجمال كلمات جملة من الأعلام، بل هي معلّلة مقيّدة بقيود أو لها تأويلات ووجوه متعدّدة. على أي حال، إنَّ هذا الفهم الخاطئ لهذه الطوائف من الروايات قد سبّب مسيرةً مترافقةً مع الفهم الخاطئ لمعنى نظام التقيّة، مع وجود دول ظالمة وما شابه ذلك، ومع وجود تدوين فقهي غير شمولي، يتعرّض لما هو أقلّ أهمية، أو يغفل ما هو أشدّ أهمية.
إنَّ مجموعة هذه العوامل، إذا دقّق فيها الناظر، يجد أنّها سبّبت عزوف المؤمنين عن القيام بمسؤوليات تنامي القوة وإعدادها، سوى بالأسلوب الناعم. وبعبارة أخرى: لو سلّمنا جدلاً هذا الفهم الخاطئ للتقيّة، ولو سلّمنا جدلاً هذا الفهم الخاطئ للروايات الناهية عن القيام أو الحركة أو الثورة، وسلّمنا كل هذا، فإنَّ القواعد المسلّمة المتّفق عليها بين جميع علماء الإمامية لا تسوّغ التقاعس والاستضعاف والاستكانة.
منطق القوة في استراتيجية المذهب
فحين يُقال: (يحرم بيع السلاح)، فإنَّ هذه المسألة تتضمّن في العرف السياسي والأمني والاستراتيجي أنّه إذا كانت لديك قوة فلا تعْطِها للعدو، بل حافظ عليها، بل حافظ على تناميها أيضاً. إذَنْ، فمن استراتيجية المذهب تنامي القوة وتمدّدها، وبهذه القوة إقامة العزّة ونشر الدين، وجعل كلمة الله هي العليا، والحفاظ على أمن بيضة الدين والإيمان. وقد ذكرنا مراراً أنَّ القرآن الكريم لا يعتبر المظلومية عذراً للمظلوم في مظلوميته؛ أي إنَّ نفس المظلومية المقترنة بالتقاعس هي في منطق القرآن ذنبٌ لا يغفره الله عزّ وجلّ.
فالضعف الناشئ عن الجمود والخمود عذرٌ لا يقبله الله عزّ وجلّ، بل يحاسب عليه القرآن الكريم في آيات عديدة سبق أن تعرّضنا لبعضها. يحاسب الله عزّ وجلّ ويجعل العذاب على المظلوم بنفس درجة العذاب… بل هذه حقيقة قرآنية، إذ يشدّد العذاب على المظلوم المفرّط -لا المظلوم النشط- أي المظلوم الذي يمكّن من نفسه بالخمود والخمول، فيضاعف عليه العذاب كما يضاعف العذاب على الظالم نفسه.
**
منطق القرآن في مواجهة الاستضعاف
فما هو منطق القرآن؟** بناءً على ذلك، نقول: حتى لو سلّمنا بهذا الفهم الخاطئ الموجود، فإنَّ قضية تنامي القوة تظلّ قائمة. والشاهد على ذلك: الأمثلة البشرية المعاصرة؛ فاليهود اليوم، بغضّ النظر عن شرورهم، هم فئة أقلّ بكثير جداً من المؤمنين والمسلمين، ولكنّهم يتحكّمون في العالم كلّه.
فعبر القوة الناعمة الخفيّة يتحكّمون في أسلحة البشر، وأنظمة البشر، واقتصاد البشر؛ فكلّ معاقل القوة في المجتمعات البشرية استطاعوا أن يتسلّقوا إليها ويصلوها. فإن قيل: ليس لديّ مكنة. قلنا: وكيف صار لليهود مكنة؟ لا ينبغي أن تسأل: هل لديك مكنة؟ بل لماذا لا تملكها؟ لأنَّ هذا ليس عذراً، ﴿كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾[1] ، وذلك بعقل الكياسة. فهذا التقاعس لا مبرّر له.
الدين والسياسة في فتاوى الأعلام: رد على التصوف
ومن ضمن الفتاوى التي نقلتها مجلة (أضواء)، ونقلها المرحوم الدكتور عبد الهادي الفضلي، فتوى السيد البروجردي[2] التي قرأناها، وفيها: «لا يبقى شكٌّ لمن تتبّع قوانين الإسلام وضوابطه في أنّه دين سياسي».
وهذا خلاف منهج الصوفية؛ فنحن قد نظنّ أنَّ التصوّف انحرافٌ في الشوارب أو في الدروشة فحسب. والحال أنَّ أخطر شيء في التصوّف هو عزل الدين عن السياسة، وعزل الدين عن الحياة. هذا هو جوهر منهج التصوّف: الدين صومعة، ورهبنة، وعلاقة فردية بين الإنسان وربّه، ومجرّد طقوس لا علاقة لها بعالم الاجتماع والسياسة.
ولذلك يردّ عليهم السيد البروجردي بقوله: «إنّه دين سياسي اجتماعي، وليست أحكامه مقصورةً على العبادات المحضة، المشروعة لتكميل الأفراد وتأمين السعادة في الآخرة، بل أكثر أحكام الدين مرتبطة بسياسة المدن، وتنظيم المجتمع وتأمين سعادة هذه النشأة الدنيوية قبل النشأة الأخروية».
فإذا كنّا نقبل بمقولة (الرياضة الروحية)، فماذا عن الرياضة السياسية؟ وماذا عن الرياضة العسكرية؟ وماذا عن الرياضة الأمنية؟ إنَّ تنظيم المجتمع وتأمين سعادة هذه النشأة، والمجتمع الحسني، مرتبط بالنشأتين، وذلك كأحكام المعاملات والسياسات من الحدود والقصاص والديات والأحكام القضائية المشروعة لفصل الخصومات، والأحكام الكثيرة الواردة لتأمين الماليات التي يتوقّف عليها حفظ دولة الإسلام كالأخماس والزكوات ونحوها.
ويتابع السيد البروجردي: «ولأجل ذلك اتّفق الخاصة والعامة… على أنّه يجب أن يكون هناك سائس وزعيم يدبّر أمور المسلمين، بل هو من ضروريات الإسلام». فإذا كان من ضروريات الإسلام، فكيف تُترك الأمور على غاربها؟ ويضيف: «ولا يخفى أنَّ سياسة المدن وتأمين الجوانب الاجتماعية في دين الإسلام لم تكن منحازةً عن الجوانب الروحانية».
فالبُعد الروحي موجود، والبُعد المادي موجود أيضاً. ومن يقتصر على جانب العبادات والجانب المعنوي، فهذا هو التصوّف بعينه، وإن سمّي بغير اسمه فهو انحراف. «…بل كانت السياسة فيه من الصدر الأول مختلطةً بالديانة ومن شؤونها، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلّم بنفسه يدبّر أمور المسلمين ويسوسهم، ويُرجع إليه في فصل الخصومات، ونصب الحكّام للولايات، ويطلب منهم الضرائب المالية، وهي كالأخماس والزكاة».
وممّن أفاد في هذا المجال أيضاً السيد ميرزا مهدي الشيرازي[3] (رحمه الله)، في استفتاء وجّهه إليه الدكتور عبد الهادي الفضلي في مجلة (أضواء)، وهو نفس السؤال الذي وُجّه للسيد محسن الحكيم. فأجاب السيد ميرزا مهدي: «نعم، الإسلام نظام متكامل شامل لجميع مظاهر الحياة، ويحلّ جميع مشاكل الإنسان بأفضل حلٍّ لم يسبقه في ذلك سابق، ولا يلحقه فيه لاحق، صالح للتطبيق في جميع الأزمان والأمكنة». واستدلّ بقوله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا﴾.[4]
من كمال الدين إلى واجب التطبيق
ثمّ إنَّ الاعتقاد بكمال وعظمة تشريعات الدين، وأنّها تدخل في صميم المجتمع، هو الجانب النظري؛ أمّا الجانب التطبيقي والواجب الآخر فهو الدعوة إلى تطبيق الإسلام وإقامة أحكامه. وقد سبق أن ذكرنا قاعدةً مفادها أنَّ إقامة حدٍّ من حدود الله -وليس المقصود بالحدود هنا العقوبات فحسب، بل إقامة حكم من أحكام الله كما تستعمل الكلمة في موارد عديدة جداً في القرآن- هي أبرك على الأرض من مطر أربعين يوماً.
قد يقال: وهل هذه أسباب طبيعية؟ وهل هذا من العلوم الطبيعية؟ والجواب أنَّ القرآن لا يمنع من السعي في تنمية البلاد بالأسباب الطبيعية، لكنّه يبيّن ما هو أعظم بركةً على البلاد والدورة الطبيعية، ألا وهو إقامة حدود الله وأحكامه. والشاهد على ذلك أنّك قد ترى دولةً تعتني بالموارد الطبيعية، ثمّ فجأةً يصيبها زلزال أو سيل أو جفاف. فبسبب ماذا؟ إذن، لا بدّ من وجود أسباب أخرى غير الأسباب الطبيعية، وهي أسباب معنوية ترتبط بالحياة الدنيا، وتتمثّل في إقامة أحكام الله عزّ وجلّ.
وعليه، فإنَّ الدعوة إلى تطبيق الإسلام واجبة على جميع المسلمين، وقد استدلّ لذلك بقوله تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾.[5]
فتاوى ثورة العشرين: مقاومة الهيمنة وإعلاء كلمة الإسلام
وهذه المحطة، قبل أن نواصل بقية المحطات العديدة، نجدها حاضرةً حتى في فتاوى علماء النجف في ثورة العشرين وما قبلها وما بعدها. فالدعوة إلى التطبيق، بل حتى التطبيق الذي يبدأ بالإعداد، موجودة في فتاوى علماء النجف. وسنجلب فتوى الشيخ الشريعة الأصفهاني (رحمه الله) في ضمن كلامه عن وجوب الجهاد، ومقاومة إعلاء كلمة الكفر، ومقاومة الحطّ من كلمة الإسلام، أي إهانة معالم الإسلام. وبعد ذلك تتكشّف أهدافهم الخفيّة التي تريد محو الهوية. لذلك كان علماء النجف يرون وجوب مقاومة إعلاء كلمة الكفر، ومقاومة إحباط كلمة الإسلام، ومقاومة تسلّطهم علينا.
وهذا ليس مجرّد تسلّط عسكري، بل تسلّط سيبراني، وبنكي، واقتصادي، وأمني. وأصلاً، معنى (كلمة الله هي العليا) هو سيطرة أهل الإسلام، فسيادتهم فوق سيادة غيرهم. فما هي السيادة الوطنية؟ وماذا تعني؟ أنت لست سيّداً إذا قيل لك إنَّ أموال النفط ليست بيدك، والسيادة السيبرانية ليست بيدك. فماذا تملك إذاً؟ البنوك ليست بيدك، والأسهم ليست بيدك، وهكذا. فماذا يتبقّى في يدك؟ أيّ سيادة هذه؟ وأيّ وطن هذا؟ إنّه مستباح من الباب إلى المحراب، وهم يقولون: كلمتهم هي العليا وكلمتنا هي السفلى.
إنَّ زيارة أمين الله من أعظم الزيارات، فما الدعاء فيها؟ وما الوظيفة التي ترسمها؟ «وَاجْعَلْ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا»، أي تحقيق السيادة لأهل الإسلام والإيمان. هذا هو مشروع أمير المؤمنين (عليه السلام). فإن قيل: إنَّ هذه الزيارة تدغدغ العواطف الروحية ولا ربط لها بالسياسة والحياة الاجتماعية. قلنا: هذه قراءة صوفية للتشيّع. فإذا كنت تتحسّس من الصوفية، فميّز بين النهج التصوفي والنهج المستقيم. انظر في زيارة أمين الله، وهي من أصحّ الزيارات وأعظمها، فماذا تجد فيها؟ فمع الدعاء للنفس: «اللَّهُمَّ فَاجْعَلْ نَفْسِي…»، يأتي جانب المسؤولية الاجتماعية والسياسية: «وَاجْعَلْ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَكَلِمَةَ أَعْدَائِهِ هِيَ السُّفْلَى». فكلمة الحق هي راية الإيمان، وكلمة الباطل هي راية الأعداء، هذا هو نهج أمير المؤمنين (عليه السلام).
وهذه الآية نصٌّ في الاستراتيجية الكبرى لدين الإسلام، في الغيبة الكبرى وفي الغيبة الصغرى، قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰ﴾[6] ، أي لا سيادة لهم ولا سيطرة. وهذا ليس مجرّد جعل تشريعي، بل هو تشريع لأجل التكوين. هذه هي مركز استراتيجيات القرآن والتشيّع والأئمة: كلمة، سيطرة، سيادة، هوية، ومعلم.
وهذا هو عين مضمون قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة - ٣٣]، وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف - ٨]، وهلمّ جرّاً؛ فالغاية هي الظهور والغلبة والانتشار.
فهذه هي الاستراتيجية الكبرى التي لا عذر معها في التقاعس أو الجمود أو الخمود تحت أي ظرف من الظروف. وعلى هذا الأساس يقول الشيخ الشريعة[7] : «يجب مقاومة إعلاء كلمة الكفر، ومقاومة الحط من كلمة الإسلام، وتسلط هؤلاء الأعداء، فواجب على كل من يقدر بكل ما قدر عليه».
وهنا يتجلى مضمون فتاوى الأعلام، حيث يكمل الشيخ الشريعة فتواه بالقول: - فمن كان عنده جاه يبذل جاهه. - أو سلاح يبذل سلاحاً. - أو مال يبذل مالاً. - أو رجل يبعث رجالاً. - أو تدبير أو حيلة يعملها.
وعلى هذا المنوال نسج بقية علماء النجف، كالسيد اليزدي[8] والميرزا محمد تقي الشيرازي[9] وغيرهم. فكانت فتاواهم تدور حول محاور كإغاثة المستغيثين من المسلمين والمؤمنين، ودفع تسلط الغير على الإسلام، وتتضمن هتافات مثل: «أين الطالبون بتثبيت شريعة سيد الأنام؟». وبهذا يتابع الشيخ الشريعة أحد الأهداف التي ذكرها السيد البروجردي والعلماء الذين مرت فتاواهم.
ففي فتواه المحفوظة في الوثائق العثمانية، يستحضر الشيخ الشريعة روح المطالبة بدم المقتول في كربلاء، فيقول: «أين الطالبون بتثبيت شريعة سيد الأنام؟»، في إشارة إلى إقامة الحكم الديني. وهذا يقع في سياق فهمه لدعاء الندبة، ثم يحث قائلاً: «فبادروا قبل أن يبدلوا أذانكم بناقوس، فيُفتك منكم الناموس وتُزهق منكم الأرواح، فبادروا».
وهذه النصوص بمجملها تشير إلى أن الجهاد الدفاعي لا ينحصر في لحظة وقوع الحرب، بل الواجب هو الإعداد المستمر والمستدام للمؤمنين في كل الجهات: العسكرية، والأمنية، والاقتصادية، والمالية، والتجارية، والتكنولوجية. ففي كل مجال يجب أن نثقف شبابنا على أن تخصصاتهم جهاد، وليست مجرد قصة تكوين أسرة وأولاد ومجتمع سكني.
فيا أيها الشعب المؤمن، لا تجعل كل برنامجك في حياتك لأجل هذا الهدف الضئيل، فالهدف الأسمى هو أن تقوم بمسؤولية رفع راية الإسلام، وراية الإيمان، وراية أهل البيت عليهم السلام. في كل مجال تتفوق فيه، وتسيطر، وتبني القوة لهذا الإيمان، فأنت حينئذٍ مجاهد. وهذا الجهاد قد يكون أعظم أجراً ممن يسفك دمه في سبيل الله، بحسب ما تدل عليه الآيات والروايات وفتاوى العلماء. فالمسيرة طويلة وهي لا تقتصر على اللحظة التي يُغدر بنا فيها بحرب عسكرية.
الجهاد المستمر في الساحات الناعمة والساخنة
فالحروب في عصرنا لم تعد حروباً عسكرية فقط، بل هي حروب أمنية، واقتصادية، وإعلامية.
والنتيجة: أن ساحة الحروب لم تعد ساحة واحدة، ولا بالضرورة أن تكون ساحة ساخنة، فلعل الساحة الناعمة أخطر من الساحة الساخنة. ومن هنا فنحن دوماً في حالة سجال، ودوماً في حالة مواجهة، ودوماً في حالة مقاومة.
وهذا هو مقتضى فتاوى الأعلام الكبار. فالشيخ الشريعة حين يقول: «فبادروا»، فإن هذه المبادرة تقتضي مسيرة طويلة قد تمتد خمسين سنة، أو مئة سنة، أو عشر سنين، أو شهراً واحداً، فلا نفرط في صغيرة ولا كبيرة ولا متوسطة.
ورجال الدين مدعوون لزرع هذه الروح في كل مجال، مراراً وتكراراً. فهناك تخصصات خدمية، وهذه لا تولد سيادة، ولا تولد سيطرة، ولا تحقق معنى ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾. وفي المقابل، هناك تخصصات سيادية استراتيجية. والمؤمنون مدعوون إلى أن يثقفوا أبناءهم ويوجهوهم نحو التخصصات الكفؤة التي توصلهم إلى المواقع السيادية القوية، ليبنوا بذلك وطن الإيمان والإسلام من جانب، ويبنوا القوة ويجعلوا كلمة الله هي العليا في كل مجال من جانب آخر.
المسؤولية الفردية: نحو التخصصات السيادية
فمن التقاعس والتخلف عن المسؤولية أن يربي الأب والأم أبناءهم على تحقيق المصالح الأسرية والشخصية الضيقة فحسب؛ فهذه ليست مسؤوليتنا، وليس هذا طموح الدين، فالدين خلقنا لغاية أسمى. وكذلك القول بعدم الزج بالمؤمنين في العمل السياسي هو قول خاطئ وباطل. بل يجب أن يزج المؤمنون بأنفسهم في هذا الميدان بقصد الإصلاح، لا الفساد والإفساد.
ألم يعهد الله إلينا في كتابه قائلاً: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يس - ٦٠]؟ فالمقصود هو أن الزج بالمؤمنين في العمل السياسي، والعمل العسكري، والعمل الأمني، هو واجب من الواجبات.
وما نراه اليوم من نأي شريحة من كبار المتقاعدين في تخصصات مختلفة بأنفسهم عن العمل السياسي، والمصير السياسي، والمصير الاقتصادي، والمصير البنكي، والمصير الاجتماعي، هو أمر خاطئ. فلا يوجد في منطق الإسلام تقاعد عن تحمل المسؤولية.
فالزج بالنفس في ميادين الجهاد، كما سنقرأ في بقية فتاوى علماء النجف قبل مئة سنة، ليس مقتصراً على وقت الحرب. فنحن دوماً في حالة سجال، والسؤال المحوري هو: السيطرة لمن؟ وهذا هو جوهر علم السيطرة، بل هو أخصر تفسير لكلمة الاستراتيجية.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو المحاضرة:
https://youtu.be/fSiIgfxBIHI?si=7EVCmbz438bTg3bN