47/11/01
فقه الجهاد الدفاعي: بين الضرورة المذهبية والفتوى الظنية
#درس_العقائد_1447هـ
عنوان الدرس : أحكام الدفاع في فتاوى الأعلام
تأريخ الدرس : الأحد 1 ذي القعدة 1447هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
00:39 الناهية عن النشاط العسكري قبل قيام القائد (عج)
04:39 الفرق بين الفتوى الظنية والضرورة الدينية في معالم الدين والمذاهب
07:13 فلسفة الجهاد السلمة الأنظمة لا عقائد الافراد
09:33 تداعيات الضروريات الدينية والفتاوى الظنية
11:50 الجهاد الابتدائي في الجهاد حكم الأسير اسلمة الأنظمة الاجتماعية السياسية
15:44 الخوئي : اقتران الشهادة الثالثة بالشهادتين من ضروريات الدين
19:20 بحر العلوم : ضرورة جزئية الشهادة الثالثة في التشهد بالأدلة العامة
22:16 قرار الحرب والسلم مسؤولية علمة على الجميع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
@alsanaddroos 🔹
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الأنام، سيد الأولين والآخرين، وأشرف السفراء المبعوثين، محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء، الأئمة الراشدين.
انعقد الكلام في الدرس السابق حول ما أفاده السيد الخوئي[1] (قدس سره) في باب الجهاد، حيث ذكر أنَّ الروايات الواردة بلسان: «أَمَا يَرْضَى أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِهِ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ طَوْلِهِ يَنْتَظِرُ أَمْرَنَا، فَإِنْ أَدْرَكَهُ كَانَ كَمَنْ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بَدْراً، وَإِنْ مَاتَ مُنْتَظِراً لِأَمْرِنَا كَانَ كَمَنْ كَانَ مَعَ قَائِمِنَا (عَجَّلَ اللَّهُ تَعَالَى فَرَجَهُ الشَّرِيفَ) فِي فُسْطَاطِهِ»[2] ، وهي روايات يمكن القول بتواترها بهذا المضمون وليست آحاداً، إنَّما هي في مقام بيان الحكم المؤقت لا الحكم الدائم. ومقتضى ذلك أنَّه لم يكن في الجهاد الابتدائي أو الرباط، الذي هو من مصاديق الجهاد الدفاعي، صلاحٌ في ذلك الظرف الخاص.
وقد حَمَلَ هذه الروايات، مع تواترها، على كونها مقيّدةً بما إذا لم يكن النشاط العسكري يصب في صالح الدين أو أهل البيت (عليهم السلام)، لا أنَّ مطلق النشاط العسكري ممنوعٌ عنه في عصر الغيبة.
والشاهد على ذلك: ذكر الرباط تلو الجهاد الابتدائي في تلك النصوص، مع أنَّه لا شبهة، بل من ضروريات الدين عند الإمامية، عدم توقف الدفاع على إذن الإمام المعصوم (عليه السلام). وهذه الضرورة يدّعيها السيد الخوئي، وقد سبقه إليها أعلامٌ آخرون نقلنا عباراتهم، كالسيد اليزدي[3] ، والميرزا محمد تقي الشيرازي[4] ، والشيخ الشريعة[5] ، وجلّ علماء النجف آنذاك، الذين أكدوا أنَّ الولاية إنَّما هي في تنظيم عملية الدفاع وتدبيرها وإدارتها، لا في أصل وجوبها.
أما أصل الدفاع، فهل هو منوطٌ بإذن المعصوم فضلاً عن نوابه من الفقهاء المراجع؟ إنَّ هذا المنطق غير صحيح في الدين أبداً، وذلك بحسب كلام الفقهاء من علماء النجف الذين قرأنا فتاواهم، حيث يقولون إنَّ هذا ليس أمراً اجتهادياً. فمثلاً، فتوى السيد الخوئي بأنَّ الدفاع لا يتوقف على إذن المعصوم ليست فتوى اجتهادية ظنّية، بل ينسبها إلى الضرورة.
تنبيه: يجب التفريق بين مراتب الإجماع والتوافق بين الفقهاء. فتارةً يتوافقون على مسألةٍ ما من باب عدم وجود الخلاف فيها، وهذا ما يُعرف بالمسألة الوفاقية بين الأعلام، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنَّها من ضروريات المذهب، فقد يكون مستندهم العلمي دليلاً ظنياً اتفقوا في فهمه واستنباط الحكم منه، وهذا لا يشكّل ضرورة. وأما عندما يصبح التوافق مستنداً إلى “عدم الشبهة” أو يُنصّ على كونه “ضرورة”، فهذه ليست فتوى ظنّية، بل حكمٌ مستنده ومدركه هو الضرورة. وفي موارد الوفاق في الفتاوى الظنّية، لو خالف مجتهدٌ آخر ذلك الوفاق، فإنَّه لا يكون مخالفاً للضرورة، بل مخالفاً للوفاق أو التسالم. وهذا تمييزٌ صناعيٌّ دقيقٌ يجب على الباحث أن يلتفت إليه.
ومثال ذلك: حرمة قتل الأسير بعد أن تضع الحرب أوزارها. ومعنى وضع الحرب أوزارها، كما ورد في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ﴾ [محمد: 4]، ليس الهدنة أو إيقاف إطلاق النار، بل هو انتهاء حالة الحرب وتصفيتها بالكامل. فبعد وضع الحرب أوزارها، واستناداً للنص القرآني وسيرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، أجمع علماء الإمامية على حرمة قتل الأسير أياً كانت عقيدته، ولو لم يكن من أهل الكتاب. وهذا الحكم عندهم من ضروريات المذهب، وليس فتوى اجتهادية ظنّية.
والفرق بينهما كبيرٌ جداً: ففي حين أنَّ بعض مذاهب العامة يفتي بحرمة قتل الأسير، فإنَّ غالبهم أو أكثر من نصفهم يجيزون قتله حتى بعد وضع الحرب أوزارها. والاعتماد على الضرورة يختلف تماماً عن الاعتماد على الفتوى الظنّية؛ فالضروريات هي التي تشكّل هوية المذهب ومعالم الدين، لا الفتاوى الظنّية. وهذه مسألة مهمة سواء على صعيد فقه التقليد أم على صعيد علم الكلام. وتأتي “التسالمات” في درجة تالية بعد الضروريات. فدائرة العاصمة في الدين تشكّلها الضروريات.
**
ثمرة التمييز: فلسفة الجهاد في مذهب الإمامية
وما الثمرة المترتبة على ذلك؟** إنَّ الثمرة عظيمةٌ جداً، إذ تدل على أنَّ فلسفة الجهاد الابتدائي وجهاد الدعوة وتوسعة دار الإسلام في مذهب الإمامية ليست أسلمة عقائد الناس قسراً، وإنَّما هي أسلمة الأنظمة السياسية والاجتماعية.
والدليل على ذلك: أنَّه لو كان الهدف هو أسلمة العقائد، فكيف يُحكم بعدم قتل هذا الأسير مع أنَّ الغاية لم تتحقق؟ بينما يُحترم الأسير ما لم يُبدِ عدواناً، ويُعتبر مواطناً ولو من درجة أدنى، حتى لو كان بوذياً. وهذا يدلل على أنَّ الغاية من القتال هي كسر شوكة النظم الاجتماعية الفاسدة، لا فرض العقائد. نعم، لا يُقرّ غير أهل الكتاب على نظامهم الاجتماعي والسياسي، لكن لو كانوا مستسلمين ولم يقيموا حرباً، فلا يوجد مسوّغٌ لقتلهم. أما أهل الكتاب فيُقرّون على أنظمتهم الاجتماعية مقابل شروط معينة. ولذلك فإنَّ صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عندما تستقوي دولته في بداياتها، يُقرّ الدول الغربية على أنظمتها مقابل دفع الجزية، بخلاف الأنظمة غير الكتابية كالبوذية والهندوسية التي لا تُقرّ. فالمقصود أنَّ هناك فرقاً بين الاستناد إلى الضرورة والاستناد إلى الفتوى الظنّية، وهذه نقطة منهجية مهمة.
**
فائدة أصولية: دلالة آية الإكمال على الشهادة الثالثة
فائدة فقهية صناعية:** صحيح أنَّ بحثنا في الجهاد، ولكن لا ينبغي أن نفوّت هذه الفائدة الصناعية المنهجية. ففي شرحه على العروة الوثقى، في كتاب الصلاة، باب الأذان، يرى السيد الخوئي أنَّ دلالة آية إكمال الدين في سورة المائدة على مطلوبية اقتران الشهادة الثالثة بالشهادتين هي من قبيل الضرورة وليست فتوى ظنّية. ورغم أنَّه لم يستعمل لفظ “ضرورة” صراحةً، إلا أنَّه استعمل عبارة “لا شبهة”، وهي تعني الضرورة في الاصطلاح. ونص عبارته يفيد، وهذه من الروائع الولائية العلمية للسيد الخوئي، أنَّ استفادة المطلوبية الشرعية لاقتران الشهادة الثالثة بالشهادتين من قوله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ﴾ [المائدة: 3] هو أمرٌ ضروري الدلالة، وليس فتوى ظنّية. وهذا الاقتران الذي يراه ضرورياً لا يعني الجزئية، بل مطلق الاقتران، ولو كان من باب ضميمة الشيء الخارج عنه. ومعنى قوله إنَّه ضروري الدلالة هو أنَّه ينسب هذا الفهم إلى جميع علماء الإمامية.
ويجدر التنبيه هنا لمعرفة القيمة العلمية لهذا المنهج الصناعي، والفرق بين الضرورة والفتوى الظنّية. فقد ذكر السيد بحر العلوم[6] (رحمه الله) في أرجوزته الفقهية أنَّ المشهور الذين نفوا جزئية الشهادة الثالثة في التشهد أو الأذان، إنَّما نفوا جزئيتها استناداً إلى الأدلة الخاصة بالتشهد والأذان، لا بلحاظ الأدلة العامة. ثم قال ما حاصله: أما بلحاظ عموم آية إكمال الدين، فهي جزءٌ من التشهد بالضرورة، حيث قال: “وأَكْمِلِ الشَّهَادَتَيْنِ بِالَّتِي قَدْ أُكْمِلَ الدِّينُ بِهَا فِي الْمِلَّةِ”[7] . فبحر العلوم ينسب إلى جميع علماء الإمامية القول بأنَّ الشهادة الثالثة جزءٌ من التشهد استناداً إلى آية الإكمال، وهو ما يوافق السيد الخوئي في كون دلالة الآية ضرورية، وإن كان ادعاء بحر العلوم بالجزئية أوسع من دعوى السيد الخوئي بالاقتضاء.
أنَّهم قائلون بأنَّ الشهادة الثالثة جزء من التشهد استناداً إلى آية الإكمال التي وافق السيد الخوئي على كون دلالتها ضرورة. وإن كان بحر العلوم[8] قد ادّعى أكثر من مدّعى السيد الخوئي، لأنَّ بحر العلوم يقول: «والجة»، و«الولوج» يعني الجزئية، بينما لم يقل السيد الخوئي بـ«الولوج». ولكنَّه يرى أنَّ الاقتران ضرورة، ولو كان اقتران ضميمة أجنبية، فهو اقتران ضروري.
والحاصل: أنَّه يجب الالتفات إلى معنى كلمة «ضرورة»، فهي غير الفتوى الظنّية، ويترتب على هذا التمييز ثمرة مهمة.
التطبيق التاريخي: الجهاد الدفاعي في ثورة العشرين
وبالعودة إلى بحث الجهاد، فإنَّ السيد الخوئي يرى أنَّ أصل وجوب الجهاد الدفاعي أمر لا يتوقف على إذن الإمام، ويستشهد على ذلك بذكر «الرباط» -وهو الجهاد الدفاعي- تلو الجهاد الابتدائي في الروايات، مع أنَّه «لا شبهة في عدم توقف الجهاد الدفاعي على إذن الإمام».[9] وعليه، فمن يتعذّر عن الجهاد الدفاعي بحجة عدم صدور فتوى من الإمام أو المرجعية، فإنَّ تعذّره هذا ليس إلا تعلّل المتقاعس المقصّر. وهذه الفتوى من السيد الخوئي هي عين ما ذهب إليه علماء النجف فيما نُقل من فتاواهم، إذ صرّحوا في ثورة العشرين[10] بالتعبير نفسه، وهو أنَّ أصل وجوب الجهاد الدفاعي لا يحتاج إلى فتوى، وإنَّما صلاحية إدارة الدفاع وتنظيمه هي التي تكون للمعصوم، أو للمرجعية والفقهاء نيابةً عنه، لا أصل وجوب الدفاع نفسه.
وتأسيساً على هذا المبدأ، تجلّت ملحمة تاريخية مهمة لعلماء النجف، إذ إنَّهم في ثورة العشرين اعتبروا أنَّ الدفاع يوازي في الاصطلاح العصري والقانون الوضعي مسألة «الحرب والسلم». ولذلك لم ينتظر فقهاء النجف آنذاك أن تبادر الدولة العثمانية بالدفاع، بل هم الذين حرضوها عليه، فكان قرار الحرب في وجه المحتل قراراً اتخذه علماء النجف، ولم يعلّقوه على توانى الدولة العثمانية أو تقاعسها.
فإنَّ قرار الحرب والسلم، حتى على المستوى الدستوري، إذا قامت به الدولة فبها ونعمت، وأمَّا إذا لم تقم به، فلا يُنتظر صدوره منها. أمَّا إدارة الحرب فهي بحث آخر، فأصل الشروع في الحرب دفاعاً عن الوطن والمقدسات ليس منوطاً بالدولة، وهذا ما تقرّه دساتير العالم، إذ إنَّ هذا يُعدّ ميثاقاً وطنياً لا يرتبط بشخص رئيس الدولة أو رئيس الوزراء. بل إنَّ الأمر يتجاوز ذلك، كما هو منصوص في الفتاوى نفسها.
وكذلك الحال في تشكيل المجاميع المسلحة -أو ما يسميه الخصوم بالميليشيات-، فإذا توانت الدولة عن تأسيس جيش مدافع يمتلك القوة اللازمة لردع العدو، فإنَّ هذه المهمة تصبح وظيفة شرعية، وهو ما قام به علماء النجف في ثورة العشرين وما بعدها. وقد وثّق ذلك السيد عبد الهادي الحكيم في كتابه «الحضور الفاعل للمرجعية الدينية في الساحة السياسية العراقية»[11] ، حيث ذكر أنَّ أعلاماً من قبيل السيد أبي الحسن الأصفهاني[12] ، والميرزا النائيني[13] ، والشيخ محمد حسين الكمباني[14] ، والشيخ محمد مهدي الخالصي[15] ، وغيرهم من علماء النجف والكاظمية، قد أمروا بتشكيل مجاميع مسلحة، وذلك بعد أن تخاذلت الدولة الملكية التي قامت بعد الدولة العثمانية. فهم لم ينيطوا قرار الحرب وتشكيل المجاميع المسلحة بتقاعس الدولة.
تنبيه: هذه نقطة مهمة ينبغي الالتفات إليها، لأنَّ مدار البحث هو تفسير فتاوى الأعلام واستنباط القواعد العامة منها.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.