47/11/07
الولاية أعظم من الصلاة: قراءة في فقه الأولويات عند الشيعة
#درس_العقائد_1447هـ
عنوان الدرس : تأويل النهي عن الخروج وإقامة الدولة
تأريخ الدرس : السبت 7 ذي القعدة 1447 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01:00 الروايات الناهية عن القيام قبل القائم (عج)
03:30 الفقه المدون فردي لا السياسي عند الاعلام
06:50 الإصلاح الاجتماعي السياسي اعظم من عامة الصلاة
09:00 حراسة النبي (ص) عند امير المؤمنين (ع) اعظم من الصلاة
11:10 عظمة النبي (ص) عند امير المؤمنين(ع) اعظم من القرآن والخلافة
14:25 اعظم الولاية اعظم من الصلاة في حديث النبوة المتواتر
17:34 الحب في الله والبغض في الله و عظمة الولاية على الصلاة
20:05 الأخلاص بعدم الغضب للنفس
25:13 عزل الدين عن الحياة والسياسية الاجتماعية انحراف صوفي
31:28 الحكيم : فتوى اسقاط النظام البعثي وأقامه النظام الإسلامي
إنَّ هذه الروايات لها تأويل وتفسير، ولا يؤخذ بإطلاقها؛ إذ من الضروري في صناعة الاستنباط عند كافة العلماء جَمْعُ طوائف الروايات مع بعضها البعض، فلا يمكن أن يؤخذ الدين من طائفة واحدة منها. وهذا أمر ضروري في الاستنباط وفي الفقه وفي سائر علوم الدين.
وقد ذكر السيد الخوئي[1] أنَّ لمثل هذه الروايات توجيهاً، كأن تكون موقّتةً أو محمولةً على وجهٍ دون وجه، لأنها وردت حكماً مطلقاً. وهذا الكلام الذي ذكره السيد الخوئي (رحمه الله) يجرّنا إلى نقل كلام السيد محسن الحكيم[2] (رحمه الله)، وله فتويان في مجلة “دار الأضواء”، وقد طُبعت حديثاً طباعة جديدة في صورة موسوعة، والفتويان موجودتان فيها.
**
الفقه الفردي والفقه السياسي في فتوى السيد محسن الحكيم
نعم، ** فتوى بأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المدون في أبواب الفقه هو فقه فردي. ورغم أنَّ السيد محسن الحكيم لم يستعمل عبارة “فقه فردي” نصاً، إلا أنَّ مضمون كلامه هو هذا. أمّا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المرتبط بالبعد السياسي أو الاجتماعي، أو ما هو أعظم منهما وهو البعد المتعلق بكيان الدين، فهذا لم يدوّن في أبواب الفقه.
وهذه نكتة مهمة جداً، وتصريح منهجي عظيم من السيد محسن الحكيم؛ ومفاده أنَّ الفقه المدون على مدار ألف سنة عند الأعلام لا يشمل كل أبواب الفقه السياسي والاجتماعي. والأعظم من هذا، بحسب كلام السيد محسن الحكيم وفتاوى السيد اليزدي[3] ، وشيخ الشريعة الأصفهاني[4] ، والميرزا محمد تقي الشيرازي[5] ، وكثير من الأعلام، أنَّ فتاواهم لثورة العشرين وما قبلها تُظهر أنَّ هذا الفقه السياسي والاجتماعي الذي لم يدوّنه الفقهاء في أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو أوجب من الصلاة والصيام ومن الفقه الفردي بما لا يقاس.
أولوية الواجبات العامة ومسؤولية تدوينها
وهذه الأمور تفتح علينا مسؤولية علمية في الجو الحوزوي، وهي وجوب الاضطلاع بعبء هذه المسؤولية في التدوين الفقهي؛ لأنَّ هذا الوجوب الذي هو أهم من وجوب الصلاة، سأقرأ عليكم العبارة من مصدرها، وهو كتاب “وثائق عثمانية في فتاوى علماء ثورة العشرين”[6] ، وهو نفس كلام السيد محسن الحكيم قبله بعقود من السنين: أوجب من الصلاة، وأوجب من الصيام، وأوجب من الواجبات الفردية للفرد المؤمن.
إنَّ الواجبات السياسية والاجتماعية، فضلاً عن البعد العام للكيان العقائدي، هي عند كافة العلماء أوجب من الواجبات الفردية للإنسان المؤمن كصلاته وصيامه. ولعل مما يصب في هذا المعنى الحديث المستفيض عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام): «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ»[7] ، والإصلاح هنا ليس بالضرورة في مورد التنازع، بل هو الإصلاح في مقابل الفساد. فالإصلاح في هذه الروايات المستفيضة عند الفريقين دالٌّ على أنَّ الولاية أعظم من الصلاة.
إذًا ما جمعه صاحب الوسائل[8] في بداية “الوسائل” من أبواب مقدمات العبادات، هو حفظٌ لشيء من هذا البحر الطمطام. فصاحب الوسائل بحر، لكن فقاهته ليست بالضرورة أن تكون غير متناهية، بل هي متناهية؛ حفظ شيئاً، ونحن كذلك نحفظ شيئاً وتغيب عنا أشياء.
والشاهد على ذلك: أنَّ الروايات التي انطلقنا منها في كلام السيد محسن الحكيم، والسيد اليزدي، وشيخ الشريعة، والميرزا محمد تقي الشيرازي، تفيد بأنَّ الدفاع عن بيضة الإسلام[9] أوجب من الصلاة. وعلي بن أبي طالب (أمير المؤمنين وسيد الأوصياء)، وهو أفضل الخلق بعد سيد الرسل، وأفضل من جميع بقية الأنبياء والرسل والأوصياء، قدَّم حراسة حياة النبي على صلاته هو، لا صلاتنا. قدَّم حراسة أمن حياة رسول الله على صلاته هو، وما أدراك ما صلاة أمير المؤمنين.
ومقتضى هذا المنطق: أنَّ ولاية أمير المؤمنين لرسول الله أعظم من صلاة أمير المؤمنين لله. وهذه قضية ضرورية بين المسلمين؛ فحديث رد الشمس لأمير المؤمنين حديث متواتر[10] ، وقد ردّت له مرتين. فحديث رد الشمس معناه أنَّ الولاية أعظم من الصلاة. وهذا شاهد آخر على تواتر معنى أنَّ الولاية أعظم من الصلاة.
وتؤكد ذلك فتاوى العلماء، كالسيد محسن الحكيم وعلماء ثورة العشرين، القائلين بأنَّ حفظ بيضة الإسلام والولاية أعظم من الصلاة والصيام وأوجب. وأمير المؤمنين (عليه السلام) عندما ارتحل النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يدفن بعد، قيل له: هلا أتيت سقيفة بني ساعدة؟ فقال: «أَأَتْرُكُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) فِي بَيْتِهِ لَمْ أُجَهِّزْهُ وَأَخْرُجُ أُنَازِعُ النَّاسَ فِي سُلْطَانِهِ؟»[11] .
ففي منطق أمير المؤمنين، تعظيم النبي أعظم من تعظيم القرآن، وهذا هو معنى تعظيم النبي، أي ولاية النبي (صلى الله عليه وآله). فولاية أمير المؤمنين لرسول الله هي عند أمير المؤمنين أعظم حتى من حفظ القرآن. وكان ذلك بأمر من الله ورسوله لأمير المؤمنين، أن يراعي أولاً عظمة قدسية النبي، ثم يراعي حفظ وجمع المصحف، ثم يرعى هذه الأمة المتشتتة أهواءً. فهذه وصية من النبي، بل وصية من الله ورسوله.
فالحاصل: أنَّ قضية الولاية أعظم من الصلاة، وهذا المعنى متضمن في أحاديث متواترة مفادها أنَّ الولاية لله وللرسول ولأهل البيت أعظم من عامة الصلاة وعامتها. وهذا البعد العام السياسي أعظم من الصلاة ومن البعد الفقهي الفردي. وهذه مسؤوليتنا في تدوين بحوث الفقه، فإنَّ تدوين البعد العام ألزم لنا من تدوين البعد الفقهي الفردي.
نعم، الحديث المتواتر عند الفريقين والمغفول عنه، الذي سبق أن تعرضنا له، هو الحديث المرتبط بالمحبة، أي حب الله وحب الرسول وحب أهل البيت. وقد ورد فيه مقارنة مع الصلاة والصيام. فقد قام النبي (صلى الله عليه وآله) يوماً فقال: ما هي أعظم الفرائض؟ أو أي عرى الإيمان أوثق؟ وهذا موجود من طرقنا وطرقهم. فقيل: الصلاة. قال: عظيمة وليس بذاك. قيل: الصيام. قال: وليس بذاك. الحج، الجهاد، سفك الدم في سبيل الله، وليس بذاك. ثم قال: «الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ»[12] . وهذا حديث متواتر بمجموع طرقه عند الفريقين.
وهذا معناه أنَّ الحب في الله ورسوله، وبالتالي في أهل البيت الذين أمرنا بمودتهم، هو جوهر الدين. وهنا قد يُستعمل تعبير خاطئ عمداً لإيقاظ الغافل، فيقال: إنَّ القرآن بالغ وأفرط وغالى في شأن مودة أهل البيت. وهذه كلها تعبيرات كاذبة، ولكنها تُذكر للتنبيه على عظم الأمر، حيث جعل مودة أهل البيت في كفة، وكل الدين في كفة أخرى. وما هذه بمبالغة، بل هو دليل على أنَّ الولاية أعظم من بقية الدين برمته. قال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: 23]. فهم (صلوات الله عليهم) القرآن الناطق، وليسوا مجرد حملة للمصحف. فلاحظ أنَّ نفس آية المودة دالة على أنَّ الولاية أعظم من الصلاة والصيام.
وكذلك حديث «أَيُّ عُرَى الْإِيمَانِ أَوْثَقُ؟» الذي روي عن النبي والأئمة بألفاظ متعددة، وجوابه «الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ». وهذا باب متواتر في مصادر الفريقين، كصحيح البخاري ومسلم والكتب المعتبرة لدينا كالكافي وغيرها. فالحب في الله والبغض في الله هو الولاية، وهي أعظم من الصلاة.
إذًا، فالأحاديث والآيات الدالة على أنَّ الولاية أعظم من الصلاة كثيرة، وصاحب الوسائل حفظ شيئاً وغابت عنه أشياء.
بعد آخر ذكره أيضاً السيد محسن الحكيم والعلماء، وهو أنَّ حفظ بيضة الدين أعظم حتى من الواجب السياسي والاجتماعي، فضلاً عن الصلاة والواجبات الفردية. وهذا يفتح على بحث أنَّ لدينا فقهاً سياسياً في الفقه، وفقهاً اجتماعياً، وفقهاً عقائدياً كلامياً في نفس فقه الفروع، وهو من أعظم الواجبات الفقهية التي قلَّ التركيز عليها للأسف. وهذا بعد آخر لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان.
ونعود فنقول: إنَّ ممن اصطفى في هذا البيان الميرزا عبد الهادي الشيرازي[13] (رحمه الله)، وفتواه موجودة في مجلة “دار الأضواء”، حيث وُجّه إليه السؤال الذي وُجّه للسيد محسن الحكيم أيضاً: هل للإسلام نظام وأحكام اجتماعية وسياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية ومالية؟
**
فتاوى الأعلام في شمولية الإسلام ووجوب تطبيقه
وكان جواب الميرزا عبد الهادي الشيرازي، ** وهو معاصر للسيد أبي الحسن الأصفهاني[14] والسيد محسن الحكيم: “لا ريب في أنَّ دين الإسلام هو النظام الأتم الأكمل، لما فيه من الحل الصحيح لجميع مشاكل الإنسان في جميع الأعصار والأدوار، ويجب الدعوة إلى تطبيقه”. وهذا الوجوب أعظم من الصلاة والصيام، ويعني أنَّ من لديه اهتمامات سياسية وعسكرية وأمنية، يجب أن تكون لراية الإيمان، لا للأنا.
وهنا تبرز إحدى المشكلات الكبرى، وهي التمييز بين الأنا والإيمان. وقد سأل بعضهم أحد الأعلام الكبار: ما هو الميزان الذي يميز بين العمل للأنا والعمل للولاية؟ فقال: ألّا تغضب لنفسك، فإن غضبت لنفسك قط، فهذا يخل بإخلاصك.
**
تحدي الإخلاص والتمييز بين الأنا والإيمان
ففي باب القضاء، ** القاضي الذي يغضب لمظلومية نفسه، يختل شرط صلاحيته في القضاء. والقائد الذي يغضب لمظلومية نفسه، وإن كان محقاً، يختل شرط صلاحيته في القيادة. فإذا تسنم موضع القيادة، ولكي يخلص العمل لراية الإيمان، لا يغضب لنفسه قط، وإن كان مظلوماً. فمن يتحرك بسبب غضب النفس، وإن كان له حق، فإنه في مقام الحكم ليس بنزيه، وليس بحيادي، وليس بمخلص. وهذا بحث شديد، وشرط عسير. فالإخلاص صعب، ومع ذلك يجب السعي إليه، والتمييز بين الخالص وغيره؛ فإنَّ ما كان خالصاً يبقى، وما ليس بخالص يذهب.
وإن كان محقاً؛ إذ إنَّ من يتحرك لغضبة النفس، فإنه حينئذٍ لا يكون نزيهاً ولا حيادياً ولا مخلصاً. وهذا بحث شديد، وشرطه عسير. وعليه، فإنَّ الإخلاص صعب، ومن هنا ورد في أحد تفسيرات حديث الرايات أنَّ صعوبة الإخلاص هي أحد وجوه بطلانها. ومع ذلك، تجب المشاركة، ولكن مع التمييز بين العمل الخالص وغيره؛ فإنَّ ما كان خالصاً هو الذي يبقى، وما لم يكن كذلك فلا بقاء له.
وتجري على هذا المنوال سائر فتاوى الأعلام، كفتوى الميرزا محمد تقي الشيرازي، والميرزا عبد الهادي الشيرازي[15] (رحمة الله عليهما). وكذلك فتوى السيد محسن الحكيم[16] (رحمه الله) التي أسلفنا ذكرها في المجال نفسه.
يقول السيد محسن الحكيم (رحمه الله) في فتوى منشورة بمجلة “الأضواء”[17] ، رداً على سؤال وُجِّه إليه في سياق محاولة أعداء الإسلام إثارة الغبار حول توفر الإسلام على نظام كامل للحياة، مستغلين فرصة عدم تطبيقه وعدم فهم الأمة له نتيجة فصل الإسلام عن الدولة وإبعاده عن مناهج التربية والتعليم.
والسؤال هو: هل في الإسلام نظام متكامل شامل؟ فإنَّ بعضهم حتى على مستوى التنظير لا يقبل هذا، فيجيب بالنفي قائلاً: إنَّ الإسلام ليس شاملاً.
إنَّ هذا الموقف يمثل في جوهره نزعة تصوفية منحرفة، فما هو التصوف المنحرف؟[18] هو عزل الدين عن الحياة، وتحويله إلى مجرد رياضة روحية، بحيث لا شأن للمتدين بشؤون المجتمع. هذه هي النهجة التصوفية المنحرفة التي عزلت الدين عن السياسة وعن الدولة. وهي في حقيقتها “دروشة” وتصوف، سواء اتخذ صاحبها هيئة الصوفية الظاهرية أم لا. إنَّ عزل الدين عن الحياة هو جوهر هذا الانحراف التصوفي. فكل دعوة إلى الاعتزال والصومعة والرهبنة تحت أي مسمى، هي من هذا القبيل.
وقد صيغ السؤال الذي وُجِّه إلى السيد محسن الحكيم وجمع من علماء النجف آنذاك، في مطلع ستينيات القرن العشرين، على النحو التالي: “هل في الإسلام نظام متكامل شامل يتناول جميع مظاهر الحياة بالتنظيم، وجميع مشاكل الإنسان بالحل الصحيح الناجع، ويعنى بشؤون الفرد والمجتمع عناية تامة في مختلف وشتى مجالات الاقتصاد والسياسة والاجتماع وغيرها؟”.
فالسؤال يدور حول ما إذا كان الإسلام، على مستوى التنظير، ديناً صوفياً انعزالياً، أم ديناً سياسياً اجتماعياً شاملاً. إنَّ فصل الدين عن السياسة هو تصوف ودروشة، وإن لم يتخذ صاحبه هيئة الدراويش الظاهرية، بل هي دعوة شنيعة لعزل الدين في صومعة ورهبانية.
وكان هذا هو السؤال الأول. ثم أُتبِع بسؤال ثانٍ عن مقام التطبيق: “وهل الدعوة إلى تطبيق هذا النظام الإسلامي واجبة في عصر الغيبة الكبرى على المسلمين؟”. وهذا السؤال يواجه أولئك الذين يرون أنَّ الإسلام، حتى على مستوى التنظير، معزول عن السياسة، ومعزول عن الشأن العسكري، ومعزول عن النظام المالي، وعن ثروات البلد، وعن سائر مجالات الحياة.
وكان جواب السيد محسن الحكيم (رحمه الله)، على غرار جواب الميرزا عبد الهادي الشيرازي، عن السؤال الأول المتعلق بالتنظير: “نعم، في الإسلام النظام الكامل على النهج المذكور في السؤال”. فمقتضى هذا الجواب أنَّ الإسلام ليس تصوفاً يدعو إلى عزل الدين عن السياسة والمجتمع، وليس ديناً يتقوقع في بلدان المسلمين دون غيرها، أو ينحصر في المساجد دون عواصم السياسة والعسكر؛ فإنَّ هذا باطل. فالإسلام مقرر لكل البشر. وكل ما يخالف ذلك فهو دروشة وتصوف منحرف، وإن تلبّس بلباس التقدس التقليدي.
ويضيف السيد الحكيم في فتواه: “ويتضح ذلك بالسبر والنظر في الأوضاع التي كان عليها المسلمون في العصور الأولى”.
فالحاصل: أنَّ هذا هو المقام الأول في فتوى السيد محسن الحكيم، وهو مقام التنظير، وفيه يرفض رفضاً قاطعاً فكرة التصوف الانعزالي، أي عزل الدين عن السياسة والمجتمع والدولة.
وأما الجواب عن السؤال الثاني المتعلق بواجب التطبيق في عصر الغيبة الكبرى، فيقول السيد محسن الحكيم (رحمه الله): “تجب الدعوة إلى هذا التطبيق”، وما يستلزمه من إقامة الدولة ونحوها.
ويُنقل أنَّ السيد محسن الحكيم (رحمه الله) قد بنى على هذا المبنى عينه، فأفتى بوجوب إسقاط النظام البعثي، وأنه مات على هذه الفتوى ولم يرجع عنها، وكانت هذه الفتوى متداولة بين خواصه.
والحاصل: أنَّ هذه الفتاوى التي أسلفنا نقلها عن جمع من الأعلام، تؤكد هذا المبدأ.
وقد ذكرنا أنَّ الشيخ محمد مهدي شمس الدين[19] قد نقل في كتابه فتاوى الأعلام من القدماء والمتأخرين على وجوب تطبيق نظام الإسلام في الغيبة الكبرى، ومنهم الشيخ الطوسي، والشيخ المفيد، والسيد المرتضى، وابن البراج، وابن زهرة، وابن حمزة، وابن إدريس.[20]
فالنتيجة: أنَّ هذا المبنى الذي أشار إليه السيد الخوئي (رحمه الله) في كلامه المتقدم هو مبنى متين ومحل اتفاق بين الأعلام. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.